التعاون الدفاعي المصري - التركي «يربك موازين القوى الإقليمية»

إعلام عبري أبدى تخوفه بشأن مستقبل «التفوق الجوي الإسرائيلي»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون الدفاعي المصري - التركي «يربك موازين القوى الإقليمية»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيرة التركي في القاهرة فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)

في وقت حذر فيه إعلام عبري من «التعاون العسكري بين مصر وتركيا في مجال تصنيع الطائرة الشبحية KAAN»، ما يهدد «التفوق الجوي الإسرائيلي مستقبلاً»، أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، أن «التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يربك موازين القوى الإقليمية بالمنطقة، كما يعمل على تحقيق الاستقرار الذي تسعى إسرائيل لتهديده بشكل كبير في الوقت الحالي».

وحذّرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الثلاثاء، من أن التعاون العسكري بين مصر وتركيا يدخل مرحلة جديدة وخطيرة، بعد قرار القاهرة الانضمام بوصفها شريكاً كاملاً في مشروع تطوير المقاتلة الشبح التركية (KAAN).

وأكدت الصحيفة أن هذه الخطوة، التي وصفتها بـ«غير المسبوقة»، تثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بشأن «مستقبل التفوق الجوي لسلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة»، مشيرة إلى أن مصر «لم تعد تكتفي باستيراد أنظمة أسلحة جاهزة، بل باتت تشق طريقها إلى قلب صناعة الطيران العسكري المتقدم، بعد أن انضمت رسميّاً إلى المشروع الضخم، الذي تقوده تركيا لتطوير مقاتلة شبح محلية الصنع».

خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، يرى أن «مشروع التعاون في تصنيع المقاتلة الشبحية بين مصر وتركيا جيد جداً، لكن مصر لم تعلن رسمياً حتى الآن عن شراكتها في هذا المشروع، وفي اعتقادي أن مصر جادة في الانضمام لهذا التعاون العسكري المهم مع تركيا»، مبرزاً أن «هذه الشراكة لا تزال قيد التفاوض وفي مراحل مبكرة، وربما تنتظر مصر التوقيع النهائي لكي تعلن عن تلك الشراكة». وشدد على أن «تركيا لديها حافز قوي للدخول في شراكات عسكرية إقليمية لتعزيز مصداقيتها بشأن صناعة الطائرة الشبحية، خاصة أن ميزانية تصنيع تلك الطائرة كبيرة، ومن ثم فأنقرة لديها حاجة للترويج لتلك الطائرة لتخلق لها سوقاً»، موضحاً أن «التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يربك موازين القوى الإقليمية بالمنطقة».

من جانبها، عدّت صحيفة «معاريف» أيضاً أن هذا التطور «يمثل علامة فارقة في العلاقات بين أنقرة والقاهرة، ويفتح الباب أمام شراكة دفاعية استراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التقارب الدبلوماسي والسياسي المتسارع بين البلدين، منذ زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في 2023، وزيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في 2024».

وأوضحت الصحيفة أن انضمام مصر «لا يحمل طابعاً رمزيّاً فحسب، بل تداعيات أمنية مباشرة، إذ إنه قد يمنح الدولتين قدرات جوية متطورة، قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية، ما يهدد الوضع الراهن، الذي يمنح سلاح الجو الإسرائيلي تفوقاً نوعيّاً في سماء المنطقة».

ووصفت «معاريف» الخطوة بأنها «عبور تاريخي» لمصر، إذ إنها المرة الأولى التي لا تكتفي فيها بشراء طائرات حربية، بل تشارك في تصميمها وتصنيعها، ما يضعها ضمن نادٍ محدود من الدول، التي تمتلك هذه القدرات التكنولوجية المتقدمة.

لكن عبد الواحد نوه بأن «الإعلام الإسرائيلي درج على تضخيم غير مفهوم لأي خطوة عسكرية مصرية، فالطائرة (كا أن) لم يتم تشغيلها بعد، سواء في القوات الجوية التركية أو أي قوات أخرى، وهي ما تزال في مرحلة الاختبارات الأولية، رغم بدء المشروع من 2023، ومن المقرر أن يتم تصنيع 20 طائرة منها وتسليمها للقوات الجوية التركية في 2028، لأن هناك مشكلة تواجه تركيا، فقد صنعت الجسم الخارجي للطائرة، لكن ليست لديها محركات، وهي تستخدم محركات أميركية حتى الآن في هذه الطائرة، وكانت تسعى للحصول على محركات بريطانية، لكن بريطانيا لم توافق».

وأوضح عبد الواحد أنه «لذلك جاءت الشراكة والتعاون بين مصر وتركيا في هذا المشروع لتمنح الطرفين مرونة أكبر في عدم الاعتماد على الموردين الغربيين، خاصة إذا نجحا معاً في إنتاج محركات لتلك الطائرة، ما يعزز القوة العسكرية المصرية - التركية، ويواجه سعي الغرب للإصرار على تفوق إسرائيل عسكرياً في المنطقة».

المقاتلة الشبحية التركية «كا أن» خلال تجربة سابقة (إعلام تركي)

وأشار تقرير الإعلام العبري إلى أن مصر، التي اعتمدت سابقاً على طائرات أميركية مثل F-16، وفرنسية من طراز «رافال»، إضافة إلى صفقات روسية، كانت دائماً تخضع لقيود صارمة في مجال قطع الغيار والذخائر، وشروط الاستخدام. في المقابل، يمنحها انضمامها إلى مشروع «كا أن» وصولاً غير مسبوق إلى تقنيات حساسة، إذ تنتج تركيا حاليّاً أكثر من 80 في المائة من مكونات الطائرة، بما في ذلك الرادارات المتطورة (AESA)، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة.

وأفاد تقرير «معاريف» بأن هذا التعاون يندرج ضمن استراتيجية مصرية أوسع لبناء صناعة دفاع محلية، تشمل اتفاقيات تصنيع مشترك مع كوريا الجنوبية (مثل مدافع K-9 وطائرات FA-50)، وإيطاليا (فرقاطات بحرية جديدة). فيما تستفيد تركيا من الشراكة عبر توزيع عبء الكلفة الباهظة لتطوير المشروع، الذي تُقدّر تكلفته بما يزيد على 10 مليارات دولار خلال العقد المقبل، فضلاً عن توسيع نطاق سوقها الدفاعية بفضل الموقع الاستراتيجي لمصر ووزنها العربي.

المحلل السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، قال إن «هذه التعاون في التصنيع الدفاعي يؤدي لتقوية الروابط الاستراتيجية بين تركيا ومصر، ما يؤدي لمزيد من الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «هذا الأمر بالطبع يقلق إسرائيل، التي أظهرت جليا في حربها على غزة أن لديها أجندة خاصة لتدمير المنطقة».

وأوضح أغلو أن «هذا التعاون مهم لتركيا ومصر لتكونا قريبتين من بعضهما في ظل هذا المتغيرات الحساسة بالمنطقة، كما يقرب وجهات النظر فيما بينهما بشأن القضايا الخلافية، سواء بالنسبة لغاز البحر المتوسط أو الحدود البحرية الليبية، وغيرها من قضايا يكون الخلاف فيها بين القاهرة وأنقرة أكثر ضرراً من التقارب».

وشهدت العلاقات المصرية - التركية تطورات إيجابية ملحوظة خلال الفترة الماضية، ففي الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران) الماضي، استضافت مصر جولة مشاورات سياسية مع تركيا لتعزيز العلاقات الثنائية، كما أوقفت أنقرة في يوليو (تموز) الماضي عنصراً «إخوانياً»، تتهمه القاهرة بالتخطيط لأعمال تخريبية بمصر، وتم ترحيله لوجهة غير معلومة.

وبحسب مراقبين «تعد هذه خطوات لافتة في إطار التقارب بين مصر وتركيا، رغم وجود خلافات حول قضايا عدة، أبرزها غاز المتوسط، والتحركات التركية في ليبيا، ومع بعض دول القرن الأفريقي مثل إثيوبيا، وهو ما يثير حفيظة القاهرة»، ومع ذلك شهدت العلاقات بين مصر وتركيا دفعة قوية أخيراً، خصوصاً بعدما زار الرئيس المصري تركيا أواخر العام الماضي، وتبادل البلدان تعيين سفيرين، ما يشير إلى وجود مساعٍ لتعميق العلاقات وتحسينها.


مقالات ذات صلة

مصر تمنح تسهيلات جديدة لدخول المغاربة تتجاوز «المناوشات السوشيالية»

شمال افريقيا اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

مصر تمنح تسهيلات جديدة لدخول المغاربة تتجاوز «المناوشات السوشيالية»

قدمت مصر «تسهيلات جديدة» تُمنح للمرة الأولى للمواطنين المغاربة الراغبين في زيارتها، تشمل منح تأشيرات متعددة صالحة لمدة 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)

تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

خاصمت منتجات الألبان مائدة حنان رمضان (49 عاماً) التي قررت التخلي عنها لصالح توجيه فاتورة إنفاقها إلى أخرى أكثر أهمية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)

مصر تؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتهيئة مناخ المفاوضات

أكدت القاهرة «دعمها جهود مؤسسات الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل ترابها الوطني».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وكايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي (الرئاسة المصرية)

مصر تطالب بتسريع صرف الشريحة الثانية من الدعم الأوروبي

طالبت مصر بتسريع تحويل الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي، لدعم موازنة البلاد بما يساهم في التعامل مع تداعيات التصعيد الحالي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

تعزز مصر «أمن الطاقة» عبر تنويع مصادر توفير احتياجاتها المحلية تزامناً مع تصاعد الحرب الإيرانية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

مصر تمنح تسهيلات جديدة لدخول المغاربة تتجاوز «المناوشات السوشيالية»

اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تمنح تسهيلات جديدة لدخول المغاربة تتجاوز «المناوشات السوشيالية»

اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المصرية-المغربية» في ديسمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

قدّمت مصر «تسهيلات جديدة» تُمنح للمرة الأولى للمواطنين المغاربة، الراغبين في زيارتها، تشمل منح تأشيرات متعددة صالحة لمدة 5 سنوات.

وتتجاوز هذه التسهيلات الجديدة «المناوشات السوشيالية»، التي جرت بين جماهير مصرية ومغربية على منصات التواصل الاجتماعي خلال منافسات كأس الأمم الأفريقية، التي استضافها المغرب في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وأعلنت سفارة مصر لدى المملكة المغربية عن تسهيلات جديدة للمواطنين المغاربة الراغبين في زيارة البلاد بصورة دورية.

وقالت في إفادة، مساء الجمعة، إن التسهيلات تتضمّن «إمكانية منحهم تأشيرة متعددة الدخول صالحة لمدة 5 سنوات، تسمح لحاملها بالإقامة لمدة 90 يوماً في كل مرة دخول».

وتُضاف هذه الخطوة إلى تسهيلات سابقة أعلنتها السفارة المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وفق سفير مصر لدى المغرب، أحمد نهاد عبد اللطيف، الذي قال إن التسهيلات تشمل «إمكانية منح التأشيرة عند الوصول، وإعفائهم من شرط التأشيرة المسبقة، شريطة حملهم تأشيرات دخول سارية ومستخدمة من دول؛ مثل: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ودول الشنغن، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، واليابان».

وحسب بيان السفارة المصرية، مساء الجمعة، فقد أكد عبد اللطيف أن التسهيلات الجديدة «تأتي حرصاً من الحكومة المصرية على تيسير إجراءات سفر المغاربة الراغبين في زيارة مصر، بما يُسهم في تشجيع حركة السياحة والتبادل التجاري والثقافي بين البلدَيْن».

ويشهد معدل التبادل التجاري بين مصر والمغرب تطوراً إيجابياً، حيث بلغ نحو 1.1 مليار دولار في عام 2024، وحقق في الفترة من يناير حتى أكتوبر 2025 ما قيمته 897 مليون دولار، وفق وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية.

وحدثت «مشاحنات» على منصات التواصل بين جماهير مصرية ومغربية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية الماضية، مما دفع مسؤولين عن الرياضة في البلدَيْن إلى التدخل للتهدئة، والتأكيد عبر اتصالات ثنائية على أن «الرياضة تمثّل جسراً للتقارب بين الشعوب وليست سبباً للخلاف».

احتفال السفارة المصرية في المغرب بالعيد الوطني في يوليو الماضي (السفارة المصرية بالمغرب)

ووفق مراقبين فإن «التسهيلات المصرية بشأن المغاربة تُعد تحركاً إيجابياً، سيُسهم في توطيد العلاقات بين البلدين سياسياً واقتصادياً وشعبياً»، مؤكدين أن «هذا التحرك يُسهم في تشجيع الاستثمارات بين البلدين، وزيادة حركة السياحة، وتنشيط التعاون الاقتصادي».

وتستهدف القاهرة والرباط تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وفي هذا السياق استضاف المغرب في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الدورة الخامسة لـ«لجنة التجارة المشتركة» بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

واتفق الجانبان، وقتها، على «إنشاء منصة دائمة للتعاون، ولجنة مشتركة لإزالة العوائق التجارية، ومعالجة التحديات المرتبطة بالجمارك والقيود غير الجمركية والنفاذ إلى الأسواق»، حسب إفادة لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية.

وحسب مراقبين، فإن «العلاقات المصرية-المغربية في حاجة إلى إحداث تغيير نوعي، مثل تسهيلات حركة السفر وتطبيقها بشكل فعّال، بما يُسهم في تعميق العلاقات على المستويات كافّة». وأشاروا إلى أن «التيسيرات القنصلية تنعكس بشكل كبير على الصعيد الاجتماعي في البلدَين».

ويرى مستشار وزير السياحة المصري الأسبق، وليد البطوطي، أن تسهيل سفر المغاربة إلى مصر خطوة إيجابية لتشجيع حركة السياحة بين البلدين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التيسيرات تعزز من السياحة البينية بين مصر والمغرب، وتُسهم في تحقيق منفعة متبادلة للبلدين».

وأشار البطوطي إلى أن «منح المغاربة تأشيرات متعددة الدخول، ولفترات زمنية تصل إلى 5 سنوات، تشجع على زيارات دورية إلى مصر، كما تساعد في تعزيز التعاون بين وكلاء السفر وشركات السياحة، لتنظيم رحلات متبادلة بين البلدين، بما يحقق مصلحة مشتركة للجانبين في حركة السياحة»، وقال إن هذه الخطوة تأتي في إطار «جهود الحكومة المصرية لجذب السياحة الأجنبية من مقاصد مختلفة».

وتعوّل الحكومة المصرية على نشاط السياحة في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة، بعد أن سجلت السياحة نمواً العام الماضي بنسبة 21 في المائة، حيث استقبلت 19 مليون سائح.


تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)
تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)
TT

تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)
تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)

خاصمت منتجات الألبان مائدة المصرية حنان رمضان (49 عاماً)، التي قررت التخلي عنها لصالح مواد أخرى أكثر أهمية، في مؤشر على أن تداعيات الحرب الإيرانية وصلت إلى موائد عدد كبير من المصريين، الذين اتجهوا إلى «التقشف» أسوة بالحكومة، خشية من تدهور أكبر لأوضاعهم الاقتصادية إذا ما استمرت الحرب لشهور.

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن في 10 مارس (آذار) الحالي اتخاذ إجراءات «تقشفية» لاحتواء تداعيات الحرب الإميركية - الإيرانية على الاقتصاد المصري، والتي تظهر آثارها بشكل رئيسي في إمدادات الطاقة.

وتضمنت القرارات الحكومية ترشيد استهلاك الطاقة، وتجميد بعض بنود الإنفاق وتأجيل أخرى، وذلك عقب قرارها برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة، كأول إجراء «استباقي» تحسباً لتأثيرات الحرب على الاقتصاد.

تقليص الموائد

لا تهتم حنان، وهي ربة منزل تقطن منطقة الجمالية (وسط القاهرة)، بأخبار الحرب أو تطوراتها، لكنها رغم ذلك تشعر بآثارها وهي تجد نفسها مضطرة لأن تُقلص من أطباق مائدتها. تقول حنان لـ«الشرق الأوسط» إن مائدة المنزل لا تعود مع كل زيادة في الأسعار لما كانت عليه، ففي البداية قللت العائلة من استهلاك اللحوم الحمراء والبيضاء، وزاد اعتمادها على الأسماك، ثم انحصر اعتمادها على السمك «البلطي» بوصفه الأرخص.

وتضيف حنان متحسرة: «مع زيادة الأسعار في موسم رمضان ثم ارتفاع سعر البنزين، لم نعد نشتري الزبادي والجبن، وغالبية الوقت نتناول السحور من بواقي الإفطار». مؤكدة أن الأسرة لا تطمح في شراء «كعك العيد»، بل ستعتمد على بعض ما سيجلبه لهم أقاربهم كهدية.

ويرتد رفع سعر المحروقات على المصريين بآثار مباشرة، تتمثل في زيادة إنفاقهم على الطاقة، سواء في الغاز المنزلي أو بنزين السيارات أو المواصلات، وآثار غير مباشرة، من زيادة أسعار جميع السلع والخدمات التي تدخل الطاقة في إنتاجها أو نقلها.

منفذ «أمان» لبيع اللحوم بأسعار منخفضة مقارنة بالسوق في ميدان الدقي (الشرق الأوسط)

تعيش أسرة حنان على دخل زوجها المتقطع نتيجة عمله كحرفي في مجال الفضة، بالإضافة إلى بعض المُدخرات. ويذهب جزء كبير من إنفاقها على التعليم؛ لذا تتأثر المائدة بأي أزمات مالية، أو ضغوطات في الإنفاق.

وهذه الأسرة ليست الوحيدة، ففي منطقة شبرا الخيمة (شمال العاصمة)، ودعت أسرة نورا إمام (39 عاماً) الوجبات الجاهزة التي كانوا يشترونها، وقللوا من كميات اللحوم وعدد مرات تناولها.

تبيع نورا مواد غذائية «أونلاين»، بعد رحيل زوجها وتحملها مسؤولية 3 أطفال أكبرهم في الثانوية العامة وأصغرهن في مرحلة التمهيدي. تشكو نورا لـ«الشرق الأوسط» من أن «دخلها شبه ثابت مقابل زيادة في أسعار كل شيء»، مشيرة إلى أنها تزيد باستمرار من حدة الإجراءات التقشفية التي وصلت الآن إلى تناول اللحوم مرتين في الشهر فقط، مع ثبات المبالغ التي تخصصها لشرائها حتى لو أدى ذلك لخفض الكمية إلى النصف، وتقليل الحلويات بشكل كبير.

ولا تقتصر القرارات التقشفية على الطعام، بل امتدت إلى التعليم، حيث «قللنا الدروس، وأصبحنا نعتمد أكثر على (الأونلاين) توفيراً لنفقات الذهاب إلى الدرس من مواصلات وطعام». أما التنزه فهو بند بات بعيداً عن منال الأسرة التي تخشى أن تستمر الأسعار في الزيادة مع استمرار الحرب، «والأمر لا يقتصر فقط على تقليل النفقات، لكنه يهدد الدخل نفسه، فمع تذبذب الأسعار أوقفت شراء سلع جديدة لبيعها في ظل عدم استقرار السوق، وتراجع القوة الشرائية للعملاء».

«اقتصاد الضرورة»

يُعرف الخبير الاقتصادي والباحث المتخصص في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، التقشف بأنه «اقتصاد الضرورة»، بمعنى أن يقتصر الإنفاق على الضروريات أو أقل من الضروريات في بعض الأحيان، مشيراً إلى أنه بخلاف الإعلان الرسمي له، فإن الأسر تلجأ إليه كنوع من أنواع الحماية الاجتماعية لمواكبة حركة التضخم العالية، وارتفاعات الأسعار، التي تحدث بشكل مفاجئ، مثلما حدث بعد الحرب الإميركية - الإيرانية.

وقفز معدل التضخم الشهري في فبراير (شباط) الماضي إلى 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، و0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

ويتوقع اقتصاديون أن يشهد معدل التضخم ارتفاعاً كبيراً في مارس (آذار) الحالي، متأثراً بالموسم الاستهلاكي في شهر رمضان، بالإضافة إلى الحرب الأميركية الإيرانية.

ورأى عبد النبي انعكاس ممارسة الأسرة المصرية للتقشف في «مؤشر مديري المشتريات»، الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز جلوبال»، والذي انخفض عن 50 في المائة، في يناير الماضي، ما يعكس الانخفاض في الطلب العام، وهو ما يعني أن المواطنين، خصوصاً في الطبقة المتوسطة، باتوا يمارسون عملية تقشف.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن أكثر ما يتأثر بعملية التقشف في الأسر هو بند الطعام، خصوصاً أنه يستهلك نحو 50 في المائة من ميزانياتها، وفق إحصاءات الجهاز المركزي.

إحدى الأسواق المصرية في السيدة زينب تتزين لاستقبال شهر رمضان (الشرق الأوسط)

تشهد فاطمة رشاد (36 عاماً)، وهي أم لطفلين وربة منزل، على هذا التأثير، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إنها تلاحظ عند ذهابها إلى محل الدواجن الحية زيادة الطلب على الهياكل والأجنحة، مقابل تراجع كيمات الدواجن أو «البانيه».

تقطن فاطمة في منطقة شبرا الخيمة، وتعتمد على دخل زوجها الذي يعمل في إحدى الشركات.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن آثار الحرب الجارية قد تدفع بمزيد من المصريين إلى الهبوط لخط الفقر، بالإضافة إلى تأثيراتها على مختلف الطبقات الاجتماعية.

وكانت نسبة الفقر، وفق آخر بحث لـ«الدخل والإنفاق» صادر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» في سبتمبر (أيلول) 2020، قد بلغت 29.7 في المائة. وتجاوزت النسبة 30 في المائة، وفق تصريح لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي في ديسمبر الماضي.


مصر تؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتهيئة مناخ المفاوضات

لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)
لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)
TT

مصر تؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتهيئة مناخ المفاوضات

لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)
لبناني يسير قرب ركام مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر الحالي (رويترز)

شددت مصر على «ضرورة التوقف الفوري للانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لتهيئة المناخ لبدء المفاوضات، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة تؤتي ثمارها على الأرض لترسيخ التهدئة». مؤكدة دعمها جهود مؤسسات الدولة اللبنانية في «بسط سلطتها على كامل ترابها الوطني».

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي من رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، تناول التصعيد العسكري في لبنان وأزمة النزوح الداخلي.

وبحسب إفادة لمتحدث وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف، السبت، تناول الاتصال مستجدات العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان، والتوغل داخل الأراضي اللبنانية. وجدد الوزير عبد العاطي «إدانة مصر الكاملة ورفضها القاطع لتلك الاعتداءات، وأي مساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه»، مؤكداً أن «هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي وقرار مجلس الأمن رقم 1701».

واستمع عبد العاطي من رئيس الوزراء اللبناني للاحتياجات العاجلة للتعامل مع أزمة النازحين في ظل الظروف الإنسانية القاسية، التي يواجهها لبنان، حيث أكد على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعمل على الاستجابة للاحتياجات، وتوفير المساعدات اللازمة لدعم الشعب اللبناني الشقيق للتخفيف من وطأة الأزمة الراهنة والنزوح الداخلي.

من جانبه، عبر سلام عن تقدير لبنان البالغ، قيادة وحكومة وشعباً، للمواقف المصرية الداعمة للبنان في ظل الظروف الدقيقة الراهنة.

مصر تشدد على ضرورة التوقف الفوري للانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية في لبنان (الشرق الأوسط)

وفي اتصال هاتفي آخر، السبت، بين وزير الخارجية المصري ونظيره الفرنسي، جان نويل بارو، تناول الأوضاع في لبنان، والمستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري، الذي تشهده المنطقة، اتفق الوزيران على «ضرورة تضافر الجهود لتجنيب المنطقة حرباً إقليمية شاملة»، وشددا على «أهمية مواصلة التنسيق لخفض التصعيد والدفع بالمسار الدبلوماسي، أخذاً في الاعتبار التداعيات الاقتصادية والأمنية والجيواستراتيجية الوخيمة، الناجمة عن الحرب على المنطقة والعالم بأسره».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الكاملة، ورفضها القاطع لتلك الاعتداءات الإسرائيلية، وأي مساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه.

وخلال اتصال هاتفي آخر جمع عبد العاطي وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مساء الجمعة، جدد وزير الخارجية المصري التزام بلاده بمواصلة جهودها لدعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وبسط سلطاتها على كامل التراب الوطني اللبناني، ودعم جهود الجيش اللبناني في هذا الشأن، والعمل على حشد الدعم اللازم لتخفيف وطأة المعاناة، بالتوازي مع تكثيف التحركات الدبلوماسية لوقف التصعيد في ضوء انعكاساته الخطيرة على أمن واستقرار لبنان الشقيق.

آثار غارة إسرائيلية استهدفت منطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)

ومن جانبه، ثمن بولس الدور الذي تضطلع به مصر لدعم الاستقرار في لبنان، مشيداً بالجهود المصرية الرامية إلى احتواء التصعيد ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين بشأن تطورات الأوضاع في المنطقة.

في سياق ذلك، أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الغارات الإسرائيلية المتتالية على أعيان مدنية، ومقدرات تابعة للدولة اللبنانية، بما في ذلك جسور فجرتها القوات الإسرائيلية، إضافة إلى غارات طالت مناطق سكنية في العاصمة بيروت. وحذر من المخاطر التي تشكلها هذه الهجمات على المدنيين.

وعبر أبو الغيط في بيان، السبت، عن تضامن «الجامعة العربية» الكامل مع الدولة اللبنانية، التي تسعى بكل سبيل لتفادي التورط في الحرب الدائرة بالمنطقة، فيما تُصر ميليشيا «حزب الله» على تعريض لبنان وشعبه ومقدراته لمخاطر متزايدة.

وجدّد المتحدث الرسمي باسم الأمين العام لـ«الجامعة العربية»، جمال رشدي، التأكيد على «التضامن مع قرار الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله»، مشدداً على أن «خطط إسرائيل لإعادة احتلال أراضٍ لبنانية تعكس سياسة توسعية مرفوضة ومدانة، بالإضافة إلى إعاقتها لفرص تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية».