«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

شاشة بزاوية 360 درجة تروي قصة الدرعية

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
TT

«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)

في ظل التحوّل الرقمي الذي تشهده عدة مدن حول العالم، باتت القصص الثقافية تجد لنفسها أشكالاً جديدة تتجاوز المتاحف والمعالم التقليدية. ففي مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحوّل أحد أكثر الفضاءات الرقمية تطوراً في لندن مؤقتاً إلى بوابة مفتوحة على قلب السعودية التاريخي. تجربة «رحلة من نور»، التي نفذتها شركة «بيكسل آرت ووركس» (Pixel Artworks) بالتعاون مع شركة الدرعية، أعادت تخيّل الدرعية التي تعد مهد الدولة السعودية الأولى وموقع التراث العالمي لليونيسكو عبر بيئة غامرة متعددة الحواس بزاوية 360 درجة في «أوترنت لندن».

استقطبت التجربة مئات الآلاف من الزوار يومياً، لتؤكد أن السرد الرقمي لم يعد مجرد عرض بصري باهر، بل أداة معاصرة للتواصل الثقافي. ورغم انسجام المشروع مع أهداف رؤية السعودية 2030 في الحضور الثقافي العالمي، فإن أهميته تكمن في كيفية توظيف التكنولوجيا ليس لإعادة إنتاج الماضي، بل لترجمة التراث إلى تجربة حية يفهمها جمهور عالمي في الزمن الحاضر.

استخدمت التجربة بيئة رقمية بزاوية 360 درجة لإعادة تقديم الدرعية كوجهة حية ومعاصرة لا كموقع تاريخي فقط (Outernet)

فضاء رقمي ضخم

احتضنت التجربة شاشة «ليد» بارتفاع أربعة طوابق (14.5 أي نحو متر) امتدت على مساحة تتجاوز 1200 متر مربع بدقة تفوق «16K». تميّز المكان بهندسة دائرية بالكامل، تدمج بين الصورة والصوت عبر أكثر من 200 مكبر صوت بنظام صوتي محيطي، إلى جانب جدران زجاجية متحركة وأنظمة روائح مدمجة لتعزيز الأبعاد الحسية. وفي هذا السياق، تصبح التجربة الغامرة ممارسة هندسية بقدر ما هي إبداعية.

ويشرح أليكس أبثورب، المدير العام لشركة «بيكسل آرت ووركس» في الشرق الأوسط، أن التحدي الأول لم يكن بصرياً، بل كان تشغيلياً. ويذكر خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن «أوترنت لندن يعمل كمنصة إعلامية حية، مع تعدد تدفقات المحتوى وتغيّر الجداول باستمرار، لذلك كان تأمين وقت كافٍ للمراجعة والاختبار من أكبر التحديات». ويضيف أن «المشروع كان استحواذاً كاملاً على جميع المساحات ضمن جدول زمني ضيق، ما جعل وقت الاختبار في الموقع محدوداً جداً».

ولمعالجة ذلك، لجأ الفريق إلى بناء التجربة كاملة داخل بيئة الواقع الافتراضي (VR). يقول أبثورب: «قمنا بنقل تجربة الدرعية كاملة إلى الواقع الافتراضي، ما أتاح للفريق التجول داخلها ومراجعة المحتوى كما لو كانوا موجودين فعلياً، وذلك قبل التركيب بوقت طويل».

هذا النهج قلّل المخاطر التقنية، وسمح بالتحقق من القرارات الإبداعية مبكراً، وهو أسلوب بات شائعاً في المشاريع الغامرة الكبرى، حيث يكون الوصول الميداني محدوداً.

ساهم التعاون الوثيق مع فريق شركة الدرعية في ضمان الدقة الثقافية ونقل روح المكان بأدق تفاصيله (Outernet)

شاشة بزاوية 360 درجة

تفرض البنية الدائرية لمساحة «أوترنت» متطلبات صارمة على المحتوى، إذ يجب أن يعمل بسلاسة من جميع الزوايا دون تشويه أو انفصال سردي.

وهنا شكّلت الشراكة الطويلة الأمد بين «Pixel Artworks» و«أوترنت» عنصر قوة حاسماً. فالشركة شاركت منذ بدايات المشروع في تحديد المواصفات التقنية للمكان. ويذكر أبثورب أن «البنية التقنية الكاملة للمكان مبنية بتصميم ثلاثي الأبعاد يتيح مراجعة المحاذاة والمقاييس وخطوط الرؤية عبر كامل الشاشة قبل إطلاق المحتوى، حتى لو كان كل عنصر مصمماً بشكل مستقل».

هذا الأسلوب سمح بتوحيد التجربة بصرياً وسردياً، رغم تعقيد التنفيذ وتعدد مكوناته.

دور الرسوميات الآنية

من أبرز القرارات التقنية في المشروع اعتماد «Unreal Engine» لتقديم محتوى مرسوم وآني في آن واحد، بدل الاكتفاء بمحتوى مُسبق التصيير. ويشير أبثورب إلى أن السبب لم يكن تقنياً فقط، بل كان زمنياً بالدرجة الأولى. ويضيف: «في هذا الحجم، كانت عمليات التصيير التقليدية ستبطئ الإنتاج إلى حد كبير».

تمكن فريق «بيكسل آرت ووركس» من تقليص زمن المعالجة بشكل جذري «باستخدام الرسوميات الآنية عبر (Unreal) حيث خفّضت زمن التصيير من نحو 90 ثانية إلى بضع ثوانٍ لكل تعديل». كما كان هذا الخيار ضرورياً لدعم المكوّن التفاعلي في التجربة، الذي يتطلب استجابة فورية لا يمكن تحقيقها عبر محتوى ثابت.

لعبت التقنيات المتقدمة مثل «Unreal Engine » والرسوميات الآنية دوراً محورياً في تنفيذ التجربة على نطاق ضخم (Outernet)

تجربة حسية متوازنة

تمثل البيئات الغامرة خطراً دائماً يتمثل في الإشباع المفرط للحواس، خصوصاً في فضاء ضخم مثل «أوترنت». ويؤكد أبثورب أن السيطرة على هذا التوازن كانت أولوية، حيث إن «ضخامة أوترنت قد تكون طاغية بحد ذاتها، لذا كان علينا أن نكون مقصودين ودقيقين في كل عنصر آخر». وجرى التعامل مع التجربة كما لو كانت معرضاً فنياً مفتوحاً إذ تتحول الشاشات إلى «سماء» سردية، فيما تستضيف الأرض عروضاً حية مثل رقصة العرضة، والخط العربي، والموسيقى التقليدية، والمأكولات السعودية. ويعدّ أبثورب أن «العروض الحية والقهوة والخط والتصميم الأرضي تحوّل المكان، بينما تصبح الشاشات أشبه بسماء تحمل وعد الرحلة أو الاستقرار أو الاكتشاف». وقد اعتمدت الحركة على الهدوء مع انتقالات مستوحاة من تعاقب أوقات اليوم في الدرعية، فيما استُخدم العود بوصفه عنصراً عطرياً داعماً لا مسيطراً. يعدّ أبثورب أن تمثيل موقع تراث عالمي لليونيسكو يحمل مسؤولية كبيرة. لكن «رحلة من نور» لم تسع إلى إعادة بناء الدرعية كما كانت، بل كما هي اليوم. وينوه بأن «السرد بشكل أساسي ركز على الدرعية الحالية، ودعوة الزوار لاكتشاف ما يمكنهم تجربته الآن، ومستقبلها القريب».

تعكس التجربة توجّهاً عالمياً جديداً نحو استخدام التكنولوجيا ليس لعرض التراث فقط بل لتحويله إلى تجربة معيشة (Outernet)

الدقة الثقافية عبر التعاون المحلي

لحماية الأصالة، جرى العمل بشكل وثيق مع أعضاء من فريق شركة الدرعية، من بينهم مختصون من أبناء المنطقة نفسها. ويضيف أبثورب أن «أعضاء من شركة الدرعية وبعضهم من أبناء المنطقة، لعبوا دوراً أساسياً في نقل روح المكان، من نقوش الأبواب وأنماط العمارة النجدية، إلى ألوان الطين والإضاءة والنباتات». هذا العمق الثقافي جنّب التجربة الوقوع في الرمزية العامة أو التبسيط المخل.

التركيز على الحياة اليومية

بدلَ تقديم التراث بوصفه ذكرى بعيدة، تبنّت التجربة سرداً معاصراً وهو أن «العدسة الإبداعية ركزت على الدرعية المعاصرة بتفاصيل الحياة اليومية ودفء المجتمع وسحر اللحظات الصغيرة».

وهكذا، ظهرت الدرعية كحيّ ثقافي حيّ، لا كمشروع نظري أو حلم مستقبلي. استقطب «أوترنت» في لندن مارة عابرين وجمهوراً ثقافياً متخصصاً على حد سواء. وبالنسبة لكثير من زوار المدينة، شكّلت التجربة أول احتكاك مع الدرعية حيث «كان الهدف تقديم الدرعية كوجهة حقيقية قابلة للزيارة، لا كمشروع بعيد أو نظري». ويرى أبثورب أن الذكاء الاصطناعي بات يسرّع كل مراحل الإنتاج الإبداعي، لكنه يشير إلى أن التحول الأعمق سيأتي من الحوسبة المكانية.

بهذا المعنى، لا تمثّل «رحلة من نور» مجرد عرض رقمي مؤقت، بل تمثل مؤشراً على مستقبل يمكن فيه للتكنولوجيا إذا استُخدمت بحس ثقافي دقيق أن تنقل التراث من الحفظ إلى المشاركة، ومن الجغرافيا إلى التجربة المعيشة.


مقالات ذات صلة

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

الاقتصاد إحدى طائرات «طيران ناس» تحلِّق في سماء المملكة (واس)

قفزة لسهم طيران «ناس» بعد إعلان تأسيس شركة في سوريا

قفز سهم شركة «ناس» السعودية للطيران بنسبة ​5.7 % ليسجل 64.45 ريال للسهم بعد إعلان الشركة إنشاء مشروع «ناس سوريا».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من توقيع اتفاقية إطلاق شركة «ناس سوريا» في دمشق (طيران ناس)

بحصة 49 %... «طيران ناس» السعودية لتأسيس ناقل اقتصادي في سوريا

وقَّعت شركة «طيران ناس» مذكرة تفاهم مع هيئة الطيران المدني السوري، بشأن اتفاقية مشروع مشترك لتأسيس وتشغيل شركة طيران اقتصادي جديدة مقرها سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية الشيخ عبد الله بن حمود المالك الصباح (نادي سباقات الخيل)

الشيخ عبد الله المالك الصباح لـ«الشرق الأوسط»: دعم ولي العهد جعل كأس السعودية قبلة عالمية للفروسية

أكد الشيخ عبد الله حمود المالك الصباح، مالك الخيل العالمي، جاهزية إسطبله للمشاركة والمنافسة في النسخة المقبلة من «كأس السعودية».

علي القطان (الكويت)
الخليج عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

أعربت السعودية عن ادانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية وحافلة تقل نازحين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
TT

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

مع أفلام مغامرات «حكاية لعبة» الشيّقة، إلى حركات «تيد» الطفولية، أصبحت فكرة الدمى والدببة المحشوة، التي تدب فيها الحياة فكرةً سينمائيةً مبتذلة.

وبينما أتاحت التطورات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي إمكانية صنع ألعاب تبدو واعية، فإنها تبدو أقرب إلى شخصيات شريرة مثل المهرج في فيلم «بولترجايست» وشخصية «تشاكي» في فيلم «لعبة طفل» منها إلى شخصيتَي «وودي» و«باز لايت يير».

ووفقاً لمنظمة «كومن سينس ميديا»، الأميركية غير الحكومية المعنية بمراقبة السلع الإلكترونية الاستهلاكية، فإن الدمى وألعاب الأطفال التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تقول كلاماً غير لائق للأطفال، وتنتهك خصوصية المنزل من خلال جمع بيانات واسعة النطاق.

يقول روبي تورني، رئيس قسم التقييمات الرقمية في «كومن سينس»: «أظهر تقييمنا للمخاطر أن دمى الذكاء الاصطناعي تشترك في مشكلات جوهرية تجعلها غير مناسبة للأطفال الصغار».

ويقول تورني: «أكثر من رُبع المنتجات تتضمَّن محتوى غير لائق، مثل الإشارة إلى إيذاء النفس، والمخدرات، والسلوكيات الخطرة»، مشيراً إلى أن هذه الأجهزة تستلزم «جمع بيانات مكثف»، وتعتمد على «نماذج اشتراك تستغل الروابط العاطفية».

ووفقاً لمنظمة «كومن سينس»، تستخدم بعض هذه الألعاب «آليات ترابط لخلق علاقات شبيهة بالصداقة»، محذِّرة من أن هذه الأجهزة في الوقت نفسه «تجمع بيانات واسعة النطاق في المساحات الخاصة بالأطفال»، بما في ذلك التسجيلات الصوتية، والنصوص المكتوبة، و«البيانات السلوكية».

وتؤكد «كومن سينس» ضرورة عدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأنَّ على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً.

ويقول جيمس ستاير، مؤسِّس ورئيس منظمة «كومن سينس»: «ما زلنا نفتقر إلى ضمانات فعّالة لحماية الأطفال من الذكاء الاصطناعي»، مقارِناً بين غياب هذه الحماية و«الاختبارات الصارمة» للسلامة والملاءمة التي تخضع لها الألعاب الأخرى قبل الموافقة على طرحها للبيع.


بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.