«مش مهم الاسم»... مُخرجة المسلسل تتحدّث عن الكواليس والممثلين

ليال ميلاد راجحة لـ«الشرق الأوسط»: الشخصيات قبل القصة والمشاعر هي روح العمل

الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
TT

«مش مهم الاسم»... مُخرجة المسلسل تتحدّث عن الكواليس والممثلين

الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)

مقابل فائض الدراما، لا بدّ من فسحة تلفزيونية خالية من الدموع. متسلّحاً بطابعٍ شبابيّ وبصورةٍ عصرية، دخل مسلسل «مش مهم الاسم» البيوت العربية عبر منصة «شاهد».

منذ انطلاقة حلقاته الـ15، بدا العمل واعداً بمجموعةٍ من العناصر الجذّابة؛ بدءاً بالكوميديا الخفيفة، مروراً بقصة الحب المتأرجحة بين الممكن والمستحيل، انتقالاً إلى اللغز والتشويق، وليس انتهاءً بالحبكات الفرعية المُستوحاة من واقع المجتمع.

يكمن أحد مفاتيح جاذبيّة المسلسل كذلك في أنه يجعل من شخصياته، أكانت أساسية أم ثانوية، محوَر الحرَكة والأحداث في الشكل والمضمون. تُسِرّ مخرجة «مش مهم الاسم» ليال ميلاد راجحة بأنها تعمّدت «التركيز على الشخصيات أكثر من القصة». تشرح راجحة في حوار مع «الشرق الأوسط»، أنها وضعت الممثلين في عين الكاميرا، وعملت معهم واحداً واحداً على هويّة الشخصية وأبعادها النفسية ومشاعرها الإنسانية. «كان يجب أن تأخذ كل شخصية حقها وتصبح أقرب شيءٍ ممكن من الحقيقة، وهذا أحد أسرار الخلطة الإخراجية في هذا المسلسل»، تضيف راجحة.

من بين مكوّنات الفرادة كذلك في «مش مهم الاسم»، ثنائيّ البطولة الذي جمع الممثل السوري معتصم النهار والممثلة اللبنانية الأردنية أندريا طايع. لا تُخفي المخرجة أنّ جزءاً كبيراً من التعليقات التي وردتها من المشاهدين تمحوَر حول فارق السنّ بين البطلَين، «لكن مع مرور الحلقات استوعب الجمهور أن الممثلَين قادران على الالتقاء في منتصف الطريق».

المخرجة ليال م. راجحة خلال التحضير لمشهد مع معتصم النهار وفريق العمل (صور راجحة)

النهار في مطلع الأربعين وفي أوج رحلةٍ دراميّة ثرية، أما طايع ففي منتصف العشرينيات وآتية من تجربة مميزة في مسلسل «مدرسة الروابي». إلا أنّ رهان شركة الإنتاج «سيدارز آرت - الصبّاح إخوان» على هذا الثنائيّ الخارج عن المألوف في الدراما العربية كان في محلّه. فلا فارق السنّ ولا تفاوت الخبرات حال دون حدوث كيمياءٍ بينهما على الشاشة، كانت كافية لإقناع الجمهور بصدقِ المشاعر بين «لارا» ابنة العائلة الثرية، و«يزَن» موظف «الفاليه باركينغ».

قد يبدو لبُّ الحكاية، التي كتبتها كلوديا مرشليان، بالتعاون مع ورشة «شركة الصبّاح»، تقليدياً؛ إنها قصة حبٍ بين شابٍ فقير وفتاةٍ تنتمي إلى طبقة اجتماعية مرتاحة مادياً. إلا أنّ كل الحبكات المتفرّعة عنها تُنقذ المسلسل من النمطيّة.

رغم فارق السن التقى الممثلان في منتصف الطريق (شركة الصبّاح)

«كل شيء يبدأ في الورق وفي الكتابة بإحساس»، هذه قناعة المخرجة ليال م. راجحة التي وجدت في سيناريو «مش مهم الاسم» محتوىً كثيفاً ومُقنِعاً يمكن التعويل عليه إخراجياً. في جلساتها التحضيريّة مع الممثلين، طوّروا معاً قوس الشخصية، وهي أفردت لهم مساحة كي يقترحوا إضافاتهم الخاصة والعلامات الفارقة في الشخصيات التي سيؤدّون، من بينها على سبيل المثال لازمة أغنية «بيلا تشاو» التي غالباً ما تعود على لسان معتصم النهار بكلامٍ غير دقيق ومبعثر، في مشاهد مثيرة للضحك.

يفتتح المسلسل على ما هو غير متوقع. بين ليلة وضحاها، يتحوّل يزَن من عامل ركن سيارات في فندق إلى منتحل صفة ابن رجل ثري. يكلّفه الأخير بمهمة سرية عليه بموجبها أن يفضح مخططات شقيقة الرجل وعائلتها. بالموازاة، تنمو قصة حبٍ معقّدة بينه وبين لارا، الآتية من لندن إلى بيروت في مهمة مهنية دقيقة هي الأخرى.

في جلسات تحضيرية مع الممثلين، طوّرت راجحة قوس الشخصية (صور راجحة)

ما بين الألغاز ودقّات القلب، حبكاتٌ متفرّعة تتطرق إلى عدد من القضايا الاجتماعية. نتعرّف على «سالي» (الممثلة جينا أبو زيد)، صديقة لارا، التي تربطها علاقة عاطفية بربّ عملها المتزوّج «الدكتور هشام» (الممثل دوري السمراني). أما «سمر» (الممثلة رولا بقسماطي) فهي صديقة يزَن وتعاني من افتراقها عن ابنتها بسبب خيانتها لزوجها «شريف» (الممثل رودريغ سليمان)؛ وهذه من المرات النادرة التي يتطرق فيها مسلسل عربي إلى قضية خيانة الأنثى للذكر وليس العكس.

رغم غلافه الكوميدي الخفيف، فإنّ المسلسل لا يتردد في التعامل مع مظاهر النفاق المجتمعي والإنساني كالخيانة، وادّعاء الثراء، وتأجير المشاعر مقابل المال. توضح راجحة في هذا السياق أن «مش مهم الاسم» ينتمي إلى فئة «الدرامدي» (الدراما الكوميدية)، إذ «تتماهى فيه الكوميديا السوداء مع الحياة الواقعية»، تضيف المخرجة: «صحيح أن الأحداث أحياناً تدخل منطقة اللا منطق، إلا أنّ في كل شخصية من شخصياته انعكاساً لأفراد المجتمع الحقيقي».

ليزا دبس، رودريغ سليمان، ورولا بقسماطي من بين ممثلي «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)

تولّت راجحة اختيار فريق الممثلين، وهم شكّلوا أحد عناصر قوة المسلسل. كباراً وصغاراً، مخضرمين وصاعدين، أدّى جميع الفنانين من دون استثناء أدوارهم بتماسُكٍ واحتراف كبيرَين. وتُعِدّ راجحة نفسها محظوظة بأنها تعاملت في «مش مهم الاسم» مع أسماء عتيقة في المهنة، مثل أسعد حداد، وجوزيف آصاف، وعلي خليل، وأليكو داوود.

يراهن المسلسل كذلك على إيقاعه السريع، وتؤكد راجحة ألّا موسم ثانياً بما أنّ الأحداث ستُختتم بحلول الحلقة 15، من دون أن تفصح المخرجة عمّا إذا كانت النهاية سعيدة أم حزينة. لكنّ المؤكد أن التطورات لن ينقصها التشويق، أما المشاعر فستتبلور أكثر بين يزَن ولارا.

مخضرمين وصاعدين، قدّم الممثلون أداءً متماسكاً ومحترفاً (شركة الصبّاح)

على امتداد حلقاته، يحافظ «مش مهم الاسم» على طاقته الشبابية، التي تُحاكي الجيل الجديد، المستهلك الأول لمنصات البث. وكان لأندريا طايع (24 سنة) دور أساسي في تكريس تلك الصورة المعاصرة للمسلسل.

عن التعامل معها كممثلة، تقول راجحة إنها «تصغي جيداً وترغب في التطوّر. كما أنها على طبيعتها وتشبه نفسها. هي جميلة من دون تجميل، ونحن نفتقد إلى ذلك على الشاشات العربية». أما معتصم النهار، فقدّم من جانبه أداءً آسراً مستنداً إلى ظُرفه وتمكّنه من شخصية الشاب البسيط، ابن البيئة المتواضعة. وتلفت راجحة أنّ «خفّة دمه الطبيعية» شكّلت رافعة أساسية بالنسبة للمسلسل.


مقالات ذات صلة

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

أعلنت «SRMG» فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان أحمد العوضي خلال حملة «بيتكم منور بيكم» (فيديو الحملة)

إعلان متخم بالنجوم لـ«ترشيد الكهرباء» يثير تفاعلاً في مصر

«لو سمحتوا أي حد سايب نور في أي أوضة مش قاعد فيها... بعد إذنك قوم اطفيه»، بهذا المضمون؛ أطلقت وزارة الكهرباء المصرية حملة إعلانية توعوية.

محمد عجم (القاهرة )

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
TT

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)

أعادت الانتقادات التي صاحبت جنازة وعزاء هاني شاكر (1952-2026) الحديث حول ما إذا كان المطرب المصري الملقب بـ«أمير الغناء العربي» قد حصل على «وداع لائق» يناسب مكانته الفنية من عدمه.

وأقيمت مراسم الجنازة والعزاء في مسجد «أبو شقة» داخل أحد التجمعات السكنية في ضاحية السادس من أكتوبر، وهو مسجد بعيد نسبياً عن حركة المواطنين ويصعب الوصول إليه من دون سيارة خاصة.

ورغم حضور المئات من محبي الفنان الراحل لصلاة الجنازة والعزاء يومي الأربعاء والخميس، فإن انتقادات وجهت لاختيار المسجد باعتبار أن موقعه واختياره تسببا في غياب الكثير من جمهور الفنان الراحل الذي كان يرغب في توديعه والمشاركة في مراسم الجنازة والعزاء.

ومن بين المنتقدين لاختيار المسجد، المخرج السينمائي خالد يوسف الذي كتب تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» تحت عنوان «لماذا حرموك من مشهد مهيب في وداعك يا هاني؟» عادّاً اختيار المسجد حرم الراحل من مشهد «وداع مزدحم بجماهيره»، مؤكداً أن الفنانين الكبار الباقين في ذاكرتنا تهافتت الجماهير على المشاركة في تشييعهم.

واعتبر أن ما حدث باسم «التنظيم» و«الرغبة في تجنب المتطفلين» أو «الزحام المحتمل» ليست أسباباً كافية وأن أسرته كان عليها تحمل التعب والإرهاق لخروج الجنازة بصورة تليق به.

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهدت جنازة وعزاء هاني شاكر إجراءات «منضبطة» مع تخصيص أماكن للصحافيين والمصورين، بجهود مشتركة بين نقابة الصحافيين والشركة المسؤولة عن تنظيم العزاء من نقابة الموسيقيين، وهو ما حدّ بشكل كبير من التجاوزات التي كانت تُرصد في جنازات وعزاءات المشاهير خلال الفترة الماضية.

وأكد الناقد المصري أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بالرغم من كون الدخول والخروج من المسجد أمراً سمح به دون مشكلات، فإن اختيار موقعه تسبب في الحد بشكل كبير من الحضور الجماهيري المتوقع لنجم مثل هاني شاكر»، مشيراً إلى أن «ما حدث حوّل العزاء والجنازة لتكون نخبوية بحضور الشخصيات العامة وزملائه».

واتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بحالة من الحزن مع استذكار مقاطع فيديو للقاءات سابقة أجراها هاني شاكر بها أحاديث عن حياته وحبه لزوجته واللحظات الصعبة في حياته، ومن بينها رحيل ابنته دينا بعد صراع مع مرض السرطان في شبابها، بالإضافة لصدمته في الوفاة المفاجئة لوالدته في يوم عيد الأم نفسه.

وقالت الناقدة الفنية مها متبولي إن «الراحل كان يستحق جنازة شعبية حقيقية نظراً لتاريخه الفني الطويل ومسيرته التي لم تشهد خلافات، وأعماله الفنية التي ستظل خالدة في الوجدان العربي وليس المصري فقط»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر تمثل في حضور عدد كبير من الفنانين للعزاء والجنازة».

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهد العزاء الذي أقيم مساء الخميس، حضور عدد كبير من الفنانين، منهم أنغام، ويسرا، ومصطفى قمر، وحمادة هلال، ولبلبة، ونادية الجندي، وإلهام شاهين، وسلاف فواخرجي، ووائل جسار، ومحمد الحلو، وماجد المصري، وكارول سماحة، فيما تلقى نجله شريف العزاء برفقة والدته التي استقبلت السيدات المعزيات.

وكان لافتاً عبر مواقع التواصل الاهتمام بغياب حضور الفنان عمرو دياب للجنازة والعزاء، وكذلك أحمد سعد الذي تعاون مع هاني شاكر في مشاريع فنية أخيراً، لكن سعد كان لديه حفل غنائي في توقيت العزاء نفسه، مما عرضه لانتقادات «سوشيالية».

وتؤكد مها متبولي أن «الحضور الكبير في العزاء من نجوم مصريين وعرب عبّر بشكل واضح عن مكانة هاني شاكر الذي يُعد من أهم نجوم الغناء»، لافتة إلى أن كل شخص يكون لديه ظروف خاصة أو ارتباطات قد تحول بينه وبين حضور العزاء.

وهنا يشير أحمد سعد الدين إلى أن «مكانة هاني شاكر لدى جمهوره وزملائه كبيرة والتعبير عنها إن تعذر بحضور الجنازة أو العزاء بشكل مباشر نظراً لمكان إقامتهما فإن التدوينات التي كتبت عبر مواقع التواصل، سواء لذكريات مع أغانيه أو ذكريات وتأثير لها لا يزال مستمراً، أكبر دليل على مكانته التي كان تحتم وداعاً له بشكل أفضل».


رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
TT

رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)

غيَّب الموت، صباح اليوم الجمعة، الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي عن عمر ناهز 85 عاماً، بعد صراع مع المرض لم يمهله كثيراً، ليرحل تاركاً وراءه خزانة موسيقية تعد من أنفس ذخائر الفن العربي المعاصر، وصفحة مطوية من زمن الريادة الذي صاغ هوية الأغنية المغربية الحديثة.

وبوفاة الدكالي، تفقد الساحة الفنية العربية، ليس فقط مطرباً وملحناً، بل «مؤسسة فنية» متكاملة الأركان، فالرجل الذي لُقب بـ«العميد»، لم يكن مجرد مؤدٍّ للألحان، بل كان مثقفاً موسيقياً استطاع بعبقريته الفذة أن ينقل الأغنية المغربية من نطاقها المحلي الضيق إلى رحابة العالمية، جامعاً في نسيجه اللحني بين أصالة المقامات الشرقية، وخصوصية الإيقاع المغربي، وروح التجديد الغربي.

فلسفة اللحن والأداء

بدأت رحلة الدكالي في مدينة فاس العريقة عام 1941، حيث تشبع بروح الأندلس وعمق التراث، لكن طموحه كان يرمي دوماً إلى ما وراء الأسوار. انطلق في أواخر الخمسينات، وفي حقبة الستينات والسبعينات، كان قد نجح بالفعل في نحت شخصية فنية فريدة، فهو «المسرحي» الذي يجسد الأغنية بحركات جسده وتعبيرات وجهه، وهو «التشكيلي» الذي يرسم باللحن صوراً شعورية معقدة.

خلّف الراحل إرثاً يصعب حصره، لكن تظل أيقونته «مرسول الحب» بمثابة النشيد العابر للأجيال والجغرافيا، وهي الأغنية التي كسرت حواجز اللغة واللهجة، وظل يرددها العرب من المحيط إلى الخليج لعقود. كما شكلت أعمال مثل «كان يا ما كان»، و«ما أنا إلا بشر»، و«أنا والغربة»، محطات فاصلة في تاريخ التلحين العربي، حيث قدم فيها الدكالي حلولاً موسيقية مبتكرة، تميزت بالدراما والعمق الفلسفي.

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (و.م.ع)

تتويج بمداد الذهب

لم تكن مسيرة الدكالي مجرد أرقام أو سنوات، بل كانت سلسلة من الإنجازات التي وثقتها أرقى الجوائز والأوسمة. فقد توج الراحل بـ«الأسطوانة الذهبية» عن رائعته «ما أنا إلا بشر»، التي لا تزال تتردد في جنبات العالم العربي كواحدة من أيقونات الموسيقى الإنسانية.

وفي المغرب، ظل الدكالي رقماً صعباً في معادلة الإبداع، حيث انتزع الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985 عن أغنيته الخالدة «كان يا ما كان»، ليعود ويؤكد علو كعبه بحصده الجائزة ذاتها في مهرجان مراكش عام 1993 عن أغنية «أغار عليك»، التي جسدت قدرته على تطويع المقامات الموسيقية برؤية عصرية.

ريادة عابرة للحدود

تجاوزت شهرة الدكالي الحدود الجغرافية، حيث فرض حضوره في القاهرة، قلب العروبة النابض بالفن، وظفر بـالجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997 عن عمله الفلسفي «سوق البشرية». هذا الحضور الطاغي جعل الأنظار تتجه صوبه بوصفه رمزاً ثقافياً؛ إذ اختير أفضل شخصية في العالم العربي لعام 1991، بناءً على استفتاء أجرته مجلة «المجلة» الصادرة عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، وهو التكريم الذي يعكس مكانته المرموقة في وجدان الجمهور والمثقفين العرب على حد سواء.

تكريم الفاتيكان

ولم يتوقف صدى فنه عند حدود المنطقة العربية، بل امتد ليتلقى تقديراً عالمياً استثنائياً، حيث تم تكريمه من قبل الفاتيكان في مناسبتين، في لفتة تبرز البعد الإنساني والرسالة الحضارية التي كان يحملها في نوتاته الموسيقية، بوصفه فناناً يدعو للحب والسلام والتعايش.

وبين مرسمه في الدار البيضاء ومسارح العالم التي صفق لها الجمهور طويلاً، يترجل الفارس اليوم، لكن صدى صوته سيظل يتردد في أزقة فاس، وساحات الرباط، وقاعات الأوبرا، بوصفه سفيراً فوق العادة للجمال المغربي في أبهى تجلياته.

وبرحيله، تغيب شمس «الكان يا ما كان» التي أضاءت سماء الفن المغربي، لكن ألحانه ستظل حية، تحكي قصة فنان لم يكتفِ بالعزف على أوتار العود، بل عزف على شغاف قلوب الملايين.


فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
TT

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)

في وقت تزايد المخاوف العالمية من الأمراض الفيروسية الناشئة، أعاد تفشّي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، المتجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إلى الواجهة التساؤلات بشأن احتمالية ظهور وباء جديد شبيه بجائحة «شبح كورونا»، بعدما أسفر الحادث عن ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.

وبينما سارعت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إلى التأكيد أن الوضع الراهن لا يشكّل «بداية جائحة» أو «وباء»، وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً، يثير ظهور سلالة «الأنديز» - الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر - قلق الأوساط الصحية، خصوصاً مع تنقّل الركاب بين دول عدة قبل اكتشاف الإصابات.

وفيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى الإنسان، وتسبب أمراضاً قد تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عند استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تنتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضّات القوارض.

ومعظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» الموجودة في أميركا الجنوبية تُعدّ الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر من خلال المخالطة الوثيقة.

ويضع هذا التفشّي المحدود العالم مجدداً أمام اختبار يتعلق بسرعة الاستجابة، وفاعلية أنظمة المراقبة الصحية، والاستعداد لاحتمالات تحوّل الفيروسات النادرة تهديدات أوسع نطاقاً.

هل يتحول جائحةً؟

وينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادة عبر براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة.

ويقول اختصاصي الأمراض المعدية الدكتور ويليام شافنر إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، موضحاً أن معظم سلالات الفيروس لا تنتقل من شخص إلى آخر.

لكنه أشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلالة غير المعتادة المرتبطة بتفشّي العدوى على متن السفينة السياحية تختلف عن غيرها؛ إذ تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.

وأضاف أن التفشّي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية خلال الفترة المقبلة، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع، مؤكداً أن الوضع الحالي لن يتحول جائحة أخرى مثل «كوفيد - 19».

جهود دولية للحد من انتشار فيروس «هانتا» (رويترز)

وأوضح شافنر أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة، لافتاً إلى أنه من المتوقع ظهور معلومات إضافية مع استمرار التحقيقات بشأن التفشّي، لكن انتقال العدوى من الركاب إلى نطاق أوسع سيظل محدوداً على الأرجح.

بينما أكد استشاري الحساسية والمناعة، الدكتور مجدي بدران، أن فيروس «هانتا» يُعدّ من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع معدلات الوفاة الناتجة منها في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حتى الآن الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار على غرار فيروس كورونا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، في حين يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو بقدرة وبائية واسعة».

ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يُعدّ السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص إلى آخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة، خصوصاً بين أفراد الأسرة أو المخالطين المقربين.

وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد -19). كما ظلت العدوى المرتبطة بالمستشفيات والرعاية الصحية نادرة للغاية، في حين بقيت معظم الإصابات عالمياً مرتبطة بالتعرض المباشر للقوارض الملوثة بالفيروس».

وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول وباءً عالمياً سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض عائلاً طبيعياً، وليس على الانتقال البشري المستمر، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، إضافة إلى ضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر حتى في حالة فيروس الأنديز.

وأشار بدران إلى أن التفشّيات المسجلة تنتهي عادة بسرعة ولا تستمر داخل المجتمعات، فضلاً عن عدم رصد أي طفرات جينية تمنح الفيروس قدرة أكبر على العدوى البشرية.

وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين، في حين يحتاج انتقال العدوى غالباً إلى ظروف بيئية محددة، مثل استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض.

وأضاف أن المصابين لا يفرزون كميات كبيرة من الفيروس تسمح بانتشاره على نطاق واسع، في حين تسهم إجراءات الصحة العامة، مثل مكافحة القوارض والعزل السريع للمصابين، في الحد من أي تفشّيات محتملة. وشدد بدران على أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية.

خطر محتمل

بينما يشير أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، الدكتور إسلام عنان، إلى أن فيروس «هانتا» يصنّف على أنه خطر وبائي محتمل، رغم أن ظهوره يعود إلى عقود طويلة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما أُصيب عدد من الجنود خلال الحرب الكورية بأعراض غامضة، قبل أن يُشتق اسم الفيروس من نهر (هانتان) الفاصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في حين لم يتمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً إلا عام 1978».

وأضاف أن الفيروس عاد إلى الواجهة بقوة عام 1993، بعدما توفي عدد من الشباب في الولايات المتحدة نتيجة فشل تنفسي حاد، حيث جرى حينها اكتشاف سلالة شديدة الخطورة وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.

وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي نفسها السلالة المرتبطة بالتفشّي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بإمكانية انتشار المرض إلى الواجهة الدولية».

وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء؛ ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس. كما توجد سلالات مختلفة من فيروس (هانتا) حول العالم؛ إذ تنتشر بعض السلالات في آسيا وأوروبا وتهاجم الكلى مسببة حالات فشل كلوي، في حين تنتشر سلالات أخرى في الأميركيتين وتستهدف الرئتين؛ ما قد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد وسريع».

وعن احتمالات تحول الفيروس وباءً عالمياً، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، خصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس ووصولها إلى مناطق جديدة.

وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة. كما لا يتوافر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة».