مصر لتحركات محتملة بشأن التعامل مع تأثيرات «سد النهضة» الإثيوبي

مدبولي أكد وجود تصور واضح للإجراءات الفنية حيال أي ضرر مفاجئ

القاهرة تراقب إيراد نهر النيل لحظياً بالأقمار الصناعية (وزارة الري المصرية)
القاهرة تراقب إيراد نهر النيل لحظياً بالأقمار الصناعية (وزارة الري المصرية)
TT

مصر لتحركات محتملة بشأن التعامل مع تأثيرات «سد النهضة» الإثيوبي

القاهرة تراقب إيراد نهر النيل لحظياً بالأقمار الصناعية (وزارة الري المصرية)
القاهرة تراقب إيراد نهر النيل لحظياً بالأقمار الصناعية (وزارة الري المصرية)

تكثف مصر جهودها لتحركات محتملة بشأن التعامل مع تأثيرات «سد النهضة» الإثيوبي، لمواجهة أي مخاطر تنتج عما تصفه القاهرة بـ«الإدارة العشوائية غير المنضبطة» من جانب أديس أبابا، في حين أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي «وجود تصور واضح لدى بلاده للإجراءات الفنية حيال أي ضرر مفاجئ».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة»، التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة، فبعد أيام من تدشين «السد» رسمياً في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة – خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية – ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

واضطرت الحكومة المصرية إلى اتخاذ «إجراءات فنية» عدة للتعامل مع تأثيرات عدم انتظام تصريف المياه من «سد النهضة»، حيث تقوم بتصريف كميات محددة من المياه في أوقات زمنية مختلفة على مدار العام، لضمان تحقيق الأمن المائي والاقتصادي، والحفاظ على سلامة البنية التحتية للمنظومة المائية للبلاد.

وأكد مدبولي أن «حكومته جاهزة بالكامل للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة المرتبطة بسد النهضة، مع وجود متابعة يومية مع وزارة الموارد المائية والري، وتصور واضح للتحركات والإجراءات الفنية اللازمة».

وقال خلال تصريحات، مساء الخميس، إن «مصر تعمل وفق خطط استباقية تراعي كل الاحتمالات لضمان إدارة الموارد المائية بكفاءة، والتعامل مع أي تأثيرات قد تنتج عن تشغيل سد النهضة»، مشدداً على أن «هذه الخطط تستهدف منع أي ضرر مفاجئ يمكن أن تتعرض له مصر، سواء عبر حجز كميات من المياه أو تمرير كميات أكبر من المقرر».

القاهرة تتعامل وفق خطط استباقية لمواجهة تأثيرات «سد النهضة» (وزارة الري المصرية)

ولجأت مصر الأسبوع الماضي إلى فتح «مفيض توشكى» لتصريف كميات المياه الزائدة خلف «السد العالي» بالجنوب، عقب شكواها من «إدارة غير منضبطة» لسد النهضة و«تصريفات عشوائية» لمياه النيل الأزرق، وفق وزارة الري المصرية، التي أكدت في بيان حينها أن «استمرار النهج العشوائي في إدارة (السد) يُعرض مجرى النيل لتقلبات غير مأمونة التأثير».

ومن بين الإجراءات الفنية العديدة التي لجأت إليها مصر لتجنب تأثيرات «سد النهضة» وتواصل العمل عليها، وفق «الري المصرية»، المتابعة اللحظية لإيراد نهر النيل، ومراقبة مخزون بحيرة ناصر خلف السد العالي بالأقمار الاصطناعية، وتطوير البنية التحتية لمنظومة إدارة المياه، عبر تطهير الترع والمصارف، وصيانة السدود والقناطر وصيانة مخرات السيول تحسباً لأي فيضانات محتملة. وأطلقت الحكومة المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مشروعاً قومياً يهدف إلى «ضبط مياه النيل» يتضمن إنتاج خرائط رقمية لقعر النهر وجانبيه وفرعيه، ويهدف إلى تعزيز قدرته الاستيعابية، ومواجهة أي طوارئ، والتعامل مع حالات الفيضانات.

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي يرى أن مصر اتخذت جميع الإجراءات للتعامل مع أي تأثيرات سلبية لـ«سد النهضة» سواء الفيضانات المحتملة أو نقص إيراد نهر النيل، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تطوير مفيض توشكى لزيادة قدرته التصريفية يهدف إلى التعامل مع أي فيضانات محتملة، كما تهدف مشروعات مثل تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي إلى مواجهة نقص الموارد المائية»، مضيفاً أن «السد العالي ما زال يحمي مصر من أي مخاطر سواء الفيضانات أو نقص المياه»، لكنه حذر من «استمرار سوء إدارة وتشغيل (سد النهضة) من الجانب الإثيوبي وما يمكن أن يسببه من ضرر لمصر والسودان، لذا تدرس مصر تحركات أخرى محتملة بشأن التعامل مع تأثيرات (السد)».

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وشدد رئيس الوزراء المصري، مساء الخميس، على أن «بلاده تتحرك دائماً من منطلق التعاون الإقليمي، وليست ضد أي مشروعات تنموية في دول حوض النيل، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بضرورة ألا تؤدي تلك المشروعات إلى الإضرار بدول المصب»، مشيراً إلى أن «مفيض توشكى يعد جزءاً أساسياً من خطة الدولة لاستيعاب كميات المياه الفائضة، وجهات الدولة نفذت أعمالاً مسبقة لزيادة القدرة الاستيعابية للمفيض بما يضمن التعامل بأمان وكفاءة مع أي كميات إضافية من المياه».

المستشار الأسبق لوزير الري المصري، خبير المياه، الدكتور ضياء الدين القوصي، أكد أن «مخاطر (سد النهضة) مستمرة طالما أن مصر لا تشارك في إدارته وتشغيله»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تتخذ إجراءات عدة للتعامل مع أي مخاطر نتيجة التشغيل العشوائي لسد النهضة، ومواجهة أي فيضانات محتملة وتوجيه المياه الزائدة إلى مصارف أخرى»، لكن «سيظل الخطر قائماً، ولا بديل عن توقيع اتفاق قانوني بين مصر والسودان وإثيوبيا يتضمن قواعد الملء والتشغيل».


مقالات ذات صلة

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

شمال افريقيا برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

أكد مسؤول حكومي سوداني نزوح أكثر من 200 ألف شخص من مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق أخرى في إقليم النيل الأزرق، منذ انطلاق المعارك في المنطقة.

وجدان طلحة (الخرطوم)
العالم موظفون تابعون لـ«الأونروا» في جنوب غزة (أ.ف.ب)

أكثر من نصفهم بغزة... الأمم المتحدة تحصي 350 قتيلاً بين عمّال الإغاثة خلال 2025

قالت الأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) إن العاملين في مجال الإغاثة تعرَّضوا لعدد غير مسبوق من الهجمات العام الماضي، ووصفت هذا الوضع بأنه «مروع».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

لقي أكثر من 12 شخصاً حتفهم، وأصيب آخرون في شمال كردفان، فيما شنت مقاتلات حربية ومسيرات، تابعة للجيش السوداني، غارات على تجمعات لـ«قوات الدعم السريع» في الولاية.

أحمد يونس (كمبالا)
الاقتصاد غالبية إنتاج الذهب السوداني تأتي من خلال التعدين التقليدي (رويترز)

السودان يعلن الحرب على التعدين العشوائي ويستهدف تنظيم الذهب

أعلنت وزارة المعادن السودانية رفضها لاستمرار ممارسة التعدين غير المنظم «العشوائي والأهلي» للذهب، تجنباً للأضرار الكبيرة التي يخلفها على الإنسان والبيئة.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من عرض عسكري يوم 17 أغسطس 2026 في مدينة القضارف بشرق السودان خلال الاحتفالات بالذكرى الـ72 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب) p-circle

الاتحاد الأفريقي يؤكد عدم وجود حل عسكري في السودان

جدّد «مجلس السلم والأمن» التابع للاتحاد الأفريقي دعوته إلى هدنة إنسانية في السودان تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لحوار بقيادة سودانية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر تُحذر من تقسيم «الضفة» وعزل القدس الشرقية

السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
TT

مصر تُحذر من تقسيم «الضفة» وعزل القدس الشرقية

السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

حذَّرت مصر من تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية. وأدانت بأشدِّ العبارات إقدام إسرائيل على تنفيذ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي «إي 1» في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت إنه «يهدف إلى تقسيم الضفة الغربية، وتطويق وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يقوِّض التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ويهدِّد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأعربت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الخميس، عن رفضها الكامل لمحاولات تكريس سياسة الأمر الواقع من خلال التَّوسُّع الاستيطاني غير الشرعي وتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يقوِّض فرص تنفيذ «حل الدولتين».

وطالبت المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته واتخاذ خطوات جادة لوقف هذه الانتهاكات، مؤكدة «تمسكها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

في غضون ذلك، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، أنَّ «إسرائيل تواصل التَّصرُّف بوصفها دولةً مارقةً، تضرب عرض الحائط بالقانون الدولي وقواعده وأعرافه، وتنتهك بصورة متكرِّرة سيادة الدول وسلامة أراضيها، في ظلِّ غياب الردع والمحاسبة الدوليَّين».

وقال الأمين العام في إفادة، الخميس، إنَّ ما تشهده المنطقة خلال الأيام الأخيرة يقدِّم دليلاً جديداً على خطورة هذا النهج؛ من المضي في تنفيذ المشروع الاستيطاني «إي 1» في الضفة الغربية المحتلة وطرح عطاء لبناء وحدات استيطانية جديدة؛ بهدف فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة وتقسيم الضفة وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، إلى الاعتداء الإسرائيلي الأخير على الأراضي السورية، وصولاً إلى استمرار الغارات والقصف الإسرائيليَّين على الأراضي اللبنانية.

وشدَّد على أنَّ هذه الانتهاكات لا يمكن النظر إليها بوصفها أحداثاً منفصلة، أو تبريرها تحت أي ذرائع أمنية مختلقة، وإنما هي تعكس نهجاً متصلاً يقوم على استخدام القوة وفرض الأمر الواقع وانتهاك سيادة الدول وسلامة أراضيها.

وذكّر فهمي بأنَّ قرار مجلس الأمن رقم «2334» لعام 2016 أكد بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير تكوين الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وطابعها ووضعها، بما فيها القدس الشرقية. كما طالب مجلس الأمن بموقف واضح وحازم نحو وقف جميع الأنشطة الاستيطانية التي صار واضحاً ما تستهدفه من وأد أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة متواصلة الأطراف.

وحذَّر الأمين العام للجامعة من أنَّ استمرار صمت المجتمع الدولي وغياب المساءلة الفاعلة يشجِّع إسرائيل على مواصلة العمل خارج إطار القانون، مؤكداً أنَّ هذا النهج لا يهدِّد دول المنطقة وحدها، وإنما يقوِّض مصداقية منظومة القانون الدولي برمتها، ويكرِّس منطق القوة بديلاً عن الشرعية الدولية.

ودعا مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تَحمُّل مسؤولياتهما واتخاذ خطوات عملية لوقف هذه الانتهاكات ووضع حدٍّ لسياسة الإفلات من المحاسبة، مؤكداً أن «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان، ليست مواقف سياسية انتقائية، وإنما مبادئ أساسية لا يستقيم النظام الدولي من دون احترامها».


نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
TT

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

أكد مسؤول حكومي سوداني نزوح أكثر من 200 ألف شخص من مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق أخرى في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين، في ظل الأمطار الغزيرة ونقص الغذاء ومواد الإيواء وصعوبة وصول المساعدات.

وكانت قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، فرض سيطرتها على مدينتي الكرمك وقيسان الاستراتيجيتين الواقعتين قرب الحدود مع إثيوبيا، في تطور أدى إلى موجة نزوح واسعة باتجاه مناطق أكثر أمناً؛ خصوصاً مدينتي الدمازين العاصمة والرصيرص كبرى مدن الولاية.

وقال مفوض العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق، هاشم أورطة، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد الأشخاص الذين نزحوا من الكرمك وقيسان وبلدات أخرى، متأثرة بالقتال تجاوز 200 ألف شخص منذ انطلاق المعارك، مؤكداً أنهم يعيشون «أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة».

وتعد مفوضية العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق جهة حكومية محلية معنية بمتابعة أوضاع النازحين واللاجئين وتنسيق عمليات عودتهم وإعادة إدماجهم. وتعود جذور الجهاز الحكومي المختص بالعودة الطوعية في السودان إلى عام 2003، عندما أُنشئت وحدة للنزوح والعودة الطوعية تابعة لمفوضية العون الإنساني.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا لدى لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق في وقت سابق هذا العام (فيسبوك)

وأضاف أورطة أن نساء حوامل وكباراً في السن، من الرجال والنساء، لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال، في رحلات نزوح شاقة استمرت عدة أيام، اضطر خلالها كثيرون إلى السير لمسافات طويلة وسط الأمطار ووعورة الطرق.

وبحسب أورطة، استقبلت مخيمات ومراكز إيواء النازحين في محيط الدمازين، عاصمة الإقليم، خلال الأيام الأخيرة، عشرات الآلاف من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما تتزايد حاجتهم إلى الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية ومواد الإيواء.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الرقم الإجمالي الذي أورده المسؤول المحلي. ومفوضية العودة الطوعية ليست تابعة للأمم المتحدة، لكنها تتعاون مع وكالاتها والمنظمات الدولية، بما فيها مفوضية شؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في ملفات النزوح والعودة والمساعدات الإنسانية.

مخاوف من الأوبئة

وحذر المسؤول الحكومي المحلي من مخاطر صحية متزايدة داخل تجمعات النازحين؛ خصوصاً مع موسم الأمطار، معرباً عن قلقه من انتشار الملاريا وحمى الضنك وغيرهما من الأمراض المرتبطة بالخريف، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء وضعف الخدمات الصحية. وقال إن السلطات المحلية تبذل جهوداً لتوفير الغذاء والمياه ومواد الإيواء، إلا أن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات والأعداد المتزايدة التي تصل يومياً. وأضاف: «الحاجة كبيرة مقارنة بالأعداد التي تتدفق على المخيمات»، داعياً المنظمات المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتوفير المساعدات الإنسانية للمتضررين.

ويزيد استمرار القتال من صعوبة الاستجابة الإنسانية، إذ يحول انعدام الأمن في عدد من المناطق دون وصول المنظمات والإمدادات إلى السكان والنازحين، في وقت تواجه فيه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لتوفير الاحتياجات الأساسية للأعداد الكبيرة من الفارين.

رحلة نزوح وسط الأمطار

ووصف شهود عيان أوضاعاً قاسية واجهها المدنيون خلال رحلتهم من مناطق القتال باتجاه الدمازين والرصيرص، مشيرين إلى أن هطول الأمطار الغزيرة أدى إلى تدهور الطرق الترابية وصعوبة عبورها، وأجبر بعض الأسر على قطع مسافات طويلة في ظروف شديدة الصعوبة.

وتكتسب الأزمة بُعداً إضافياً بسبب طبيعة إقليم النيل الأزرق الجغرافية؛ حيث تتسبب الأمطار الموسمية في ارتفاع مناسيب الأنهار والخيران وانقطاع عدد من الطرق، ما يجعل حركة المدنيين ونقل المساعدات أكثر صعوبة.

نساء وأطفال أجبروا على الفرار من منازلهم في مدينة قيسان بالنيل الأزرق (الشرق الأوسط)

وكانت «شبكة أطباء السودان» قد قالت، في وقت سابق، إن الهجمات على قيسان أدت إلى فرار أكثر من 5 آلاف شخص إلى الدمازين، محذرة من أن الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين تتدهور نتيجة النقص الحاد في الغذاء ومواد الإيواء. وأضافت الشبكة أن عشرات الآلاف من المدنيين يواجهون موجات جديدة من النزوح في أنحاء الإقليم مع تصاعد الأعمال العدائية، مطالبة بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، بما يشمل الغذاء ومياه الشرب والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، وضمان حصول النازحين على الرعاية الصحية الأساسية.

وفي أحدث تقدير أممي، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 5400 شخص نزحوا جراء القتال في قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما خلال الأسبوع الماضي فقط.

مطالبة أممية بوصول آمن للمساعدات

من جانبه، دعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أطراف النزاع إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم بسرعة وأمان ومن دون عوائق. وحذر المكتب من أن القدرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة محدودة بسبب نقص الموارد وتمويل العمليات الإنسانية في السودان، في وقت تؤدي فيه موجات النزوح الجديدة إلى زيادة الضغط على المجتمعات المضيفة والخدمات الأساسية في المناطق التي يصل إليها الفارون.

وتفتح التطورات الأخيرة في النيل الأزرق بؤرة جديدة للنزوح الجماعي في السودان، بالتزامن مع موجات نزوح أخرى تشهدها مناطق كردفان ودارفور. كما يثير امتداد القتال إلى مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية مخاوف من تحول جزء من حركة النزوح الداخلي إلى تدفقات عبر الحدود إذا استمرت المواجهات واتسع نطاقها.

وفي ظل غياب مؤشرات على توقف قريب للقتال، يحذر مسؤولون محليون وناشطون في المجال الصحي من أن الأولوية العاجلة تتمثل في تأمين الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية للنازحين، قبل أن تؤدي الأمطار والاكتظاظ وضعف الخدمات إلى أزمة صحية أوسع في مراكز الإيواء.


الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
TT

الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)

يواصل الدينار الليبي نزيفاً في قيمته أمام الدولار بـ«السوق الموازية»، في ظل تداخل الأزمات السياسية والأمنية وتداعيات الانقسام المؤسسي، بما يزيد الضغوط على اقتصاد البلاد ويهدد بتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين، وسط مخاوف متفاقمة من أن يدفع الليبيون تكلفة جديدة للصراع على السلطة والموارد.

وتجاوز الدولار مستوى 9 دنانير في السوق الموازية، ليواصل التذبذب فوق هذا المستوى على وقع تصاعد التوترات الأمنية، بما في ذلك استهداف مرافق نفطية، واشتباكات بين فصائل مسلحة في الزاوية (غرب البلاد)، إلى جانب الضغوط لرفع الإنفاق على المرتبات، وفق خبراء اقتصاديين.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

ويتفق وزير الاقتصاد الليبي السابق، سلامة الغويل، مع هذه الرؤية في تشخيص الأزمة، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها وصراعات الساسة، وفوضى الميليشيات والإنفاق الموازي بين الحكومتين، كلها عوامل تتضافر لتعمق خسائر الدينار الليبي». معتقداً أن هذا الوضع المتردي في التواصل مع طرفي الانقسام الليبي، «يدفع ثمنه المواطن الليبي، الذي بات يعيش تدهوراً غير مسبوق في أحواله المعيشية».

وتوالت تحليلات المراقبين عبر صفحات التواصل الليبية حول تقدير أسباب ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، واتساع الفجوة مع السعر الرسمي إلى 2.76 دينار؛ حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية إلى 9.11 دينار، حسب وسطاء ومتداولين، مقابل 6.35 دينار وفق السعر الرسمي لمصرف ليبيا المركزي.

ويلقي أستاذ اقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، باللائمة على الانقسام الاقتصادي في تدهور سعر الدينار بوصفه سبباً رئيسياً، فيما ذهب الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل إلى عدّ أن جانباً من السياسة النقدية «أصبح مرتهناً لضغوط وتعليمات سياسية وأمنية، بما يحد من قدرة المصرف على إدارة أدواته، بعيداً عن التجاذبات».

غير أن العضو السابق بمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، محمد أبو سنينة، لم يجد خياراً سوى «الواقعية الاقتصادية في التعامل مع هذا الواقع المعقد، بوصفه الأنسب في الحالة الليبية الراهنة»، مشيراً إلى أن «هدف الاقتصاديين يجب أن يكون هو التخفيف من حدة الأزمة، وتلافي احتمالات الانهيار، إلى حين انتهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات السيادية».

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ولا تقف خسائر تراجع الدينار عند سعر الصرف، بل تمتد إلى القوة الشرائية للمواطنين، وفي هذا السياق يقول المستشار المتقاعد بالمحكمة العليا الليبية، جمعة أبو زيد، إن «الأجور الحالية تبدو أعلى من الناحية الاسمية مقارنة بما قبل 2011، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية، بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة». ويضرب مثالاً على ذلك بسعر اللحوم، قائلاً إن كيلوغرام اللحم الذي كان يُباع بنحو 10 دنانير قبل 2011 أصبح يتجاوز 110 دنانير، في صورة تعكس اتساع الفجوة بين نمو الأجور، وتكاليف المعيشة.

ووسط النقاش المتصاعد بشأن الأزمات الاقتصادية، تلقى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، مساندة أممية بعد استقالته التي قدمها إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في 10 أغسطس (آب) الحالي. وفي هذا السياق حثت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، الثلاثاء، المؤسسات الليبية على دعم المحافظ والمصرف، خلال إحاطتها أمس مجلس الأمن.

وجاء الموقف الأممي بعد لقاءات أجراها عيسى مع تيتيه والسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز، ولاحقاً مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير، لكنها أثارت انتقادات من نائب رئيس مجلس النواب فوزي النويري، الذي شدّد على أن التواصل مع المسؤولين الأجانب لا يمنحهم صلاحية التدخل في قرارات المؤسسات السيادية.

تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» الثلاثاء (البعثة الأممية)

في المقابل، دعت تيتيه إلى بذل جهود أكبر للسيطرة على الإنفاق العام، وضمان التزام الأطراف بالمعايير المحددة في إطار برنامج التنمية الموحد، بما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويحد من الضغوط التي تواجه المالية العامة، وسوق النقد الأجنبي.

وكان عيسى قد أعلن استقالته من منصبه من دون كشف أسبابها، مكتفياً بالإشارة في رسالته إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى «حساسية» تلك الأسباب. وفي المقابل رجح مصدر في المصرف المركزي، تحفظ عن ذكر اسمه، عدول عيسى عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، وتفعيل بنوده.

ويهدف اتفاق الإنفاق الموحد، الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية في أبريل (نيسان) الماضي، إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق وتوزيع الموارد، بما يحد من ازدواجية الإنفاق التي عمقت الانقسام المالي. ويشمل الاتفاق الرواتب والتسيير والتنمية، والدعم ومخصصات المؤسسة الوطنية للنفط.

يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ أكثر من عقد بين سلطات متنافسة في شرق ليبيا وغربها، وما ترتب عليه من ازدواجية في إدارة الموارد والإنفاق العام، بينما تزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، وتتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.