خيري بشارة يروي فصولاً من سيرته الذاتية

الطفولة شكلت بذرة انحيازاته الفكرية والفنية

خيري بشارة يروي فصولاً من سيرته الذاتية
TT

خيري بشارة يروي فصولاً من سيرته الذاتية

خيري بشارة يروي فصولاً من سيرته الذاتية

الحكي الحميم والصراحة اللافتة التي لا تستهدف تجميل الأشياء، بل ترغب في نقل الوقائع التاريخية كما حدثت، هما أبرز ما يميز السيرة الذاتية للمخرج السينمائي المصري خيري بشارة، التي صدرت عن «دار الشروق» بالقاهرة تحت عنوان «هى دي الحياة كما حكى خيري بشارة لشيماء سليم».

الكتاب نتاج 20 ساعة من الأحاديث الصحافية المتقطعة على مدار أربع سنوات أجرتها معه المحررة الفنية شيماء سليم، لتكون النتيجة مذكرات تتسم بالعفوية والتدفق لدى مخرج يبلغ من العمر حالياً 78 عاماً ويمتلك تجربة شديدة الثراء، سواء على المستوى الإنساني أو في أفلامه العديدة التي من أبرزها «الطوق والإسورة»، 1986، و«كابوريا» 1990، و«آيس كريم في جليم»، 1992، و«قشر البندق»، 1995، فضلاً عن مسلسل «ذات» 2013.

في بداية الكتاب، يشير خيري بشارة إلى أنه من مواليد 30 يونيو (حزيران) 1947، عاش السنوات الست الأولى من عمره بإحدى قرى محافظة كفر الشيخ قبل انتقال العائلة لاحقاً إلى حي شبرا بالقاهرة، خلت طفولته من المشاكل وبها الكثير من اليسر، فوالده كان يعمل في «التفتيش الإنجليزي». «عشنا في الجانب النظيف المنظم الساحر من القرية في منزل على الطراز البريطاني يشبه منازل إنجلترا المدببة. لدى الأسرة سيارة جيب ودراجة بخارية تشبه دراجات (كونستبل البوليس)، الوالد ميسور مادياً حيث يتقاضى راتباً جيداً ولديه أرض زراعية، وجده لأبيه بالضفة الثانية من القرية كان تقريباً أغنى شخص هناك، يمتلك أراضي وبيوتاً ومحلات». كان طفلاً جميل الملامح ونساء العائلة كثيراً ما تنازعن بسببه. شكلت الطفولة بداخل خيري بشارة بذرة انحيازاته الفكرية رغم اعتقاد الناس أن الانحياز يأتي مع الكبر والقراءة والثقافة «حين يصبح الإنسان مسيساً ويختار أن يكون يسارياً اشتراكياً أم يمنياً». أما هو فنتجت انحيازاته عن حادث وقع في طفولته عندما قامت ثورة 1952 وكان عمره خمس سنوات، فشجعت الثورة الوليدة أحد الفلاحين على التجرؤ على والده والرد عليه فضرب أبوه الفلاح وأدماه. عندها كره والده وتعاطف مع الفلاح وكان سعيداً من منطلق الشر الطفولي بخوف أبيه من الثوار الجدد أن يعاقبوه جراء فعلته، على حد تعبيره. أصبح ثورياً حالماً بشكل رومانسي، طوال حياته فيما بعد.

مفارقات سينمائية

المفارقة أنه في بدايات عقد الستينيات، وبعد أن خاض بشارة اختبارات القبول في معهد السينما، كان متيقناً أنه أكثر من غيره ثقافة وإلماماً بالسينما وعوالمها نتيجة قراءاته ومشاهداته المبكرة، لكنه رسب في الاختبار ولم يتم قبوله، ما تتسبب في إحباط شديد له. ولكن حدثت مصادفة ثانية سعيدة حيث صدر قرار على مستوى الجمهورية بقبول الكليات والمعاهد لدفعات ثانية في هذا العام 1963، فالتحق بالمعهد بالدفعة الخامسة لتأسيسه. بدأت الدراسة عام 1963 وتخرج عام 1967.

لم يكن تخلص بعد من حلم أن يكون ممثلاً، لذا أثناء دراسته في المعهد قام بالتمثيل ما بين كومبارس وممثل ناطق لجمل قليلة في عدة مسرحيات منها «وابور الطحين» للشاعر نجيب سرور وكان يشاركه في تمثيلها نور الشريف عندما كان لا يزال يستخدم اسمه الحقيقي «محمد جابر». كانا يعرضان العمل على خشبة «مسرح الحكيم» ويومياً بعد انتهاء العرض كانا يتجولان بلا هدف في الشوارع يحلمان سوياً. كان مبهوراً جداً بنجيب سرور وهو أحد المؤثرات الخفية غير الواعية والمبكرة جداً في حياته، وكمراهق يبلغ من العمر 16 أو 17 سنة، كان يسعد جداً بمشاهدة ماجدة الخطيب وهي تمثل أمامه، التي تشاء الأقدار فيما بعد أن تكون بطلة ثاني أفلامه وهو «العوامة رقم 70»، «وهذا يحدث دائماً له مع الناس والأماكن، دائماً هناك لقاء ثان».

بين شاهين وصلاح أبو سيف

يطرح خيري بشارة مقارنة دالة ولافتة بين اثنين من رواد الإخراج السينمائي في مصر، يوسف شاهين وصلاح أبو سيف، موضحاً أنَّ من أكثر الأساتذة الذين درّسوا في المعهد وأحبهم يوسف شاهين الذي كان في التاسعة والثلاثين من عمره، وكان أول مخرج لفت نظره وجعله يبحث عن اسمه على «أفيشات» الأفلام. وكان شاهين يدرّس كتاب «مبادئ الإخراج المسرحي»، تأليف ألكسندر دان. ويعتبر بشارة أن أساتذة قليلين لديهم سمعة في التدريس وفي الوقت ذاته مبدعون كفنانين، ومن هؤلاء يوسف شاهين ومحمود مرسي في معهد الفنون المسرحية، وأيضاً سمير سيف.

كان الطلبة يشعرون أن شاهين يقول كل ما يعرفه، لا يبخل بشىء ويسعى لتطوير معارفهم إلى أقصى درجة، لا يتوانى عن البوح بكل ما يلم به ربما لأنه تعلم في أميركا أو ربما تكون هذه طبيعة شخصيته كأستاذ. لم تكن توجد عنده «مظهرية العلاقة» أو «طقسية الأستاذ»، فمنذ البداية جعلهم ينادونه بـ«جو» أو «يوسف». كان بسيطاً يعلم بطريقة ديمقراطية ويكسر الحاجز بينهم وبينه كأستاذ، ولديه كاريزما وإذا غضب من أحدهم مرة لا يعني أن يعطيه درجة سيئة.

على العكس، كان صلاح أبو سيف، الذي درّسهم في الصف الرابع، وكان «يحصرهم» بلا مناسبة في عالمه وأفلامه، فمثلاً جعلهم يختارون مشاهد من «القاهرة 30» ليعيدوا إخراجها. وطبعاً لا توجد لديهم خبرة وكانوا يقدمون له تجارب بدائية، لكنه لم يعلق عليها أو يطورها أبداً، لا تعليقات قاسية ولا إطراء... فقط يسمع ويهز رأسه. أبداً لم يقل لهم جملة مفيدة كأستاذ. كان دائم الصمت.

من بولندا إلى الاحتراف

يتطرق خيري بشارة إلى دراسة السينما في بولندا، التي مهدت طريقه لاحتراف الإخراج السينمائي فيما بعد، بادئاً بالأفلام التسجيلية ثم المسرح قبل أن يستقر في الأفلام الروائية.

يقول بشارة: «حين أتأمل تجربة بولندا بذهن صاف يمكنني القول إنني خرجت من قوقعتي، فكرياً وإنسانياً هناك، فقد كنت في مصر ممن يطلقون عليه (الطالب النجيب)، ترتيبي الأول، مدمن قراءة ومشاهدة أفلام، مجتهد جداً. لم أعش حياة مثل أي شاب في عمري وبالتالي عندما ذهبت ومهم جداً هنا أن نعود إلى ملحمة جلجامش وحكمة (عرف المرأة... عرف الحياة)، فعندما عرفت المرأة ووقعت في الحب عرفت الحياة لأنني خرجت من عالمي الضيق إلى عالم أكثر رحابة وتحضرت وصرت رجلاً».

ويكشف خيري بشارة عن فلسفته في صناعة سينما تسجيلية قائلاً: «عندما بدأت أصنع أفلامي التسجيلية لم أكن معنياً بالإنجازات الكبرى، لا بالسد العالي ولا مصنع الألمونيوم. كنت مهتماً بالأشياء البسيطة التي تصنع الوطن». من هنا جاء أول أفلامه (صائد الدبابات) عن جندي دمر 23 دبابة، يقول: «نعم هو بطل والنظام كان يروج له لكن من يشاهد الفيلم سيفهم موقفي. لم تكن تهمني الدبابات المدمرة، كان يهمني البطل نفسه كإنسان هو ورفاقه، هو لم يصنع النصر وحده. لقد سحبت منه مفهوم (البطل السوبرمان) وأوضحت أن حوله أبطالاً آخرين وذهبت إلى قريته التي تئن من المشاكل».

وحول فلسفته في صناعة الأفلام الروائية الطويلة التي تجلت من خلال فيلم «العوامة رقم 70»، إصدار 1982 بطولة أحمد زكي وتيسير فهمي وماجدة الخطيب وكمال الشناوي، يقول: «أنا غير مهتم بتصنيف الفيلم وإذا ما كان أول عمل في الواقعية الجديدة أم لا، لكن يجب أن أقول رغم أنه أول عمل مصري تكون به حركة الممثلين طبيعية خارجة من الواقع، ليست مصنوعة للتمثيل ولا للحوار. كنت متأثراً في هذا الفيلم بشدة بالأدب الروسي وتحديداً أنطون تشيخوف، أردت أن (أنحت) الكاتب الفذ المدهش في كل شيء، يعني لو كان تشيخوف مخرجاً، كيف كان سيوجه الممثلين ويشكل حركتهم، أظن أن هذا ما ميز (العوامة 70) في زمنه».


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة...

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي في بادية الشام

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري...

محمود الزيباوي

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه
TT

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه

تزامناً مع الذكرى الثلاثين لرحيله، التي تصادف 29 أبريل (نيسان) أعلنت اليوم لجنة جائزة الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان عن أسماء الفائزين في دورتيها لعامي 2025 و2026.

وقد ارتأت اللجنة منح الجائزة في دورتها لعام 2025-2026 للشاعر محمد علي طه، «تقديراً لدوره الإبداعي في مجال الشعر، ولمواقفه الإنسانية إلى جانب حضوره الثقافي الفاعل»، كما منحت اللجنة الجائزة في دورتها لعام 2026 للشاعر محمد شيخ عثمان، «الذي عُرف بقربه من الشاعر الراحل ومرافقته له في مسيرته الأدبية حتى وفاته».

ويعد الشاعر حامد بدرخان (1945–1996) أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الكردي في سوريا، وقد كتب باللغات الكردية والتركية والعربية (إلى جانب إتقانه الفرنسية) وترك أثراً واضحاً في التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

تألفت لجنة الجائزة للدورتين الأخيرتين من كل من: د. هفال ميرو، والدكتور ولات محمد، والشاعر إبراهيم اليوسف.

ومحمد علي طه شاعر من مواليد دمشق 1937، عمل في التعليم منذ 1962، وبدأ كتابة الشعر مبكراً ونشره في الصحف، وشارك في أمسيات أدبية عديدة. أصدر ديوان قمر إلى فهد (1995) واليمامة (2013)، إضافة إلى كتب فكرية وسردية، وحافظ على حضور ثقافي وسياسي متواصل.

محمد شيخ عثمان

أما محمد شيخ عثمان فهو من مواليد 15 يناير (كانون الأول) 1946، نشأ في ظروف قاسية وانتقل إلى حلب حيث تابع دراسته وعمله، وعمل في جامعة حلب ابتداء من عام 1973. جمع في حياته بين العمل والدراسة، وشارك في النشاط الشعري، وأصدر مجموعته «ملهاة التجدد والأيام» عام 1996، وارتبط بعلاقة وثيقة مع حامد بدرخان منذ 1982 حتى وفاته.

وكانت جائزة حامد بدرخان للشعر قد أُطلقت في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2009 وتُعد واحدة من الجوائز التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الكرد في سوريا، وقد مُنحت منذ تأسيسها لعدد من الشعراء السوريين والكرد، وهم، علي كنعان ومنذر مصري، ومها بكر، ورشيد عبد المجيد، ونازلي خليل، وصبحي حديدي، فرج بيرقدار، وفواز قادري 2016، محمد علاء الدين عبد المولى، وحسين حبش.


مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).