سودانيون يحيون ذكرى 19 ديسمبر ويطالبون بوقف الحرب

«الدعم السريع» تعلن السيطرة على بلدة «برنو» قرب كادوقلي بجنوب كردفان

حشود قادمة من مدينة عطبرة للاحتفال بذكرى الثورة مع نظرائهم في الخرطوم ديسمبر 2019 (أ.ف.ب)
حشود قادمة من مدينة عطبرة للاحتفال بذكرى الثورة مع نظرائهم في الخرطوم ديسمبر 2019 (أ.ف.ب)
TT

سودانيون يحيون ذكرى 19 ديسمبر ويطالبون بوقف الحرب

حشود قادمة من مدينة عطبرة للاحتفال بذكرى الثورة مع نظرائهم في الخرطوم ديسمبر 2019 (أ.ف.ب)
حشود قادمة من مدينة عطبرة للاحتفال بذكرى الثورة مع نظرائهم في الخرطوم ديسمبر 2019 (أ.ف.ب)

أحيا مدنيون سودانيون ذكرى ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي أسقطت نظام التيار الإسلامي، بوقفات احتجاجية في عدد من مدن البلاد، وإسفيرية (عبر الفضاء الإلكتروني/ الإنترنت)، طالبوا خلالها بوقف الحرب وعودة الحكم المدني، وفي غضون ذلك، أعلنت «قوات الدعم السريع» إكمال سيطرتها على بلدة «برنو» القريبة من مدينة «كادوقلي» عاصمة ولاية جنوب كردفان، وعززت انتشارها في المنطقة التي كان الجيش قد استعاد سيطرته عليها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وفي وقت تضيق فيه الحرب المجال العام، أحيا ناشطون سودانيون ذكرى انطلاق ثورة ديسمبر، بدعوات لمواكب ووقفات احتجاجية، و«تظاهرات إسفيرية» على منصات التواصل، جددوا خلالها دعوتهم لوقف الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي. وعلى الأرض، تداول ناشطون وتنسيقيات مرتبطة بـ«لجان المقاومة» منشورات تعبئة وتوثيق رمزي للذكرى.

بوستر نشر على موقع «فيسبوك» احتفالاً بذكرى ثورة 19 ديسمبر

وفي مدينة أم درمان، فرقت الشرطة بالغاز المسيل للدموع مئات الشباب الذين تجمعوا في بعض ميادين المدينة، وهتفوا بشعارات ديسمبر «حرية وسلام وعدالة»، و«العسكر للثكنات والجنجويد ينحل»، وطالبوا بوقف الحرب وعودة الحكم المدني.

وقال شاهد تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إن العشرات من لجان المقاومة تجمعوا في «ميدان الخليفة» بوسط أم درمان، وهتفوا بشعار الثورة «سلمية... سلمية... حرية وسلام وعدالة... الثورة خيار الشعب»، وطالبوا بوقف الحرب وعودة الحكم المدني، وإن الشرطة تصدت لهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات، فيما طاردت الشرطة مجموعات أخرى بساحة «الأزهري» قرب جسر شمبات.

تظاهرات في بورتسودان

وفي بورتسودان خرج العشرات من المحتجين ورفعوا لافتات طالبوا فيها بوقف الحرب، فيما ألقت الشرطة القبض على عدد من المحتجين في ولاية القضارف طالبوا بوقف الحرب. وبالتوازي مع ذلك، حضرت الذكرى على الإنترنت، وروجت مجموعات وصفحات متعددة لـ«تظاهرة إسفيرية»، وسط دعوات للنشر بالوسوم والشعارات، تؤكد أن الحرب استهدفت مكتسبات الثورة، واعتبرت إحياء ذكراها، تجديداً للتمسك بخيار الدولة المدنية وعودة العسكر للثكنات.

واعتبرت الاحتجاجات تحدياً لحملات القمع والتخوين التي يشنها أنصار النظام السابق والإسلاميون، وقال نشطاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفات الاحتجاجية المحدودة التي خرجت في بعض أنحاء البلاد، تعتبر تحدياً مباشراً لمناخ القمع والترهيب الذي يستهدف الرافضين للحرب والأصوات المدنية، وحملات التخوين والتنمر، والاتهامات بالتعاون مع «قوات الدعم السريع».

نموذج للدعوات للتظاهر والاحتجاج لإحياء ذكرى 19 ديسمبر

ويوافق يوم 19 ديسمبر تاريخ انطلاق موجة احتجاجات ديسمبر التي بدأت في 19 ديسمبر 2018 بمدينة عطبرة باحتجاجات طلابية على الغلاء وارتفاع أسعار الخبز، ثم تحولت لثورة شاملة في أنحاء البلاد كافة، انتهت بسقوط نظام عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، وأصبحت بعد انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ذكرى سنوية تستحضر مطالب السودانيين: «حرية، وسلام، وعدالة، الثورة خيار الشعب».

معارك كردفان

قالت «قوات الدعم السريع»، في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»، إن قواتها حققت الجمعة، انتصارات ميدانية مهمة، في بلدة «برنو» التابعة لمحلية الريف الشمالي الشرقي بولاية جنوب كردفان، بعد معارك شرسة. وأوضحت أن الجيش هاجم مواقعها القريبة من بلدة «برنو» بالمدفعية الثقيلة والمدرعات، فتصدت له قواتها المرابطة قريباً من البلدة، وألحقت به هزيمة كبيرة، وكبدته خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ثم تقدمت وبسطت سيطرتها الكاملة على المنطقة ودخلت وسط «برنو»، وارتكزت في محيطها، معززة انتشارها وتأمين مواقعها الحيوية.

وتقع منطقة «برنو» بولاية جنوب كردفان السودانية، وهي منطقة زراعية مهمة تبعد عن عاصمة الولاية بنحو 30 كيلومتراً، وكان الجيش قد سيطر على البلدة بعد اشتباكات عنيفة مع «قوات الدعم السريع» وحليفته الحركة الشعبية - الشمال، 17 نوفمبر الماضي.

حصار مدن كردفان

وتحاصر «قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان تيار عبد العزيز الحلو، معظم مدن ولاية جنوب كردفان المهمة، بما فيها العاصمة «كادوقلي» والمدينة الثانية في الولاية «الدلنج»، فيما تسيطر الحركة الشعبية على منطقة «كاودا» جنوب شرقي العاصمة كادوقلي، وتبعد عنها بنحو 96 كيلومتراً في جهة الجنوب الشرقي.

ومنذ استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفرقة 22 بابنوسة (ولاية غرب كردفان)، كثفت «قوات الدعم السريع» حصارها على ولاية جنوب كردفان، ودأبت على قصف مدنها الرئيسية المحاصرة، بالمدفعية الثقيلة والمسيّرات، خاصة مدينتي كادوقلي والدلنج، ويرد الجيش هو الآخر بقصف مدفعي وقصف المسيّرات على تمركزات «قوات الدعم السريع».

وخلال هذا الأسبوع، واصلت «قوات الدعم السريع» شن هجمات بالطائرات المسيّرة الانتحارية والقتالية، على عدة مدن وبلدات في ولايتي شمال وجنوب كردفان، خاصة مدن كادوقلي والدلنج والأبيض، لقي خلالها العشرات مصرعهم، من بينهم 6 من جنود قوات الأمم المتحدة في بعثة حفظ السلام «يونيسفا». وقصفت مسيّرات «الدعم السريع»، الخميس، مدينة «عطبرة» بشمال السودان، بأعداد كبيرة من المسيّرات الانتحارية، أودت بحياة خمسة أشخاص على الأقل، واستهدفت محطة الكهرباء بالمدينة، ما أدى لانقطاع التيار من عدد من ولايات البلاد.


مقالات ذات صلة

خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

شمال افريقيا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

تراجعت النبرة الحربية في خطابات قادة طرفي النزاع في السودان خلال معايدات عيد الأضحى، وقدموا خلالها رسائل تدعو إلى السلام والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مصلون يستمعون لخطبة صلاة عيد الأضحى بأحد مساجد الخرطوم (أ.ب)

البرهان: ترتيبات لحوار سياسي شامل داخل السودان

كشف رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، عن ترتيبات جارية لإطلاق حوار سياسي شامل داخل البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

العيد والحرب في السودان

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية الراسخة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا تلميذة سودانية ترفع كراستها أمام فصلها في مدرسة للاجئين في تاجوراء شرق العاصمة الليبية طرابلس يوم 18 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية على تخوم الكرمك في النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني استعادة منطقة البركة الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق الواقعة على تخوم مدينة الكرمك القريبة من الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)

ضبط عشرات «المهاجرين» على متن قاربين قبالة شاطئ طبرق الليبية

متطوعون من الهلال الأحمر الليبي يقدمون مساعدات إنسانية لمهاجرين غير نظاميين في ساحل مدينة طبرق الليبية (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر)
متطوعون من الهلال الأحمر الليبي يقدمون مساعدات إنسانية لمهاجرين غير نظاميين في ساحل مدينة طبرق الليبية (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر)
TT

ضبط عشرات «المهاجرين» على متن قاربين قبالة شاطئ طبرق الليبية

متطوعون من الهلال الأحمر الليبي يقدمون مساعدات إنسانية لمهاجرين غير نظاميين في ساحل مدينة طبرق الليبية (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر)
متطوعون من الهلال الأحمر الليبي يقدمون مساعدات إنسانية لمهاجرين غير نظاميين في ساحل مدينة طبرق الليبية (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر)

أعلنت السلطات في شرق ليبيا ضبط عشرات المهاجرين غير النظاميين على متن قاربين قبالة سواحل مدينة طبرق، في أحدث فصول أزمة الهجرة المتواصلة، التي تحوّلت معها السواحل الليبية إلى إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.

وقالت القوات الخاصة «الصاعقة» التابعة لـ«الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، الأربعاء، إنها تمكنت من توقيف مركب للهجرة غير النظامية كان يقل 36 مهاجراً قبالة الساحل الشرقي، بينما أعلنت إدارة أمن السواحل التابعة للجيش ضبط 28 مهاجراً آخرين في عملية منفصلة بالمنطقة نفسها.

وعقب عمليات الضبط تحركت فرق «الهلال الأحمر الليبي» بمدينة طبرق لتقديم الإسعافات الأولية والخدمات الإنسانية للمهاجرين، ضمن مشروع شراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، شمل تقديم الرعاية الصحية والدعم اللوجستي للموقوفين.

وتأتي هذه العمليات في وقت تشهد فيه السواحل الليبية نشاطاً متزايداً لمحاولات الهجرة غير النظامية، مستفيدة من تحسن الأحوال الجوية مع اقتراب فصل الصيف، وهو ما ينعكس في ارتفاع وتيرة محاولات العبور وحوادث الغرق والإنقاذ، خصوصاً على الساحل الشرقي للبلاد.

مهاجرون غير نظاميين لدى وصولهم إلى شاطئ مدينة طبرق في شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

وكان «الهلال الأحمر الليبي» قد أرجع تزايد معدلات الهجرة غير النظامية إلى اعتدال الطقس وهدوء البحر، ما يشجع شبكات التهريب والمهاجرين على استئناف رحلات العبور نحو الشواطئ الأوروبية.

وفي غرب البلاد، واصلت الأجهزة الأمنية التابعة لمركز إيواء المهاجرين غير النظاميين شرق العاصمة طرابلس تنفيذ دوريات مراقبة وتمشيط، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والخدمية الأخرى، ضمن خطة أمنية وضعتها مديرية أمن تاجوراء لتأمين نطاقها خلال أيام عيد الأضحى.

وتسعى السلطات الأمنية إلى تشديد الرقابة داخل العاصمة ومحيطها، في ظل مخاوف من تنامي بعض المظاهر المرتبطة بالجريمة والعنف، بالتزامن مع تنامي أعداد المهاجرين وتوسع انتشارهم في عدد من المدن الليبية.

هذه البيئة الأمنية المقلقة أذكت مخاوف لدى نشطاء ليبيين مما سموه «توطين المهاجرين في ليبيا»، وفي هذا السياق، أثار تسجيل مصور جرى تداوله على نطاق واسع حالة من الجدل والغضب بين الليبيين، بعدما أظهر شخصاً أفريقياً يتجول في شوارع منطقة جنزور غرب طرابلس حاملاً «سلاحاً أبيض»، ويعتدي على سيارات ومارة في الطريق، وفق ما أظهره المقطع المتداول.

وشن الناشط المدني الليبي، أسامة البوعيشي، نقداً لاذعاً لما اعتبره «تساهلاً من جانب السلطات مع هذه الواقعة»، فيما يعكس تصاعد المخاوف الشعبية من التداعيات الأمنية والاجتماعية، المرتبطة بملف الهجرة غير النظامية.

ولطالما سجلت السلطات في غرب وشرق ليبيا رفضها التام لما يعرف بـ«التوطين» في أكثر من مناسبة، وكان آخرها تصريح اللواء صلاح الخفيفي، رئيس جهاز مكافحة «الهجرة غير الشرعية» في شرق ليبيا، الذي قال إن بلاده «ترفض رفضاً قاطعاً» أي مشاريع أو مقترحات بهذا الشأن، مؤكداً أن الملف يرتبط بـ«السيادة الوطنية»، والحفاظ على التركيبة الديموغرافية والاجتماعية للبلاد.

يرى الباحث الليبي، محمد الأمين، أن خطر التوطين في ليبيا لا يرتبط باتفاق معلن، بل بتحول البلاد تدريجياً من نقطة عبور إلى ساحة بقاء طويل للمهاجرين، بفعل ضعف الدولة، وضعف الرقابة على الحدود، والانقسام السياسي، داعياً إلى سياسة سيادية تنظم الملف دون التخلي عن البعد الإنساني، وفق منشور عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك».

في المقابل، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الأربعاء، عودة 496 مهاجراً إلى بلدانهم ضمن برنامج «العودة الطوعية»، عبر ثلاث رحلات جوية نظمتها المنظمة خلال الأسبوع الحالي.

وانطلقت أولى الرحلات من مدينة سبها جنوب ليبيا، وعلى متنها 151 مهاجراً جرى إعادتهم إلى مدينتي كوتونو في بنين وأكرا في غانا.

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تحولت ليبيا إلى محطة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، مستفيدة من حالة الانقسام السياسي والانفلات الأمني، واتساع نشاط شبكات تهريب البشر العابرة للحدود.


انخفاض أسعار الدجاج والبيض في مصر... هل له علاقة بـ«نظام الطيبات»؟

الدواجن تعد من أنواع البروتين الأساسية للأسرة المصرية (صفحة متحدث وزارة الزراعة على فيسبوك)
الدواجن تعد من أنواع البروتين الأساسية للأسرة المصرية (صفحة متحدث وزارة الزراعة على فيسبوك)
TT

انخفاض أسعار الدجاج والبيض في مصر... هل له علاقة بـ«نظام الطيبات»؟

الدواجن تعد من أنواع البروتين الأساسية للأسرة المصرية (صفحة متحدث وزارة الزراعة على فيسبوك)
الدواجن تعد من أنواع البروتين الأساسية للأسرة المصرية (صفحة متحدث وزارة الزراعة على فيسبوك)

لا بيض... لا دواجن... لا ألبان ولا مخبوزات بالطحين الأبيض، جزء من قائمة ممنوعات في نظام «الطيبات» الغذائي الذي روَّج له الطبيب المصري المتوفى ضياء العوضي، ولاقى استحساناً وتشجيعاً من البعض، واستياءً واستهجاناً من البعض الآخر.

لكن ربما كان لهذا النظام أثر تجاري لم يكن في الحسبان؛ إذ تشهد أسعار الدواجن والبيض في مصر انخفاضاً حالياً، وتضج مواقع التواصل الاجتماعي بشكاوى تجار من كساد بضاعتهم بسبب ما أرجعوه إلى مقاطعة من جانب متبعي نظام «الطيبات»؛ ما أجبرهم على تعديل الأسعار كمحاولة لتنشيط حركة البيع.

وانتشر مقطع فيديو لصاحب منفذ بيع للبيض يعبّر فيه عن استيائه من تعليقات بعض الزبائن من أنصار «الطيبات» وتوجيههم اتهامات له ببيع «سموم» للناس، ما جعله يردد في انفعال لمن أظهروا سعادتهم بكساد بضاعته: «أنا ببيع بيض مش مخدرات».

وقال نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، ثروت الزيني، في تصريحات متلفزة إن حركة الأسعار مرتبطة ارتباطاً مباشراً «بقانون العرض والطلب والتغيرات الموسمية»، موضحاً أن السوق تشهد حالياً «موسم اللحم» بمناسبة عيد الأضحى، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الطلب على الدواجن، ومن ثم فإن تراجع الأسعار «يُعد حالة طبيعية ومؤقتة في هذه الفترة».

وانخفضت أسعار الدواجن البيضاء بنحو 25 في المائة على مدى 4 أسابيع، في حين تراجع سعر «كرتونة البيض» (التي تحوي 30 بيضة) بنحو 40 في المائة، إذ وصل السعر في المزرعة إلى 75 جنيهاً، بعد أن كان العام الماضي 155 جنيهاً. (الدولار يساوي 53 جنيهاً تقريباً)، واستقرت أسعار الدواجن، الخميس، في مصر عند نحو 70 جنيهاً للكيلوغرام في المزرعة، مقارنة بنحو 100 جنيه للكيلوغرام في نفس الفترة العام الماضي، وفق شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية.

«بلبلة غير مبررة»

وعما إذا كان تراجع الأسعار له علاقة بقرار البعض الامتناع عن تناول الدواجن والبيض، قال الزيني: «الدواجن آمنة، وهي البروتين الأول للأسرة المصرية»؛ وأكد أن ما يتردد عن حقنها بالهرمونات «عارٍ تماماً عن الصحة، ويفتقر إلى الأسس العلمية والمنطقية والاقتصادية».

وأضاف: «هذه الادعاءات المرتبطة بنظام الطيبات لا تعدو كونها مجرد شائعات تسبب بلبلة غير مبررة».

وتشهد منصات التواصل ادعاءات من مستخدمين بعدم أمان البيض والدواجن؛ ما دفعهم إلى الامتناع عنهما التزاماً بالتعليمات الغذائية التي يروج لها «نظام الطيبات».

أسعار الدواجن في مصر تراجعت بنحو 25 في المائة (صفحة اتحاد منتجي بيض المائدة وتربية الدواجن على فيسبوك)

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، دافعت فئات عديدة عن «الطيبات»، إلى جانب سرد البعض تجارب شخصية، مؤكدين أن «النظام ساعد على تحسين صحتهم». وفي المقابل، انتقد آخرون غياب الأدلة العلمية للنظام الغذائي، مشيرين إلى أن «اتباع أنظمة غذائية غير مثبتة تضر بالصحة العامة».

رئيس شعبة الدواجن بـ«اتحاد الغرف التجارية»، عبد العزيز السيد، ربط بين تراجع الأسعار وعوامل اقتصادية تتعلق بضعف القوة الشرائية، وتغير أنماط الاستهلاك خلال الفترة الحالية، خصوصاً مع توجه بعض الأسر لتقليل الإنفاق على البروتين الحيواني في ظل الظروف الاقتصادية وموسم الأضاحي.

أنماط الاستهلاك

تقول خبيرة الاقتصاد المنزلي الدكتورة روضة حمزة: «انخفاض أسعار الدجاج والبيض في مصر لا يمكن فصله تماماً عن انتشار توصيات نظام الطيبات عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ تأثر مستهلكون بالشائعات والرسائل الرقمية التي دعت إلى تقليل استهلاك هذه المنتجات».

ومع ذلك تشير إلى أن «العوامل الموسمية لعبت دوراً أساسياً، فمع دخول فصل الصيف تنخفض عادة أسعار الدواجن، ويتراجع سعر البيض بالتبعية، إضافة إلى أن موسم عيد الأضحى يقلل الاعتماد على الدواجن».

وتضيف قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن انتشار الحديث عن «نظام الطيبات» أسهم بالفعل في تغيير أنماط الاستهلاك لدى بعض الأسر، خصوصاً فيما يتعلق بالدجاج والبيض، وتتابع: «رغم أن تأثيره يبقى مؤقتاً، فإنه يعد مؤشراً خطيراً على قوة تأثير وسائل التواصل في تشكيل السلوك الغذائي على حساب العلم».

كساد تجارة البيض أثار شكاوى من منتجين وتجار (صفحة محافظة الدقهلية على فيسبوك)

وتؤكد مديرة «المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى»، الدكتورة هدى الملاح، أن غياب الدراسات الميدانية الدقيقة يجعل من الصعب إثبات أن نظام «الطيبات» أحدث تحولاً مباشراً في السلوك الاستهلاكي، لكنها أشارت إلى أن أنماط الاستهلاك تأثرت بعوامل نفسية واجتماعية لا تقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن إقبال البعض على هذا النظام يرتبط بعدة دوافع، مثل البحث عن حلول سهلة لأمراض مزمنة، والسأم من القيود الغذائية الصارمة، وارتفاع تكلفة العلاج والأدوية، محذرة من أن «هذا الميل يجعل بعض المستهلكين أكثر عرضة لتصديق محتوى غير دقيق، خصوصاً عندما يُقدَّم بلغة بسيطة توحي بالثقة».


خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تحول لافت في الخطاب السياسي المصاحب للحرب السودانية، بدت رسائل التهنئة بعيد الأضحى الصادرة عن قادة الجيش و«قوات الدعم السريع» أقل ميلاً إلى التصعيد العسكري، وأكثر اقتراباً من مفردات السلام والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في أبريل (نيسان) 2023.

وعكست خطابات العيد هذا العام تغيراً نسبياً في طبيعة الخطاب العام لدى طرفي القتال، بعد أشهر طويلة طغت خلالها لغة الحسم العسكري والوعيد، إذ ركزت الكلمات الرسمية على الأمن ووحدة البلاد ومعالجة التداعيات الإنسانية للحرب، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية توقف القتال المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وجاءت خطابات المعايدة بعد يوم واحد فقط من كلمة رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التي تحدث فيها عن الانفتاح على السلام وإنهاء الحرب، في مؤشر اعتبره مراقبون تحولاً نسبياً في الخطاب الرسمي تجاه الأزمة، التي تسببت في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وخلال أدائه صلاة عيد الأضحى بمدينة المتمة بولاية نهر النيل، جدد البرهان تهنئته للسودانيين بالمناسبة، معرباً عن أمله في أن يعيد الله العيد على البلاد وهي «تنعم بمزيد من الأمن والاستقرار والازدهار».

ورغم تمسك البرهان بخطاب الحرب، عبر حديثه عن «تطهير كامل أراضي البلاد من التمرد»، فإن كلمته ركزت بصورة أكبر على قضايا الأمن والاستقرار ووحدة البلاد، مشيداً بدور سكان المنطقة فيما وصفه بـ«نصرة السودان والتصدي للمؤامرات»، وهو ما عَدّه متابعون تحولاً جزئياً في أولويات الخطاب الرسمي، الذي ظل طوال الأشهر الماضية قائماً على التعبئة العسكرية والتصعيد.

الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

وفي السياق ذاته، قال عضو مجلس السيادة رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ركن ياسر العطا، في خطاب مقتضب بمناسبة العيد، إن السودانيين يتطلعون إلى «مزيد من الأمن والأمان والاستقرار»، موجهاً تهانيه إلى المواطنين داخل السودان وخارجه، وإلى اللاجئين السودانيين في دول المهجر، معرباً عن أمله في «عودة عاجلة إلى الوطن». وأشاد العطا بالقوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة، كما حيا قتلى الجيش، لكنه تجنب استخدام لغة تصعيدية مباشرة أو إطلاق تهديدات بمواصلة الحرب، مكتفياً بالإشارة إلى أن «النصر بات قريباً».

الفريق ركن شمس الدين كباشي خلال حفل تخرج مقاتلين جدد في مدينة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أما عضو مجلس السيادة ومستشار القائد العام للجيش الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، فقد أدى صلاة العيد في إحدى ثكنات الجيش بمدينة أم درمان، واكتفى بتبادل التهاني مع المصلين، متمنياً أن يعيد الله المناسبة على السودان بـ«الأمن والاستقرار والسلام»، من دون الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو عسكرية، في خطوة بدت مختلفة عن خطاباته السابقة التي اتسمت بلهجة أكثر حدة تجاه «قوات الدعم السريع».

في المقابل، خصص قائد «قوات الدعم السريع» الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) خطابه المطول، للحديث عن «السلام والعدالة والمواطنة المتساوية»، مؤكداً أن مستقبل السودان يجب أن يقوم على «دولة تتسع للجميع».

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ووصف حميدتي الحرب بأنها «معركة تاريخية» بين ما اعتبره مشروع الحركة الإسلامية ومشروع «السودان الجديد»، نافياً أن يكون الصراع «صراعاً على السلطة أو النفوذ»، ومؤكداً أن قواته تسعى إلى «بناء دولة المواطنة المتساوية». كما دعا إلى إعادة تأسيس الجيش السوداني على «أسس مهنية وقومية جديدة»، بعيداً عن «التسييس» الذي قال إن المؤسسة العسكرية عانت منه خلال العقود الماضية.

وشدد قائد «الدعم السريع» على رفض «العنصرية والقبلية والتهميش»، وتعهد بالعمل على بناء دولة تقوم على الحقوق المتساوية، إلى جانب مواصلة الجهود لتأمين الغذاء والدواء والخدمات الأساسية للمتضررين من الحرب، داعياً المجتمع الدولي ودول الجوار إلى دعم ما وصفه بـ«المشروع الوطني الجديد» في السودان.

ورغم استمرار الاتهامات المتبادلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن الانتهاكات الواسعة وجرائم الحرب، فإن خطابات عيد الأضحى هذا العام بدت أقل حدة مقارنة بالمناسبات السابقة، وأكثر ميلاً إلى استخدام مفردات السلام والاستقرار وعودة المدنيين إلى مناطقهم، في وقت تتعاظم فيه المخاوف من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية وتفاقم معاناة السكان.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، قُتل آلاف المدنيين، بينما اضطر ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، وسط تحذيرات أممية متكررة من خطر المجاعة وانهيار الأوضاع الإنسانية في عدد من المناطق، مع استمرار تعثر جهود التسوية السياسية ووقف إطلاق النار.