المخرج التركي سيموس ألتون لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «بينما نتنفس» ارتجافة قديمة في الذاكرة

حصد «الهرم البرونزي» في مهرجان «القاهرة السينمائي»

الفيلم اعتمد على طفلة في دور البطولة (الشركة المنتجة)
الفيلم اعتمد على طفلة في دور البطولة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي سيموس ألتون لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «بينما نتنفس» ارتجافة قديمة في الذاكرة

الفيلم اعتمد على طفلة في دور البطولة (الشركة المنتجة)
الفيلم اعتمد على طفلة في دور البطولة (الشركة المنتجة)

لم يكن المخرج التركي سيموس ألتون ينوي العودة إلى تلك المساحة البعيدة من حياته بهذه السرعة، لكنّ فيلمه «بينما نتنفس» دفعه دفعاً إلى منطقة لم يقترب منها منذ زمن طويل، تحديداً منذ طفولته، ليكون أول أعماله السينمائية الطويلة، والذي حصد به جائزة «الهرم البرونزي» من مهرجان «القاهرة السينمائي» في دورته الماضية.

تحدَّث المخرج التركي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الأولى التي خطرت له فيها فكرة الفيلم، ليصفها بأنها أشبه بـ«ارتجافة قديمة في الذاكرة»، من خلال صورة طفلة تقف عند حافة الغابة، في حين يتقدَّم الدخان ببطء نحو قريتها. فكانت الصورة، وفق قوله، «أقرب إلى اعتراف داخلي منها إلى بداية مشروع سينمائي»، لكنها سرعان ما تحوَّلت إلى نواة حكاية تستعيد سنوات عايش فيها النيران والحركة القلقة للناس في شرق تركيا.

يرى ألتون أنّ «بينما نتنفس» ليس فيلماً عن الحريق بقدر ما هو عن الطريقة التي يتعامل بها الأطفال مع عالم يتقلَّب فجأة أمام أعينهم، ولذلك اختار أن تكون مركز الحكاية طفلة في العاشرة تُدعى «إسما».

الفيلم تناول قصة عائلية عن الطفولة وعلاقة الأبناء بالآباء (الشركة المنتجة)

تعيش الصغيرة مع والدها في منزل متواضع على أطراف البلدة، وتراقب التغيّرات التي تبدأ صغيرة مثل ظلّ بعيد، ثم تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى واقع يضغط على تفاصيل حياتها اليومية.

يوضح المخرج أنه لم يكن يبحث عن بطل صغير بقدر ما كان يريد استعادة تلك الزاوية التي يرى منها الطفل الأشياء؛ زاوية لا تعتمد على التحليل بقدر ما تعتمد على الحدس وتقاطعات الشعور.

ويصف ألتون علاقة «إسما» بوالدها في الفيلم بأنها «جسر من الصمت المتبادل يحكمه الخوف»، فالأب ليس شخصية غائبة ولا سلطوية، بل رجل يحاول الحفاظ على نسق حياة مألوف فيما كلّ ما حوله يتغيَّر من دون إنذار. ويصرّ المخرج على أنّ هذه العلاقة هي قلب الفيلم الحقيقي، وأن الصراع فيه ليس صراعاً خارجياً فقط، بل محاولة لفهم المسافة التي تنمو بين الأب والطفلة كلما زاد الدخان في السماء.

ويتوقَّف ألتون مُطولاً عند تجربة العمل مع الأطفال في الفيلم، ويوضح أنّ «أداء التوأم اللذين يظهران في منتصف الحكاية لم يكن نتيجة توجيه مباشر، بل نتيجة مراقبة دقيقة ومحاولة لالتقاط اللحظات التي تخرج من تلقاء نفسها»، مؤكداً أنّ هذا الأسلوب كان جزءاً من طريقته في تحويل الفيلم إلى تجربة حيّة تتجاور فيها البراءة والخوف في مساحة واحدة.

ومع أنّ «بينما نتنفس» يبدو للوهلة الأولى فيلماً بسيطاً عن طفلة ووالدها، فإنّ ما يحمله، كما يقول مخرجه، أكبر من الحكاية الظاهرة. فهو تأمُّل في هشاشة الإنسان حين يواجه تهديداً لا يعرف مصدره، وتذكير بأن الأطفال غالباً ما يكونون الأقرب إلى الحقيقة مهما حاول الكبار إخفاءها.

المخرج التركي سيموس ألتون يراهن على الحدس بدل التفسير (الشرق الأوسط)

وتتحوّل الطبيعة في الفيلم إلى عنصر درامي كامل؛ فالسماء غير المستقرّة، والغابة التي تتقد في الخلفية، والحقول الخالية من الأطفال، كلّها تفاصيل تصنع جوّاً خانقاً يُشبه تلك اللحظة التي يتوقَّف فيها النَّفَس في صدر صغير لا يعرف كيف يصف ما يرى. ويشير إلى أنه اعتمد على بناء بصري قائم على الإيحاء لا على التفسير، وأراد للبيئة أن تتحدَّث باللغة ذاتها التي تتحدَّث بها «إسما»، «لغة أبسط من الكلمات وأقرب إلى الشعور الخام»، وفق تعبيره.

هذا التوجُّه البصري والشعوري لم يأتِ من فراغ، بل من مسار مهني بدأ مبكراً مع أفلام قصيرة لفتت انتباه مهرجانات دولية، فقد شارك ألتون خلال السنوات الماضية في عدد من المهرجانات الأوروبية والآسيوية، حاملاً معه مَشاهد تتأرجح بين السكون والتوتّر. وشكَّلت مشاركاته في مهرجانات مثل «إسطنبول» و«أنقرة» و«زيوريخ» فرصة لبلورة رؤيته الخاصة، إذ واصل العمل على قصص صغيرة تؤمن بالإنسان قبل الحدث، وتصنع من التفاصيل اليومية عالماً صالحاً لإثارة الأسئلة الكبرى.

ويقول إنّ تجربته في المهرجانات كانت مدرسة كاملة لجهة النظر إلى الفيلم بوصفه خطاباً لا يتوقف عند اللغة، بل يعبرها إلى ثقافات متعدّدة.

بعد تسلُّم الجائزة على المسرح في ختام «القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)

وحين وصل «بينما نتنفس» إلى المهرجانات، يقول ألتون: «اكتشفتُ أنّ الفيلم يملك قدرة خاصة على التواصل مع الجمهور، ولا سيما مع القرّاء الذين يُفضّلون السينما القائمة على الإيماء لا على التفسير المباشر»، إذ شارك الفيلم في محافل إقليمية ودولية قبل أن يصل إلى مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي»، حيث حصد جائزة «الهرم البرونزي» من المسابقة الدولية.

ويميل المخرج إلى التأكيد على أنّ هذا التتويج حمل بالنسبة إليه معنى أكبر من الجائزة نفسها، لأنّ استقبال الجمهور العربي بحساسيته تجاه القصص التي تمسّ العائلة والذاكرة أضاء طبقات في الفيلم ربما لم يلتفت إليها من قبل، مشيراً إلى أنّ «مهرجان القاهرة» فتح له نافذة مختلفة على جمهور واسع، والمناقشات التي دارت معه بعد العروض منحته شعوراً بأن الفيلم وجد مكانه الطبيعي بين قصص المنطقة.

يعمل المخرج التركي راهناً على فيلم جديد تدور أحداثه على الحدود التركية – الجورجية، ويتناول تأثير التحولات السياسية على العلاقات الإنسانية. لكنه يعود ليؤكد أنّ اهتمامه الأساسي لا يتبدَّل، وأنّ الإنسان سيظلّ مركز كلّ أفلامه، «سواء كان طفلاً يحاول فهم العالم، أو بالغاً يكتشف أنه لم يفهمه بعد»، وفق قوله.


مقالات ذات صلة

نايلة الخاجة لـ«الشرق الأوسط»: استلهمت «باب» من معاناة شخصية قاسية

يوميات الشرق المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة لفيلم «باب»)

نايلة الخاجة لـ«الشرق الأوسط»: استلهمت «باب» من معاناة شخصية قاسية

قالت المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة إن فيلم «باب» وُلد من تجربة شخصية قاسية عاشتها مع طنين الأذن.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

ينطلق العرض التجاري لفيلم «القصص» في القاهرة يوم 17 يونيو (حزيران)، على أن يبدأ عرضه عربياً في 18 من الشهر نفسه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)

«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

قال المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري إن فيلمه الوثائقي الجديد «Vanishing Tracks» (مسارات متلاشية) نبع من علاقة شخصية وحميمية جداً بعالم قبائل «القشقاي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

استطاعت السينما المصرية على مدى سنوات اجتذاب جماهير لعبة «كرة القدم» بشكل بارز، عبر تقديم عروض سينمائية مختلفة سلَّطت الضوء على جوانب عدة من تفاصيل اللعبة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)

توموهيكو إيتو: «حارس شجرة الكافور» رحلة من العزلة إلى الأمل

رحلة البطل «رايتو» تعكس رحلة جيل كامل من الشباب الياباني، بل ربما من شباب العالم كلّه.

أحمد عدلي (القاهرة )

نايلة الخاجة لـ«الشرق الأوسط»: استلهمت «باب» من معاناة شخصية قاسية

المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة لفيلم «باب»)
المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة لفيلم «باب»)
TT

نايلة الخاجة لـ«الشرق الأوسط»: استلهمت «باب» من معاناة شخصية قاسية

المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة لفيلم «باب»)
المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة لفيلم «باب»)

قالت المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة إن فيلم «باب» وُلد من تجربة شخصية قاسية عاشتها مع طنين الأذن، موضحة أن الحالة أدخلتها في دائرة من الخوف والقلق المستمر، بعدما أصبحت تسمع الصوت بشكل دائم إلى درجة أفقدتها الإحساس بالراحة، فلم تكن تستطيع النوم أو الهدوء إلا بوجود صوت التلفزيون، لتكون تلك التجربة النفسية الصعبة تدريجياً هي الشرارة الأولى التي دفعتها لكتابة الفيلم.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» في حوار خلال وجودها بالقاهرة أن الفيلم بدأ من «الصوت» قبل الصورة، إذ كتبت السيناريو وهي تعيش إحساس الطنين يومياً، قبل أن تتوسع الفكرة بصرياً ونفسياً، مشيرة إلى أنها تنتمي فنياً إلى عالم السوريالية، وتتأثر بأعمال فنانين مثل فرانسيس بيكون وفرانسيسكو غويا، وهو ما انعكس بوضوح على التكوينات البصرية والكوابيس الذهنية التي يحملها الفيلم، لكون العمل يستند إلى مرجعيات تشكيلية ولوحات عالمية ظهرت ضمن الحالة البصرية الخاصة به.

المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة (الشركة المنتجة)

وتحدثت نايلة الخاجة عن الجدل الذي أثاره صوت الطنين داخل الفيلم، مؤكدة أنها تعمدت نقل الإحساس نفسه الذي عاشته إلى الجمهور، وأرادت للمشاهد أن يشعر بجزء من المعاناة النفسية التي يسببها الطنين المستمر.

وتدور أحداث فيلم «باب» حول امرأة تعيش حالة نفسية مضطربة بعد إصابتها بطنين حاد في الأذن، لتجد نفسها محاصرة داخل عالم يختلط فيه الواقع بالهلاوس والكوابيس، ومع تصاعد الأحداث، تتحول الأصوات والتفاصيل اليومية إلى مصدر دائم للرعب والاختناق، في حين تغوص البطلة تدريجياً في مواجهة مخاوفها الداخلية وعزلتها القاسية داخل أجواء نفسية وسوريالية مشحونة بالتوتر.

وبدأ الفيلم الذي تشارك في بطولته الممثلة السعودية شيماء الفضل رحلته بعرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» في نسخته الماضية، قبل مشاركته في عدد من المهرجانات العربية والدولية، كما يستعد للمشاركة في النسخة المقبلة من مهرجان «الأفلام السعودية».

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان القاهرة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الإماراتية أن التصوير جرى تحت ضغوط إنتاجية كبيرة، بعدما تقلص جدول العمل من 27 يوماً إلى نحو 13 يوماً ونصف اليوم فقط بسبب ضعف الميزانية، وهو ما فرض إيقاعاً مرهقاً على فريق العمل، فلم تكن تملك رفاهية إعادة المشاهد أو مراجعة ما تم تصويره بشكل يومي، إذ جرى تصوير عدد كبير من اللقطات مرة أو مرتين فقط قبل الانتقال مباشرة إلى المشاهد التالية.

وأشارت إلى أن طبيعة الفيلم البصرية كانت شديدة التعقيد، مع وجود كثير من العناصر الموجودة داخل الصورة نُفذت بشكل حقيقي وليس عبر المؤثرات البصرية، ما احتاج إلى تجهيزات دقيقة ووقت طويل، موضحة أن البروفات المكثفة قبل التصوير لعبت دوراً مهماً في إنقاذ التجربة، خصوصاً بعد تجهيز موقع التصوير الرئيسي قبل بدء العمل بفترة كافية سمحت بالتدريب مع الممثلين ومدير التصوير داخل المساحة نفسها.

وعن اختيار الأبطال، قالت نايلة الخاجة إنها بذلت مجهوداً كبيراً في البحث عن الممثلة المناسبة لشخصية «وحيدة»، مؤكدة أنها شاهدت عدداً كبيراً من الأعمال العربية قبل أن تستقر على شيماء الفضل، بعد اختبارات أداء عديدة، لأنها كانت تبحث عن ممثلة قادرة على حمل الحالة النفسية المعقدة للشخصية طوال الفيلم، وهو ما وجدته فيها.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت نايلة الخاجة أن ردود الفعل حول «باب» جاءت متباينة، فهناك من تعامل معه بوصفه فيلم رعب، في حين رآه آخرون دراما نفسية داكنة ذات طابع سوريالي، معتبرة أن هذا التباين طبيعي، لأن العمل يتحرك بين أكثر من مساحة فنية ونفسية في الوقت نفسه.

وأكدت المخرجة الإماراتية أنها تعمل حالياً على مشروع جديد ينتمي إلى الكوميديا السوداء والرعب التجاري، موضحة أنها تسعى هذه المرة إلى تقديم فيلم جماهيري يحمل طابعاً مختلفاً عن «باب».


الذكاء الاصطناعي يكشف مبكراً عن هجمات الاحتيال الإلكتروني

الاحتيال الإلكتروني يستهدف الأفراد أو المؤسسات عبر الوسائل الرقمية والإنترنت (جامعة هايدلبرغ)
الاحتيال الإلكتروني يستهدف الأفراد أو المؤسسات عبر الوسائل الرقمية والإنترنت (جامعة هايدلبرغ)
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف مبكراً عن هجمات الاحتيال الإلكتروني

الاحتيال الإلكتروني يستهدف الأفراد أو المؤسسات عبر الوسائل الرقمية والإنترنت (جامعة هايدلبرغ)
الاحتيال الإلكتروني يستهدف الأفراد أو المؤسسات عبر الوسائل الرقمية والإنترنت (جامعة هايدلبرغ)

طوّر باحثون في اليابان نظاماً جديداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن هجمات الاحتيال الإلكتروني، في خطوة تمثل تحولاً مهماً في أساليب مواجهة هذا النوع من الجرائم الرقمية.

وأوضح الباحثون في جامعة طوكيو متروبوليتان، أن النظام المبتكر يتيح رصد مئات الآلاف من الروابط الخبيثة المرتبطة بهجمات الاحتيال الإلكتروني بسرعة أكبر وبشكل استباقي، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «IEEE Access».

والاحتيال الإلكتروني أحد أشكال الجرائم السيبرانية التي تستهدف الأفراد أو المؤسسات عبر الوسائل الرقمية والإنترنت، بهدف الخداع أو سرقة البيانات أو الأموال. ويعتمد المهاجمون في هذا النوع من الجرائم على أساليب متعددة، مثل انتحال صفة جهات موثوقة، أو إرسال رسائل وروابط مزيفة، أو إنشاء مواقع إلكترونية وهمية تحاكي المواقع الحقيقية، لإقناع الضحايا بالكشف عن معلومات حساسة مثل كلمات المرور أو بيانات الحسابات البنكية. ويُعد هذا النوع من الاحتيال من أكثر التهديدات انتشاراً في العصر الرقمي، مع تزايد الاعتماد على الخدمات الإلكترونية في المعاملات المالية والتواصل والعمل، ما يجعل الوقاية منه تتطلب وعياً أمنياً عالياً وتطبيق إجراءات حماية صارمة.

وأشار الفريق إلى أن الأساليب التقليدية تعتمد غالباً على فحص الروابط المشبوهة وتحليل محتواها لتحديد مدى خطورتها، إلا أن هذه المقاربة تواجه تحديات متزايدة مع تطور أساليب المهاجمين؛ خصوصاً استخدام تقنيات الإخفاء التي تمنع أدوات الفحص الآلي من الوصول إلى المحتوى الحقيقي للمواقع المشبوهة.

نهج مختلف

في المقابل، يعتمد النظام الجديد، الذي يحمل اسم «فِش لوموس» (PhishLumos)، على نهج مختلف في مكافحة هجمات الاحتيال الإلكتروني، إذ لا يكتفي بتحليل المحتوى، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالروابط، مثل عناوين بروتوكول الإنترنت (IP) ومسارات الاتصال بين الخوادم، بهدف كشف الشبكات الكاملة التي تقف خلف هذه الحملات.

وتقوم فكرة النظام على عدم انتظار ظهور المحتوى الخبيث بشكل مباشر، بل يتم تفعيله عند رصد مؤشرات على وجود إخفاء أو تمويه، ليبدأ بعدها في تتبع العلاقات بين المواقع والخوادم المرتبطة، وبناء خريطة شاملة توضح امتداد الحملة وآلية عملها.

وأظهرت التجارب العملية أن النظام قادر على اكتشاف حملات الاحتيال الإلكتروني قبل الخبراء المتخصصين، بمتوسط يصل إلى 8 أيام، وهو فارق زمني مهم في مجال الأمن السيبراني، إذ يتيح فرصة للحد من انتشار آلاف الهجمات خلال هذه الفترة.

وفي اختبار ميداني شمل 103 حملات احتيال إلكتروني، تم تزويد النظام بـ600 رابط مبدئي فقط، لكنه تمكن من توسيع نطاق التحليل واكتشاف أكثر من 190 ألف رابط إضافي مرتبط بتلك الحملات خلال ستة أشهر، تبيّن لاحقاً أن نحو 92 في المائة منها كانت خبيثة بالفعل.

وأكد الفريق أن النظام تفوق بشكل واضح على الأساليب التي تركز فقط على تحليل محتوى المواقع الإلكترونية، نظراً لاعتماده على مؤشرات البنية التحتية التي يصعب على المهاجمين إخفاؤها أو تغييرها بسرعة.

ويرى الباحثون أن مثل هذه التقنيات أصبحت ضرورية في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية في مختلف جوانب الحياة، مشيرين إلى أن التصدي المبكر والفعال لهجمات الاحتيال الإلكتروني يمثل خطوة مهمة لحماية المستخدمين وتعزيز الثقة في المؤسسات والخدمات الرقمية.


دواء لـ«الشلل الرعاش» يقلل أعراض الاكتئاب

الاكتئاب المقاوِم للعلاج قد يؤدي إلى فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو الدافعية (جامعة موناش)
الاكتئاب المقاوِم للعلاج قد يؤدي إلى فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو الدافعية (جامعة موناش)
TT

دواء لـ«الشلل الرعاش» يقلل أعراض الاكتئاب

الاكتئاب المقاوِم للعلاج قد يؤدي إلى فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو الدافعية (جامعة موناش)
الاكتئاب المقاوِم للعلاج قد يؤدي إلى فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو الدافعية (جامعة موناش)

كشفت دراسة سويدية حديثة أن دواء «براميبيكسول»، المستخدم منذ سنوات في علاج مرض باركنسون أو «الشلل الرعاش»، قد يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب المقاوم للعلاج.

وأوضح الباحثون من جامعة لوند السويدية أن الدواء يساعد بشكل خاص المرضى الذين يعانون من فقدان القدرة على الشعور بالمتعة أو الدافعية، وهي الحالة المعروفة طبياً باسم «انعدام التلذذ»، ونشرت النتائج، الجمعة، في دورية «Nature Medicine».

ويُعرّف الاكتئاب المقاوم للعلاج بأنه أحد أشكال الاضطراب الاكتئابي الذي لا يستجيب بشكل كافٍ للعلاجات الدوائية التقليدية، رغم استخدام مضادين للاكتئاب على الأقل بجرعات مناسبة ولفترات علاجية كافية.

ويعاني المصابون به من استمرار الأعراض لفترات طويلة، مثل الحزن الشديد، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، واضطرابات النوم والتركيز؛ ما يؤثر بشكل كبير في جودة الحياة والقدرة على العمل والتفاعل الاجتماعي.

وشملت الدراسة 82 مريضاً يعانون من اكتئاب مصحوب بدرجات واضحة من «انعدام التلذُّذ»، وهو أحد أكثر أعراض الاكتئاب إعاقةً وتأثيراً في جودة الحياة. وتم توزيع المشاركين عشوائياً لتلقي إما عقار «براميبيكسول» أو علاج وهمي، إلى جانب أدويتهم المعتادة المضادة للاكتئاب، وذلك لمدة تسعة أسابيع.

وأظهرت النتائج أن المرضى الذين تلقوا «براميبيكسول» حققوا تحسناً أكبر في أعراض انعدام التلذذ مقارنة بالمجموعة التي تلقت العلاج الوهمي. كما استمرت هذه الفوائد خلال فترة متابعة امتدت إلى ستة أشهر لدى المرضى الذين واصلوا استخدام الدواء.

ولفهم الآليات البيولوجية المحتملة وراء هذا التأثير، استخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي، إلى جانب أجهزة لمراقبة النشاط البدني اليومي للمشاركين.

وأظهرت النتائج تحسناً في نشاط نظام المكافأة في الدماغ لدى المرضى الذين تلقوا العلاج، إضافة إلى زيادة في مستويات الحركة والنشاط اليومي.

وأشار الباحثون إلى أن هذه النتائج تدعم فرضية أن الدواء يؤثر في نظام الدوبامين، الذي يلعب دوراً محورياً في التحفيز والشعور بالمكافأة.

وعلى صعيد السلامة، أفاد الفريق بأن معظم المشاركين تحملوا العلاج بصورة جيدة، وكانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً تشمل الغثيان والدوار واضطرابات النوم، إلا أنها كانت قابلة للإدارة غالباً من خلال تعديل الجرعات.

كما أظهرت مرحلة المتابعة الممتدة أن فعالية العلاج وسلامته استمرتا على المدى الطويل، وهو ما يُعد مؤشراً مهماً للمرضى الذين يعانون من اكتئاب مزمن أو مقاوم للعلاج.

وكان عقار «براميبيكسول» قد حصل على موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)» عام 1997، لعلاج أعراض مرض باركنسون.

ووفق الباحثين، تبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تعيد توظيف دواء متوافر منذ نحو 29 عاماً لعلاج حالة مختلفة تماماً، وهي الاكتئاب المقاوم للعلاج المصحوب بفقدان المتعة والدافعية، ما قد يسرّع اعتماده مستقبلاً إذا أكدت دراسات لاحقة فعاليته وسلامته لهذا الاستخدام الجديد.

ويرى الباحثون أن النتائج تفتح الباب أمام تطوير خيارات علاجية جديدة لمرضى الاكتئاب الذين لا يستجيبون بشكل كافٍ للعلاجات المتاحة حالياً، مع التأكيد على الحاجة إلى مزيد من الدراسات واسعة النطاق لتأكيد الفعالية والسلامة.