فلادلينا ساندو لـ«الشرق الأوسط»: «ذاكرة» لحماية الأطفال من آثار الحروب

فيلم المخرجة الشيشانية حصد جائزة لجنة التحكيم في «مراكش»

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
TT

فلادلينا ساندو لـ«الشرق الأوسط»: «ذاكرة» لحماية الأطفال من آثار الحروب

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الشيشانية فلادلينا ساندو إنها شعرت، منذ اللحظة الأولى التي فكّرت فيها بإنجاز فيلم «ذاكرة»، بأن هذا المشروع ليس مجرد محاولة لاستعادة ماضٍ شخصي، بل ضرورة ملحّة لفهم تاريخ لا يزال ملتبساً، تاريخ انهار معه الاتحاد السوفياتي، واشتعلت في ظلاله الحرب في الشيشان، وتحوّلت طفولتها إلى سلسلة أحداث متتابعة من الخوف، والنجاة.

وأضافت فلادلينا ساندو التي حصد فيلمها جائزة «لجنة التحكيم» بمهرجان مراكش لـ«الشرق الأوسط» أنها من خلال هذا الفيلم أرادت أن تكشف تلك الأجزاء من التاريخ التي لم تُوثَّق كما يجب بعد، ولم تُرَ من منظور الضحية التي عاشت داخل النار، بدلاً من منظور السلطة، لافتة إلى أنها وجدت أنه من المهمّ أن تقول شهادتها، لأنها كانت طفلة حين بدأت الحرب، لم تعرف الكثير عن السياسة، أو «من المخطئ، ومن المصيب».

يرصد الفيلم تداعيات إنسانية لقرارات سياسية وعسكرية (الشركة المنتجة)

وقالت إنها رأت بعينيها انهيار العالم من حولها، والهروب الجماعي للأصدقاء، والقصف، والخوف، وموت الجيران، وإصابة والدتها، ثم اضطرارها إلى الفرار، والعيش نازحة في روسيا، وكانت تدرك أن هذه التجربة العميقة لا يمكن أن تبقى محصورة في الذاكرة، بل يجب أن تتحول إلى صور، إلى سرد مفتوح على أسئلة تتجاوز حدودها الشخصية.

وتدور أحداث الفيلم في تتبع «فلادلينا»، ذات السنوات الست، التي تنتقل من شبه جزيرة القرم إلى غروزني بعد طلاق والديها، من دون أن تدرك أن الحرب ستلتهم طفولتها قريباً، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، تبدأ الجمهورية الشيشانية في التصدّع، أصدقاؤها الناطقون بالروسية يفرّون، بينما يعود الشيشانيون المُهجّرون ليستعيدوا وطنهم، وتتصاعد التوترات سريعاً، وينفجر الصراع المسلّح، فيغمر العنف المدينة؛ يُقتل الجيران، وتُستهدف عائلتها، وتتحوّل غروزني إلى ساحة قتال مفتوحة.

وبعد أربع سنوات من الحرب، تُصاب والدتها إصابة خطيرة، ويجبر هجوم مسلّح «فلادلينا» على الهرب، لتصبح نازحة داخل روسيا، في فيلم تعود من خلاله المخرجة الشابة إلى ذكريات طفولتها المروّعة لتواجه سؤالاً واحداً يطاردها، كيف يمكن كسر دائرة العنف التي تُشكّل حياة الأطفال وتنتقل عبر الأجيال؟

المخرجة الشيشانية (الشركة المنتجة)

وعن طبيعة الفيلم الذي يمزج بين السيرة الذاتية والتخيل، قالت إنها لم تكن تبحث عن «الواقعية» بمعناها المباشر، لأنها ترى أن الواقع ذاته ليس صورة جاهزة، بل انعكاس يختلف وفق زاوية الرؤية، أو الشخص الذي يرى، فكانت ترغب في بناء عالم يعبر عن إدراكها الشخصي لطفولتها، وعن الطريقة التي كانت ترى بها الأشياء وهي صغيرة، وعن قدرتها على خلق مساحة حرّة تستعيد فيها ذاتها بلا قيود، فالطفل، كما تقول: «يعيش عالماً أوسع من الحقيقة، وأقل صلابة منها، عالماً يمكن فيه للخيال أن يضيء ما يعجز الواقع عن تفسيره».

أما عن كيفية تحويل القسوة التي عاشتها إلى مادة سينمائية، فأكدت فلادلينا أن «الفيلم كان بالنسبة لي شكلاً من أشكال العلاج الفني، فقد حملت لسنوات طويلة آثاراً نفسية عميقة من العنف الذي شهدته، والرغبة في الانتقام، والشعور المتواصل بالخطر، وإدراكي المتأخر أن أجساد الأطفال الذين يكبرون في مناطق الحرب تعيش مستويات عالية من الأدرينالين تجعل الانتقال إلى حياة طبيعية أمراً شديد الصعوبة».

وقالت إن الفنّ يمنحها القدرة على إعادة تشكيل هذه الذاكرة من جديد، ويساعدها على فهمها، ومواجهتها، وعلى منح الآخرين فرصة للتعرّف على التجربة التي يعيشها الأطفال في مناطق الحرب، وأضافت: «بعدما أنجزت الفيلم شعرت بقدر من السكينة لم أعرفه منذ زمن طويل، إذ تمكّنت أخيراً من إخراج تلك الصور التي كانت تعيش داخلي فقط، وتحويلها إلى لغة يفهمها الآخرون، ويشاركونني التفكير في أسئلتي».

وعند سؤالها عن بطلتَي الفيلم اللتين أدّتا شخصيتها في عمرين مختلفين، أوضحت أنها عثرت عليهما خلال تجارب أداء في غروزني، وأنهما لم تكونا ممثلتين محترفتين، لكنهما تنتميان إلى المكان نفسه، وتحملان حساسيته، وتاريخه.

الملصق الدعائي للفيلم (مهرجان مراكش)

وروت أن الطفلة أمينة تايسوموفا، التي بدت في السابعة من عمرها، قالت لها في المقابلة الأولى إن هوايتها المفضلة هي الملاكمة، وهو أمر بدا مستحيلاً في مجتمع محافظ لا يسمح للفتيات بممارسة هذه الرياضة. لكن إصرار أمينة دفع فلادلينا إلى مخاطبة أهلها، وتشجيعهم على منحها فرصة تحقيق حلمها، وبعد فترة بدأت الطفلة التدريب فعلاً، وأصبحت تفوز بالبطولات.

ورأت فلادلينا في ذلك انعكاساً لما عاشته هي نفسها في طفولتها، حين كانت تحب الرسم، لكن البيئة المحيطة كانت تمنعها حتى من استخدام يدها اليسرى.

وأكّدت المخرجة الشيشانية أنها كانت حريصة على حماية الطفلتين من أي أثر نفسي، فصوّرت معهما المشاهد بوعي كامل، وبعناية تضمن أن تبقى المسافة بين التجربة الحقيقية والتمثيل واضحة، فكانت تريد أن يعرفا أنّ الفيلم ليس إعادة إنتاج للعنف، بل محاولة لفهمه، وكسره، وأنهما تمثّلان طفلة تنجو لا طفلة تعيد عيش الألم.

وعبرت عن أملها في أن يساعد فيلم «ذاكرة» في فتح نقاش أوسع حول كيفية التعامل مع الصدمات التي يتعرض لها الأطفال بسبب الحروب، وكيف يمكن للمجتمعات أن تمنع انتقال دورة العنف إلى الأطفال، وأن تجد طرقاً حقيقية لدعمهم كي يشهدوا عالماً مختلفاً عما عرفته هي، عالماً لا يحتاجون فيه إلى السلاح ليشعروا بأنهم أقوياء.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.