انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
TT

انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا انتكاسة جديدة، بعد أسابيع من بوادر انفراجة، وذلك بعد اعتقال ناشط ورجل أعمال جزائري في باريس ليلة الثلاثاء، وإدانة صحافي فرنسي بتهمة «الإرهاب» في الجزائر. وتلت هذه الأحداث حملة صحافية جزائرية شديدة اللهجة ضد ما وصفته بـ«فرنسا الكولونيالية»، وهو ما يعكس تصاعد التوتر بين البلدين مجددا.

وكان الجانبان قد اتفقا على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، إلى الجزائر قبل نهاية الشهر الحالي، في خطوة لطي الخلافات، لكن توالت خلال أسبوع واحد مؤشرات سلبية تؤكد تراجع مسار التهدئة بين البلدين.

وزير الداخلية الفرنسي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأعلنت «قناة الجزائر الدولية» العمومية، صباح اليوم (الأربعاء)، بحسابها في منصة «إكس»، أن محللها مهدي غزار، وهو ناشط ورجل أعمال، أبلغها أن الشرطة الفرنسية اعتقلته أمس (الثلاثاء) في باريس، و«احتجزته لعدة ساعات»، قبل أن يتم إطلاق سراحه في صباح اليوم الموالي، من دون تقديم أي تفاصيل عن سبب توقيفه، علماً بأن الناشط يملك وثائق إقامة في فرنسا، وعرف بمواقفه الحاد ضد حكومتها، من خلال تفاعله في وسائل الإعلام مع الأزمة بين البلدين منذ اندلاعها في يوليو (تموز) 2024.

تهديد للأمن في فرنسا

كتبت وكالة الأنباء الجزائرية أن الشرطة الفرنسية «أوقفت صحافياً ومحللاً بقناة الجزائر الدولية بالقرب من مقرّ سكنه في باريس، ووفق المعطيات المتوفرة، فقد أبلغته قوات الأمن أنه مدرج ضمن الملف (س)، وكذلك ضمن ملف الأشخاص المبحوث عنهم، وهما آليتان استثنائيتان مخصصتان للأشخاص الذين يُعتبرون تهديداً خطيراً للأمن العمومي».

الناشط مهدي غزار في حملة انتخابات الرئاسة الجزائرية بفرنسا (حسابات ناشطين)

ولفتت الوكالة إلى أن مؤسسة راديو وإذاعة «مونت كارلو» الفرنسية أبعدت غزار من المشاركة في برنامج «توك شو» شهير العام الماضي، «وذلك على خلفية مواقفه بشأن الإبادة في غزة». كما قالت إنه «يشكو منذ عدة أشهر من توقيفه المتكرر عند عبوره المطارات الباريسية، سواء عند الدخول أو الخروج، وسط مناخ تصعيدي عدائي متزايد يوماً بعد يوم، دون أي سبب واضح، حيث يظهر الاستفزاز بجلاء».

وبحسب الوكالة الرسمية، «فرغم رحيل برونو ريتايو، لم يتغير شيء، إذ يبدو أن أساليبه لا تزال راسخة داخل مؤسسات الجمهورية الفرنسية»، في إشارة إلى وزير الداخلية الفرنسي السابق، الذي تميز بالتشدد مع الجزائر خلال ذروة الأزمة الدبلوماسية، خصوصاً فيما يتعلق بـ«قضية الجزائريين المبعدين من التراب الفرنسي»، الذين رفضت الجزائر استقبالهم.

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (أ.ف.ب)

ونشر ناشطون جزائريون بحساباتهم بالإعلام الاجتماعي أن غزار سافر إلى فرنسا «في إطار زيارة خاصة»، ولفت بعضهم إلى أن «تصريحاته المثيرة للجدل بخصوص المغرب»، كانت السبب في توقيفه عن المشاركة في البرنامج التلفزيوني الفرنسي.

وتكفل غزار بإدارة حملة الرئيس عبد المجيد تبون في فرنسا، خلال ترشّحه للانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر (أيلول) 2024، كما يُشتبه في كونه العقل المدبّر لمجموعة «المجاهدون 2.0» في فرنسا، وهي مجموعة من المؤثرين، الذين هاجموا خصوصاً المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا، في الأشهر الأولى من التوترات، التي اندلعت إثر إعلان قصر «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

ورجّح نفس الناشطين أن يؤدي توقيف مهدي غزار إلى انعكاسات على مسار تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين.

نذر تدهور العلاقات

بدأت نذر التدهور في علاقات البلدين تلوح في الأفق منذ أسبوع، وتحديداً يوم الأربعاء الماضي، حيث جرت محاكمة الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز في الاستئناف بمحكمة تيزي وزو (100 كلم شرق العاصمة)، التي ثبتت الحكم الابتدائي 7 سنوات سجناً مع التنفيذ بتهمة «الإشادة بالإرهاب».

مظاهرة في فرنسا لإطلاق سراح الصحافي الرياضي كريستوف غليز (أ.ف.ب)

وجاء الحكم صادماً بالنسبة لفرنسا التي كانت تتوقع تبرئته، أو على الأقل حكماً بالسجن مع وقف التنفيذ. وأعلنت الرئاسة في اليوم الموالي للمحاكمة، أن الرئيس إيمانويل ماكرون «تلقى بقلق بالغ» الخبر، مؤكداً أنه «سيواصل العمل مع السلطات الجزائرية حتى إطلاق سراحه، وعودته إلى فرنسا في أقرب وقت ممكن».

وتلقت السلطات الجزائرية رد فعل فرنسا على إدانة الصحافي، الذي جاء لإجراء استطلاع حول نادي «شبيبة القبائل» لكرة القدم، بحساسية بالغة. وعبّرت عن موقفها عبر صحيفتين، إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية، نشرتا مقالات تضمّنَت نقداً حاداً لما سمته «فرنسا الاستعمارية».

ففي مقال بعنوان «عندما تغرق باريس في نفاقها الخاص»، كتبت صحيفة «لو سوار دالجيري» أن «فرنسا، وهي ترتدي لباس المعلّم الذي يوزّع الدروس، تنتقد القضاء الجزائري الذي لم يسبق له قط أن أوقف دبلوماسياً فرنسياً في الشارع، بناءً على الإشارة الصادرة من هاتف محمول»، في إشارة إلى اعتقال موظف من قنصلية الجزائر بباريس في 11 أبريل (نيسان) الماضي، وسجنه بناء على تهمتي «خطف» و«احتجاز» اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص، اللاجئ بفرنسا. وذكرت السلطات الجزائرية أن الحادثة «تشكل انتهاكاً كاملاً للأعراف والأنظمة الدبلوماسية»، موضحة أن فرنسا «تصاب بالعمى والصمم وفقدان الذاكرة عندما يتعلق الأمر بمجرمين نهبوا ثروات الشعب الجزائري، حيث يتم تجاهل مذكرات التوقيف الدولية الصادرة عن الجزائر وعرقلتها، ودفنها في الأدراج»، وتقصد بذلك ضمناً رفض القضاء الفرنسي طلب تسليم وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، الذي أدانه القضاء الجزائري بالسجن 20 عاماً بتهمة «الفساد».

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (متداولة)

من جهتها، كتبت صحيفة «الخبر»: «بمجرد صدور البيان الرئاسي الفرنسي الذي عبّر فيه الرئيس إيمانويل ماكرون عن قلق بالغ، إزاء الحكم القضائي، انطلقت آلة التشويه في الإعلام الفرنسي المتحالف مع اليمين المتطرف، لمحاولة تصوير الجزائر كدولة تقمع الصحافة وتتجاوز العدالة، في حملة يبدو أنها أعدت مسبقاً، ولم تكن مجرد رد فعل عفوي».

وقدرت مجلة «جان أفريك» الفرنسية، في عددها الثامن من الشهر الحالي، أن «الهدف الحقيقي من هذه الحملة هو إيصال رسالة، مفادها أنه لا إفراج بلا خطوة مقابلة من باريس»، ويفهم من ذلك أن الجزائر ستخلي سبيل الصحافي الفرنسي في حالة إطلاق سراح دبلوماسيها، الذي لم يذكر اسمه في وسائل الإعلام.


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

رياضة عالمية الجزائري محمد الأمين عمورة يحتفل بهدف نيس الثاني في مرمى ليل (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

سجّل المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة هدفاً ليمنح فريقه نيس أول انتصار له في الدوري الفرنسي لكرة القدم هذا الموسم بفوز ثمين على ليل.

«الشرق الأوسط» (نيس (فرنسا))
شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.