انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
TT

انتكاسة جديدة تعصف ببوادر انفراج العلاقات بين الجزائر وفرنسا

إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)
إدانة صحافي فرنسي وتوقيف ناشط جزائري أعادا إشعال الخلافات بين الجزائر وفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا انتكاسة جديدة، بعد أسابيع من بوادر انفراجة، وذلك بعد اعتقال ناشط ورجل أعمال جزائري في باريس ليلة الثلاثاء، وإدانة صحافي فرنسي بتهمة «الإرهاب» في الجزائر. وتلت هذه الأحداث حملة صحافية جزائرية شديدة اللهجة ضد ما وصفته بـ«فرنسا الكولونيالية»، وهو ما يعكس تصاعد التوتر بين البلدين مجددا.

وكان الجانبان قد اتفقا على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، إلى الجزائر قبل نهاية الشهر الحالي، في خطوة لطي الخلافات، لكن توالت خلال أسبوع واحد مؤشرات سلبية تؤكد تراجع مسار التهدئة بين البلدين.

وزير الداخلية الفرنسي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأعلنت «قناة الجزائر الدولية» العمومية، صباح اليوم (الأربعاء)، بحسابها في منصة «إكس»، أن محللها مهدي غزار، وهو ناشط ورجل أعمال، أبلغها أن الشرطة الفرنسية اعتقلته أمس (الثلاثاء) في باريس، و«احتجزته لعدة ساعات»، قبل أن يتم إطلاق سراحه في صباح اليوم الموالي، من دون تقديم أي تفاصيل عن سبب توقيفه، علماً بأن الناشط يملك وثائق إقامة في فرنسا، وعرف بمواقفه الحاد ضد حكومتها، من خلال تفاعله في وسائل الإعلام مع الأزمة بين البلدين منذ اندلاعها في يوليو (تموز) 2024.

تهديد للأمن في فرنسا

كتبت وكالة الأنباء الجزائرية أن الشرطة الفرنسية «أوقفت صحافياً ومحللاً بقناة الجزائر الدولية بالقرب من مقرّ سكنه في باريس، ووفق المعطيات المتوفرة، فقد أبلغته قوات الأمن أنه مدرج ضمن الملف (س)، وكذلك ضمن ملف الأشخاص المبحوث عنهم، وهما آليتان استثنائيتان مخصصتان للأشخاص الذين يُعتبرون تهديداً خطيراً للأمن العمومي».

الناشط مهدي غزار في حملة انتخابات الرئاسة الجزائرية بفرنسا (حسابات ناشطين)

ولفتت الوكالة إلى أن مؤسسة راديو وإذاعة «مونت كارلو» الفرنسية أبعدت غزار من المشاركة في برنامج «توك شو» شهير العام الماضي، «وذلك على خلفية مواقفه بشأن الإبادة في غزة». كما قالت إنه «يشكو منذ عدة أشهر من توقيفه المتكرر عند عبوره المطارات الباريسية، سواء عند الدخول أو الخروج، وسط مناخ تصعيدي عدائي متزايد يوماً بعد يوم، دون أي سبب واضح، حيث يظهر الاستفزاز بجلاء».

وبحسب الوكالة الرسمية، «فرغم رحيل برونو ريتايو، لم يتغير شيء، إذ يبدو أن أساليبه لا تزال راسخة داخل مؤسسات الجمهورية الفرنسية»، في إشارة إلى وزير الداخلية الفرنسي السابق، الذي تميز بالتشدد مع الجزائر خلال ذروة الأزمة الدبلوماسية، خصوصاً فيما يتعلق بـ«قضية الجزائريين المبعدين من التراب الفرنسي»، الذين رفضت الجزائر استقبالهم.

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (أ.ف.ب)

ونشر ناشطون جزائريون بحساباتهم بالإعلام الاجتماعي أن غزار سافر إلى فرنسا «في إطار زيارة خاصة»، ولفت بعضهم إلى أن «تصريحاته المثيرة للجدل بخصوص المغرب»، كانت السبب في توقيفه عن المشاركة في البرنامج التلفزيوني الفرنسي.

وتكفل غزار بإدارة حملة الرئيس عبد المجيد تبون في فرنسا، خلال ترشّحه للانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر (أيلول) 2024، كما يُشتبه في كونه العقل المدبّر لمجموعة «المجاهدون 2.0» في فرنسا، وهي مجموعة من المؤثرين، الذين هاجموا خصوصاً المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا، في الأشهر الأولى من التوترات، التي اندلعت إثر إعلان قصر «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

ورجّح نفس الناشطين أن يؤدي توقيف مهدي غزار إلى انعكاسات على مسار تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين.

نذر تدهور العلاقات

بدأت نذر التدهور في علاقات البلدين تلوح في الأفق منذ أسبوع، وتحديداً يوم الأربعاء الماضي، حيث جرت محاكمة الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز في الاستئناف بمحكمة تيزي وزو (100 كلم شرق العاصمة)، التي ثبتت الحكم الابتدائي 7 سنوات سجناً مع التنفيذ بتهمة «الإشادة بالإرهاب».

مظاهرة في فرنسا لإطلاق سراح الصحافي الرياضي كريستوف غليز (أ.ف.ب)

وجاء الحكم صادماً بالنسبة لفرنسا التي كانت تتوقع تبرئته، أو على الأقل حكماً بالسجن مع وقف التنفيذ. وأعلنت الرئاسة في اليوم الموالي للمحاكمة، أن الرئيس إيمانويل ماكرون «تلقى بقلق بالغ» الخبر، مؤكداً أنه «سيواصل العمل مع السلطات الجزائرية حتى إطلاق سراحه، وعودته إلى فرنسا في أقرب وقت ممكن».

وتلقت السلطات الجزائرية رد فعل فرنسا على إدانة الصحافي، الذي جاء لإجراء استطلاع حول نادي «شبيبة القبائل» لكرة القدم، بحساسية بالغة. وعبّرت عن موقفها عبر صحيفتين، إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية، نشرتا مقالات تضمّنَت نقداً حاداً لما سمته «فرنسا الاستعمارية».

ففي مقال بعنوان «عندما تغرق باريس في نفاقها الخاص»، كتبت صحيفة «لو سوار دالجيري» أن «فرنسا، وهي ترتدي لباس المعلّم الذي يوزّع الدروس، تنتقد القضاء الجزائري الذي لم يسبق له قط أن أوقف دبلوماسياً فرنسياً في الشارع، بناءً على الإشارة الصادرة من هاتف محمول»، في إشارة إلى اعتقال موظف من قنصلية الجزائر بباريس في 11 أبريل (نيسان) الماضي، وسجنه بناء على تهمتي «خطف» و«احتجاز» اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص، اللاجئ بفرنسا. وذكرت السلطات الجزائرية أن الحادثة «تشكل انتهاكاً كاملاً للأعراف والأنظمة الدبلوماسية»، موضحة أن فرنسا «تصاب بالعمى والصمم وفقدان الذاكرة عندما يتعلق الأمر بمجرمين نهبوا ثروات الشعب الجزائري، حيث يتم تجاهل مذكرات التوقيف الدولية الصادرة عن الجزائر وعرقلتها، ودفنها في الأدراج»، وتقصد بذلك ضمناً رفض القضاء الفرنسي طلب تسليم وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب، الذي أدانه القضاء الجزائري بالسجن 20 عاماً بتهمة «الفساد».

اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص (متداولة)

من جهتها، كتبت صحيفة «الخبر»: «بمجرد صدور البيان الرئاسي الفرنسي الذي عبّر فيه الرئيس إيمانويل ماكرون عن قلق بالغ، إزاء الحكم القضائي، انطلقت آلة التشويه في الإعلام الفرنسي المتحالف مع اليمين المتطرف، لمحاولة تصوير الجزائر كدولة تقمع الصحافة وتتجاوز العدالة، في حملة يبدو أنها أعدت مسبقاً، ولم تكن مجرد رد فعل عفوي».

وقدرت مجلة «جان أفريك» الفرنسية، في عددها الثامن من الشهر الحالي، أن «الهدف الحقيقي من هذه الحملة هو إيصال رسالة، مفادها أنه لا إفراج بلا خطوة مقابلة من باريس»، ويفهم من ذلك أن الجزائر ستخلي سبيل الصحافي الفرنسي في حالة إطلاق سراح دبلوماسيها، الذي لم يذكر اسمه في وسائل الإعلام.


مقالات ذات صلة

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

شمال افريقيا محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الجزائر: تعيين وزير جديد للداخلية

عيّن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، إبراهيم مراد، في منصب وزير دولة وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، خلفاً لسعيد سعيود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

أعلنت الشرطة الجزائرية توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة الانضمام إلى شبكة إجرامية دولية والتخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر محمد عرقاب يتحدث في جلسة حوارية ضمن «مؤتمر البترول» العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

الجزائر: «أنبوب الغاز العابر للصحراء» يستهدف نقل 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا

أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بدستور بلاده»، وقال إن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

وجاءت تأكيدات السيسي، في كلمته بالندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة المصرية، بمناسبة ذكرى انتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1973؛ في سياق حديثه عن «محاولات استهداف بلاده من الداخل، وبث حرب نفسية تستهدف ثقة المصريين في مؤسسات الدولة».

وأشار السيسي إلى أن «معركة استهداف بلاده من الخارج ما زلت مستمرة»، ووجه نداء للمصريين بالتحصين من «محاولات الاستهداف المستمرة للرأي العام»، وقال إن «المواجهة مسؤولية مشتركة للشعب المصري مع مؤسسات الحكومة»، حسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية، مساء الأربعاء.

وشهد السيسي، فعاليات الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية، بعنوان «وطن الأبطال» بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، بحضور كبار المسؤولين في الحكومة المصرية وقادة الجيش المصري.

وفَرّق السيسي بين التحدي الذي واجهته بلاده وقت حرب أكتوبر 1973، وبين ما تشهده خلال السنوات الأخيرة، وقال إن «التحدي قبل أكثر من نصف قرن، كان استعادة أرض سيناء المحتلة»، في حين أن التحدي في 2013، كان «استعادة الدولة المصرية والحفاظ على هويتها الوطنية بعد محاولة الاستيلاء عليها وتغيير مسارها».

واعتبر السيسي أن «محاولات التأثير على وعي المواطنين وتزييف الحقائق لا تزال مستمرة حتى الآن»، واستشهد بالمحاولات التي تستهدف التشكيك في انتصار أكتوبر أو التقليل من أهميته، من خلال أدوات إعلامية وتقنيات حديثة، منها منصات التواصل الاجتماعي، وأكد أن «الذاكرة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول لأي أمة، والعبث بها أو تشويهها يؤدي إلى إضعاف قدرة الشعوب على إدراك الحقائق والتمييز بين الصواب والخطأ، بما يلحق ضرراً بمستقبل الدولة».

ووفق السيسي، فإن «الخطر الأبرز الذي لا يزال قائماً في بلاده، هو محاولات استهداف الوعي الوطني والعبث بالذاكرة الجمعية للمصريين»، وشدد على أن «تعزيز الوعي العام ليست مسؤولية أجهزة الدولة وحدها، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود المجتمع جميعاً».

وكشف السيسي، عن بعض من مناقشات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وقبل تولي جماعة الإخوان حكم البلاد. وقال إنه أكد للمشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق الراحل، خلال الاجتماع آنذاك: «لا مانع من تسليم السلطة للإخوان حال انتخابهم»، وقال إنه «كان يرى وقتها أن الحفاظ على الدولة واستمرار مؤسساتها يظلان أولوية مطلقة»، مشيراً إلى «المعيار الأهم هو بقاء الدولة واستمرارها، بغض النظر عمن يتولى إدارتها».

الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)

وحذر السيسي من حملات التضليل الموجهة للشعب المصري، وقال إن «الدولة لها دستور جرت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد»، وكرر التأكيد على أن «الدستور لن يُمس»، وقال إن ما تشهده الساحة خلال الفترة الماضية من شائعات ومحاولات لتزييف الوعي واستثارة الرأي العام، «هدفها زعزعة الاستقرار وتفجير الأوضاع من داخل بلاده»، حسب بيان للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وحول حديث وزير المالية الإسرائيلي عن سيناء، أكد السيسي على أن «بلاده خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها، واستعادتها بالكامل»، وأشار إلى أن «بلاده لا تحمل أي أجندات خفية، وأولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي».

وبشأن الأوضاع الإقليمية، أكد الرئيس المصري دعم بلاده للدول الخليجية، وشدد على أن «الأمن القومي لدول الخليج، جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وقال إن «أمن بلاده امتداد للأمن القومي الخليجي»، وأكد أن «مصر تدعم أشقاءها في دول الخليج، وهي مستعدة للقيام بكل ما يلزم لخفض التصعيد وتأمين الملاحة، وإعادة الاستقرار للمنطقة».


سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
TT

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس (آب) الماضي، مشيرة إلى أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى التي يُعلَن عنها في ليبيا ككل منذ 2010.

وبحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نددت المنظمة في بيان بإقدام القوات الخاضعة لسيطرة المشير خليفة حفتر، والمسيطرة على شرق ليبيا، وجنوبها على إعدام هؤلاء الأشخاص «عقب محاكمات عسكرية جائرة للغاية»، وتفتقر بوضوح إلى «معايير العدالة».

وإذ لاحظت بأن هذه الحالات تشكّل «أول عمليات إعدام معروفة في ليبيا منذ عام 2010»، نبّهت إلى أن «ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين محتجزين في سجن قرنادة العسكري، عرضة لخطر الإعدام الوشيك»، لكنها لم توضح مزيداً من التفاصيل عن زمان ومكان إعدامهم.

وتشهد ليبيا فوضى أمنية وانقساماً سياسياً ومؤسساتياً منذ سقوط معمر القذافي ومقتله عام 2011. وتسيطر قوات المشير خليفة حفتر على شرق البلاد، حيث توجد حكومة مدعومة منه، فيما تدير الغرب حكومة مقرّها طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

ويواجه معظم مؤسسات الإصلاح والتأهيل (السجون) في ليبيا، اتهامات متكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية، بتسجيل انتهاكات «جسيمة» لحقوقهم، تصل إلى حد وفاتهم جراء التعذيب، إلى جانب «تنفيذ أحكام عسكرية بالسجن أو الإعدام بحق بعضهم، لا تستوفي الإجراءات القضائية اللازمة»، خاصة في الشرق حيث تسيطر قوات حفتر.

ويقع سجن قرنادة على بعد نحو مائة كيلومتر شمال شرقي بنغازي، ويخضع في معظمه لسيطرة عسكرية، مما يجعله خارج نطاق اختصاص السلطات القضائية. وغالباً ما تثار اتهامات لهذا السجن بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها ممارسات تعذيب وسوء معاملة.

واتهم نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، بسام خواجا، قوات حفتر بإعدام أشخاص «بعد محاكمات سرية بنيت على اعترافات يزعم انتزاعها بالتعذيب، أمام محاكم قالت المحكمة العليا الليبية نفسها إنها ينبغي ألا تحاكم المدنيين».

ورأى خواجا أن «كل إعدام ينفذ في هذه الظروف ظلم لا رجعة فيه، وعلى كل حكومة لها نفوذ على القوات المسلحة، الضغط بشدة لمنع الإعدام التالي».

ولا تزال عقوبة الإعدام سارية في ليبيا، إذ ينص عليها قانون العقوبات لجرائم القتل والأعمال الإرهابية والمساس بأمن الدولة. وتصدر المحاكم الليبية أحكاماً بالإعدام، إلا أنها ظلت، حتى الآن، غير منفذة.

وإذ لاحظ خواجا أن «ليبيا لم تنفذ أي حكم بالإعدام طوال 15 عاماً»، أسف لكسر هذا التوقف عن التنفيذ «في غضون بضعة أسابيع»، وشدّد على أن «حياة ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين باتت مرهونة بقرار قوات حفتر، والحكومات التي تدعمها، بشأن ما إذا كانت ستضع حدّاً لعمليات الإعدام هذه أم لا».

وأشارت المنظمة غير الحكومية إلى أن عائلات المتهمين لم تتلق أي إخطار سلفاً بموعد تنفيذ الإعدامات، وإلى أن السلطات في شرق ليبيا رفضت تسليم جثامين من أعدموا، وطلبت من أقاربهم تأكيد هوياتهم، ثم دفنتهم من دون حضور العائلات، وحذرت الأقارب من إقامة جنازات.


تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
TT

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي، الذي احتلت بلاده فيه المركز 130 من بين 180 دولة، وما يمثله ذلك من «إهدار للمال العام» في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة.

وقال فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، في طلب الإحاطة، إن «الفساد يزداد في مصر، والحكومة مطالبة بكشف حساب».

وصدر مؤشر «مدركات الفساد» عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير (شباط) الماضي، وأرجع البياضي تقديم طلب الإحاطة متأخراً عن وقت صدور التقرير إلى إجازة المجلس طيلة 3 أشهر، نافياً ربطه بأي وقائع حديثة تتعلق بالفساد، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

غير أن مراقبين ربطوا هذا الطلب بـ«منتدى مصر 2026»، المقرر إقامته في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وتترقب الساحة المصرية عقد «منتدى مصر» التفاعلي لعرض الإنجازات الحكومية. ويتيح المنتدى للمواطنين تقديم تساؤلات واقتراحات عبر موقع خاص به أطلقته الحكومة مطلع الشهر الحالي، وكذلك تسجيل طلبات للمشاركة فيه.

واستقرت مصر في المرتبة 130 بمؤشر «مدركات الفساد» عن العام 2025، وهو المركز نفسه الذي هبطت له في عام 2024، من المركز 108 الذي حققته في 2023، والمركز 94 في عام 2014.

المال العام

ويشير عضو مجلس النواب في طلب الإحاطة، وفق بيان بصفحته على «فيسبوك»، إلى أن «الفساد قد يكون في مشروع يقام بتكلفة أكبر من قيمته، أو في مناقصة تُحسم بالمحسوبية، أو في مسؤول يستغل منصبه، أو إنفاق مال عام دون رقابة».

وأضاف أن مصر أطلقت «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد» في عام 2014، وأنه بعد مرور أكثر من 10 سنوات من «الاستراتيجيات والمؤتمرات وتصريحات مكافحة الفساد، تراجعنا للوراء بدلاً من تحقيق تقدم في الملف».

ويعتبر الخبير السياسي وعضو البرلمان السابق عماد جاد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤشر يعكس عدم إحراز تقدم في مكافحة الفساد، رغم أن مصر لديها منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية جامعة وشاملة لمجابهة إهدار المال العام، لكن الأزمة تظل في التطبيق، وليس التشريع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي الدوري للحكومة في 4 يونيو الماضي (رئاسة مجلس الوزراء)

وتعمل «هيئة الرقابة الإدارية» المستقلة على مكافحة الفساد في مصر، وتعلن من وقت لآخر عن ضبط قضايا متنوعة بين رشاوى واستغلال نفوذ واختلاس وغيرها في قطاعات مختلفة من الدولة.

وفي 14 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الهيئة عن ضبط «تشكيل إجرامي تخصص في الاحتيال الإلكتروني والنصب على المواطنين». وفي التاسع من نفس الشهر، أعلنت عن ضبط مسؤولي 13 شركة زوّروا تخليصات جمركية للإفراج عن 122 رسالة جمركية بالمخالفة للقانون ودون تحصيل الرسوم المستحقة.

وحذّر النائب البرلماني من تأثيرات الفساد على الاستثمار، قائلاً في طلب الإحاطة إن «المستثمر لن يطمئن لبيئة بها محسوبية أو منافسة غير عادلة، والنتيجة فرص عمل أقل واقتصاد أضعف».

الرقابة والمساءلة

وسبق أن أكد مسح لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» عن عام 2024 الأمر ذاته، إذ أوضح أن «الفساد يقف عائقاً أمام الاستثمار والمنافسة وكفاءة الاقتصاد المصري». ولفت التقرير إلى أن «المشكلة لا تكمن أساساً في غياب القوانين والاستراتيجيات، بل في ضعف تنفيذ الأدوات القائمة، وقصور آليات الإبلاغ والمساءلة والرقابة، وصعوبة الوصول إلى المعلومات».

وقال جاد لـ«الشرق الأوسط»: «البيروقراطية وقلة أعداد موظفي الرقابة تجعل هناك صعوبات في محاصرة الفساد... وعدد القضايا المُعلن عنها قليل مقارنة بحجم الفساد».

وأضاف: «ملف مواجهة الفساد يتطلب أيضاً رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، حتى يتمكن الموظف من العيش دون أن يلجأ إلى الرشاوى وغيرها من الأشكال».

ولا توجد إحصائيات دورية عن عدد قضايا الفساد التي يتم ضبطها، والقطاعات الأبرز من حيث تفشي الفساد فيها، ونتائج هذه القضايا، أو حجم الأموال المُستردة من مكافحة الفساد؛ غير أن «هيئة الرقابة الإدارية» أشارت في تقرير عن أول 7 أشهر من عام 2019 إلى ضبط 412 قضية جنائية لرشوة واختلاس وتسهيل الاستيلاء على المال العام والتزوير والكسب غير المشروع، كما أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية حيال 1433 موظفاً عاماً بسبب انحرافات وظيفية.

وعن المسارات المفترض أن يخوضها طلب الإحاطة الذي قدّمه النائب البياضي، قال: «يُفترض أن تُرسِل الحكومة لجنة لمناقشته مع اللجان المختصة في مجلس النواب، ثم يرد الوزراء المعنيون على ما جاء فيه مع تقديم كشف الحساب»، لكنه أردف قائلاً إن ذلك «غير مضمون... وقد لا ترد الحكومة» على الطلب.