اكتشاف سلالة بشرية مجهولة عاشت 8 آلاف عام في جنوب الأرجنتين

دراسة جديدة تُعيد رسم خريطة الهجرات القديمة

سلالة بشرية «غير معروفة» تطفو على السطح بعد آلاف الأعوام (غيتي)
سلالة بشرية «غير معروفة» تطفو على السطح بعد آلاف الأعوام (غيتي)
TT

اكتشاف سلالة بشرية مجهولة عاشت 8 آلاف عام في جنوب الأرجنتين

سلالة بشرية «غير معروفة» تطفو على السطح بعد آلاف الأعوام (غيتي)
سلالة بشرية «غير معروفة» تطفو على السطح بعد آلاف الأعوام (غيتي)

اكتشف علماء الآثار سلالة بشرية قديمة لم تكن معروفة من قبل، كانت تعيش في الأرجنتين؛ وهو اكتشاف يُضيء على أقدم المستوطنات في واحدة من آخر المناطق التي وصل إليها الإنسان الحديث في العالم.

فعندما ظهر الإنسان الحديث للمرة الأولى في أفريقيا وبدأ الهجرة إلى مختلف أنحاء العالم، كانت أقصى جنوب أميركا الجنوبية من آخر المناطق التي وصل إليها البشر، وكان أقدم دليل معروف سابقاً على وجود البشر في هذه المنطقة موقعاً أثرياً يعود إلى نحو 14 ألف عام في «أرويو سيكو» في منطقة بامباس بالأرجنتين.

ومع ذلك، لا يزال كثير من الجوانب مجهولاً حول أولى المجموعات البشرية التي استقرَّت في هذا الجزء من العالم، ويرجع ذلك، وفق الباحثين، إلى أن دراسات الحمض النووي القديم في أميركا الجنوبية لم تتطوَّر بالسرعة عينها في أوروبا وآسيا.

وتشير الدراسات السابقة للحمض النووي إلى أنه قبل نحو 9 آلاف عام، بدأت الشعوب الأصلية في الأميركتين التمايز إلى 3 سلالات واضحة: سلالة في جبال الأنديز الوسطى، وأخرى في المنخفضات الاستوائية في الأمازون، وثالثة جنوباً في البامباس وتشيلي وباتاغونيا. أما السلالة البشرية التي اكتُشفت حديثاً في الأرجنتين فقد استمرَّت على القارة لأكثر من 8 آلاف عام، وأسهمت في ظهور مزيج متنوّع على نحو لافت من الثقافات الأصلية.

وقال خافيير مارافال لوبيز، من جامعة هارفارد: «اكتشفنا هذه السلالة الجديدة، وهي مجموعة من البشر لم نكن نعرف بوجودها من قبل، وقد بقيت المكوّن الأساسي للأنساب في المنطقة لمدّة لا تقلّ عن 8 آلاف عام وحتى يومنا هذا». وأضاف: «يبدو أنه فصل محوري من تاريخ القارة لم نكن على دراية به من قبل».

وفي سياق الدراسة، حلَّل الباحثون الحمض النووي المستخرَج من عظام وأسنان 238 فرداً من السكان الأصليين يصل عمر بعضهم إلى 10 آلاف عام، ممّا أدى إلى زيادة عدد العينات المتاحة من منطقة المخروط الجنوبي الأوسط، التي تشمل الأرجنتين وتشيلي والأوروغواي، بأكثر من 10 أضعاف. كما قُورنت هذه البيانات بعينات حمض نووي قديم لـ588 فرداً آخر من أنحاء مختلفة في الأميركتين، عاشوا بين 12 ألف عام وحتى مدّة الاتصال بالأوروبيين.

وركّز العلماء على جزء محدد من الجينوم يُعرف بتعدُّد أشكال «النوكليوتيد الأحادي» (SNPs)، الذي يختلف بين البشر، ممّا يساعد في تحديد العلاقات الجينية ومعرفة مدى قرب السلالات أو بُعدها. وأظهرت النتائج وجود سلالة بشرية جديدة تماماً ظهرت قبل نحو 8500 عام في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت»، فقد طوّرت هذه السلالة مجموعة واسعة من اللغات والثقافات، وأصبحت المكوّن الرئيسي للأنساب في وسط الأرجنتين. وقال لوبيز: «كان أشخاص ينتمون إلى السلالة نفسها، أشبه بجُزر متفرقة، يطوّرون ثقافات ولغات مميّزة رغم محدودية الاختلاط الجيني».

وبعد ذلك، امتدَّت هذه السلالة نحو الجنوب واختلطت بالسكان في منطقة البامباس قبل نحو 3300 عام أو أكثر، وأصبحت في نهاية المطاف الأصول الغالبة في تلك المنطقة. ورغم أنّ هذه المجموعة تفاعلت مع غيرها جزئياً، فإنّ الباحثين يشيرون إلى أنها بقيت في معظمها منعزلة. ويأمل العلماء أن تُسهم دراسات مستقبلية في تفسير سبب محدودية الهجرة والاختلاط بين المجموعات البشرية القديمة في تلك المنطقة.


مقالات ذات صلة

سارة ذوق: «حبّ ع ورق» منحني الانطلاقة التي انتظرتها

يوميات الشرق «حبّ ع ورق» فاجأها بحجم انتشاره (إنستغرام)

سارة ذوق: «حبّ ع ورق» منحني الانطلاقة التي انتظرتها

تُعدّ الممثلة اللبنانية سارة ذوق من الوجوه الجديدة التي جرى التعاون معها.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق وجه من عالم لم يعد موجوداً (غيتي)

رأس حيوان منقرض يقفز من 50 جنيهاً إلى 60 ألف جنيه إسترليني

بِيْع رأس حيوان محفوظ بالتحنيط في مزاد علني مقابل 60 ألف جنيه إسترليني، بعدما اعتُقد في البداية أنه يعود إلى ثعلب محنّط قديم...

«الشرق الأوسط» (بريستول (المملكة المتحدة))
يوميات الشرق وجوه تتكرَّر... وحكايات لا تُشبه بعضها (فيسبوك)

عام دراسي بنسختين... 9 أزواج من التوائم إلى المدارس

سيكون المعلّمون على موعد مع مشهد استثنائي، مع استعداد 9 أزواج من التوائم للالتحاق بالمدارس في منطقة إنفركلايد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد.

«الشرق الأوسط» (سفالبارد (النرويج))
يوميات الشرق ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم...

«الشرق الأوسط» (مدريد)

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
TT

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

لا يُذكَر الممثل بعدد أعماله، بِقَدر ما يُحفَر اسمُه ووجهُه في ذاكرة الجمهور لجودة اختياراته وأدائه الآسِر. على هذه القاعدة يسير الفنان السعودي محمد الدوخي متأنياً في إطلالاته، وتاركاً بصمة من الصعب محوُها مع كل شخصيةٍ يقدّمها.

هو «فهد القضعاني» في فيلم «مندوب الليل»؛ ذاك الشاب الذي يصارع الدنيا وحيداً، متأرجحاً بين طيبةٍ طفوليّة وغضبٍ دفين فرضته قسوة الحياة. وإن كان مروره أسرع في السلسلة القصيرة «الخلّاط +»، فلا تقلّ شخصية صاحب الدكّان الكفيف والغامض أهميةً. مزج الدوخي فيها ما بين الغرابة والباطنيّة ليبقى «أبو مرداع» عالقاً في الأذهان. أما الكوميديا، المكان الذي انطلق منه، فعاد إليها الدوخي عام 2025 بشخصية «سطّام» في فيلم «رهين» من إخراج أمين الأخنش والذي يُعرَض حالياً على «نتفليكس».

الدوخي إلى جانب الفنان السعودي الراحل محمد الطويان في أحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

البطولة ليست أولويّة

يحمل الدوخي كل شخصياته في قلبه وسجلّه بفخر، لكنه يرغب دائماً في السير إلى الأمام. في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول الممثل السعودي إنه يريد الغوص في مناطق متعددة داخله، متجنّباً «تكرار الدور نفسه بأسماء وملابس مختلفة». مخطّطُه للسنوات المقبلة من مسيرته واضحٌ أمام عينيه: «أبحث عن الشخصية التي تجعلني أشعر بشيء من الخوف، وتدفعني إلى تحدّي نفسي والتساؤل ما إذا كنت قادراً بالفعل على تقديمها».

في فيلمَيه الأخيرَين، لعب الدوخي بطولةً مطلقةً. رغم ذلك، فهو لا يهجس بمفهوم البطولة: «صحيح أنني قدَّمت تجربتين سينمائيَّتين بطلاً أول، لكني لا أبحث عن البطولة لمجرّد أن يظهر اسمي في مقدّمة العمل». ويضيف ألّا إشكالية لديه في تقديم دور أصغر، شرط أن يكون مؤثّراً ومكتوباً بأسلوب جيّد.

الدوخي في كواليس تصوير فيلم «مندوب الليل» (صور الفنان)

«مندوب الليل»

رغم النجاح الذي حقَّقه «مندوب الليل» حاصداً إعجاب النقّاد والجمهور وأرقاماً استثنائية على شبّاك التذاكر وعلى منصة «نتفليكس»، فإنّ الدوخي لا يتعامل معه على أنه لحظة مجدٍ واحتفال فحسب. ينظر الممثل إلى تلك التجربة وكأنها درس من دروس المهنة: «في (مندوب الليل) تعلّمت أن أعيش داخل الشخصية، وأن أتقبّل ألّا أكون محبوباً أو مضحكاً طوال الوقت». هذا بعضُ ما أخذه الدوخي من «فهد القضعاني»، لكنّ الفيلم منحَه المزيد. لا يُنكر الفنان السعودي أنّ «مندوب الليل» شكَّل نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته: «لأنه قدّمني إلى الجمهور والوسط السينمائي بصورة أكثر جدّيّةً وتعقيداً ممّا ألِفوه سابقاً»، بعيداً عن الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها لسنوات.

ليس من السهل نسيان «فهد القضعاني» ولا تجربة «مندوب الليل»، التي رفعت من توقعات الجمهور العربي حيال الدوخي والسينما السعودية على حدٍّ سواء. لكنّ بقاء الفيلم عالقاً في الأذهان، لا يعني بالضرورة بقاء الممثل عالقاً في وهج الشخصية خوفاً من ألّا يقدّم أفضل منها، «تفكير مثل هذا قد يدفعني إلى تقليد التجربة السابقة بدلاً من التطوّر»، يقول الدوخي. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إليه «ليس في تكرار الفيلم نفسه، بل في تقديم شخصية مختلفة تماماً يصدّقها الجمهور أيضاً». ويضيف: «أريد أن يصبح (مندوب الليل) محطةً مهمةً في المسيرة، لا العمل الوحيد الذي يختصر المسيرة».

«أبو مرداع»

بين محمد الدوخي والمخرج السعودي علي الكلثمي شراكة استراتيجيّة أثمرت أعمالاً مميزة، وأغنَت استوديوهات «تلفاز 11» المنغمسة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ذات المحتوى الدسِم والخارج عن المألوف. معاً خاضا العالميّة بوصول «مندوب الليل» و«الخلّاط» إلى «نتفليكس».

الدوخي والمخرج علي الكلثمي تحضيراً لأحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

عن شخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+»، يقول الدوخي إنها منحته «مساحة كبيرة للتجريب واللعب، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن الكوميديا ليست سهلة كما يبدو». وسط أجواء تمزج ما بين الغرابة والتشويق والأكشن والجريمة والكوميديا السوداء، وتحت إدارة المخرج عزيز الجسمي، تَحرَّك «أبو مرداع» بنظّارتَيه السوداوَين زارعاً مفاجأةً في كل مشهد. فهكذا هي روح «الخلّاط»، أنه «يضع الشخصيات في مواقف مألوفة، ثم يدفعها إلى أقصى الاحتمالات»، وفق الدوخي.

وهكذا يفعل كاتب العمل ومنتجُه المخرج علي الكلثمي الذي يدفع بالممثلين إلى أقصى قدُراتهم الأدائيّة. يصِف الدوخي علاقتهما بأنها أبعد من مجرّد شراكة مهنيّة وفنية، بل «رفقة عمر وأخوّة». ويضيف: «علي يعرف كيف يكتشف مساحةً مختلفةً داخل الممثل، وأحياناً يُبصر فيه ما لا يراه الممثل في نفسه». ويتوقع الدوخي لتلك العلاقة أن تستمر «ما دامت ثمة شخصيات وأفكار نستطيع من خلالها مفاجأة الجمهور». وعن ذلك الجمهور تحديداً يقول إنه صار صديقَه، بِغَضّ النظر عمّا إذا كانت هناك شخصيات وأعمال جديدة أم لا.

محمد الدوخي بشخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+» (صور الفنان)

مسيرة الدوخي محفوفة بالتحوّلات

لطالما سار محمد الدوخي على إيقاع التحوّلات الاستراتيجية في حياته ومهنته. لم يَكن المسار يوحي بدايةً بأنه سيخوض الفن، إلّا أنّ الشغف انتصر على سائر الاحتمالات الأخرى، فدخل الفنان السعودي عالم صناعة المحتوى من بابه العريض. تحوّل إلى نجم كوميدي أول على المنصات الرقميّة، وهو يبدو ممتنّاً لتلك المرحلة، إذ يقول: «لم أتعامل مع صناعة المحتوى على أنها جسر يأخذني إلى السينما أو التلفزيون. لكنها كانت بمثابة مدرسة وجامعة تعلمت فيها كيف أصل إلى الجمهور، وكيف أصنع الشخصية، وأفهم الإيقاع والتوقيت الكوميدي».

ثم جاءت النقلة إلى الشاشة الواقعية وتحديداً إلى عالم السينما، فكان «التحدّي الأصعب التخلّص من بعض العادات التي اكتسبتها في المحتوى القصير وتقديم الأداء بناءً على رؤية المخرج»، وفق تعبير الدوخي.

ملصق فيلم «رهين» من بطولة الدوخي ويُعرَض حالياً على «نتفليكس» (إنستغرام)

من الكوميديا إلى الدراما والتشويق

نقلة نوعيّة أخرى سجّلتها مسيرة الدوخي الفنية، يوم خطا الممثل باتّجاه الدراما والتشويق بعد مشوار طويل في عالم الكوميديا. انطلاقاً من رغبةٍ لديه في التنويع وعدم البقاء محصوراً ضمن إطارٍ واحد، تجرّأ على نوعٍ آخر من الأداء: «الدراما والتشويق يعتمدان أكثر على الصمت والنظرة والحالة الداخلية للشخصية على غرار ما حصل في (مندوب الليل)». لا يُخفي الدوخي أنَّ ذلك الانتقال أثار قلقَه، «لكنه خوفٌ صحّي». يضيف مؤكّداً أنَّ الدراما والأكشن لن يأخذاه كُلياً من الكوميديا، لتبقى السينما هي الأساس بالنسبة إليه لأنها «تمنح الممثل فرصةً مختلفةً لبناء الشخصية وتركِ أثرٍ يبقى طويلاً في ذاكرة الجمهور».

لحظة سعوديّة استثنائيّة

يفرح محمد الدوخي لكونه جزءاً من «لحظةٍ سعوديةٍ استثنائية تشهد نهضةً» ثقافية وفنية غير مسبوقة، لكنه يتعامل بواقعيّة مع الأمر: «صحيح أنّ ما يحصل يمنحنا شعوراً بالفخر، لكنه يضع علينا مسؤولية في الوقت ذاته. لا يكفي أن نكون جزءاً من النهضة، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الفرصة ونصنع أعمالاً تعيش وتعبّر عن المجتمع بتنوّعه، لا مجرّد أعمال مرتبطة بحماسة المرحلة». يأتي هذا التفكير المنطقيّ نتيجةً لمعرفته بـ«الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً وتطلّباً».

الدوخي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2025 (إنستغرام)

الدوخي مقتنع بأنّ «النهضة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وقدرتها على البقاء وصناعة هوية حقيقية للسينما السعودية». وهو مُدركٌ أنَّ أجمل ما في «التجربة السعودية الحاليّة أنها انطلقت من قصص شديدة المحَلّية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عربي وعالمي».

بهويّتها الأصيلة ولهجتها الحقيقيّة، ومن خلال إنتاجاتٍ وحكاياتٍ تحترم عين المُشاهِد وعقلَه، سافرت السينما السعوديّة خارج المملكة. استقطبت جمهوراً غريباً عن البيئة السعودية، لكنه لم يجد صعوبةً في التماهي والتعاطف مع شخصياتٍ مثل «فهد القضعاني»، الذي أمسى بطلاً عابراً للحدود.


«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع آثار تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، عن توصلها، خلال موسم حفائر هذا العام، إلى عدد من النتائج العلمية المهمة التي تلقي مزيداً من الضوء على تاريخ المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وتكشف عن ملامح طريق حورس الحربي التاريخي، وتطوره المعماري والعسكري عبر العصور التاريخية المختلفة.

ومن أهم هذه النتائج، العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ومنقوش من 3 جهات بألقاب الملك رمسيس الثاني، وفقاً لما ذكره رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، الدكتور هشام حسين، مضيفاً، في بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أنه عُثر أيضاً على نص كتابي يشير إلى أعمال الترميم التي أُجريت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يُمثل دليلاً بالغ الأهمية على هوية الموقع ودراسة تاريخه.

الموقع تم استخدامه في أغراض شتى عبر العصور (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن «النتائج الجديدة تُمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة في الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة»، مشيراً إلى أن «ما يجري الكشف عنه بالموقع يُبرز الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته هذه المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور».

وأضاف أن «استمرار أعمال الحفائر المصرية في المواقع المرتبطة بطريق حورس يُسهم في إعادة بناء الصورة التاريخية لهذا الطريق ومحطاته، كما يؤكد أهمية الاستثمار العلمي في أعمال التنقيب والتوثيق الأثري للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديم».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن «أعمال الموسم الحالي استكملت سلسلة من الحفائر التي أجريت بالموقع على مدار العقود الماضية، وأسفرت عن نتائج أعادت قراءة بعض العناصر المعمارية المكتشفة سابقاً بصورة أكثر دقة، بما يدعم فهم التخطيط الأصلي للموقع وتتابعه التاريخي»، مشيراً إلى أن «البعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن ببواباته وغرفه الداخلية وطبقاته المختلفة؛ حيث تبيّن، من خلال الدراسة، أنه يُمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يُصحح التفسير السابق لبعض أجزاء الموقع».

جانب من الآثار المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

ولفت إلى أن الأدلة الجديدة تطرح فرضية أثرية وتاريخية قوية بشأن ارتباط الموقع بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

ورصدت البعثة كذلك بقايا طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما طريق من العصر البطلمي، يعلوه طريق روماني أقل اتساعاً.

كما جرى الكشف عن بقايا المعبد، مع غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أوسع في الناحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير أواخر العصر الروماني، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وأكد مدير البعثة، محمود جلال، أن الحفائر كشفت كذلك عن مجموعة من اللقى الأثرية ذات الدلالات الإدارية والعسكرية، من بينها جزء من تمثال من حجر الشست، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، لكاتب الجيش يحمل ناووساً مكسوراً، بما يعكس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية والعسكرية للموقع.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين يعود إلى العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل لصقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري.

نقوش مصرية قديمة على صخور الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتُشير نتائج الحفائر إلى أن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور والتحول؛ إذ بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية خلال القرن الثالث الميلادي.

وفي أواخر العصر الروماني تحوّل الموقع إلى محجر لإنتاج الجير؛ حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين، أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، يحتويان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها البعثة أن تل أبو صيفي يُمثل أحد المواقع الرئيسية على امتداد طريق حورس الحربي، ويكشف عن تعاقب وظائف عسكرية ودينية واقتصادية على الموقع، بما يعكس أهميته الاستراتيجية ودوره في حماية الحدود الشرقية لمصر.