«مش مهم الاسم»... مُخرجة المسلسل تتحدّث عن الكواليس والممثلين

ليال ميلاد راجحة لـ«الشرق الأوسط»: الشخصيات قبل القصة والمشاعر هي روح العمل

الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
TT

«مش مهم الاسم»... مُخرجة المسلسل تتحدّث عن الكواليس والممثلين

الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)
الممثلان معتصم النهار وأندريا طايع، بطلا مسلسل «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)

مقابل فائض الدراما، لا بدّ من فسحة تلفزيونية خالية من الدموع. متسلّحاً بطابعٍ شبابيّ وبصورةٍ عصرية، دخل مسلسل «مش مهم الاسم» البيوت العربية عبر منصة «شاهد».

منذ انطلاقة حلقاته الـ15، بدا العمل واعداً بمجموعةٍ من العناصر الجذّابة؛ بدءاً بالكوميديا الخفيفة، مروراً بقصة الحب المتأرجحة بين الممكن والمستحيل، انتقالاً إلى اللغز والتشويق، وليس انتهاءً بالحبكات الفرعية المُستوحاة من واقع المجتمع.

يكمن أحد مفاتيح جاذبيّة المسلسل كذلك في أنه يجعل من شخصياته، أكانت أساسية أم ثانوية، محوَر الحرَكة والأحداث في الشكل والمضمون. تُسِرّ مخرجة «مش مهم الاسم» ليال ميلاد راجحة بأنها تعمّدت «التركيز على الشخصيات أكثر من القصة». تشرح راجحة في حوار مع «الشرق الأوسط»، أنها وضعت الممثلين في عين الكاميرا، وعملت معهم واحداً واحداً على هويّة الشخصية وأبعادها النفسية ومشاعرها الإنسانية. «كان يجب أن تأخذ كل شخصية حقها وتصبح أقرب شيءٍ ممكن من الحقيقة، وهذا أحد أسرار الخلطة الإخراجية في هذا المسلسل»، تضيف راجحة.

من بين مكوّنات الفرادة كذلك في «مش مهم الاسم»، ثنائيّ البطولة الذي جمع الممثل السوري معتصم النهار والممثلة اللبنانية الأردنية أندريا طايع. لا تُخفي المخرجة أنّ جزءاً كبيراً من التعليقات التي وردتها من المشاهدين تمحوَر حول فارق السنّ بين البطلَين، «لكن مع مرور الحلقات استوعب الجمهور أن الممثلَين قادران على الالتقاء في منتصف الطريق».

المخرجة ليال م. راجحة خلال التحضير لمشهد مع معتصم النهار وفريق العمل (صور راجحة)

النهار في مطلع الأربعين وفي أوج رحلةٍ دراميّة ثرية، أما طايع ففي منتصف العشرينيات وآتية من تجربة مميزة في مسلسل «مدرسة الروابي». إلا أنّ رهان شركة الإنتاج «سيدارز آرت - الصبّاح إخوان» على هذا الثنائيّ الخارج عن المألوف في الدراما العربية كان في محلّه. فلا فارق السنّ ولا تفاوت الخبرات حال دون حدوث كيمياءٍ بينهما على الشاشة، كانت كافية لإقناع الجمهور بصدقِ المشاعر بين «لارا» ابنة العائلة الثرية، و«يزَن» موظف «الفاليه باركينغ».

قد يبدو لبُّ الحكاية، التي كتبتها كلوديا مرشليان، بالتعاون مع ورشة «شركة الصبّاح»، تقليدياً؛ إنها قصة حبٍ بين شابٍ فقير وفتاةٍ تنتمي إلى طبقة اجتماعية مرتاحة مادياً. إلا أنّ كل الحبكات المتفرّعة عنها تُنقذ المسلسل من النمطيّة.

رغم فارق السن التقى الممثلان في منتصف الطريق (شركة الصبّاح)

«كل شيء يبدأ في الورق وفي الكتابة بإحساس»، هذه قناعة المخرجة ليال م. راجحة التي وجدت في سيناريو «مش مهم الاسم» محتوىً كثيفاً ومُقنِعاً يمكن التعويل عليه إخراجياً. في جلساتها التحضيريّة مع الممثلين، طوّروا معاً قوس الشخصية، وهي أفردت لهم مساحة كي يقترحوا إضافاتهم الخاصة والعلامات الفارقة في الشخصيات التي سيؤدّون، من بينها على سبيل المثال لازمة أغنية «بيلا تشاو» التي غالباً ما تعود على لسان معتصم النهار بكلامٍ غير دقيق ومبعثر، في مشاهد مثيرة للضحك.

يفتتح المسلسل على ما هو غير متوقع. بين ليلة وضحاها، يتحوّل يزَن من عامل ركن سيارات في فندق إلى منتحل صفة ابن رجل ثري. يكلّفه الأخير بمهمة سرية عليه بموجبها أن يفضح مخططات شقيقة الرجل وعائلتها. بالموازاة، تنمو قصة حبٍ معقّدة بينه وبين لارا، الآتية من لندن إلى بيروت في مهمة مهنية دقيقة هي الأخرى.

في جلسات تحضيرية مع الممثلين، طوّرت راجحة قوس الشخصية (صور راجحة)

ما بين الألغاز ودقّات القلب، حبكاتٌ متفرّعة تتطرق إلى عدد من القضايا الاجتماعية. نتعرّف على «سالي» (الممثلة جينا أبو زيد)، صديقة لارا، التي تربطها علاقة عاطفية بربّ عملها المتزوّج «الدكتور هشام» (الممثل دوري السمراني). أما «سمر» (الممثلة رولا بقسماطي) فهي صديقة يزَن وتعاني من افتراقها عن ابنتها بسبب خيانتها لزوجها «شريف» (الممثل رودريغ سليمان)؛ وهذه من المرات النادرة التي يتطرق فيها مسلسل عربي إلى قضية خيانة الأنثى للذكر وليس العكس.

رغم غلافه الكوميدي الخفيف، فإنّ المسلسل لا يتردد في التعامل مع مظاهر النفاق المجتمعي والإنساني كالخيانة، وادّعاء الثراء، وتأجير المشاعر مقابل المال. توضح راجحة في هذا السياق أن «مش مهم الاسم» ينتمي إلى فئة «الدرامدي» (الدراما الكوميدية)، إذ «تتماهى فيه الكوميديا السوداء مع الحياة الواقعية»، تضيف المخرجة: «صحيح أن الأحداث أحياناً تدخل منطقة اللا منطق، إلا أنّ في كل شخصية من شخصياته انعكاساً لأفراد المجتمع الحقيقي».

ليزا دبس، رودريغ سليمان، ورولا بقسماطي من بين ممثلي «مش مهم الإسم» (شركة الصبّاح)

تولّت راجحة اختيار فريق الممثلين، وهم شكّلوا أحد عناصر قوة المسلسل. كباراً وصغاراً، مخضرمين وصاعدين، أدّى جميع الفنانين من دون استثناء أدوارهم بتماسُكٍ واحتراف كبيرَين. وتُعِدّ راجحة نفسها محظوظة بأنها تعاملت في «مش مهم الاسم» مع أسماء عتيقة في المهنة، مثل أسعد حداد، وجوزيف آصاف، وعلي خليل، وأليكو داوود.

يراهن المسلسل كذلك على إيقاعه السريع، وتؤكد راجحة ألّا موسم ثانياً بما أنّ الأحداث ستُختتم بحلول الحلقة 15، من دون أن تفصح المخرجة عمّا إذا كانت النهاية سعيدة أم حزينة. لكنّ المؤكد أن التطورات لن ينقصها التشويق، أما المشاعر فستتبلور أكثر بين يزَن ولارا.

مخضرمين وصاعدين، قدّم الممثلون أداءً متماسكاً ومحترفاً (شركة الصبّاح)

على امتداد حلقاته، يحافظ «مش مهم الاسم» على طاقته الشبابية، التي تُحاكي الجيل الجديد، المستهلك الأول لمنصات البث. وكان لأندريا طايع (24 سنة) دور أساسي في تكريس تلك الصورة المعاصرة للمسلسل.

عن التعامل معها كممثلة، تقول راجحة إنها «تصغي جيداً وترغب في التطوّر. كما أنها على طبيعتها وتشبه نفسها. هي جميلة من دون تجميل، ونحن نفتقد إلى ذلك على الشاشات العربية». أما معتصم النهار، فقدّم من جانبه أداءً آسراً مستنداً إلى ظُرفه وتمكّنه من شخصية الشاب البسيط، ابن البيئة المتواضعة. وتلفت راجحة أنّ «خفّة دمه الطبيعية» شكّلت رافعة أساسية بالنسبة للمسلسل.


مقالات ذات صلة

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

يوميات الشرق في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

مسلسل «بريدجرتون» في موسمه الرابع يخوض من جديد قصص الحب غير المألوفة. هذه المرة، بينيديكت بريدجرتون يقع في غرام خادمة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل ألكسندر دفريانت بشخصية الكولونيل إبراهيم في سلسلة «Doctor Who» (إدارة أعمال الفنان)

ألكسندر دفريانت... الممثل الألماني اللبناني حقّق العالمية والحلم العربي هو التالي

يحمل لبنان في قلبه ويطمح إلى إطلالة درامية عربية. ألكسندر دفريانت ممثل ألماني لبناني يُراكِم التجارب الفنية العالمية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق رواية «لغز المنبّهات السبعة» لأغاثا كريستي تتحول إلى مسلسل (نتفليكس)

«المنبّهات السبعة» على «نتفليكس»... أغاثا كريستي تستحق أفضل من ذلك

رائدة رواية الجريمة أغاثا كريستي للمرة الأولى في إنتاج أصلي لـ«نتفليكس»، لكن «المنبّهات السبعة» لا يشفي غليل محبّي اللغز، والإثارة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)

أرشيف تلفزيون لبنان إلى «سِجل ذاكرة العالم» لمنظمة اليونيسكو

في 28 أبريل (نيسان) 1959، انطلق البث الرسمي لتلفزيون لبنان، ليكون أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط والعالم العربي. ومنذ ذلك التاريخ، شكّل هذا الصرح الإعلامي…

فيفيان حداد (بيروت)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.