تباين ليبي بشأن تلويح حمّاد باللجوء إلى «الحكم الذاتي»

مع تصاعد الجدل حول شرعية «العليا للرئاسات» في طرابلس

 حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب بشرق ليبيا (الحكومة)
حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب بشرق ليبيا (الحكومة)
TT

تباين ليبي بشأن تلويح حمّاد باللجوء إلى «الحكم الذاتي»

 حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب بشرق ليبيا (الحكومة)
حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب بشرق ليبيا (الحكومة)

تباينت آراء سياسيين ليبين بشأن تلويح رئيس الحكومة المكلّفة من البرلمان، أسامة حمّاد، باللجوء إلى «الحكم الذاتي».

وجاء التصعيد الأخير رداً على إعلان تأسيس «الهيئة العليا للرئاسات» في طرابلس، التي وصفها مؤسسوها بأنها «السلطة السيادية العليا»، بينما عدّتها حكومة حمّاد «كياناً منعدماً دستورياً وقانونياً، وتهديداً لوحدة الدولة وتجاوزاً لصلاحيات البرلمان».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وأثارت خطوة حماد تساؤلات حول إمكانية تحوّل التلويح من مجرد خطاب احتجاجي إلى ورقة ضغط، تحمل حسابات معقّدة، إضافة إلى تساؤلات حول مدى انسجامها مع «الحراك الشعبي السلمي»، الذي يكرر قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، الدعوة إليه «لتصحيح المسار السياسي» على حد قوله.

ورحّبت شخصيات محسوبة على حكومة حمّاد بالتطرق لخيار الحكم الذاتي، وفي مقدمتهم رئيس المؤسسة الليبية للإعلام المكلّفة من البرلمان، محمد بعيو، الذي وصفه في إدراج له بأنه «الكأس المرّة، لكن ذلك أهون من استمرار الفوضى بالوضع الراهن».

وتشهد ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وبين حكومة حمّاد التي تحظى بدعم «الجيش الوطني».

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

في المقابل، قلّلت أصوات سياسية في المنطقة الغربية من أهمية التلويح، رغم كونه سابقة أولى، مشيرة إلى «افتقاره لأي دعم إقليمي ودولي».

وذكر رئيس لجنة الشؤون السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، أن حكومة حمّاد «لم تتحصل، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على تأسيسها، على اعتراف أممي أو دولي»، عادّاً أن هذا بحد ذاته يضعف من قيمة الطرح برمته، ويظهر كمناورة لتشكيل حشد محلي ودولي ضد هيئة الرئاسات.

وشدّد معزب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «تقارب أنقرة مع قيادة (الجيش الوطني) لا يعني إمكانية دعمها لخيار الحكم الذاتي كما يردد البعض»، لافتاً إلى أن تركيا «توازن علاقاتها مع الشرق والغرب الليبيين وفق مصالحها».

ودافع معزب عن تأسيس «هيئة الرئاسات»، عاداً أنها تهدف للتنسيق وبلورة سياسات مشتركة، وتفادي أي تضارب في القرارات بالمنطقة الغربية، خصوصاً ما يتعلق بتعيينات المؤسستين العسكرية والأمنية. لكنه يرى أن توقيت الإعلان عن تدشينها «ربما لا ينفصل عن محاولة السلطات في الغرب الليبي استباق أي خطوة تصعيدية من قبل حفتر».

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (الوحدة)

وكان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة والدبيبة، قد أعلنوا عن تشكيل «الهيئة العليا للرئاسات». وفي هذا السياق يرى بعض المراقبين أن الأخير سيوظف الهيئة لتوحيد القرار السياسي والأمني في الغرب، ورفع سقف التفاوض باسمها في أي تسوية مقبلة.

بدوره، عد المحلل السياسي، صلاح البكوش، أن «غياب الدعم الدولي والإقليمي يجعل من الدعوة للحكم الذاتي غير قابلة للتطبيق»، معرباً عن قناعته بأن «طموحات حفتر لا تنحصر في إدارة الشرق، وبعض مدن الجنوب دون التطلع للعاصمة، التي حاول السيطرة عليها قبل ست سنوات».

وقلّل البكوش لـ«الشرق الأوسط» من احتمالات إيقاف النفط أو التنازع على عوائده - المصدر الرئيسي لدخل البلاد - جراء إثارة هذا الملف، مذكّراً «برعاية واشنطن لتفاهمات جرت بين كل من صدام نجل حفتر، وإبراهيم الدبيبة مستشار رئيس حكومة «الوحدة»، بشأن كيفية توزيع باب التنمية في الميزانية».

من جهته، رهن الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد إمطيريد، تدرج حديث حكومة حمّاد من تلويح سياسي إلى تطبيق فعلي بمدى تصعيد سلطات طرابلس.

وعدّ إمطيريد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تأسيس (هيئة الرئاسات) يمثل تجاوزاً لصلاحيات البرلمان، وبالمثل الحديث الراهن عن تعيين قيادة عسكرية برتبة مشير في المنطقة الغربية». ودعا للتراجع عن «الاتفاقية بين قطر والبعثة الأممية لتمويل الحوار السياسي، التي عدّتها سلطات الشرق اعتداءً على السيادة». مشيراً إلى «تحسن اقتصادي واجتماعي في الشرق والجنوب خلال السنوات الأخيرة، جراء الحركة الواسعة للإعمار هناك، قد مما يدفع شرائح واسعة لتبنّي خيار الحكم الذاتي»، ومرجّحاً «اعتراضاً دولياً مؤقتاً لهذا الطرح، مع احتمال الاعتراف التدريجي طبقاً لحسابات ومصالح سياسية واقتصادية لدول عدة إقليمية وغربية مع الشرق والجنوب داخل ليبيا».

وعلى منصات التواصل، رأى كثيرون أن الانقسام القائم يمثل «حكماً ذاتياً غير معلن»، فيما عدّ آخرون أن التصعيد يهدف لإفشال «خريطة طريقة» البعثة الأممية، التي تستهدف إجراء انتخابات من شأنها إزاحة مراكز القوى الراهنة شرقاً وغرباً.

من جانبه، عدّ الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، أن «التصعيد العلني بين الأفرقاء المتصارعين على السلطة مقصود للحفاظ على الوضع الراهن، بينما تعقد تفاهمات بينهم حول حصة كل منهم من عوائد النفط في الغرف المغلقة، وذلك طبقاً لقدرة كل منهم على توحيد صفوفه وتوسيع نفوذه».

وتوقع القماطي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تهدأ وتيرة هذا التصعيد مع توسع الحضور الأميركي الميداني مع القوى المسلحة في شرق وغرب البلاد.

فيما دعا المحلل الليبي أسامة الشحومي للتمييز بين «التلويح بالحكم الذاتي كورقة ضغط، وبين القدرة الفعلية على تطبيقه كخطة جاهزة، حال استمرار التعنت في الوصول للانتخابات».

ويرى الشحومي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «إقامة الحكم الذاتي في ليبيا تتطلب مؤسسات مالية مستقلة ومعترف بها دولياً، إلى جانب القدرة على بيع النفط دون عقوبات أو مصادرة للشحنات». وأشار إلى رؤية أميركية ترتكز على «توحيد المؤسسات الاقتصادية، ما يجعل أي خطوة تقسيمٍ مهددةً بعقوبات محتملة»، مشيراً إلى رؤية أميركية ترتكز على «توحيد المؤسسات الاقتصادية، ما يجعل أي خطوة تقسيم مهددة بعقوبات محتملة».


مقالات ذات صلة

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

شمال افريقيا صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

اعتبرت لجنتان بمجلس النواب أن إبرام «حكومة الوحدة» اتفاقية لتطوير المنطقة الحرة بمصراتة «مخالفة صريحة» للإعلان الدستوري، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)

الأمم المتحدة تدرّب «الهلال الأحمر» الليبي على مواجهة مخاطر الألغام

سعياً لنزع فتيل «القنابل الموقوتة» التي تطارد الليبيين، رعت الأمم المتحدة ورشة تدريبية على مواجهة مخلفات الحرب، ضمّت 21 متطوعاً بينهم 7 نساء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

وسط مخاوف ليبية من تداعيات تخفيض سعر صرف الدينار الليبي، برَّر «المصرف المركزي» قراره باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».