تكاليف المعيشة تهدد ترمب سياسياً رغم توقعات «الفيدرالي» بتباطؤ التضخم

دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تكاليف المعيشة تهدد ترمب سياسياً رغم توقعات «الفيدرالي» بتباطؤ التضخم

دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث خلال حفل تقديم ميدالية الدفاع على الحدود المكسيكية في المكتب البيضاوي يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)

حتى في حال تباطؤ التضخم خلال العام المقبل كما يتوقّع «الاحتياطي الفيدرالي»، سيواجه الرئيس دونالد ترمب رياحاً سياسية معاكسة، بسبب أزمة القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة. فمعدلات الرهن العقاري مرشحة للبقاء مرتفعة نسبياً، والزيادات السعرية المرتبطة بالرسوم الجمركية تبدو مستمرة في الجزء الأول من العام، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، مثل لحم البقر والكهرباء، وهي عناصر تترك أثراً كبيراً في نظرة المستهلكين.

انخفاض التضخم وتسارع النمو

وقد كشفت التوقعات الاقتصادية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الصادرة يوم الأربعاء الماضي عن مؤشرات إيجابية للإدارة الأميركية، مع توقع تراجع التضخم وتسارع النمو الاقتصادي خلال العام المقبل، وفق «رويترز».

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، إن «مسار التباطؤ التضخمي لا يزال مستمراً» في معظم قطاعات الخدمات التي تشكل غالبية النشاط الاقتصادي، بينما يُتوقع أن تتراجع أسعار السلع في النصف الثاني من عام 2026 مع اكتمال عملية توزيع تكاليف الرسوم الجمركية بين المستهلكين والمورِّدين وهوامش الربحية. ولكن في عام انتخابي مهم، يواجه ترمب والجمهوريون التحدي القديم ذاته: فالمستهلكون -أي الناخبون- يولون اهتماماً أقل للمؤشرات الاقتصادية الكلية التي يراقبها الاقتصاديون، ويركِّزون أكثر على الأسعار اليومية في متجر البقالة، وفواتير الكهرباء، وتكاليف التأمين على المنازل.

ورغم ذلك، يمكن لترمب الإشارة إلى أن التضخم العام ظل معتدلاً منذ توليه منصبه. فمؤشر أسعار المستهلكين ارتفع من يوم تنصيبه وحتى سبتمبر (أيلول) بنحو 1.6 في المائة، أي ما يعادل وتيرة سنوية تقارب 2.4 في المائة، وهي ليست بعيدة عن هدف التضخم البالغ 2 في المائة، رغم اختلاف المنهجية. كما ارتفعت أسعار الغذاء المنزلي بنسبة 1.4 في المائة فقط.

غير أن الأسعار لم تنخفض كما وعد ترمب خلال حملته الانتخابية وفي بدايات ولايته، ولا يزال المستهلكون يكابدون موجات متتالية من «صدمة الأسعار» التي استمرت لما يقارب 5 سنوات.

وقد شهدت بعض مكونات مؤشر أسعار المستهلكين قفزات حادة في الأشهر الأخيرة، ما قد يحوِّل أسعار اللحوم إلى ورقة سياسية بيد الديمقراطيين، تماماً كما كانت أسعار البيض ضد ترمب العام الماضي.

يتجول المتسوقون في متجر «هوم ديبو» لمستلزمات البناء (أرشيفية- رويترز)

ففي سبتمبر، ارتفع سعر اللحم المفروم بنسبة 14 في المائة مقارنة ببداية فترة ترمب؛ وارتفعت أسعار الكهرباء بأكثر من 4 في المائة -أي بنحو 6 في المائة على أساس سنوي- مع توقع كثير من المحللين استمرار الصعود؛ بينما كانت أقساط التأمين على المنازل ترتفع بوتيرة تقارب 10 في المائة سنوياً.

سوق الإسكان تحت الضغط

قدَّم باول في تصريحاته عدداً من الإشارات التحذيرية التي تؤكد أن الجدل حول القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة سيستمر.

وأشار باول إلى أن سوق الإسكان يبقى أحد أكثر أجزاء الاقتصاد ضغطاً؛ حيث لا يبدو أن خفض الفائدة مؤخراً سيمنح قطاع الإسكان انفراجة كبيرة. ورغم تأثير سعر الفائدة القياسي على معدلات الرهن طويلة الأجل وسندات الخزينة والأوراق المالية الأخرى، أوضح باول أن الأزمة الحقيقية تكمن في نقص مزمن في معروض المساكن.

وبعد أن اقتربت معدلات الرهن العقاري من 8 في المائة قبل أكثر من عامين تراجعت؛ لكنها استقرت حول 6.2 في المائة منذ سبتمبر، في ظل تسعير المستثمرين لثلاث تخفيضات متتالية للفائدة في سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول). ومع توقف دورة الخفض حالياً، واستمرار الضغوط على معدلات الفائدة طويلة الأجل، قد تبقى هذه المعدلات مرتفعة خلال الفترة المقبلة.

وأفادت شركة «ريدفين» العقارية هذا الأسبوع بأن البائعين والمشترين يتراجعون معاً، رغم استمرار ارتفاع الأسعار، بينما يُرجَّح أن تظل معدلات الرهن «ثابتة إلى حد بعيد في المدى القريب».

ولا تزال معدلات الرهن أعلى بكثير من المستويات المنخفضة للغاية التي سادت لقرابة 15 عاماً عقب الأزمة المالية في 2007-2009، حين تبنى «الفيدرالي» سياسة خاصة لخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وظائف البناء والصناعة تواجه ركوداً

ومن دون ركود حاد أو اضطراب مالي كبير، من غير المحتمل عودة معدلات الرهن إلى ما دون 3 في المائة. ولا تزال تبعات انهيار سوق الإسكان إبان تلك الأزمة تنعكس في شكل سنوات من نقص البناء.

وقال باول: «لم نُشيد ما يكفي من المساكن منذ فترة طويلة... يمكننا رفع وخفض أسعار الفائدة، ولكن ليست لدينا الأدوات لمعالجة نقص هيكلي في المعروض السكني».

وتظل القدرة على شراء المنازل قضية محورية للأسر الشابة والعاملين الذين أجَّل كثير منهم شراء منازلهم وبالتالي زيادة ثرواتهم.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يعقد مؤتمراً صحافياً بعد خفض الفائدة في واشنطن يوم 10 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

وتُظهر البيانات الأخيرة لمكتب الإحصاء -والمتأخرة بسبب إغلاق الحكومة — أنه في أغسطس (آب) كانت تصاريح البناء الجديدة أقل بنسبة 11 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجع بدء البناء بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كما استقرت وظائف البناء التي بلغت ذروتها في منتصف 2022 خلال التعافي من الجائحة، عند نحو 8.3 مليون وظيفة منذ يناير (كانون الثاني).

وتراجعت كذلك الوظائف الصناعية التي تعهد ترمب بإحيائها؛ إذ فقد قطاع التصنيع نحو 50 ألف وظيفة بين يناير وسبتمبر، بينما خسر قطاع التعدين وقطع الأخشاب نحو 15 ألف وظيفة.

وعلى الجانب الإيجابي، ارتفعت الأجور بالساعة بوتيرة تفوق التضخم، كما تباطأ ارتفاع الإيجارات إلى مستويات أقرب للاتجاهات التاريخية السابقة للجائحة.

لكن هذه التطورات لم تُنعش معنويات الجمهور.

فبعد سنوات من الاستقرار أو التراجع بفعل العولمة، عادت أسعار السلع إلى الارتفاع بعد فرض الرسوم الجمركية، وحتى لو كان هذا الاتجاه مؤقتاً، فإنه فرض عبئاً مالياً على المستهلكين خلال موسم العطلات.

وانعكس هذا في استطلاعات الرأي. فقد أظهر أحدث استطلاع للأسر لدى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك انخفاض نسبة من يشعرون بأن أوضاعهم أفضل من العام الماضي، أو يتوقعون تحسن أوضاعهم في العام المقبل، مع وصول المستويين إلى ما كانا عليه خلال رئاسة جو بايدن.

كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك في جامعة ميشيغان بعد ارتفاعه عقب انتخاب ترمب. ورغم ارتفاع طفيف في ديسمبر، قالت مديرة الاستطلاع، جوان هسو، إن «النبرة العامة للمشاعر لا تزال قاتمة؛ إذ يواصل المستهلكون الإشارة إلى عبء الأسعار المرتفعة».


مقالات ذات صلة

توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

الاقتصاد زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)

توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

تتجه أنظار الأوساط المالية العالمية يوم الأربعاء نحو وزارة العمل الأميركية، ترقباً لإصدار بيانات مؤشر أسعار المستهلكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني (رويترز)

الدولار يستقر وسط التوترات الأميركية الإيرانية... والين يترنح عند مستوى 160

حافظ الدولار الأميركي على استقراره وتماسكه أمام سلة من العملات الرئيسية خلال تعاملات يوم الأربعاء، عقب الغارات التي شنتها أميركا ضد أهداف إيرانية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفينة محمّلة بحاويات شحن خلال تفريغها على أحد الأرصفة بميناء «نيوآرك» في ولاية نيوجيرسي الأميركية (رويترز)

انتعاش صادرات النفط يقلّص العجز التجاري الأميركي في أبريل

تقلّص العجز التجاري للولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أبريل (نيسان) الماضي؛ بدعم من ارتفاع صادرات الطاقة وسط اضطرابات الإمدادات العالمية الناجمة عن حرب إيران...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد منظر عام لبورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أسهم الرقائق تقود مكاسب العقود الآجلة الأميركية قبل صدور بيانات التضخم

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية، خلال تعاملات ما قبل افتتاح جلسة الثلاثاء، مدعومة باستمرار موجة التعافي في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية لليوم الثاني.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متسوقون يتجولون في سوق «إيسترن ماركت» في واشنطن (رويترز)

بسبب مخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية… تراجع تفاؤل الأعمال الصغيرة في أميركا

تراجعت معنويات أصحاب الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة في مايو (أيار)، وارتفعت نسبة أصحاب الأعمال الذين يخططون لرفع الأسعار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
TT

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)

واصلت أسعار النفط العالمية قفزاتها السريعة في التعاملات الفورية يوم الأربعاء، لتسجل مكاسب قوية فور صدور تصريحات وصفت بالمشددة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدّد فيها بشن ضربات عسكرية جديدة ضد أهداف حيوية في إيران، مما أشعل المخاوف مجدداً في أسواق الطاقة العالمية من تفاقم الصراع الإقليمي وتعميق أزمة الإمدادات.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة 1.8 في المائة، ليتجاوز سعره حاجز 93 دولاراً للبرميل. وفي السياق ذاته، عزز خام غرب تكساس الوسيط (الخام الأميركي الخفيف) من مكاسبه مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2 في المائة، ليصل إلى مستوى 90 دولاراً للبرميل، وسط إقبال واسع من المستثمرين على تحوط مراكزهم المالية لمواجهة أي قفزات مفاجئة في كُلف الطاقة.

وجاء هذا الاشتعال المفاجئ في الأسواق عقب تصريحات أدلى بها ترمب في مقابلة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية ونقلتها وكالة «رويترز»، أشار فيها إلى أنه قد يصدر أوامر بشن ضربات عسكرية جديدة تستهدف محطات الطاقة والجسور الحيوية في إيران.

وعزا ترمب لجوءه إلى هذا الخيار التحذيري الصارم إلى أن طهران تستغرق وقتاً أطول مما ينبغي وتتباطأ في المضي قدماً نحو إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الصراع الجاري، وهو ما اعتبره المتابعون مؤشراً على دخول حرب الخليج الثالثة مرحلة جديدة من التصعيد التشغيلي الذي قد يطال البنية التحتية الأساسية للطاقة في المنطقة.


«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
TT

«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)

تستعد شركة «سبايس إكس»، التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، لدخول التاريخ المالي العالمي من أوسع أبوابه، بعدما اجتذب اكتتابها العام الأولي طلبات شراء تجاوزت 250 مليار دولار، في حين لا تستهدف الشركة جمع أكثر من 75 مليار دولار؛ مما يجعل الطرح مرشحاً ليصبح الأكبر في تاريخ أسواق المال العالمية.

وتشير مصادر مصرفية ومستثمرون مشاركون في عملية التسويق إلى أن الاكتتاب تجاوز حجمه المستهدف بما يتراوح بين 3.5 ضعف و4 أضعاف، وهو مستوى طلب نادر حتى في أكبر الطروحات العالمية، ويعكس الرهان الاستثنائي للمستثمرين على مستقبل الشركة التي أعادت رسم ملامح صناعة الفضاء خلال العقدين الماضيين.

وتتوقع الأسواق أن يتم تسعير الطرح النهائي الخميس، على أن تُحدد بعد ذلك الحصص النهائية للمستثمرين المؤسسيين والأفراد، في وقت لا تزال فيه طلبات جديدة تتدفق على مديري الاكتتاب بقيادة «مورغان ستانلي».

ووفق مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، فإن صناديق استثمار طويلة الأجل قدمت طلبات شراء ضخمة، فيما شارك ماسك شخصياً لفترات وجيزة في اجتماعات افتراضية مع مستثمرين محتملين خلال الجولة الترويجية للاكتتاب. كما استضاف «مورغان ستانلي» اجتماع غداء موسعاً في مانهاتن حضره نحو 300 مستثمر مؤسسي، بمشاركة رئيسة «سبايس إكس» غوين شوتويل، والمدير المالي بريت جونسون، في مؤشر على حجم الاهتمام غير المسبوق بالطرح.

إطلاق صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبايس إكس» من قاعدة «كيب كانفيرال» بولاية فلوريدا الأميركية (أ.ف.ب)

طلب استثنائي رغم اضطراب الأسواق

يأتي هذا الإقبال في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من التقلب الحاد. فقد تعرض مؤشر «ناسداك» لضغوط بيعية قوية خلال الأيام الماضية، كما تراجع سعر «بتكوين» إلى مستويات تقل بنحو 37 في المائة عن الذروة التي سجلها مطلع العام... بل إن بعض المحللين ربطوا جانباً من موجة البيع الأخيرة في الأسواق بعمليات تسييل أصول من قبل مستثمرين يسعون لتوفير السيولة اللازمة للمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس».

ويعكس ذلك حجم الجاذبية التي يمثلها الطرح بالنسبة إلى المؤسسات الاستثمارية العالمية، التي تنظر إلى الشركة ليس فقط بوصفها شركة إطلاق صواريخ، وإنما منصة تكنولوجية عملاقة قد تستفيد من عدد من أكبر التحولات الاقتصادية خلال العقود المقبلة.

من الصواريخ إلى الذكاء الاصطناعي

وخلال الوثائق والعروض الترويجية المقدمة للمستثمرين، ركزت «سبايس إكس» على 3 محركات رئيسية للنمو المستقبلي: خدمات الإنترنت الفضائي عبر «ستارلينك»، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الحاسوبية في الفضاء.

وتقول الشركة إنها أصبحت اللاعب المهيمن عالمياً في سوق الإطلاق الفضائي، بعدما استحوذت خلال السنوات الثلاث الماضية على أكبر حصة من الكتل المرسلة إلى المدار مقارنة بأي جهة أخرى في العالم. لكن الرهان الأكبر بالنسبة إلى المستثمرين لا يرتبط بالصواريخ وحدها؛ فالشركة تروج لرؤية تعدّ أن مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي سيحتاج إلى طاقات حوسبة وكهرباء تفوق بكثير ما تستطيع البنية التحتية الأرضية الحالية توفيره.

نماذج لصواريخ «ستارشيب» في قاعدة «سبايس إكس» بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

وتشير «سبايس إكس» إلى أن الولايات المتحدة بدأت تتخلف عن الصين في وتيرة توسع قدرات توليد الكهرباء والبنية الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملاقة. ومن هنا تطرح الشركة تصوراً طموحاً يقوم على بناء مراكز بيانات وبنى تحتية حاسوبية في الفضاء، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإطلاق التي حققتها عبر إعادة استخدام الصواريخ.

وتقدّر الشركة أن الفرصة السوقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 23 تريليون دولار مستقبلاً، مؤكدة أنها تمتلك موقعاً فريداً يؤهلها للاستفادة من هذا التحول. وفي الوقت نفسه، تواصل «ستارلينك» لعب دور أساسي في قصة النمو، حيث تؤكد الشركة أنها تسعى إلى ربط أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم لا يزالون خارج نطاق خدمات الإنترنت عالية الجودة.

تمويل أحلام المريخ

لا يقتصر الطرح على تمويل عمليات الشركة الحالية، بل يرتبط أيضاً بأعلى مشروعات ماسك طموحاً. فوفق مصادر مطلعة، فإن من المتوقع أن تُستخدم حصيلة الطرح في تمويل تطوير مراكز البيانات الفضائية وتسريع برامج استكشاف الفضاء، بما في ذلك خطط إرسال البشر والبضائع إلى المريخ عبر صاروخ «ستارشيب». ويُعدّ «ستارشيب» أكبر صاروخ جرى تطويره في التاريخ، وتراهن عليه الشركة ليكون حجر الأساس في خطط الاستيطان البشري خارج الأرض.

ظاهرة مالية عالمية

ولم يقتصر تأثير الاكتتاب على الأسواق الأميركية وحدها... ففي كوريا الجنوبية، كشفت مصادر مصرفية عن أن طلبات شراء الدولار المرتبطة بالمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس» بلغت ما بين 1.2 و1.5 مليار دولار. وأدى هذا الطلب الاستثنائي على العملة الأميركية إلى ضغوط ملحوظة على الوون الكوري، الذي هبط إلى أدنى مستوياته في 17 عاماً خلال الأسابيع الأخيرة. ويُعدّ هذا الرقم ضخماً بالنسبة إلى سوق «الدولار/ وون»، الذي يبلغ متوسط التداول اليومي فيه نحو 14 مليار دولار فقط. وقال مصدر مطلع إن معظم عمليات شراء الدولار المرتبطة بالاكتتاب وصل إلى مراحله النهائية؛ مما خفف الضغوط على العملة الكورية وأعاد بعض الاستقرار إلى السوق. ويعكس ذلك مدى اتساع المشاركة الدولية في الطرح؛ إذ لم يعد الاكتتاب حدثاً أميركياً فقط، بل تحول ظاهرةً استثمارية عالمية تستقطب رؤوس الأموال من مختلف القارات.

شعار شركة «سبايس إكس» وظل إيلون ماسك (رويترز)

ماسك بين السياسة والأسواق

ويأتي الاكتتاب أيضاً في مرحلة مفصلية من مسيرة إيلون ماسك الشخصية والمهنية. فبعد سنوات من الجدل السياسي، ودوره المثير للانقسام داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتراجع الملحوظ في أداء «تسلا»، يحاول ماسك إعادة تركيز اهتمام المستثمرين على مشروعاته التكنولوجية طويلة الأجل. وخلال العام الحالي، عزز ماسك حضوره في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر شركته «إكس إيه آي (xAI)»، التي أصبحت جزءاً أساسياً من رؤيته المستقبلية. كما استحوذت «سبايس إكس» على أصول مرتبطة بأنشطة الذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى دمج قدرات الحوسبة المتقدمة مع البنية التحتية الفضائية التي تطورها الشركة. ويرى مستثمرون أن الاكتتاب يمثل في جوهره تصويتاً على رؤية ماسك طويلة المدى أكثر من أنه استثمار في شركة فضاء تقليدية.

اختبار تاريخي

ورغم الزخم الهائل المحيط بالطرح، فإن التحديات لا تزال قائمة. فالتقييمات المرتفعة للغاية تفرض ضغوطاً على الشركة لتحقيق معدلات نمو

استثنائية لسنوات طويلة، كما أن كثيراً من المشروعات التي تروج لها، وعلى رأسها مراكز البيانات الفضائية واستيطان المريخ، لا تزال في مراحل مبكرة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل تحقيق عوائد ملموسة. لكن حجم الطلب الحالي يشير إلى أن الأسواق مستعدة لمنح ماسك وشركته هامشاً واسعاً من الثقة. فإذا تم الاكتتاب وفق الأرقام المتداولة حالياً، فلن يكون مجرد أكبر طرح عام أولي في التاريخ، بل قد يمثل لحظة فارقة في انتقال أسواق المال من الرهان على شركات التكنولوجيا التقليدية إلى الاستثمار في اقتصاد الفضاء والذكاء الاصطناعي بوصفهما المحركين الرئيسيين للنمو خلال العقود المقبلة.

وبالنسبة إلى «سبايس إكس»، فإن نجاح الاكتتاب لن يعني فقط جمع عشرات المليارات من الدولارات، بل سيمنح الشركة الموارد اللازمة لتحويل بعض أكبر الأفكار جرأة في عالم التكنولوجيا مشروعاتٍ قابلةً للتنفيذ؛ من الإنترنت الفضائي إلى الحوسبة المدارية، وصولاً إلى حلم ماسك الأكبر: جعل البشر يعيشون على كوكب آخر.


المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
TT

المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)

تشكل تكاليف الطاقة المرتفعة عبئاً ثقيلاً على مزارعي الحبوب وفول الصويا في أنحاء الحزام الزراعي الأميركي؛ إذ تؤدي الحرب على إيران إلى خنق إمدادات الوقود عبر مضيق هرمز، ودفع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في الولايات الزراعية الرئيسية.

وكان عدد كبير من المزارعين يعانون بالفعل من ضغوط قبل اندلاع الحرب، وباتوا الآن يواجهون تقلص هوامش الربح لديهم للعام الرابع على التوالي، متأثرين بعودة الجفاف وتكاليف المدخلات المرتفعة وتداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية، التي أثرت سلباً على أسعار المحاصيل.

ودفعت الحرب أسعار الديزل في ولايات عدة عبر منطقة الغرب الأوسط -وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة- إلى مستويات قياسية جديدة في مايو (أيار) في وقت كثف خلاله المزارعون عمليات الزراعة والأعمال الميدانية الأخرى في الربيع.

ووصل سعر الديزل في ولاية ويسكونسن إلى 5.873 دولار للغالون، وفي ولاية إنديانا إلى 6.167 دولار، وفي ولاية إيلينوي إلى 6.14 دولار في منتصف مايو. وتشير بيانات جمعية السيارات الأميركية إلى تسجيل ولايتَي أوهايو وميشيغان أرقاماً قياسية.

وارتفع متوسط سعر الديزل على الصعيد الوطني بأكثر من 40 في المائة، منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وقفزت أسعار النفط الخام العالمية التي تشكل أساس أسعار الديزل والبنزين بنحو 30 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط).

مزارع يضخ وقود الديزل في صهريج وقود لنقله إلى مزرعته في هاربر بولاية كانساس (رويترز)

ويُستخدم الديزل في المزارع الأميركية لتشغيل المعدات اللازمة للعمليات الحيوية، بدءاً من رش المبيدات الحشرية وزرع البذور، إلى تسميد الحقول وحصاد المحاصيل.

وعلى عكس القطاعات الأخرى التي يمكنها التبديل بين أنواع الوقود، فإن معظم الآلات الزراعية في الولايات المتحدة مصممة لتعمل بالديزل، مما يجعل المزارعين معرضين بشدة لتقلبات أسعار الديزل.

وقال غلين برانكو الذي يزرع فول الصويا ويربي الماشية في واميغو بولاية كانساس «إنها تكلفة باهظة. ليس هناك كثير مما يمكننا فعله حيال ذلك، ولم نكن نضع ميزانية لذلك. جاء الأمر بغتة وفاجأنا».

وقال بن كليف المحلل لدى شركة «بنشمارك» مستشهداً بتقديرات جامعة إيلينوي، إن النفقات المتعلقة بالوقود كانت تمثل قبل الحرب نحو 3 إلى 4 في المائة من تكاليف مدخلات المزارع العادي في إيلينوي، أو ما يتراوح بين 16 و23 دولاراً للفدان.

وأضاف أن التكاليف المتعلقة بالوقود قد ترتفع إلى 5- 6 في المائة من إجمالي تكاليف المدخلات، أو من متوسط 20 دولاراً إلى 30 دولاراً للفدان على مزارعي محاصيل الحقول، إذا بقيت أسعار الديزل عند مستواها الحالي.

وتابع: «الوضع الحالي صعب للغاية بالنسبة لمزارعي محاصيل الحقول... انخفضت أسعار الحبوب التي يزرعونها انخفاضاً حاداً في الأسابيع القليلة الماضية، وهي في الواقع أقل من مستويات ما قبل الحرب مع إيران، في حين تظل تكاليف المدخلات مثل الديزل والأسمدة أعلى بكثير، مما يؤدي إلى تراجع أرباحهم بنحو متزايد».