بالطيور لـ«الشرق الأوسط»: مهرجان البحر الأحمر أصبح «ركيزة راسخة» عالمياً

الرئيس التنفيذي يكشف عن مفاجآت الدورة الخامسة... وتوسّع حضورها في الجغرافيا السينمائية

فيصل بالطيور الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي (إدارة المهرجان)
فيصل بالطيور الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

بالطيور لـ«الشرق الأوسط»: مهرجان البحر الأحمر أصبح «ركيزة راسخة» عالمياً

فيصل بالطيور الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي (إدارة المهرجان)
فيصل بالطيور الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي (إدارة المهرجان)

في جدة التاريخية، حيث تتقاطع الأزقة القديمة مع نبض الحراك الثقافي الجديد، تستعد الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي للانطلاق مساء يوم الخميس، في نسخة تُقام للمرة الأولى بقيادة فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، والتي لا تبدو مجرد دورة جديدة، بل انعطافة حقيقية ينتقل فيها المهرجان من تراكم التجارب إلى رسوخ الهوية.

بالطيور، المعروف بحضوره الطويل والمؤثر في صناعة السينما السعودية، يصف هذه اللحظة بنبرة هادئة متماسكة، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ويكشف عن أن ما يقف أمامه اليوم «ليس حدثاً واعداً»، كما كان يُنظر للمهرجان في بداياته، بل ركيزة قوية في خريطة المهرجانات العالمية، ومرجعاً متنامياً لصناعة السينما العربية والأفريقية والآسيوية.

بوستر فيلم افتتاح المهرجان «العملاق»... (إدارة المهرجان)

مرحلة نضج جديدة

بطبيعة الحال، جاء السؤال الافتتاحي للحوار حول وصفه لهذه النقلة، ليجيب بالقول: «تولّي مسؤولية قيادة مؤسسة ومهرجان بحجم البحر الأحمر هو شرف كبير، خصوصاً أن علاقتي بالمهرجان ليست جديدة؛ كنت قريباً من هذه المنظومة منذ بداياتها، أتابعها وأدعمها وأؤمن برسالتها في خدمة السينما السعودية والعربية والعالمية».

يمضي بالطيور في حديثه، ليشير إلى أن الدورة الخامسة تعبّر عن انتقال المهرجان «إلى مرحلة نضج جديدة»، مع وجود رؤية أوضح، وأدوات أقوى، ومنظومة متكاملة تعمل على مدار العام، وليس فقط خلال 10 أيام في جدة.

وللتدليل على حجم التحوّل، يستند إلى الأرقام التي حققها المهرجان في سنواته الماضية، حيث «عرض أكثر من 520 فيلماً من 85 دولة، وأُتيح نحو 160 ألف تذكرة للجمهور، وأصبح صندوق البحر الأحمر أحد أكبر الصناديق في المنطقة دعماً للإنتاج العربي والأفريقي والآسيوي».

ويؤكد أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا عمل فرق المؤسسة والمهرجان والصندوق والمعامل والسوق، إلى جانب دعم مجلس الإدارة رئيسة مجلس أمناء المؤسسة جمانا الراشد.

ويردف: «عندما أنظر إلى الوراء، إلى أول عام انطلقت فيه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي، ثم أقارن بما وصلنا إليه اليوم، أشعر بفخر عميق بوصفنا سعوديين؛ فقد أصبحنا جزءاً فاعلاً من مسيرة الازدهار السينمائي في المملكة، لا كمستهلكين للسينما فقط، بل كصنّاع ومنتجين ومموّلين ومحتضنين للمواهب».

جدة التاريخية تمثل قلب المهرجان وقصته التاريخية (إدارة المهرجان)

«في حب السينما»... رؤية مختلفة

وإذا كانت الدورة السابقة قد حملت شعار «للسينما بيت جديد» في إشارة إلى جدة التاريخية، فإن الدورة الخامسة تعود من المكان نفسه، لكنها بشعار مختلف تماماً «في حبّ السينما». يعلق بالطيور على ذلك بالقول: «الطابع المختلف لهذه الدورة ينبع من شعور بالانتقال إلى مرحلة نضج جديدة.. لدينا هذا العام رؤية أعمق في مقاربة البرامج والاختيارات».

على مستوى الأرقام، يقول: «ارتفع عدد طلبات الأفلام التي تلقيناها هذا العام إلة 2336 تقديماً للبرنامج السينمائي، وهو رقم استثنائي؛ يعكس مكانة المهرجان كمنصة فاعلة ومؤثرة، تحظى يوماً بعد يوم بثقة صُناع الأفلام من شتى أنحاء العالم».

أما على مستوى البرنامج السينمائي، فيفيد بأنه يعرض هذا العام 111 فيلماً من 71 دولة، بينها 42 عرضاً عالمياً أوّل، مع حضور لافت للأصوات النسائية في الإخراج والكتابة والإنتاج، ومشاركة 38 مخرجة في برمجة هذه الدورة.

ويردف «هذا الاتساع في الجغرافيا، والتنوّع في الموضوعات، وقوة الحضور النسائي، يعكس أننا انتقلنا من مرحلة (إثبات الوجود) إلى مرحلة تثبيت المكانة كمهرجان عالمي، بهوية سعودية واضحة، يتحدّث من جدة إلى العالم».

جغرافيا سينمائية واسعة

اليوم، يعمل المهرجان وفق نهج واضح لاختيار الأعمال، حيث الجدارة الفنية أولاً، ثم يأتي كل شيء بعدها، وهنا يسهب بالطيور بالقول: «يشهد المهرجان هذا العام مشاركة غير مسبوقة لأعمال سينمائية عالمية من اليابان وكوريا والمملكة المتحدة وفرنسا وتايوان وكينيا، وذلك إلى جانب الحضور اللافت لأعمال بارزة من فلسطين والعالم العربي (8 دول عربية)».

ويقدّم المهرجان العرض الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لفيلم «العملاق» (Giant) من المملكة المتحدة للمخرج روان أثالي، والعرض الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لفيلم الدراما الياباني «موسمان- غريبان» للمخرج شو مياكي، والفيلم الياباني «أرض ضائعة»، (اليابان، فرنسا، ماليزيا، ألمانيا) للمخرج أكيو فوجيموتو، والفيلم الكوري الجنوبي «عالم الحبّ» للمخرجة يون جا-إيون الذي يشارك في «مسابقة البحر الأحمر»، بما يعكس نطاق هذا المهرجان المتنامي على المستوى العالمي.

كما يشير إلى أن المهرجان يوفر هذا العام منصّة لعرض أفلام جديدة حصلت على دعم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، مثل فيلم الرسوم المتحرّكة للبالغين «الله ليس مُلزماً» للمخرج زافين نجّار، وفيلم «مدرسة الأشباح» للمخرج سيماب غول.

الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» من العروض المرتقبة في المهرجان (إدارة المهرجان)

السرد والتعددية والتمكين

بالسؤال عن الخطوط العريضة التي قادت برمجة هذا العام، يجيب بالطيور: «يتألّف برنامج مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي من 11 قسماً، قام فريق من المبرمجين المخضرمين والمرموقين عالمياً بتحضيرها وإعدادها بعناية، لتقديم باقة متنوّعة وحصريّة من أفضل وأحدث الأفلام السينمائية الطويلة والقصيرة، إلى جانب الأفلام التفاعلية والكلاسيكيّة وأفلام التحريك وحلقات المسلسلات التي تمّ استقطابها من جميع أنحاء العالم لعرضها حصرياً في جدّة».

وترتكز هذه الأقسام على 3 محاور أساسية هي: السرد المبتكر، والتعدديّة الثقافية، ودعم وتمكين المواهب الناشئة. وتشمل المسابقة الرسمية 16 فيلماً طويلاً، بينما تقدم «مسابقة الأفلام القصيرة» 23 فيلماً يعكس تنوّع الأساليب البصرية.

وهنا يقول بالطيور: «لطالما منح المهرجان أولوية خاصّة للطرح السينمائي المبتكر، والأعمال الجريئة، وألمع المواهب السينمائية المخضرمة والصاعدة والنسائية من العالم العربي والمنطقة بشكل عام والعالم، وروائع السينما الكلاسيكية التي ما زالت تُلهم أجيالاً جديدة من المخرجين».

10 ليالٍ سينمائية تنتظر عشاق الفن السابع في جدة تنطلق هذا الخميس (إدارة المهرجان)

القفزة السينمائية السعودية

يشدد بالطيور على أن المهرجان جزء من القفزة السينمائية السعودية، وليس مجرد مشاهد لها، ويضيف: «في هذه الدورة وحدها لدينا 35 فيلماً سعودياً ضمن البرنامج، تتوزع بين الروائي القصير والطويل، والوثائقي، والأعمال التجريبية. وهناك برنامج (سينما السعودية الجديدة) الذي يقدّم 21 فيلماً قصيراً تعكس تنوّع الأصوات الشابة، و5 أفلام سعودية غير روائية في فئة الأفلام الطويلة، تبرهن على أن الوثائقي السعودي بدأ يطوّر لغته وحضوره».

ويتوقف بالطيور عند فيلم «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، الذي يراه مثالاً على دخول السينما السعودية إلى أنواع جديدة مثل الرومانسية المعاصرة.

ويضيف: «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي منذ يومها الأول تعمل كرافد أساسي للسينما السعودية... صندوق البحر الأحمر دعم حتى اليوم أكثر من 67 مشروعاً سعودياً في مراحل التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج، ضمن أكثر من 330 مشروعاً مدعوماً من العالم العربي وأفريقيا وآسيا»، ويشير إلى أن أعمال الصندوق وصلت إلى مهرجانات كبرى مثل «كان» و«فينيسيا» و«تورونتو».

أما على صعيد السوق، فأوضح أن 18 فيلماً سعودياً صدرت عام 2024 بإيرادات تجاوزت 56 مليون ريال، نصفها تقريباً جاء من فيلم واحد مدعوم من المؤسسة هو «مندوب»، الذي حقّق أعلى إيراد لفيلم سعودي ذلك العام.

ويضيف: «حرصنا في المهرجان هو أن يرى العالم هذه القفزة، لا من خلال الشعارات، بل عبر أفلام حقيقية، وصنّاع يعيشون تجربة مهنية مكتملة: من الفكرة إلى التمويل، ثم المختبرات، ثم العروض العالمية، وصولاً إلى شباك التذاكر».

جدة التاريخية... قلب المهرجان

لكن في ظل ازدحام المهرجانات عالمياً، ما الذي يجعل مهرجان البحر الأحمر مختلفاً ومطلوباً لدى صنّاع الأفلام؟ هنا يرى بالطيور أن مكان انعقاد المهرجان في قلب جدة التاريخية، بين الأزقّة والرواشين، وعلى بعد خطوات من البحر، يمنحه طابعاً لا يمكن نسخه في أي مكان آخر. ويضيف أن «صنّاع الأفلام يشعرون بأن المدينة تسمعهم، وتحتفي بهم».

وأشار بالطيور إلى أن ما يميّزهم أنهم ليسوا مهرجاناً فحسب، بل مؤسسة ببنية متكاملة تشكّل نظاماً بيئياً كاملاً لصناعة الأفلام، بما يشمله ذلك من صندوق البحر الأحمر لتمويل المشاريع في مراحلها المختلفة، ومعامل البحر الأحمر لتطوير السيناريوهات والمواهب عبر برامج مكثفة بالشراكة مع جهات عالمية مثل «TorinoFilmLab»، إلى جانب سوق البحر الأحمر التي أصبحت اليوم أكبر سوق لصناعة السينما في المنطقة، وتستقبل آلاف المهنيين وعشرات الشركات، وتحتضن مشاريع وأعمالاً قيد الإنجاز، وجلسات حوارية، واجتماعات تمويل وتوزيع، بالإضافة إلى برامج مخصّصة للأصوات الصاعدة والشباب، داخل المملكة وخارجها.

السفير الأبرز للسينما

يرسم بالطيور طموحاً واسعاً للمستقبل، بقوله: «طموحنا أن يترسّخ مهرجان البحر الأحمر خلال السنوات الخمس المقبلة بوصفه السفير الأبرز للسينما العربية والأفريقية والآسيوية في العالم».

وعلى المستوى المحلي، يقول: «نطمح إلى أن نرى أثر المهرجان والمؤسسة في كل حلقة من حلقات الصناعة: من الكتّاب والمخرجين إلى الفنيين في مواقع التصوير، ومن المنتجين والموزعين إلى مديري دور العرض».

ويتطلع بالطيور إلى «بناء منظومة مستدامة تجعل العمل في السينما خياراً مهنياً واضحاً للأجيال الجديدة، لا مغامرة فردية معزولة»، كما يشير إلى طموحات المؤسسة بأن يتضاعف حضور الأفلام المدعومة في المنصات العالمية، وأن تشهد السنوات القادمة مزيداً من الجوائز الكبرى لأعمال انطلقت من الصندوق أو طُوّرت في المعامل أو قُدّمت لأول مرة في سوق البحر الأحمر، مضيفاً: «لدينا اليوم أكثر من 200 ترشيح و217 جائزة حصدتها أفلام مدعومة من الصندوق، ونريد أن نضاعف هذا الأثر». ويضيف: «الحلم الأعمق هو أن يصبح البحر الأحمر جزءاً من الذاكرة الشخصية لكل سينمائي عربي وأفريقي وآسيوي».

المهرجان يَعِد بكثير من المفاجآت في دورته الخامسة (إدارة المهرجان)

عقدان مع السينما الفنيّة

ولا يمكن تجاوز خلفية بالطيور السينمائية في قراءة طريقة قيادته للمهرجان، خصوصاً بوصفه من روّاد السينما الفنية في السعودية، وبسؤاله عن ذلك، يربط بين هذه الخلفية وبين موقعه اليوم بالقول: «انطلاقاً من عشقي للسينما وعملي في مجال إنتاج الأفلام منذ عام 2004 وشغفي الكبير بالسينما الفنية، والذي تكلّل بإطلاق مشروع (بيت السينما) ليصبح السينما الفنية الأولى من نوعها في الرياض، أؤمن بأنّ السينما الفنية هي من الركائز الثقافية الأساسية للحضارات، وشكل من أشكال التعبير الفني، والابتكار الجمالي، والتعمّق في تجسيد التجارب الإنسانية الفريدة من خلال سرديات وأساليب غير تقليدية، إلا أنها لا تكتمل إلا بالتنوّع واحتضان الأصوات الجديدة».

ومن هذا المنطلق، يشرح كيف ينعكس هذا التصوّر على برمجة المهرجان، قائلاً: «نحرص على منح المخرجات والمخرجين الشباب مساحة رائدة وباقة لا محدودة من الخيارات، التي تعكس أساليب سردية مبتكرة وهويات متعدّدة بدءاً من فرنسا والمملكة المتحدة وصولاً إلى تايوان وفلسطين وكينيا. ونركّز أيضاً على التمسّك بالجوهر والقيم الإنسانية من خلال برامجنا الغنية، التي تجمع بامتياز بين الأصالة العريقة والتطوّر والنمو مع الحفاظ على البعد الفني والثقافي لأعمالنا السينمائية الأصلية».

في ختام الحوار، يركز السؤال الأخير على ما ينتظر عشّاق السينما في الدورة المرتقبة، ليجيب بالطيور: «أَعِد جمهور المهرجان الحبيب وعشّاق الفنّ السابع بتجربة سينمائية لم يسبق لها مثيل، من قلب جدّة التاريخية التي ستجمع ألمع المواهب والمبدعين من المخرجين والممثلين المخضرمين والناشئين، لتقديم برنامج غنيّ يضمّ 111 فيلماً من 71 دولة و42 عرضاً عالمياً أول. وستشهد دورة هذا العام من المهرجان حضوراً بارزاً لأقوى الأصوات من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، إلى جانب مشاركة سعودية ملحوظة من خلال 35 عملاً ومشاركة غير مسبوقة لمخرجات سعودياتٍ موهوبات».


مقالات ذات صلة

رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة: نحلم ببلوغ أولمبياد لوس أنجليس 2028

رياضة سعودية الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»

رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة: نحلم ببلوغ أولمبياد لوس أنجليس 2028

أكد الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر، رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة، أن الحلم الأكبر الذي يعمل عليه الاتحاد يتمثل في التأهل إلى أولمبياد لوس أنجليس 2028.

سلطان الصبحي (الرياض)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج رئيس الوزراء الشيخ أحمد العبد الله يتفقد موقع حريق خزانات الوقود بمطار الكويت الدولي (كونا)

أضرار مادية بميناءَين في الكويت... والسعودية تتعامل مع صواريخ باليستية ومسيّرات

تصدَّت الدفاعات الخليجية بكفاءة عالية، الجمعة، للهجمات الإيرانية المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيرة المعادية، التي استهدفت مواقع حيوية ومنشآت مدنية.

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج دفاعات المملكة الجوية تقف بالمرصاد للهجمات الإيرانية (وزارة الدفاع السعودية)

الدفاعات السعودية تتعامل مع 6 «باليستية» و26 «مسيَّرة» في الرياض والشرقية

تعاملت الدفاعات الجوية السعودية، الجمعة، مع 6 صواريخ باليستية و22 طائرة مسيَّرة في الرياض والشرقية، وفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج سفارة السعودية في بيروت (رويترز)

السعودية تدعو مواطنيها إلى مغادرة لبنان فوراً

جدَّدت السعودية دعوتها لمواطنيها الموجودين في لبنان إلى مغادرة البلاد فوراً؛ نظراً للأوضاع الراهنة هناك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»