في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تصبح صحافياً أفضل؟

10 طرق لتوظيف قدرات البحث المُعمّق والمتصفح الوكيلي

في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تصبح صحافياً أفضل؟
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تصبح صحافياً أفضل؟

في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تصبح صحافياً أفضل؟

يُثار حالياً الكثير من الجدل حول فقاعة الذكاء الاصطناعي، وهو جدال ناجم جزئياً بتصور أن مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي وهمية إلى حد كبير، كما كتب بيت باتشال *.

تجربة صحافي

لا أستطيع التحدث عن السوق، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي مُبالغاً في تقديره أو مُقللاً من قيمته على نطاق واسع، ولكن يُمكنني القول إنه في العام الماضي وحده، غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملي تماماً.

بالنظر إلى الأدوات الحالية التي لم تكن موجودة قبل عام - البحث المُعمّق، والمتصفح الوكيلي، والقفزات الكبيرة في أداء جميع الطُرز الحديثة - هناك الكثير من الطرق التي يُمكن للذكاء الاصطناعي من خلالها تسريع أو تحسين الكثير من مهام العاملين في مجال المعرفة، وخاصة الصحافيين. وبصفتي صحافياً مُستقلاً، ربما أكون أقل تقيداً بقليل من مُعظم الناس لأني أحدد بنفسي سياسة الذكاء الاصطناعي الخاصة بي. وقد دفعني الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في كيفية إنجاز كل جزء من العمل. لذا؛ سواءً أكانت فقاعة أم لا، فإن هذا التحول قد بدأ بالفعل.

طرق توظيف الذكاء الاصطناعي

لتوضيح هذا بشكل أفضل وتسليط الضوء على الأدوات والتقنيات المفيدة على نطاق واسع، قمتُ بتقسيم طرق عدة أستخدم فيها الذكاء الاصطناعي في كتابتي وبحثي وإعداد تقاريري.

الطريقة الأكثر بديهية لتنظيم ذلك هي من خلال شرح عملية القصة - من تطوير الأفكار إلى النشر ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي. إليك 10 طرق أستخدم فيها الذكاء الاصطناعي بصفتي صحافياً ومنشئ محتوى:

1. مراقبة ومواكبة المواضيع: تختلف مجموعة القصص (المواضيع) التي يحتاج أي صحافي إلى مواكبتها؛ لذا فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على التخصيص والتلخيص مفيدة للغاية هنا.

أجد أن «تشات جي بي تي - بلس» ChatGPT Pulse الذي لا يقتصر عمله على تجميع القصص فحسب، بل يشرح أيضاً سبب أهميتها لعملك، كما يتضمن معلومات شخصية أخرى (مثل جدولك الزمني) - مفيد للغاية، ولكنه محدد بإطار خطة Pro (200 دولار شهرياً).

وهناك أدوات بسيطة ولكنها مفيدة لتلخيص المهام، هما «تشات جي بي تي» أو «بيربليكسيتي» Perplexity، حيث يمكنك إنشاء موجه «لحقن» أوامر البحث عن أحدث القصص التي تهمك وإرسالها إلى بريدك الإلكتروني الوارد.

2. التصفح السريع: بمجرد أن أعثر على مقال يثير اهتمامي، غالباً ما أقرأ ملخصه قبل أن أقرر ما إذا كنت أرغب في قضاء الوقت في قراءته. يوجد زر مخصص لذلك في متصفح «كوميت» Comet من «بيربليكسيتي»، وهناك أيضاً الكثير من إضافات المتصفح «كروم» التي تقوم بذلك. أما على منصة «إكس» فأجد أن إمكانية الرد ببساطة على أي منشور بواسطة اداة “@grok what is this post about?، للحصول على شرح موجز وفوري يُوفر الكثير من الوقت، خاصةً مع الميمات والموضوعات الشائعة التي أراها لأول مرة.

ملخص صوتي وأفكار للمواضيع

3. التعمق: عندما حققت أداة NotebookLM من «غوغل» نجاحاً كبيراً في الخريف الماضي بفضل قدرتها على إنشاء بودكاست حواري فوري، رفضها الكثيرون وعدوها مجرد حيلة. لكنني أجد هذه الميزة أداة مفيدة للغاية للاستعداد لموضوع أو خبر. يمكنك إما وضع رابط واحد في المجلد أو استخدام ميزة البحث السريع الجديدة للعثور على قصة، وإنشاء ملخص صوتي، وهكذا - لديك بودكاست قصير حول الموضوع الذي تبحث عنه. استمع بسرعة 1.5x لقراءة أسرع.

4. أفكار للقصص: إن إيجاد الروابط والزوايا المفقودة بين القصص عملية تعتمد في الغالب على الإنسان، لكن NotebookLM شريك جيد هنا أيضاً. إن حثه على اقتراح أفكار للقصص بناءً على الأسئلة الضمنية أو غير المُجابة في مجموعة المقالات في دفتر الملاحظات غالباً ما يكون نقطة انطلاق رائعة لفكرة قصة.

5. التعمق في التفاصيل: بمجرد أن أعرف الفكرة التي أطرحها، يحين وقت البحث. من الواضح أن الذكاء الاصطناعي بارع في هذا، وخاصة أدوات البحث العميق التي ظهرت في العام الماضي. أستخدمها جميعاً، ولكن بشكل مختلف، فمثلاً فتن «بيربليكسيتي» ممتاز للمحاولة الأولى - إنه سريع، ولكنه عادةً ليس دقيقاً مثل غيره. أجد عموماً أن «جيمناي» Gemini هو الأفضل في العثور على المصادر على الويب، ولكنه أقل براعة في تحديد أولوياتها.

خياري المفضل للبحث الجاد هو «تشات جي بي تي»، والذي أراه الأكثر شمولاً. كما أنه ممتاز لتوجيه قدرات البحث العميق نحو الداخل، وذلك بتوجيهها إلى مجموعة كبيرة من الملفات في مجلد «غوغل درايف» و«دروبوكس».

المتصفح الوكيلي ومدرب الكتابة

6. استهداف معلومات بالغة الدقة: عندما يكون مفتاح قصتك مستنداً أو قطعة بيانات مفردة، فمن المفيد الاستعانة بمتصفح وكيلي خارجي للعثور عليها. على سبيل المثال، عادةً ما تُحفظ وثائق المحكمة في خدمات يصعب الوصول إليها مثل PACER (الوصول العام إلى السجلات الإلكترونية للمحكمة). غالباً ما يتطلب العثور على القضية المناسبة إجراء عمليات بحث عدة، خاصةً إذا لم تكن متأكداً من الأسماء الدقيقة المعنية أو المحكمة المحددة. عند تكليفك مهام واضحة كهذه، يكون وكيل متصفح مثل Comet أو ChatGPT Atlas هو المتدرب البحثي المثالي، حيث عادةً ما يجد ما تبحث عنه بالضبط في دقائق معدودة.

7. مدرب الكتابة: الآن بعد أن جمعتُ وعالجتُ جميع المواد الأساسية، حان وقت الكتابة.

بالنسبة لأعمدتي وتقاريري الأصلية، لا أدع الذكاء الاصطناعي يكتب لي، لكنني غالباً ما أستخدمه بصفتي مدرباً. لقد صممتُ برنامجاً مُخصصاً لـ«جي بي تي» ليعمل كمُحاور فضولي: يُجري عليّ أسئلة عدة - شفهياً - ويُسجل إجاباتي المُطولة، ثم يُجمعها جميعاً في مُخطط مُفصل بمجرد الانتهاء. من هناك، أنطلق في السباقات، وأعود أحياناً إلى المُدرّب عندما أسلك اتجاهاً غير مُتوقع. تُساعدني هذه العملية على الكتابة في خلال نصف الوقت تقريباً كما كان من قبل.

8. مُتدرب على الكتابة: أكتب مُلخصاً إخبارياً لنشرتي الإخبارية يوم الخميس، حيث يُشارك الذكاء الاصطناعي في تأليف كل عنصر.

بالنسبة لهذه المُلخصات القصيرة، أنشأتُ مشروع «كلود» المُدرّب على أسلوبي، وتنسيق المُلخص، والجمهور المُستهدف. بمجرد إعطائه قصة أو اتجاهاً إخبارياً، يكتب مُلخصاً من فقرة واحدة بأسلوبي، والذي أقوم بعد ذلك بتحريره وإضافة إليه. يُحوّل هذا العملية التي تستغرق 15 دقيقة شيئاً يستغرق نحو خمس دقائق. (نعم، أنا شفاف تماماً مع جمهوري عندما يكون الذكاء الاصطناعي كاتباً مشاركاً).

9. قسم النسخ: يمر كل ما أكتبه عبر قسم نسخ الذكاء الاصطناعي الخاص بي: أولاً، يُراجعه برنامج «جي بي تي» مُخصص بشكل نقدي وبنّاء، مُقترحاً تعديلات (وأحياناً المزيد من البحث) لجعل النص أقوى. ثم يُجري برنامج «جي بي تي» آخر تدقيقاً لغوياً؛ بهدف جعله أكثر حيوية أو حوارية، حسب السياق. والأهم من ذلك، لا يُجري أيٌّ من برنامجي «جي بي تي» إعادة كتابة تلقائية - فهي جميعاً اقتراحات يُمكنني قبولها أو رفضها.

10. مدير وسائل التواصل الاجتماعي: أخيراً، بمجرد نشر النص، أحصل على مُطالبة مُحددة لكتابة نص اجتماعي على «لنكدإن» لكلٍ من ملفي الشخصي وصفحة شركة The Media Copilot.

في هذه الحالة أستخدم Zapier، وهي أداة أتمتة تُنشئ المنشور الاجتماعي تلقائياً وتُرتبه لمراجعتي. هذا يُوفر الكثير من الوقت والجهد بين نوافذ المتصفح ويضمن عدم تفويت أي منشور.

آمل أن تلاحظوا نمطاً واضحاً فيما عرضته: كل عملية تتضمن استخدام الذكاء الاصطناعي لجذب انتباهي إلى أمور معينة، ولكنه يُعطي الأولوية لانتباهي.

«مركزية» بشرية

برأيي، يُعدّ الذكاء الاصطناعي مُسرّعاً استثنائياً لمهام مُحددة في تأليف القصص، لكن العملية تتطلب مراجعةً وحكماً بشرياً طوال الوقت. وبينما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مُدرباً مُفيداً في الكتابة لصيغ مُحددة للغاية، فإنني أُحافظ على النص في أي شيء جوهري (مثل هذا العمود) مكتوباً بشرياً.

ستبقى هذه المركزية البشرية، مهما بلغت درجات الذكاء والأتمتة في أجزاء العملية. مع أنني لا أشك في أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في التحسن، إلا أن الهدف من استخدامه هو تحسين وتسريع وتوسيع نطاق تواصلي مع الجماهير - الجماهير البشرية.

يُمكن للآلات أن تكون شريكات رائعات، لكن اللحظة التي تُصبح فيها محور الاهتمام هي عندما نتوقف عن التواصل ونبدأ فقط في إنشاء «المحتوى». لقد شهدت وسائل الإعلام للتو حقبةً تهيمن عليها تحسين محركات البحث والخوارزميات والتفكير السطحي... دعونا لا نكرر ذلك.

 

* مجلة «فاست«كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».