قلق أفريقي متزايد من تصاعد الانقلابات وتهديدات الإرهاب

اجتماع رفيع في الجزائر بحث الحرب في السودان والأزمات في ليبيا والساحل

جانب من أشغال الاجتماع الأفريقي رفيع المستوى في وهران بغرب الجزائر الاثنين (الخارجية الجزائرية)
جانب من أشغال الاجتماع الأفريقي رفيع المستوى في وهران بغرب الجزائر الاثنين (الخارجية الجزائرية)
TT

قلق أفريقي متزايد من تصاعد الانقلابات وتهديدات الإرهاب

جانب من أشغال الاجتماع الأفريقي رفيع المستوى في وهران بغرب الجزائر الاثنين (الخارجية الجزائرية)
جانب من أشغال الاجتماع الأفريقي رفيع المستوى في وهران بغرب الجزائر الاثنين (الخارجية الجزائرية)

عبّر وزراء خارجية عدد من الدول الأفريقية، ومسؤولون في الاتحاد الأفريقي، عن قلق متزايد من تصاعد الانقلابات في القارة وتهديدات الإرهاب، خصوصاً في منطقة الساحل الأفريقي.

وجاء هذا في اجتماع عالي المستوى، افتُتح في مدينة وهران بغرب الجزائر، الاثنين، وحضره مفوض الاتحاد الأفريقي محمد علي يوسف، ووزراء خارجية أفارقة وأعضاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، والأمين العام المساعد للأمم المتحدة المكلف عمليات حفظ السلم جان بيار دي لا كروا؛ لبحث مشاكل القارة الأفريقية الأمنية والنزاعات والحروب التي تواجه دولاً عدة منها.

وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف خلال افتتاح الاجتماع الأفريقي رفيع المستوى في وهران الاثنين (الخارجية الجزائرية)

وانتقد وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، في افتتاح المؤتمر «انكفاء الدور الدبلوماسي لقارة أفريقيا وقلة المبادرات الأفريقية لرأب الصراعات والنزاعات»؛ ما فتح المجال، حسبه، أمام تهافت التدخلات الخارجية. وساق مثالاً على ذلك بالحرب الجارية في السودان، والأزمة الليبية، والاضطرابات على حدود بلاده في منطقة جنوب الصحراء، خصوصاً في مالي.

وقال عطاف إن الظروف التي تمرّ بها القارة «تفرض تحدياتٍ إضافية عليها، لا سيما ونحن نشهد اليوم تلاشي واضمحلال الاهتمام الدولي بقضايا السلم والأمن في قارتنا»، لافتاً إلى الحرب في السودان «التي تقترب من عامها الثالث، مخلّفة أخطرَ أزمة إنسانية دون حل، والأزمة في ليبيا صارت نسياً منسِياً».

كما تناول عطاف في كلمته نزاع الصحراء و«انقضاء اثني وستين عاماً على الوعد الأممي بتمكين شعبِها من حقه في تقرير المصير... كما فاقت الأوضاع في منطقة الساحل الصحراوي حدود التأزم، دون أي تحرك نحو معالجة ظاهرة التغييرات غير الدستورية للحكومات، أو التكفل بآفة الإرهاب المتفاقمة»، مشيراً إلى أن «هذه الأوضاع تثبت أنه لا مفرّ من إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، بل بِصيغ أكثرَ حدة، حين تغيبُ الحلول الدائمة والمستدامة، حلولٌ من تدبيرٍ أفريقي، وصُنعٍ أفريقي، وتنفيذٍ أفريقي».

«دور دبلوماسي ضعيف»

وفي تقدير عطاف، تفرض مشاكل المناطق وأزماتها التي ذكرها، «أن نرفع المرآة إلى ذوَاتنا، فقد أصبح ضعف الدور الدبلوماسي القاري سمة ملازمة للمشهد العام للسلم والأمن في أفريقيا، بينما أدى نقص المبادرات الأفريقية الرامية لحل الصراعات والنزاعات إلى اتساع المجال أمام التدخلات الخارجية المتكررة.» وأضاف: «أفريقيا أحوج ما تكون اليوم إلى تعزيز دورها الدبلوماسي، وإلى بلورةِ وتفعيلِ حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية. وهذا يتطلب نهجاً قوامه الحضور البارز في مواطن التأزم، وأساسه التواصل الهادف مع الفرقاء كافة، ومنطلَقه المبادرة الفعلية بطرح مقترحاتِ الوساطة».

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي يلقي كلمته في اجتماع وهران الاثنين (الخارجية الجزائرية)

من جهته، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الجيبوتي محمود علي يوسف، أن تصاعد الانقلابات العسكرية في القارة «يمثل تحدياً بالغ الأهمية، كما يستوجب أن نظل حازمين وغير متساهلين تجاه هذه التغييرات غير الدستورية في الحكومات. وفي الوقت نفسه، تشكل عودة الإرهاب في أفريقيا، من الساحل إلى القرن الأفريقي، ومن حوض تشاد إلى موزمبيق، مصدر قلق كبير؛ ما يستدعي دعوة مجلس الأمن لتحمل مسؤولياته بالكامل في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، عبر تعزيز آليات الوقاية وتقوية الآليات الإقليمية».

ودعا علي يوسف إلى «التصدي لتزايد التدخلات الخارجية التي تعقّد بشكل خطير حل الأزمات الأفريقية... ووجب تذكير الجميع بأن الحلول للمشاكل الأفريقية يجب أن تبقى أفريقية، مع احترام سيادة الدول والقانون الدولي»، وتعهد بـ«الاستمرار في استخدام جميع المنصات المتاحة لإسماع صوت أفريقيا، كما فعلنا في تيكاد (المؤتمر الدولي طوكيو من أجل تنمية أفريقيا) ومجموعة العشرين والقمة السابعة للاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وغيرها من المناسبات».

وزير خارجية الجزائري يصافح رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي خلال اجتماع وهران الاثنين (الخارجية الجزائرية)

«مسار وهران»

وافتتح الاجتماع في إطار «مسار وهران»، وهو لقاء سنوي تستضيفه كبرى مدن غرب الجزائر، ويجمع مسؤولين ودبلوماسيين وخبراء مختصين في قضايا الأمن، من دول أفريقية ومنظمات دولية؛ بهدف مناقشة قضايا الأمن والسلم في القارة. يركز المسار على توحيد الموقف الأفريقي في المحافل الدولية، خصوصاً داخل مجلس الأمن، وتعزيز مبدأ إيجاد حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية دون الاعتماد على الأطراف الخارجية. ويناقش المشاركون، عادة، تحديات مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والانقلابات، والاضطرابات الإقليمية، ويسعون لتنسيق الجهود بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

وانطلق «مسار وهران» لأول مرة في ديسمبر (كانون الأول) 2013 بالجزائر العاصمة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مدينة وهران التي أصبحت مقرّه السنوي. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا المسار موعداً ثابتاً يجمع مسؤولين ودبلوماسيين من أفريقيا والأمم المتحدة لمناقشة ملفات السلم والأمن في القارة. وتنظّم الجزائر هذا الحدث في إطار رغبتها في لعب دور محوري في استقرار المنطقة، مستفيدة من موقعها وتجربتها الدبلوماسية في معالجة أزمات القارة، ولتشجيع تكتل أفريقي موحّد وفاعل في القضايا الحساسة التي تمس القارة. وتعدّ الجزائر معنية بشكل مباشر ببعض الأزمات، خصوصاً الاضطرابات التي تعيشها الدول المجاورة مالي والنيجر وبوركينافاسو، حيث شهدت انقلابات ومحاولات تغيير نظام الحكم بالقوة بين 2021 و2025. كما شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة نشاطاً لافتاً لمجموعات «الفيلق الأفريقي»؛ وهو من أثار قلق الجزائر الذي رأت فيه مساً بالاستقرار الداخلي في هذه البلدان.

وأفاد عطاف في خطابه، بأن المشاركين في هذا المؤتمر «يعودون بعد 12 سنة إلى نقطة المنبع للوقوف على ما تم إحرازه من تقدمٍ لافت على درب تجسيد الرؤية الاستراتيجية وترجمتِها واقعاً ملموساً في أُطُرِ الأمم المتحدة».

ودعا الوزير الجزائري إلى أن يكون الاجتماع الجديد، الذي يستمر يومين، «مناسبةً لتجديد الالتزام بمضاعفة الجهود من أجل صياغة حلولٍ أفريقية لتَطبِيب الأوجاع الأفريقية، وتجديد الالتزام بالمرافعة بصوت واحد وموحد عن أولويات أفريقيا، وتجديد الالتزام بمواصلة التعبئة من أجل إنهاء تهميش أفريقيا في مختلف مراكز صنع القرار الدولي».


مقالات ذات صلة

الصومال يوقع اتفاقية للتعاون الدفاعي مع قطر

أفريقيا صورة من حساب وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي على «إكس»

الصومال يوقع اتفاقية للتعاون الدفاعي مع قطر

قال وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي، اليوم الاثنين، إن الصومال وقع مع قطر اتفاقية للتعاون الدفاعي بهدف تعزيز العلاقات العسكرية وتطوير التعاون الأمني.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)
أفريقيا أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

اختُطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (كانو (نيجيريا))
أفريقيا عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

نفذ سلاح الجو النيجيري ضربات جوية ضد معاقل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

غرقت عبارة حاولت الوصول إلى بلدة على نهر النيجر في إقليم تمبكتو بشمال مالي بعد اصطدامها بالصخور، ما أسفر عن وفاة عشرات الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (باماكو)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
TT

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

اعترض مجلس النواب الليبي على اتفاقية أبرمتها حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع قطر وإيطاليا، لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، بغرب البلاد، في ظل اتهامات بـ«التعدي على الموارد السيادية الليبية والتفريط في الثروات الوطنية».

واستنكرت لجنتا الطاقة والموارد الطبيعية والشؤون الخارجية في مجلس النواب، ما سمّته «محاولات المساس بالموارد السيادية» الليبية التي تقوم بها «الوحدة»، التي وصفتها اللجنتان بالحكومة «منتهية الولاية»، لإبرام عقود طويلة الأجل، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة»، وفي «نسب عالية من الثروات النفطية لصالح شركات أجنبية» في صفقات «يشوبها الفساد وغياب الشفافية والمتاجرة السياسية».

واعتبرت اللجنتان في بيان مساء الأحد، أن هذه الإجراءات تمثل «مخالفة صريحة للإعلان الدستوري الذي وضع بالتعديل السابع قيوداً مشددة على أي التزامات تمس الموارد السيادية، لما لها من آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني وحقوق الأجيال القادمة، فضلاً عن مخالفة أحكام القانون والقرارات التي تحظر على أي حكومة المساس بالثروات والموارد السيادية، إلى حين انتخاب حكومة من الشعب».

وأشارت اللجنتان إلى «احتفاظ مجلس النواب بحقه الكامل في اتخاذ كل الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لوقف هذه التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت أن الاتفاقية التي وقعها الدبيبة، بحضور رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، تستهدف تنفيذ مشروع تطوير وتشغيل وتوسعة محطة الميناء باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، لافتة إلى مشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية في المشروع، لرفع الطاقة الاستيعابية لميناء المنطقة الحرة مصراتة إلى نحو 4 ملايين حاوية سنوياً، بما يعزز موقع ليبيا مركزاً لوجستياً إقليمياً ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويدعم حركة الصادرات والواردات.

وتوقعت الحكومة أن يحقق المشروع إيرادات تشغيلية تقدر بنحو 600 مليون دولار سنوياً، إلى جانب توفير نحو 8.400 فرصة عمل مباشرة، ونحو 62 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات اللوجستية.

صورة نشرها سفير روسيا لدى ليبيا خلال اجتماعه مع وزير النفط بحكومة «الوحدة»

من جانبه، قال السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، إنه بحث الاثنين، بطرابلس مع وزير النفط والغاز بحكومة «الوحدة» خليفة عبد الصادق، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع النفط والغاز، وفرص توسيع مشاركة الشركات الروسية في مشاريع جديدة.

وكان عبد الصادق قد ناقش مع أمين ناصر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، آفاق التعاون المشترك في قطاع الطاقة، وتبادل الرؤى حول تطوير الصناعة النفطية والغازية، والاستفادة من خبرات «أرامكو» في مجالات الابتكار والكفاءة التشغيلية والاستدامة، بما يسهم في دعم جهود تطوير قطاع الطاقة بليبيا.

كما بحث مع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، التعاون في مجالات الطاقة، بما في ذلك تقنيات وحلول الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.


أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
TT

أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)

في أعقاب انتهاء ماراثون انتخابات مجلس النواب المصري، دخلت الساحة الحزبية مرحلة جديدة من الحراك الداخلي، حيث شرعت أحزاب عدة؛ معارضة وأخرى محسوبة على الأكثرية البرلمانية، في مراجعة أوضاعها التنظيمية، عبر إجراء انتخابات قيادية، أو إعادة هيكلة مؤسساتها الداخلية.

هذه التحركات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التحركات، وهل تمثل استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً بعد انتهاء المدد القانونية للقيادات، أم محاولة لامتصاص تداعيات نتائج الانتخابات، وإعادة ترتيب الصفوف بعد خسائر، أو تراجع في التمثيل لبعض الكيانات.

وترى أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، نهى بكر، أن تلك التحركات «تمثل مزيجاً بين استحقاق ديمقراطي وترتيب للأوضاع، مع ميل واضح للخيار الثاني»، خصوصاً في ضوء تراجع تمثيل بعض الأحزاب.

قيادات في حزب الأكثرية «مستقبل وطن» خلال اجتماع مع كوادره (صفحة الحزب)

ويبرز «حزب الوفد»، أحد أعرق الأحزاب المصرية، بوصفه النموذج الأوضح لهذا الجدل؛ فالحزب يستعد لإجراء انتخابات رئاسته في 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، وسط منافسة بين 4 مرشحين.

وتأتي الانتخابات عقب حصول «الوفد» على 10 مقاعد فقط في مجلس النواب؛ 8 منها عبر «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي ضمنت الفوز قبل انطلاق الانتخابات، ومقعدان بنظام الانتخابات الفردية، وهو ما عدّه كثيرون تراجعاً كبيراً عن أدواره التاريخية.

وترافقت التحضيرات للانتخابات الداخلية في «الوفد» مع تصاعد خطاب نقدي حاد من مرشحين وقيادات سابقة تجاه أداء القيادة المنتهية ولايتها برئاسة عبد السند يمامة، الذي تولى المنصب قبل 4 أعوام، وقرر عدم الترشح مجدداً.

ويعزو منتقدو الأداء هذا التراجع إلى «انفصال الحزب عن الشارع»، وفقدانه القدرة على التعبير عن هموم الناخبين، مع مطالبات بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الدور السياسي للحزب.

وفي خضم هذا السجال، برز رئيس الحزب الأسبق السيد البدوي، الذي قارن نتائج الانتخابات الأخيرة بما حققه «الوفد» عام 2015 عندما حصد 36 مقعداً فردياً. كما انتقد نائب رئيس الحزب هاني سري الدين، تراجع الخطاب السياسي والتنظيمي، داعياً إلى «عملية إنقاذ مؤسسية» تعيد للحزب حضوره وتأثيره.

وقالت الدكتورة نهى بكر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الوفد يواجه أزمة شرعية ووجود»، لكنها أشارت إلى أن الانتخابات الداخلية «قد تشكل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وإدخال وجوه جديدة قادرة على إعادة تعريف رسالة الحزب وجذب الناخبين، إلى جانب إعادة ترتيب التحالفات الداخلية».

ولا يقتصر المشهد على «الوفد»، إذ يستعد «حزب التجمع» (يسار) لإعادة ترتيب أوضاعه أيضاً بعد حصوله على 5 مقاعد فقط. ويوضح أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بالحزب، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجمع» مقبل على عملية انتخابية تبدأ من القواعد في المحافظات، وصولاً إلى المؤتمر العام الذي سينتخب رئيس الحزب والمكتب السياسي والمجلس الاستشاري، في مسار قد يستغرق نحو 6 أشهر. ويؤكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار تقييم شامل للتجربة الانتخابية الأخيرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

اجتماع لقيادات حزب «الدستور» المصري المعارض (صفحة الحزب)

وتشير بيانات رسمية إلى أن 8 أحزاب «معارضة» حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، أي ما يقارب 10 في المائة من أعضاء المجلس، وهو رقم يعكس محدودية التمثيل المعارض، ويطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على التوسع جماهيرياً.

وفي هذا السياق، يتوقع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» ظهور وجوه جديدة في هيكل قيادته، خصوصاً بعد حصوله على 11 مقعداً، وبروز عدد من نوابه فاعلين مؤثرين في دوائرهم المحلية. ويؤكد نائب رئيس الحزب باسم كامل لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الداخلية، التي تأجلت بسبب الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ستبدأ من القواعد وصولاً إلى مؤتمر عام يضم نحو ألف عضو من المرجح عقده عقب عيد الفطر المقبل.

وبالمثل، يؤكد «حزب العدل»، الذي حصل أيضاً على 11 مقعداً، التزامه بالدورات الانتخابية المنتظمة، مع إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل يونيو (حزيران) المقبل، ضمن دورة تنظيمية تمتد 5 سنوات، وفق رئيسه عبد المنعم إمام، الذي شدد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية الانتظام المؤسسي واعتماد الميزانيات والمؤتمرات السنوية.

وتكتسب هذه المراجعات الداخلية أهمية إضافية في ظل الحديث عن احتمالات إجراء الانتخابات المحلية خلال العام الحالي، حال إقرار قانون الإدارة المحلية. ويرى سياسيون أن الأحزاب ربما تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لهذا الاستحقاق المحتمل، باعتباره فرصة أوسع للاحتكاك المباشر بالشارع.

وهذه هي رؤية نائب رئيس حزب «المؤتمر» رضا فرحات، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن «ضرورة تعديل نظام القوائم وتقسيم الدوائر ومراجعة قانون الأحزاب»، علماً بأن حزبه فاز بـ4 مقاعد في انتخابات النواب.

وحتى الأحزاب التي لم تحصد أي مقاعد، مثل «الدستور»، تستعد لانتخابات داخلية، حيث ترى قيادته أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة رسالة سياسية واختبار للنظام الانتخابي، أكثر منها رهاناً على الفوز، وفق رئيسته جميلة إسماعيل.

في المقابل، أعلن حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأكثرية البرلمانية، مؤخراً، عن خطة لإعادة هيكلة واسعة للمناصب القيادية على المستويين المركزي والمحلي، استناداً إلى تقييم التجربة الانتخابية الأخيرة.

ويشكك نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عماد جاد، في جدوى هذه التغييرات، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الأكثرية تعاني عيوباً هيكلية؛ أبرزها غياب البرامج السياسية الحقيقية، ما يجعل تأثيرها الشعبي محدوداً».

ومن جهتها، ترى نهى بكر أن الانتخابات الداخلية «تُمثل نظرياً فرصة للإصلاح وتجديد النخب، لكنها عملياً تواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، وانشغال المواطن بالهموم الاقتصادية، والانقسامات التنظيمية؛ وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة هذه الأحزاب على الانتقال من الوجود الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر».


الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب»، حسب بائع الفواكه، هاشم محمد.

بالقرب من هذه السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش و«الدعم السريع» للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلاً، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت 30 عاماً من حكم الرئيس السابق عمر البشير.

لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق، ولكن «بحذر شديد، لأن الهجمات كانت متكررة» لا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع.

وفي مارس (آذار) من العام الماضي شنّ الجيش هجوماً على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهى بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي «الدعم السريع» إلى غرب البلاد، مما كشف عن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب.

طريق طويل للتعافي

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس، مؤكداً في حديثه مع «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «السوق ليست كما كانت، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه عندما كانت (قوات الدعم السريع) هنا».

في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحُوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمراً صعباً.

وقال حماد: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل». ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم.

وتشهد معظم مناطق السودان قطعاً للطرق والاتصالات، مما يجعل الانتقال بين المدن أمراً صعباً ومكلفاً.

تدهور كبير للعملة

العملة السودانية (مواقع التواصل)

ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100 في المائة. وفي عام 2024 وصل التضخم إلى 151 في المائة بعد ذروة بلغت 358 في المائة عام 2021.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

ويقول مُدرّس تحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه كان قادراً على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (نحو 71 دولاراً). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى «العمل في السوق أو في أي مكان آخر» في أيام عطلته.

وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته: «تجنباً للمشكلات مع الأجهزة الأمنية لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية».

ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلاً، قائلاً: «لا نملك موارد ولا أيدي عاملة ولا سيولة كافية في السوق» بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. وأضاف «تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريباً وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه».