«أرشيف بدوي»... فوتوغرافيا تُسجل 70 عاماً من ذاكرة الإسكندرية

معرض فني يضم 50 صورة لـ«عروس المتوسط»

صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
TT

«أرشيف بدوي»... فوتوغرافيا تُسجل 70 عاماً من ذاكرة الإسكندرية

صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)

التجوّل في حي «كوم الدكة» بمدينة الإسكندرية (شمال مصر) يبدو اليوم أشبه برحلة في ذاكرة الثغر؛ فحوائط البنايات والمنازل في هذا الحي العتيق تكتسي بمجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة لشخوص وأمكنة تعود إلى القرن الماضي، وتمتد لما يزيد على 70 عاماً.

وقد جاءت هذه الصور ضمن احتفالية «أيام التراث السكندري» بعنوان «بدوي من كوم الدكة»، التي انطلقت في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وكان من المقرر رفعها في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) بعد انتهاء المعرض، غير أن الجمهور رفض ذلك، وتمسّك ببقائها جزءاً من معالم المكان، بعدما لامست مشاعرهم وأيقظت ذكريات لم تفلح السنوات الطويلة في محوها من وجدانهم، على حد تعبير بعضهم.

أما المعرض، الذي يضم أعمال المصوّر الفوتوغرافي المصري أحمد بدوي، المولود في حي كوم الدكة والذي أسّس فيه الاستوديو الخاص به، فقد شكّلت صوره ذاكرة حيّة للمدينة تعكس مراحل من تاريخها وتحفظ ملامحها القديمة.

صور للجنازة الرمزية التي أقيمت للزعيم جمال عبد الناصر في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

جاءت الفكرة انطلاقاً من «الرغبة في تقديم معرض مميّز يخرج من جدران الغاليريهات الفنية والقاعات والمراكز المتخصصة إلى براح الشوارع؛ ليذهب إلى الناس حيث يعيشون ويعملون، أو حتى يمرّون مصادفة، بدلاً من انتظار أن يتوجّهوا هم إليه في مكان مغلق وأنيق»، وفق المصوّر الصحافي عبد العزيز بدوي، مسؤول الأرشيف وحفيد صاحب الاستوديو الراحل.

وقد رأى عبد العزيز، ومعه الصديقان الصحافيان حازم جودة وأحمد ناجي، اللذان يشاركانه ترميم وإدارة «أرشيف بدوي»، أن الفكرة غير مسبوقة في المدينة، وربما في مصر كلها؛ لذلك تحمّسوا لها بشدّة، وطرحوا المشروع على إدارة احتفالية «التراث السكندري»، التي رحّبت بتنفيذه على الفور.

ويقول عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط»: «طبعنا نحو 25 صورة في البداية من أرشيف بدوي، وعلّقناها على حوائط البنايات والمقاهي والمتاجر في منطقة كوم الدكة، متّبعين المسار نفسه الذي كان يسلكه جدّي ذهاباً إلى الاستوديو الخاص به، بدءاً من منزله في الحي وصولاً إلى المحل الكائن في منطقة محطة الرمل. وفوجئنا يوم الافتتاح بترحاب كبير من أبناء المكان، حتى بدا الأمر وكأنه مناسبة عائلية».

الحفيد يُرمِّم بعض صور الأرشيف وفي الخلفية صورة للجد أمام الاستوديو (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن أبناء الحي أخذوا يرددون أن الصور تُجسِّد قصصهم وحكايات عائلاتهم وذكرياتهم، بل طالبوا بتعليق المزيد منها. ويتابع: «استجبنا لهم حتى وصل عددها إلى نحو 50 صورة، وعندما جاء موعد رفعها تمسّكوا ببقائها وطلبوا أن تظل معلّقة بشكل دائم؛ وقد كان لهم ما أرادوا».

ويعتقد عبد العزيز أن سِرَّ تعلّق الأهالي بهذه الصور هو أنها «لامست قلوبهم»، مضيفاً: «إنها تجسّد فعلاً حياة الناس وجذورهم وامتدادهم، كما أن مَن التقطها كان واحداً منهم». ويشير عبد العزيز إلى لفتة طريفة حين كان سكان الحي، بعد أن رأوا المنظمين يعلّقون صور الأرشيف، «هم الذين يعرّفوننا بالشخصيات الموجودة فيها، ويروون حكايات آبائهم وأجدادهم بفرح وحنين وشجن».

ومن المواقف التي لا ينساها الحفيد، تلك السيدة التي جاءت إليه وهي تحتضن صورة بيدها، وقالت له: «هذه آخر صورة لشقيقي... التقطها له جدّك في الاستوديو قبل أن يتطوّع للخدمة، واستُشهد في حرب أكتوبر بيوم واحد فقط، وكأنه أراد أن يترك لنا ذكرى لا تزول».

أهل حي «كوم الدكة» يشرحون للزائرين والأجيال الجديدة حكايات الصور (الشرق الأوسط)

يرى عم أحمد السيد، أحد سكان الحي، أن من أهم المكاسب التي حققها هذا المعرض الدائم أنه «أعاد الإحساس بالدفء إلى المكان، واستعاد المجتمع المصري كما كان في الزمن الجميل، كما أعاد الإحساس بالجمال». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت الناس تسير في شوارع الحي وتمارس حياتها الطبيعية، تبيع، وتشتري، وتجلس على المقاهي، والذكريات تحيط بهم في هيئة صور. وأصبحوا يتطوعون لسرد قصة المعرض والحديث عن شخوص الصور لكل من يمر بالمكان بفخر. إنه بمثابة تنشيط للسياحة، وأتوقّع زيادة المترددين على هذه المنطقة التي تُعد نقطة جذب سياحي لتعدّد معالمها».

لكن كيف وقع الحفيد وصديقاه على هذا الكنز من الصور الفوتوغرافية النادرة؟ يقول عبد العزيز: «كنا نذهب للعمل داخل استوديو جدّي، وكان أمامنا أرشيف من الصور يعود إلى الثمانينات. وذات يوم نزلنا إلى السرداب بحثاً عن كاميرا قديمة، فإذا بنا نعثر على مئات الآلاف من الصور التي يعود بعضها إلى الأربعينات من القرن الماضي».

ويضيف: «نُرمّم الآن هذه الأعمال، ونحاول الحصول على منح لمواصلة هذا المشروع. ولم يقتصر الأمر على الصور؛ فقد اكتشفنا أيضاً مراسلات بين جدّي وأحد أصدقائه المداومين على السفر إلى أوروبا، عرفنا منها أنه كان يطلب أحدث الكتالوغات والكاميرات المتوفرة آنذاك؛ ما يدلّ على أنه كان مواكباً لعصره. وقد تضافر ذلك مع موهبته، فكانت النتيجة تميّزه مصوّراً فوتوغرافياً يتفوّق علينا نحن الجيل الجديد رغم التطور واستخدامنا للتصوير الرقمي».

الصور أصبحت جزءاً من نسيج شوارع الحي (الشرق الأوسط)

وتابع: «داخل الاستوديو شاهدنا جانباً من أرشيف بدوي الذي عمل مصوّراً رسمياً لديوان المحافظة، ومصوّراً صحافياً لأشهر الصحف المصرية، مما أتاح له توثيق الأحداث المهمة في الإسكندرية أيضاً. وكان من أبرزها الجنازة الرمزية الموازية التي شهدتها المدينة عند رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، إضافة إلى صور لرموز مصرية في مؤتمرات ومهرجانات مختلفة».

وتغطي الصور فترة زمنية واسعة تمتد من أربعينات القرن الماضي حتى عام 2005، حين توقف الجد عن التصوير إلى أن رحل في عام 2013، وفق ما يوضحه الحفيد.

يشرح عبد العزيز أن «الصور تعكس نبض المدينة وتشكّل ذاكرتها الحيّة؛ فهي توضّح الطرز المعمارية والأماكن التي اندثرت، كما تُبرز موضات الملابس وتسريحات الشعر. وتُظهر كيف كانت الأسرة المصرية تحرص بين حين وآخر على التقاط (صورة الأسرة) داخل الاستوديو توثيقاً لتاريخها». ويتابع: «وتعكس كذلك حرص العائلات على الخروج الجماعي والتنزه معاً في المعالم السياحية».

صورة طفل يرتدي بيجامة «كستور» أنيقة وحذاءً أسود كلاسيكياً أمام ساعة الزهور (الشرق الأوسط)

ومن الصور التي لا ينساها عبد العزيز، وأثارت داخله كثيراً من الأسئلة، صورةٌ لطفل مصري يرتدي بيجامة «كستور» أنيقة وحذاءً أسود كلاسيكياً، يلعب بدراجة صغيرة أمام «ساعة الزهور». وقد نُشرت هذه الصورة في جريدة «الأهرام» خلال العيد عام 1964. ويقول عبد العزيز إنه يتمنَّى أن يعرف أين أصبح هذا الطفل اليوم؟ وهل وصلت إليه صورته يوماً؟

ومن المقرّر أن يشارك «أرشيف بدوي» بمجموعة من الصور المتنوعة في فعاليات عدّة بالقاهرة والإسكندرية، ليتعرَّف جمهور أوسع على حكايات من ذاكرة «عروس البحر المتوسط».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)

معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

يثبت معرض «العقائد المصرية على ساحل البحر الأسود» بالصور الأثرية انتشار العقائد المصرية القديمة في مدن ساحل البحر الأسود

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

وسط حضور فني وثقافي واسع احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» مساء الاثنين بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

معرض يقدّم لك الطبيعة مطرَّزة على الأقمشة الفاخرة، ويكرِّم الحرفيين الذين يقفون وراء هذا الفن رغم غياب أسمائهم خلف المصمّمين الكبار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك.

منى أبو النصر (القاهرة)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.