الدولة اللبنانية تنخرط رسمياً في عملية إعادة الإعمار بتمويل حكومي زهيد

المبلغ ناهز 90 مليون دولار ومخصص لإيواء النازحين

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع بجنوب لبنان (رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع بجنوب لبنان (رويترز)
TT

الدولة اللبنانية تنخرط رسمياً في عملية إعادة الإعمار بتمويل حكومي زهيد

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع بجنوب لبنان (رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع بجنوب لبنان (رويترز)

بعد أكثر من عام على انتهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، التي أدت إلى دمار كبير طاول بشكل مكثف منطقة جنوب لبنان، أقرت لجنة المال والموازنة النيابية ضمن إطار موازنة عام 2026، موازنات لـ«مجلس الإنماء والإعمار» و«مجلس الجنوب» و«الهيئة العليا للإغاثة»، وتم نقل مبلغ من الاحتياطي للإيواء وإعادة الترميم «بوصف ذلك إشارة إيجابية من الدولة اللبنانية لشعبنا وناسنا، تحت سقف الموازنة»، كما أعلن رئيس اللجنة إبراهيم كنعان.

وقالت مصادر اللجنة إنه تم نقل 90 مليون دولار من الاحتياطي؛ 67 مليون دولار لمجلس الجنوب و24 مليون دولار للهيئة العليا للإغاثة.

ومع إقرار هذه الاعتمادات تكون الدولة فعلياً أطلقت عملية إعادة الإعمار بمبلغ زهيد جداً، بعدما كانت تترقب طوال العام الماضي، وصول مساعدات خارجية لإنجاز هذه المهمة، وهي مساعدات لم تأتِ. ويعدّ انخراط الدولة في تمويل ورشة إعادة الإعمار، الأول منذ نهاية الحرب قبل عام.

الشروط الدولية

وأبلغ الموفدون الدوليون المسؤولين اللبنانيين خلال الأشهر الماضية، بأن عملية دعم إعادة الإعمار دولياً مرتبطة بالتزام لبنان بمجموعة من الإصلاحات المالية، كما وبشكل أساسي بإنجاز عملية حصرية السلاح. ويعتقد مسؤولون لبنانيون أن الأمور باتت مرتبطة بأكثر من ذلك، وبالتحديد بسير لبنان باتفاقات مع إسرائيل.

ولا يزال مصير مؤتمر إعادة الإعمار الذي تعمل عليه فرنسا معلقاً، خصوصاً بعدما تم مؤخراً إعطاء الأولوية لمؤتمر دعم الجيش الذي تسعى باريس لانعقاده مطلع العام المقبل.

وأدى الخلاف والانقسام الحاصل داخل مجلس النواب حول ملف انتخاب المغتربين، إلى تعليق العمل التشريعي، وأطاح بفرص إقرار قروض للبنك الدولي مرتبطة بإعادة الإعمار، وقد تصل إلى نصف مليار دولار، بحسب النائب كنعان، وهي قروض قد يتم سحبها وتوقيفها في حال لم يقرها البرلمان قبل نهاية العام الحالي.

ضغوط «الثنائي»

وتشير مصادر نيابية شاركت في اجتماع لجنة المال والموازنة الذي أقر اعتمادات الأجهزة التي ستتولى إعادة الترميم، إلى أن «نواب (الثنائي الشيعي؛ أي «حزب الله» و«حركة أمل») كانوا حاسمين بوجوب تحويل احتياطي الموازنة الكبير نسبياً إلى عملية إعادة الإعمار من منطلق وجوب أن ترسل الدولة إشارات إيجابية إلى المواطنين الذين لم تلتفت إليهم منذ أكثر من عام، وقد كانت هناك ضغوط كبيرة في هذا الاتجاه»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «معظم النواب اضطروا للسير بهذا الطرح، لأن خلاف ذلك سيتم تحميلهم مسؤوليات كبيرة أمام الناس، خصوصاً أن بعض المباني التي تحتاج للترميم قابلة للسقوط، ما يعرض حياة السكان للخطر». وتضيف المصادر: «طالما هناك قرار خارجي بربط أي مساعدات بملفات معقدة يحتاج حلها وقتاً، لم يعد يمكن للدولة أن تواصل التنصل من مهامها».

ولطالما هدد نواب «الثنائي» برفض إقرار الموازنة الجديدة، في حال لم يتم إقرار اعتمادات لإعادة الإعمار.

بلدة العديسة بجنوب لبنان كما تظهر من مستوطنة المطلة الإسرائيلية (إ.ب.أ)

مواقف «الثنائي»

وطالب عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب علي حسن خليل في مؤتمر صحافي، الحكومة، بـ«القيام بما هو مطلوب منها لجهة إصدار القرار المنظم لإعادة الترميم والإعمار»، معتبراً أن الأموال التي أقرت «ستعالج بعض الأمور المرتبطة بإيواء الناس، وهي وإن كانت لا تساوي شيئاً كبيراً، فإنها ستكون فاتحة نحو إطلاق هذه العملية الوطنية الكبيرة».

من جهته، أشار عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسن فضل الله، إلى أن «مشروع إعادة الإعمار يحتاج إلى مبالغ كبيرة، ولكن لا يمكن للحكومة والدولة اللبنانية أن تبقى متفرجة في انتظار أن تأتي الأموال من الخارج، علماً بأننا نرحب بكل مساعدة غير مشروطة وغير مسيّسة تقدم لإنجاز هذه العملية بلبنان».

تكلفة الإعمار

ويقدَّر الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، التكلفة الإجمالية للأضرار المباشرة للحرب الأخيرة بـ8 مليارات و500 مليون دولار، موضحاً أن التكلفة الإجمالية للترميم، تُقدَّر بنحو مليارين و300 مليون دولار، وهي مقسمة إلى نحو مليار و500 مليون دولار تكلفةً لترميم الوحدات السكنية المدمّرة جزئياً، ونحو 875 مليون دولار لترميم الوحدات المدمّرة بشكل كبير.

ويعتبر شمس الدين في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المبلغ الذي تم إقراره «يُشكّل جزءاً بسيطاً جداً من التكلفة الإجمالية المقدّرة، وبالتالي يؤكد أن الحكومة غير قادرة على إعادة الإعمار، أضف إلى ذلك أن الدول لن تؤمن أي أموال قبل حل المسألة بشكل نهائي، وحلول السلام الدائم بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر غير متوفر في الوقت الراهن».

ويشير شمس الدين إلى أن «الكلام الرسمي في السابق كان يقول إن موضوع الإعمار ستتولاه هيئة حكومية يتم استحداثها، لكن حتى الساعة لم يحصل هذا الأمر»، موضحاً أن «عملية رفع الأنقاض يقوم بها مجلس الجنوب في مناطق الجنوب والبقاع الغربي، واتحاد بلديات الضاحية في الضاحية الجنوبية، والهيئة العليا للإغاثة في باقي لبنان».

اعتراض قواتي

وكان لافتاً اعتراض حزب «القوات اللبنانية» على هذه المساهمة الحكومية، ورأت ‏عضوة تكتل «الجمهورية القوية» النائبة غادة أيوب، وهي أيضاً عضوة بلجنة «المال والموازنة»، أن «دويلة تفرض اقتطاع أموال المواطنين لتمويل إعادة الإعمار، وتدّعي أنّه واجب والتزام»، وتحدثت عن «ضغط من قبل (الثنائي الشيعي) لنقل أموال من احتياطي الموازنة إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، لدفع جزء من مستحقات إعادة الإعمار، خلافاً لقرار الحكومة بإنشاء صندوق خاص لإعادة الإعمار، الذي يجب أن يكون بإشراف دولي وبتمويل خارجي، لا من الإيرادات المحصّلة من جيوب اللبنانيين». وأضافت: «الأولوية الآن تُفترض أن تكون لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، كي يتمكّن من فرض الاستقرار، والحدّ من التصعيد، ووقف الحرب لعودة المواطنين الآمنة».


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».