تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

يستهدف أدق المواقع العسكرية ومصانع السلاح الإسرائيلية

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية
TT

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

نُشر على الإنترنت تسريب ضخم يكشف وحدة سيبرانية نخبوية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، ويُظهر هويات الجنود-الهاكرز، وقادتهم، والأدوات التي يستخدمونها، إضافة إلى البنية التحتية للاختراق التي أنشأوها حول العالم -بما في ذلك داخل إسرائيل-، والعمليات التي نفّذوها.

تحمل هذه الوحدة السيبرانية الاسم المستعار «القط الساحر» (Charming Kitten)، وتُعدّ واحدة من ثلاث مجموعات اختراق إيرانية بارزة. وتختص هذه الوحدة تحديداً في سرقة الهوية بهدف اختراق الحسابات البريدية، والأنظمة البعيدة، والبُنى التحتية الحسّاسة.

حلّلت صحيفة «هآرتس» الوثائق المسرّبة التي تكشف كيف حاول الهاكرز اختراق شبكات ومواقع جهات مثل شركة الصناعات العسكرية «رافائيل»، وسلطة المطارات الإسرائيلية، ووزارة المواصلات. وقد نجحت بعض هذه المحاولات.

نُشر التسريب على منصة «GitHub» -وهي منصة استضافة للمبرمجين- بواسطة حساب مجهول يطلق على نفسه اسم «Kitten Busters». ويتضمّن التسريب سجلات نشاط الوحدة المخترِقة، والشفرة المصدرية لبرمجيات خبيثة، وأدوات تجسّس، إضافة إلى ملفات تحتوي على بطاقات هوية وصور تعود للجنود-الهاكرز في «الحرس الثوري».

إلى جانب التقارير المنظّمة، يشكّل التسريب توثيقاً مفصلاً لسلسلة من الهجمات السيبرانية، وعمليات التأثير التي قادتها المجموعة ضد إسرائيل، ودول أخرى بين عامي 2022 و2025. وقد جرى ترتيب هذا التوثيق في تقارير أسبوعية وشهرية قُدّمت إلى قادة الهاكرز، أي كبار المسؤولين في «الحرس الثوري».

تحمل وحدة الاختراق الإيرانية لدى باحثي الأمن السيبراني، ومسؤولي الاستخبارات اسم «APT35»، وللمجموعة سجل طويل من الأنشطة، وقد ضُبطت سابقاً وهي تحاول اختراق ملفات علماء نوويين. ويؤكّد التسريب تقييماً سابقاً لخبراء الأمن السيبراني في «غوغل» و«مايكروسوفت» وشركة «تشيك بوينت» الإسرائيلية، إضافة إلى تقديرات استخباراتية غربية، وإسرائيلية، أن هذه المجموعة ليست سوى هوية إلكترونية واجهة تستخدمها إيران لتنفيذ عمليات استخبارية عبر وكلاء.

«وحدة عسكرية حقيقية»

قال باحث إسرائيلي بارز اطّلع على التسريب، وتابع هجمات المجموعة داخل إسرائيل لسنوات: «هذه وحدة عسكرية حقيقية، وليست مجرد مجموعة هاكرز مدعومة من دولة. ليست مدعومة من الدولة، بل هي الدولة نفسها. ليست وكيلاً، أو جهة بالنيابة، بل جنود فعليون، لديهم أرقام عسكرية، ورتب، ويكتبون تقارير يومية لقادتهم، ومهمتهم تنفيذ إرهابٍ ترعاه الدولة ضد مواطني دولة عدوة».

ولا يزال من غير الواضح أي جهة أو دولة تقف وراء هذا التسريب. وتتجه الشبهات الأولية نحو مجموعة «العصفور المفترس» (Predatory Sparrow)، وهي واحدة من عدة مجموعات سيبرانية مجهولة مؤيدة لإسرائيل تعمل على تعطيل منشآت استراتيجية، وكشف معلومات سرية، وتسريب مقاطع فيديو، وإحراج النظام الإيراني.

لكن لا يوجد دليل قاطع على أن مجموعة «العصفور المفترس» هي من اخترقت «القط الساحر»، أو أنها وراء التسريب. ويرى باحثون إسرائيليون في الأمن السيبراني أنه من المحتمل أيضاً أن تكون الولايات المتحدة، أو دولة غربية أخرى مثل بريطانيا وراء التسريب، أو أن الأمر ناتج عن صراع داخلي بين مجموعات الهاكرز داخل إيران نفسها.

«الكوماندوز السيبرانيون»

ينقسم التسريب الضخم إلى أربع «حلقات»، تكشف كل واحدة منها جانباً مختلفاً من نشاط مجموعة الهاكرز. وبهذا المعنى، يُعدّ التسريب عملية تأثير بحدّ ذاتها، صُمِّمت لإحراج إيران باستخدام الأساليب نفسها التي يستخدمها قراصنتها ضد إسرائيل.

وكتب الباحث والصحافي السيبراني نريمان غريب، المولود في إيران، والذي كان أول من حلّل التسريب، ونشر لاحقاً سلسلة تدوينات غالباً ما تركز على عمليات إيران السيبرانية: «هذا واحد من أكبر الانكشافات للبنية التحتية الهجومية الإيرانية في الفضاء السيبراني حتى اليوم».

تكشف الوثائق المسرّبة الاسم الرسمي للوحدة: مجموعة الاستخبارات السيبرانية 1500 (IRGC-IO / CI-1500). وقد طُبعت الوثائق على أوراق تحمل ترويسة «مركز العمليات السيبرانية–جهاز الاستخبارات–الحرس الثوري»، مع شعار رسمي معتمد.

وتفصّل الوثائق أيضاً هيكل الوحدة، وأساليب عملها، بينما تكشف الملفات الشخصية أدوار «الكوماندوز السيبرانيين» الإيرانيين، بما يشمل قادة الفرق، وخبراء الاختراق، ومطوّري برامج التجسّس، ومختصّي التصيّد الإلكتروني، ومصمّمي البرمجيات الخبيثة، ومشغّلي حملات التأثير، ومنسّقي العمل الإعلامي.

وتعرّي الملفات عباس رَهْروِي (المعروف أيضاً باسم عباس حسيني) الذي يُقدَّم بصفته رئيس عمليات الوحدة، والجهة التي تنسّق مع جهاز استخبارات «الحرس الثوري». أمّا الوثائق الأكثر حساسية فهي تقارير الهجمات التي تتضمن ملخّصات عمليات، وصوراً ملتقطة للشاشات توثّق هجمات اختراق، وعمليات تأثير نُفذت في أوروبا، والشرق الأوسط، وهي أهداف تتماشى مع المصالح الجيوسياسية لإيران، وما توصّل إليه الباحثون سابقاً حول نشاطات هذه المجموعة.

كما تضمّنت التسريبات مواد تقنية، بينها الشيفرة المصدرية لبرمجية التجسّس على الهواتف «BellaCiao» التي طوّرتها إيران (وتم كشفها سابقاً، ما يربطها مباشرة بطهران). وكُشف أيضاً عن كتيّبات تشغيل لـ«أحصنة طروادة» إيرانية الصنع، وهي برامج خبيثة تتيح الوصول غير المشروع إلى الهواتف الجوالة.

جهود منهجية لمسح الشبكات

عثرت صحيفة «هآرتس» في التقارير المسرّبة على عشرات عناوين الشبكات (الدومينات) الإسرائيلية، وأرقام الهواتف الإسرائيلية التي استخدمتها الوحدة السيبرانية الإيرانية للتستّر على محاولات الاختراق.

وتوثّق عشرات تقارير الهجمات جهوداً منهجية لمسح الشبكات الإسرائيلية المستهدفة، ورصد الثغرات القابلة للاختراق. كما تكشف لقطات شاشة وصولاً عن بُعد إلى واجهات صناعية تحتوي على أزرار، ولافتات باللغة العبرية، ما يشير إلى أن المجموعة نجحت في بعض الحالات في العثور على ثغرات، واستغلالها لاختراق عمليات شركات داخل إسرائيل، بما في ذلك نظام لحلب الأبقار.

وأكدت شركة «Enersun»، وهي شركة تطوّر أنظمة مرافق المياه، وأنظمة صناعية أخرى، أن إحدى لقطات الشاشة التي ظهرت في الوثائق المسرّبة تعود إلى «مشروع نفّذناه في عدة منشآت بين عامي 2018 و2019. كان من المفترض أن تكون هذه الأنظمة نظام تحكّم داخلي غير متصل بالإنترنت إطلاقاً. أحد موظفي الجهة العميلة، أو أحد مقاولِيها اشترى قطعة عتاد لم نقم نحن بتركيبها في الموقع، وهي التي أتاحت إمكانية الاتصال عن بُعد عند الحاجة».

وتقول الشركة إن أنظمتها محمية، وتستوفي معايير الأمن السيبراني المطلوبة من «سلطة المياه»، لكنها لا تستطيع التحكّم بقرارات العملاء الذين، رغم توصيات الشركة، يثبتون تقنيات إضافية تتيح التحكم عن بُعد، وهو ما يُعرّض أنظمة «Enersun» للخطر. وقد كُشف سابقاً عن محاولات من جانب هاكرز لاستهداف منشآت المياه في إسرائيل عبر اختراق أنظمة صناعية قديمة، وهي محاولات قد تؤدي نظرياً إلى حصول فيضانات، أو إيقاف إمدادات المياه.

استهدافات متعددة

كما كُشف عن محاولات اختراق استهدفت شركة «رافائيل»؛ وتحديداً محاولات للوصول إلى الموقع الذي يتيح لموظفي الشركة الاتصال عن بُعد بخادم البريد الإلكتروني الداخلي، وأنظمة إدارة المشاريع. وتُعدّ «رافائيل» واحدة من كبرى شركات الصناعات العسكرية في إسرائيل، وهي المطوّر الرئيس لمنظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ.

وعثرت «هآرتس» أيضاً على محاولات متعددة قام بها الهاكرز الإيرانيون لمسح شبكات جهات إسرائيلية أخرى، ومحاولة اختراقها، مثل سلطة المطارات، ووزارة المواصلات، بما في ذلك خادم البريد الإلكتروني، وأنظمة إرسال الملفات. وشملت أهداف إضافية مزوّد الإنترنت «Bezeq International»، وموقع «act. il» الخاص بالدعاية المؤيدة لإسرائيل، ووكالة السفر «Issta».

وتسجّل الوثائق الداخلية كيف استغلّ الإيرانيون ثغرة أمنية عالمية في برنامج «VPN»، وهو البرنامج الذي يستخدمه العديد من الموظفين للاتصال عن بُعد بأنظمة مؤسساتهم، ما يظهر كيف يمكن لأنظمة ثانوية واسعة الاستخدام أن تعرّض جهات كبيرة للخطر. وقد استغل الإيرانيون هذه الثغرة لمهاجمة مؤسسات إسرائيلية لم تستجب لتحذيرات السلطات، ولم تُجرِ التحديثات الأمنية المطلوبة.

ثغرة في برنامج الـ«VPN»

يرصد تقرير صادر في فبراير (شباط) 2024 عملية مسح منهجية لـ256 خادماً إسرائيلياً يعمل بتقنية «VPN»، جرى خلالها العثور على 29 خادماً ضعيف الحماية، واختراق اثنين منها. وكان المدير العام للأمن السيبراني في إسرائيل قد حذّر قبل ذلك بشهر من أن الهاكرز يستغلون ثغرة في برنامج الـ«VPN» الذي تنتجه شركة «Ivanti» الأميركية، ودعا المؤسسات إلى تنفيذ تحديث أمني فوري، كما فعلت جهات عديدة حول العالم فور اكتشاف الثغرة.

وفي ردّ على مقال نشرته «هآرتس»، أكد المدير العام للأمن السيبراني أن ما لا يقل عن ستة اختراقات في إسرائيل استغلّت ثغرة «Ivanti»، مضيفاً أن «هناك ربما اختراقات أخرى لم يُبلّغ عنها». ويُظهر ذلك كيف تعمل عمليات المسح المنهجي التي ينفذها الإيرانيون بسرعة، وتستهدف المؤسسات التي تتأخر في تحديث أنظمتها.

وترجّح التسريبات بقوة أن تكون الوحدة الإيرانية مسؤولة أيضاً عن اختراق شركة التأمين «شيربيت» في عام 2020، وهو الهجوم الذي مثّل أول ضربة في نمط جديد من الهجمات السيبرانية التي سرعان ما انتشرت في إسرائيل. وقد شكّل هجوم «شيربيت» بداية موجة لا تتوقف من الهجمات الإلكترونية ضد الشركات، والمصالح الإسرائيلية، نفّذتها ظاهرياً مجموعات هاكرز متعدّدة.

لكن التسريب يساعد في ربط كل هذه الهجمات ببعضها البعض. فقد كانت عملية اختراق «شيربيت» منسوبة إلى مجموعة هاكرز صغيرة، وبدت في البداية هجوماً سيبرانياً جنائياً تقليدياً: هاكرز يسرقون بيانات، ويطالبون بفدية مقابل عدم نشرها.

عملية سيبرانية معقّدة

لكن مع مرور الوقت، تبيّن أن ما حدث لم يكن هجوماً جنائياً بسيطاً، بل عملية سيبرانية معقّدة بدأت قبل وقت طويل من انكشافها، وكانت جزءاً من حملة أوسع تهدف إلى خلق انطباع بأن هاكرز «مثاليين» مدفوعين بدوافع اقتصادية يستهدفون شركة إسرائيلية.

في الواقع، كان ذلك أول اختراق في موجة من الهجمات السيبرانية التي تقودها إيران، أو مجموعات تعمل لحسابها ضد أهداف إسرائيلية، من بينها شركات، وجهات خاصة. وتشمل بيانات التأمين الحكومية للمركبات الإسرائيلية معلومات شخصية عن مئات كبار المسؤولين في المؤسسات السياسية، والقضائية، والأمنية، والشرطية.

ومنذ ذلك الحين، نُفذت مئات الهجمات من قبل مجموعات تبدو كأنها شبكة من هاكرز معادين لإسرائيل، لكنها في الحقيقة جزء من الحرب السيبرانية الإيرانية ضد إسرائيل. وتشمل هذه الهجمات عمليات اختراق تستهدف شركات صغيرة، ومتوسطة، إضافة إلى أفراد يجدون أنفسهم بلا حماية حقيقية أمام هاكرز ترعاهم دولة، ويتنكرون في صورة مجرمين سيبرانيين، أو مهاجمين هواة.

وتصف الوثائق عملية نُفذت عامي 2020 و2021 باستخدام برمجية خبيثة متطورة تُسمّى «Sponsor» ضد شركة تأمين لم يُكشف اسمها. بدأت العملية بهجوم تصيّد، وهو عادة رسالة بريد إلكتروني احتيالية تهدف إلى دفع المستخدم للنقر على رابط خبيث، أو كشف اسم المستخدم، وكلمة السر. وتواصلت العملية عبر سلسلة من الاختراقات، والأدوات التي أدّت في النهاية إلى زرع الفيروس المصمّم خصيصاً داخل الشركة، ومنح الهاكرز إمكانية الوصول.

وكانت هذه الطريقة مطابقة تماماً لأسلوب اختراق «شيربيت»، الذي نُسب إلى مجموعة تُدعى «BlackShadow». وتظهر الأسماء نفسها للمشغلين، والخوادم، وأدوات الاختراق الواردة في التسريب في عمليات نُسبت خلال السنوات الأخيرة إلى مجموعة إيرانية أخرى تُسمّى «Moses Staff». ويبدو أن هذه المجموعات لم تكن سوى واجهات وهمية تعمل تحت إدارة «القط الساحر»، أي وحدة «الحرس الثوري» السيبرانية.

كاميرات المراقبة والدعاية

«Moses Staff» هو الاسم الذي استخدمته مجموعة «ناشطة» أعلنت مسؤوليتها عن سلسلة هجمات سيبرانية على إسرائيل منذ عام 2020. شملت هذه العمليات اختراقاً، وتسريباً لبيانات مرتبطة برئيس الموساد ديفيد برنياع، حيث نُشرت قسيمة راتبه، وسجلاته الطبية للأسنان، إضافة إلى اختراق شهير لكاميرات المراقبة في أنحاء إسرائيل. وفي عام 2022، نشرت المجموعة مقطع فيديو سرقته من كاميرا مراقبة بعد اختراقها، تُظهر مشاهد لهجوم إرهابي في القدس، وهو حادث حقق فيه جهاز «الشاباك».

ولسنوات، قيل إن «Moses Staff» نفّذت هجمات سيبرانية بسيطة نسبياً هدفها لم يكن التجسس، أو التدمير، بل الحرب النفسية: اختراق، ثم سرقة وثائق، ورسائل، وصور شخصية، ومن ثم تسريبها لإحراج الضحية، أو إذلالها، وبث شعور بالاختراق، والضعف. كما تهدف هذه العمليات إلى إلحاق الضرر بشركات إسرائيلية، وبث الذعر في قطاع الأعمال في البلاد.

تقوم مجموعة إيرانية أخرى تُسمّى «Handala» بالنمط نفسه من الهجمات، حيث تنشر رسائل بريد إلكتروني، ووثائق، وصوراً خاصة مأخوذة من أجهزة مسؤولين سياسيين، وأمنيين إسرائيليين كبار. ووفقاً لمطلعين في مجتمع الأمن السيبراني، فمن المرجّح جداً أن تكون «Handala» أيضاً هوية وهمية، وواجهة تستخدمها جهة إيرانية تتولى نشر المعلومات التي يسرقها هاكرز آخرون يعملون لصالحها.

وتكشف وثائق التسريب الحالي أن كياناً إعلامياً فعلياً كان يدير «Moses Staff»، وأن عمله شمل تنسيق «عمليات الجمع»، و«العمليات الإعلامية» للوحدة، والتي هدفت إلى «اختراق كاميرات المراقبة في الأماكن الحساسة، والعامة». وتربط الوثائق بشكل مباشر بين الوحدة ودعاية «Moses Staff»، بما في ذلك المواد الرسومية، والشعارات التي تطابق تماماً ما نشرته المجموعة على «تلغرام» عبر السنوات.

«شيلدون» من بيتاح تكفا

تكشف الفواتير وسجلات تحويل العملات الرقمية الواردة في التسريب -والتي حلّلتها «هآرتس»- أن إيران أنشأت بنية تحتية واسعة لعمليات التأثير السيبراني، شملت هويات إسرائيلية مزيفة تستخدم أرقام هواتف إسرائيلية. فـ«شيلدون بايير» يُفترض أنه يعيش في 85 شارع أحد هعام في بيتاح تكفا، و«مالكي تايختِل» تعيش في تل أبيب.

وباستخدام العملات الرقمية، اشترت إيران وشغّلت عبر «شيلدون» و«مالكي» ثلاثة خوادم افتراضية خاصة (VPS) موجودة فعلياً داخل إسرائيل، ونفّذت منها عمليات سيبرانية باستخدام عناوين IP محلية -ما منح هجمات التصيّد مصداقية أكبر، وساعد على تمويه النشاط.

ويكشف التسريب أرقام الهواتف الإسرائيلية التي تم شراؤها لـ«مالكي» و«شيلدون». وقد يكون هذا الجهد قد ساعد إيران أيضاً في تجنيد وتشغيل عناصر داخل إسرائيل. وكما نشرت «هآرتس» سابقاً، فإن إيران استخدمت «تلغرام» خلال حرب غزة لتجنيد عملاء، وتنفيذ حرب نفسية، شملت توجيه تهديدات، وإرسال طرود إلى صحافيين، وأعضاء كنيست، وعائلات رهائن، وكل ذلك باستخدام أرقام محلية فقط.


مقالات ذات صلة

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

تحليل إخباري صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المحادثات مع الإيرانيين في مسقط بأنها «جيدة جداً»، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية طائرة إتش سي-130 جي «كومبات كينغ 2» أثناء تنفيذ مهمة تزويد بالوقود جواً ودعم العمليات الجوية في مناطق انتشار القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) p-circle

واشنطن وطهران إلى طاولة مسقط وسط «خطوط حمراء»

عشية محادثات حساسة في مسقط، وضعت إيران سقفاً واضحاً لأي حوار محتمل مع الولايات المتحدة، معتبرة أن برنامجي تخصيب اليورانيوم والقدرات الصاروخية «خطوطاً حمراء».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران-واشنطن)
شؤون إقليمية صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

«ضربات مفاجئة» في حال فشل المفاوضات الأميركية – الإيرانية

أبلغ رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير مسؤولين أميركيين بأن بلاده مستعدة لتوجيه «ضربات مفاجئة» في حال «اختار الإيرانيون طريق الحرب».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية تستهدف القوات الإيرانية بانتظام ناقلات نفط تتهمها طهران بالتورط في عمليات تجارية غير قانونية في الخليج ومضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

«الحرس الثوري» الإيراني يحتجز ناقلتي نفط في مياه الخليج

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني احتجاز ناقلتي نفط في مياه الخليج، ، الخميس، من دون تحديد جنسية طاقميهما أو العلم الذي ترفعانه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانعقاد جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، بدا المشهد محكوماً بإيقاع مزدوج بين فتح نافذة دبلوماسية محدودة وتصعيد متواصل في الخطابين السياسي والعسكري، وسط شكوك عميقة بشأن إمكان تحقيق اختراق فعلي في الخلاف المزمن حول البرنامج النووي الإيراني وأجندة التفاوض الأوسع، التي من المفترض أن تشمل الصواريخ الإيرانية ودعم الحلفاء الإقليميين.

وعُقدت مفاوضات غير مباشرة، الجمعة، بين واشنطن وطهران في مسقط، شملت مصافحة مباشرة بين ممثلي البلدين، هي الأولى منذ أن شنَّت الولايات المتحدة، في يونيو (حزيران) 2025، ضربات على مواقع نووية رئيسية خلال حرب استمرت 12 يوماً، وبدأتها إسرائيل على إيران.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الولايات المتحدة أجرت محادثات «جيدة جداً» مع إيران، مؤكداً أن طهران «ترغب في التوصل إلى اتفاق»، ومشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات ستستأنف «في مطلع الأسبوع المقبل».

لكن ترمب شدد في المقابل على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية». وأعاد الرئيس الأميركي التذكير بإرسال أسطول عسكري كبير إلى المنطقة، في رسالة تؤكد أن خيار القوة لا يزال قائماً إلى جانب المسار الدبلوماسي، وفق تصريحات صحافية نقلها البيت الأبيض.

إيرانيون بجانب جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع بالعاصمة طهران يوم 7 فبراير 2026 (رويترز)

خطوط حمراء

وحرصت طهران على تثبيت خطوطها الحمراء. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات التي جرت الجمعة في سلطنة عُمان كانت «غير مباشرة»، لكنه أشار إلى أنه «على الرغم من ذلك، سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي»، في إشارة رمزية إلى كسر الجليد من دون تغيير طبيعة الوساطة العُمانية.

ووصف عراقجي جولة مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً لبناء الثقة، وأن استمرار المسار مرهون بمشاورات داخلية في العواصم المعنية.

وأوضح عراقجي أن طهران وواشنطن متفقتان على ضرورة عَقْد جولة جديدة «قريباً»، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن. وأكد استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق «مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم، لكنه شدَّد على أن «التخصيب حق غير قابل للتصرف، ويجب أن يستمر»، وأن فكرة «التخصيب بنسبة صفر» خارج إطار المفاوضات.

كما أكد عراقجي أن اليورانيوم المخصَّب «لن يخرج من البلاد»، مع استعداد إيران لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو صِيَغ فنية أخرى «مطمئنة»، من بينها إنشاء اتحاد إقليمي، وفق ما أفاد به دبلوماسيون مطلعون على موقف طهران.

وفيما يتعلَّق بأجندة الجولة المقبلة، قطع عراقجي الطريق على أي توسيع للملفات المطروحة، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي الإيراني «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأضاف في تصريحات نقلها التلفزيون الإيراني أن واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد محاولات ضغط وتهديد بشن هجمات عسكرية، عادّاً ذلك يعكس فشل سياسة التهديد في تغيير الموقف الإيراني.

وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

«لن نستهدف الجوار»

صعّد عراقجي لهجته، محذراً من أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، قائلاً: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة». وأكد في الوقت نفسه أن إيران «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وتزامنت هذه التصريحات مع رسائل عسكرية مباشرة؛ إذ نقل الإعلام الإيراني عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، قوله إن إيران «لن تبدأ الحرب أبداً»، لكنها «لن تتردد للحظة واحدة في الدفاع القاطع عن أمنها القومي ومصالحها الحيوية»، محذراً من أن أي «مغامرة» لفرض الحرب ستفشل، وتؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها.

وفي سياق موازٍ، انتقد عراقجي ما وصفه بـ«عقيدة الهيمنة» الإسرائيلية، معتبراً أنها تسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية بلا قيود، بينما تضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها أو تقليص قدراتها الدفاعية.

جاءت هذه التصريحات على خلفية حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، وشنت خلالها إسرائيل هجمات واسعة على أهداف نووية وعسكرية ومدنية داخل إيران، قبل أن ترد طهران بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة.

صورة أصدرتها البحرية الأميركية في 5 فبراير 2026 لبحارة أميركيين يوجهون طائرة عسكرية في بحر العرب (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية

في إسرائيل، سادت لهجة تشكيك واضحة حيال نتائج مفاوضات مسقط. ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن المحادثات «لن تؤدي إلى اتفاق»، بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، محذرين من أن أي استهداف لإسرائيل سيقابل برد «مضاعف» على غرار عملية «الأسد الصاعد» التي نُفذت في يونيو الماضي.

كما أشارت القناة إلى ضغوط إسرائيلية لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لتنظيمات مسلحة ضمن جدول الأعمال، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.

أما في واشنطن، فأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن محادثات مسقط «لم تكن مصممة أساساً للتوصل إلى اتفاق»، بل كانت اختباراً للنيات، ومحاولة لمنع التصعيد. ورأى أن انتهاء الجولة من دون انهيار أو قطيعة «هو بيت القصيد»، مشيراً إلى مرحلة توقف لتقييم المواقف يعود خلالها الطرفان إلى عاصمتيهما لتحديد جدوى الاستمرار في الانخراط الدبلوماسي، مع التأكيد على أن الخيارات الأخرى «جاهزة بالفعل»، إذا لم تُبدِ إيران مرونة كافية.

وفي إطار «حملة الضغوط القصوى التي تشنّها الولايات المتحدة» على طهران، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد انتهاء جولة المفاوضات الأولى فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة. وفي الوقت ذاته، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً (دخل حيّز التنفيذ السبت)، وينصّ على فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وستؤثر هذه الرسوم على التجارة مع عدد من الدول، من بينها روسيا وألمانيا وتركيا. وبحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية»، فإن أكثر من ربع نشاط إيران التجاري في عام 2024 كان مع الصين.

وتشير معطيات مختلفة إلى أن الجولة المقبلة، إذا ما انعقدت قريباً، كما يتوقع الطرفان، ستتركز عملياً على الملفّ النووي وحده من وجهة نظر طهران، مع نقاش تقني حول مستويات التخصيب وضمانات تطمئن الغرب، في مقابل إصرار أميركي على تنازلات «ملموسة وكبيرة»، وربما محاولة جديدة لتوسيع جدول الأعمال. وبين هذين المسارين، تبقى الدبلوماسية قائمة على حافة دقيقة تحكمها حسابات الوقت وتوازن الردع، ومخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أُغلقت نافذة التفاوض.


تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.