«حماس» تشعر بعجز الوسطاء عن الضغط على إسرائيل

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: إجماع على ضرورة تجنيب القطاع حرباً جديدة

أطفال فلسطينيون يلعبون «البيب فوت» في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يلعبون «البيب فوت» في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تشعر بعجز الوسطاء عن الضغط على إسرائيل

أطفال فلسطينيون يلعبون «البيب فوت» في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يلعبون «البيب فوت» في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تصعّد فيه إسرائيل من خروقها لوقف إطلاق النار بقطاع غزة، منذ دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم، تقول مصادر من حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، التي شاركت وما زالت تشارك في عملية التفاوض، إن هناك شعوراً لدى قياداتها بأن الوسطاء غير قادرين وأنهم يعجزون عن إلزام إسرائيل ببنود الاتفاق وتطبيقه.

وتقول المصادر، وهي مطلعة على الكثير من التفاصيل وكواليس ما يجري من اتصالات باستمرار مع الوسطاء وغيرهم، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل تتصرف وفق أهوائها وبطريقة تريد من خلالها إشعار الجميع بما فيهم الوسطاء، أنها فوق الجميع، وأنه لا يمكن إلزامها بشيء، ولذلك هي تصعد من حين إلى آخر، وتزداد وتيرة هذا التصعيد من خلال تكثيف خروقها اليومية لوقف إطلاق النار دون رادع حقيقي.

طفل فلسطيني يدفع عربة ينقل عليها وعاء ملأه بالماء لعائلته في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وتؤكد المصادر أن الفصائل الفلسطينية تجمع فيما بينها على أن صبرها بدأ ينفذ إزاء هذه الخروق، لكنها تقر في الوقت ذاته أن هناك إجماعاً داخل المستوى القيادي بمختلف مستوياته، وحتى لربما القاعدة الشعبية للفصائل، بأنه لا يمكن أن يكون هناك قدرة على الرد إزاء تلك الخروق عسكرياً، وأنه لا بد من حل دبلوماسي حقيقي أكبر وفاعل باتخاذ خطوات من خلال الوسطاء وجهات أخرى للدفع باتجاه تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار.

ورداً على سؤال صريح وجه لتلك المصادر وبعضها قيادية، فيما إذا كان المقصود أن الفصائل، خصوصاً «حماس»، تخشى أو تعجز عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من قطاع غزة، قالت المصادر، إن هناك إجماعاً على ضرورة تجنيب القطاع إمكانية العودة للحرب، وإنه يمكن امتصاص الضربات الحالية التي تقوم بها إسرائيل من حين إلى آخر، إلى جانب أن يكون لديها صبر أكثر اتساعاً تجاه الخروق اليومية، في سبيل ألا تعود الحرب، لأن التكلفة حينها ستكون أكبر، ولكن ذلك لا يعني الاستسلام أو أن تكون غزة بمثابة ساحة حرب مفتوحة بالنسبة لإسرائيل تقتل متى شاءت وكيفما شاءت.

وأضافت المصادر: «إسرائيل تهدف من خلال ما تقوم به في غزة إلى استفزاز المقاومة، لجرها إلى رد يعيدها إلى المربع الأول من الحرب، ويسمح لحكومة بنيامين نتنياهو بالبقاء السياسي والحفاظ عليها، وتحقيق أهدافها المتطرفة في ظل الضغط الأميركي الذي يكون مؤثراً في بعض الأحيان، ومتراخياً في أحيان أخرى، بما يسمح لحكومة نتنياهو المراوغة كيفما أرادت ذلك، وفق تنسيق مشترك بينهما.

أطفال فلسطينيون يشاهدون فيلماً في سينما بالهواء الطلق قرب أنقاض مبانٍ دمرها القصف الإسرائيلي في مدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

ولا تخفي المصادر أن هناك مَن يلقي اللوم داخل قيادة الفصائل على الوسطاء في عدم قدرتهم الضغط على إسرائيل أو التأثير عليها بشكل حقيقي، أو حتى على الولايات المتحدة في بعض الأحيان، رغم أنهم نجحوا في أحيان أخرى في ذلك من خلال استخدام نفوذهم لدى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للتأثير على إسرائيل وإلزامها بتنفيذ بعض البنود.

وتوضح المصادر أن الكثير من بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار لم يتم الالتزام بها من قِبَل إسرائيل، مثل إدخال المواد الإغاثية العاجلة، وتحسين الوضع الإنساني الذي ما زال على ما هو عليه، مع نسبة تحسن طفيفة بالكاد لا تذكر على حقيقة الواقع الصعب الذي يحياه السكان.

الانتقال للمرحلة الثانية

وتقول المصادر إن قيادة «حماس» أبلغت الوسطاء أنه لا مانع لديها من الانتقال للمرحلة الثانية، وأن المشكلة الأساسية في إسرائيل التي تسعى لفرض شروط تتعلق بمصير سلاح المقاومة والجهة التي ستحكم قطاع غزة، وغيرها من القضايا المهمة، وربط إعادة الإعمار بذلك ووفق مخططات معينة، مبينةً أن الحركة تسعى لأن يكون هناك توافق وطني على بعض القضايا الملحة والمهمة التي تتعلق بمستقبل قطاع غزة وسلاح المقاومة، من خلال اجتماع وطني فلسطيني بمشاركة حركة «فتح» وممثلين عن السلطة ومختلف الفصائل، وهو أمر يتوقع أن يبحث مجدداً في القاهرة من خلال اجتماع سيعقد قريباً للفصائل، من دون تأكيد فيما إذا ستقبل «فتح» بذلك، بعدما عارضت المشاركة بالمرة الأولى منذ أسابيع.

وتصر إسرائيل على عدم الانتقال للمرحلة الثانية قبل استكمال عملية تسليم الجثتين المتبقيتين لمختطفين في قطاع غزة، بينما قالت مصادر فلسطينية في الأيام الماضية لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك صعوبات تواجهها في العثور على ما تبقى من جثث بسبب اغتيال إسرائيل للمسؤولين عن أسرها، وبسبب العمليات الإسرائيلية من قصف وتجريف واسع للمناطق التي كانت بها تلك الجثث.

مياه آسنة قرب خيم النازحين في النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

كما تربط إسرائيل إعادة إعمار القطاع بهذا الملف، وتسعى بالتخطيط مع الولايات المتحدة إلى أن تتم بدء عملية الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، تحديداً رفح، وهو أمر يعارضه وزراء في المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابنيت)، وهو ما كشفت عنه صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية منذ أكثر من أسبوعين بعدما طرح نتنياهو ذلك على الوزراء.

ووفقاً لتقارير في صحف أميركية وإسرائيلية نشرت في الأيام الأخيرة، فإن الولايات المتحدة بدأت فعلياً العمل من أجل إزالة الأنقاض من بعض أجزاء مدينة رفح الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بهدف إعادة الإعمار فيها، وهو أمر لم تنفهِ أو تؤكده حكومة نتنياهو، في وقت لم تعلق عليه حركة «حماس» والفصائل.

وقالت مصادر من «حماس» والفصائل الفلسطينية إن ملف الإعمار يُبحث مع الوسطاء باستمرار، وإن أي تحرك أحادي الجانب لا قيمة له، وإن الإعمار يجب أن يشمل كل مناطق قطاع غزة، وألا تربط القضايا الإنسانية الملحة، بالقضايا السياسية في عملية ابتزاز واضحة. كما وصفتها في حديثها لـ«الشرق الأوسط».

ميدانياً وإنسانياً

يأتي ذلك كله في ظل استمرار التصعيد والخروق الإسرائيلية بقطاع غزة، حيث قتل، السبت، طفلان شقيقان من عائلة أبو عاصي بعد أن اقتربا من الخط الأصفر تماماً، والمشار إليه خط انسحاب إسرائيلي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك في بلدة بني سهيلا شرق خان يونس جنوب قطاع غزة.

فلسطينيون بين كومة زبالة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وقتل الطفلان بعد أن استهدفتهما مسيَّرة إسرائيلية أثناء محاولتهما جمع بعض الحطب لعائلتهما، حيث إن والدهما مُقْعَدُ، ووالدتهما مريضة.

وقتل ما لا يقل عن 355 فلسطينياً منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما أصيب المئات، نتيجة الخروق الإسرائيلية.

وخلال السبت، نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية في رفح، وكذلك خان يونس، في إطار ملاحقة المسلحين التابعين لـ«حماس» في أنفاق شرق رفح، وتدمير بنى تحتية في خان يونس، كما نفذت عمليات نسف كبيرة على جانبي الخط الأصفر في المنطقتين، وكذلك شرق مدينة غزة، وشمال القطاع، وسط عمليات قصف مدفعي وإطلاق نار من آليات ومسيَّرات، وقصف وإطلاق نار من زوارق حربية تجاه شواطئ عدة مناطق.

وقال الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، إن جيش الاحتلال كثف من عمليات قصفه لقطاع غزة براً وبحراً وجواً خلال ليل الجمعة - السبت، وواصل عمليات النسف، في امتداد لعدوانه الذي لم يتوقف على قطاع غزة، متهماً إياه بالتعمد بقتل طفلين، ما يؤكد من جديد أن «حرب الإبادة مستمرة ضد أهالي القطاع، وأن إطلاق النار لم يتوقف وإنما تغيرت وتيرته».

وإنسانياً، قالت شبكة المنظمة الأهلية الفلسطينية، إنها لم تشهد أي تحسن حقيقي على عملية إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، وأنها ما زالت عند الحد الأدنى من المطلوب.

وفعلياً غالبية ما يدخل إلى قطاع غزة شاحنات تجارية لبيعها للسكان الذين بالأساس بالكاد يجدون أعمالاً، في حين أن المساعدات الإنسانية المخصصة للتوزيع بالكاد تدخل.

فيما قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إن استمرار سوء التغذية مع دخول فصل الشتاء يهدد حياة الأطفال وصحتهم في قطاع غزة، مؤكدةً أن فصل الشتاء يزيد من انتشار الأمراض ويرفع خطر الوفاة بين الأطفال الأكثر ضعفاً في غزة.

وأشارت إلى أن فحوص التغذية أظهرت أن نحو 9300 طفل دون سن الخامسة في غزة مصابون بسوء تغذية حاد خلال شهر أكتوبر المنصرم، داعيةً كل الأطراف إلى فتح معابر قطاع غزة لمرور الإغاثة الإنسانية عبر جميع طرق الإمداد الممكنة.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».