بعد 20 عاماً... أدلة تكشف تورط جنديين من «المارينز» في قتل عائلة عراقية

جنود أميركيون في العراق (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون في العراق (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد 20 عاماً... أدلة تكشف تورط جنديين من «المارينز» في قتل عائلة عراقية

جنود أميركيون في العراق (أرشيفية - رويترز)
جنود أميركيون في العراق (أرشيفية - رويترز)

كشف تحقيق أجرته شبكة «بي بي سي» البريطانية عن أدلة تُشير إلى تورط اثنين من مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، لم يُحاكما قط، في مقتل عائلة في مدينة حديثة العراقية في محافظة الأنبار.

وتُثير الأدلة، ومعظمها إفادات وشهادات أُدلي بها في أعقاب عملية القتل، شكوكاً حول التحقيق الأميركي فيما حدث في ذلك اليوم، وتطرح أسئلة جوهرية حول كيفية محاسبة القوات المسلحة الأميركية.

وتعود الواقعة إلى يوم 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005، عندما اقتحم جنود مشاة البحرية الأميركية منزل عائلة بمدينة حديثة وأطلقوا النار على الأم والأب وأبنائهما الخمسة، بالإضافة إلى أخت الأم.

كان مقتل هذه العائلة، التي لم يتبق منها إلا طفلة تدعى صفاء، جزءاً مما عُرف لاحقاً بـ«مذبحة حديثة»، عندما قتل جنود مشاة البحرية الأميركية 24 مدنياً عراقياً، بينهم أربع نساء وستة أطفال، في أحد أسوأ الجرائم التي وقت بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003. فقد اقتحم الجنود ثلاثة منازل، فقتلوا كل من كان بداخلها تقريباً، بالإضافة إلى سائق وأربعة طلاب في سيارة كانوا في طريقهم إلى الجامعة.

وأثارت هذه المذبحة أطول تحقيق أميركي في جرائم الحرب خلال حرب العراق، لكن لم يُدن أحدٌ في عمليات القتل.

وقال جنود مشاة البحرية إن إطلاق النار جاء «ردَّ فعلٍ» بعد مقتل أحد أفراد فرقتهم وإصابة اثنين آخرين في انفجار عبوة يدوية الصنع زُرعت على قارعة طريق في قرية حديثة.

لكن صفاء، التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها آنذاك، قالت لـ«بي بي سي»: «لم نُتهم بأي شيء. لم يكن لدينا حتى أي أسلحة في المنزل».

ونجت صفاء من خلال التظاهر بالموت بين جثث أشقائها، الذين كان أصغرهم في الثالثة من عمره، لتصبح الناجية الوحيدة من بين عائلتها بأكملها.

تورط اثنين من «المارينز»

ووُجّهت في البداية تهمة القتل إلى أربعة من مشاة البحرية، لكنهم قدموا روايات متضاربة عن الأحداث، ومع مرور الوقت، أسقط المدعون العسكريون الأميركيون التهم الموجهة إلى ثلاثة منهم، مانحين إياهم حصانة من الملاحقة القانونية.

هذا جعل قائد الفرقة، الرقيب فرانك ووتريتش، الوحيد الذي واجه المحاكمة عام 2012.

الرقيب فرانك ووتريتش (رويترز)

وفي تسجيل فيديو لجلسة استماع ما قبل المحاكمة، لم يُبثّ من قبل، وحصلت عليه «بي بي سي» مؤخراً، تم استجواب أصغر عضو في الفريق، وهو الجندي هامبرتو ميندوزا، والذي أعاد تمثيل ما حدث في منزل صفاء.

وفي التسجيل، اعترف ميندوزا، الذي لم توجه إليه أي تهم، بقتل والد صفاء عندما فتح الباب الأمامي لمشاة البحرية.

وعندما سأله المحامي: «هل رأيت يديه؟» أجاب ميندوزا: «نعم سيدي»، ثم أكد أن والد صفاء لم يكن مسلحاً. فسأله المحامي: «لكنكم قتلتموه على أي حال؟» فأجاب: «نعم سيدي».

وفي تصريحاته الرسمية، كان ميندوزا قد ادعى في البداية أنه بعد دخوله المنزل، فتح الباب إلى غرفة النوم، حيث كانت صفاء وعائلتها، لكنه عندما رأى أن الغرفة كانت تضم نساءً وأطفالاً فقط، لم يدخل، بل أغلق الباب.

مع ذلك، في تسجيل صوتي تم اكتشافه حديثاً من محاكمة ووتريتش، يُقدم ميندوزا رواية مختلفة. حيث يقول إنه سار نحو 2.4 متر في غرفة النوم.

ويعدّ هذا أمراً بالغ الأهمية، وفقاً لخبير الطب الشرعي مايكل مالوني. فقد أرسلته وكالة التحقيقات الجنائية البحرية إلى حديثة في عام 2006 للتحقيق في المذبحة، وقام بفحص غرفة النوم التي قُتلت فيها عائلة صفاء.

وباستخدام صور مسرح الجريمة التي التقطها مشاة البحرية في وقت الحادث، استنتج أن اثنين من «المارينز» دخلا الغرفة وأطلقا النار على النساء والأطفال.

وعندما عرضت «بي بي سي» على مالوني التسجيل الذي يقول فيه ميندوزا إنه دخل الغرفة، قال خبير الطب الشرعي: «هذا مذهل بالنسبة لي، ما نسمعه الآن لم أسمع به من قبل».

وقال إن ذلك يُظهر أن ميندوزا كان يقف في المكان الذي استنتج مالوني أن مطلق النار الأول كان يقف فيه، عند نهاية السرير.

وأضاف مالوني: «لو سألتني: (هل هذا اعتراف من نوع ما؟) لقلت: (اعترف ميندوزا بذلك بكل شيء باستثناء إطلاق النار)».

وقدمت صفاء إفادة مصورة للمدعين العسكريين عام 2006، لكنها لم تُعرض في المحكمة، وصفت فيها كيف ألقى الجندي الذي فتح باب غرفة النوم قنبلة يدوية لم تنفجر، ثم دخل الرجل نفسه الغرفة وأطلق النار على عائلتها.

وميندوزا هو الجندي الوحيد الذي زعم أنه فتح الباب.

ولم ينكر جندي آخر، وهو ستيفن تاتوم، مشاركته في إطلاق النار، لكنه قال إنه تبع قائد الفرقة، ووتريتش، إلى غرفة النوم، وادعى في البداية أنه لم يكن يعلم بوجود نساء وأطفال هناك بسبب ضعف الرؤية.

ولكن في ثلاثة تصريحات لاحقة حصلت عليها «بي بي سي»، قدم تاتوم رواية مختلفة.

وقال لدائرة التحقيقات الجنائية البحرية في أبريل (نيسان) 2006: «رأيت أن الأطفال كانوا في الغرفة جاثين على ركبهم. لا أتذكر العدد الدقيق ولكن كان عددهم كبيراً. أنا مدرب على إطلاق رصاصتين على الصدر واثنتين على الرأس، وقد اتبعت تدريبي».

وبعد شهر من الإدلاء بهذا التصريح، قال تاتوم إنه «تمكن من التعرّف بشكل قاطع على هوية الأشخاص في الغرفة، وهم نساء وأطفال، قبل إطلاق النار عليهم».

ثم بعد أسبوع من ذلك، قال: «هنا رأيت الطفل الذي قتلته. على الرغم من علمي أنه طفل، فإنني قتلتُه». ووصف الطفل بأنه كان يرتدي قميصاً أبيض، واقفاً على السرير، وكان شعره قصيراً.

وادعى محامو تاتوم أن هذه الإفادات اللاحقة انتُزعت منه بالإكراه. وقد أُسقطت التهم الموجهة ضد تاتوم في مارس (آذار) 2008، وتم تجاهل أقواله في محاكمة ووتريتش.

وقال خبير الطب الشرعي مايكل مالوني إن إفادات ميندوزا وتاتوم تشير إلى أنهما الجنديان اللذان أطلقا النار على عائلة صفاء.

وطرحت «بي بي سي» الادعاءات على ميندوزا وتاتوم، لكن ميندوزا لم يُجب. وقد اعترف سابقاً بإطلاق النار على والد صفاء، لكنه قال إنه كان ينفذ الأوامر. ولم تُوجه إليه أي تهمة جنائية.

ومن خلال محاميه، قال تاتوم إنه يريد نسيان حادثة حديثة. ولم يتراجع عن شهادته بأنه أحد مطلقي النار في منزل صفاء.

تهمة «الإهمال والتقصير»

وصرح مالوني لـ«بي بي سي» بأن الادعاء «أراد أن يكون ووتريتش هو مطلق النار الرئيسي». ولكن قبل أن يتمكن مالوني من الإدلاء بشهادته، انتهت محاكمة ووتريتش بصفقة إقرار بالذنب.

وأصر ووتريتش على أنه لا يتذكر ما حدث في منزل صفاء، ووافق على الإقرار بالذنب في تهمة الإهمال والتقصير في أداء الواجب - وهي تهمة لا علاقة لها بأي تورط مباشر في عمليات القتل.

جنود أميركيون غرب العاصمة بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال محامي ووتريتش العسكري، هيثم فرج، وهو جندي بحرية سابق، لـ«بي بي سي» إن العقوبة كانت «تعادل صفعة على المعصم... مثل مخالفة السرعة».

وقال نيل باكيت، المحامي الرئيسي للدفاع عن ووتريتش، إن التحقيق والمحاكمة ضد موكله برمتهما كانا «فاشلَين».

وأضاف: «الادعاء، بمنح الحصانة لجميع شهوده وإسقاط جميع التهم الموجهة إليهم... جعل نفسه عاجزاً عن تحقيق العدالة في هذه القضية».

وأقرّ هيثم فرج بأن العملية كانت معيبة للغاية.

وقال: «دفعت الحكومة أموالاً لأشخاص ليأتوا ويكذبوا، ومنحتهم حصانة، وهكذا تمت إساءة استخدام العملية القانونية».

وأضاف أن «انطباعات الناجين عن أن المحاكمة كانت صورية دون نتيجة حقيقية، ودون معاقبة أحد، كانت صحيحة».

ولا تزال صفاء، البالغة من العمر الآن 33 عاماً، تعيش في حديثة ولديها ثلاثة أطفال. وتقول إنها لا تفهم كيف لم يُعاقب أي جندي على مقتل عائلتها.

وعندما عرضنا عليها فيديو ميندوزا، قالت: «كان يجب سجنه منذ لحظة وقوع الحادث، كان يجب أن يُحرم من رؤية النور».

وتقول عن اليوم الذي قُتلت فيه عائلتها: «يبدو الأمر كما لو أنه حدث العام الماضي. ما زلت أفكر فيه. أريد أن يُحاسب من فعلوا هذا وأن يُعاقبوا قانوناً. لقد مرّ ما يقرب من 20 عاماً دون محاكمة. هذه هي الجريمة الحقيقية».

ورداً على هذا التقرير، قالت قوات مشاة البحرية الأميركية إنها ملتزمة بإجراءات عادلة وعلنية بموجب القانون الموحد للقضاء العسكري، بما يضمن الإجراءات القانونية الواجبة. وأضافت أنها لن تعيد فتح التحقيق إلا إذا قُدّمت أدلة جديدة غير مدروسة ومقبولة.

ولم يستجب المدعي العام الرئيسي في القضية لطلب التعليق.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

المشرق العربي جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)

الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من شمال شرق سوريا إلى العراق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مع مرور نحو 4 أشهر على تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى العراق، يواصل مارك سافايا ضغوطه على صناع القرار بهدف «تحقيق الاستقرار» في البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)

السوداني يقلل المخاوف من تدهور أمن الحدود مع سوريا

سعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تبديد مخاوف من تدهور أمني محتمل على الحدود مع سوريا، في ظل التطورات الأخيرة هناك، مؤكداً جاهزية القوات العراقية.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)

خاص ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

في غمرة انشغال رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بإقناع حلفائه داخل قوى «الإطار التنسيقي» لحسم ترشيحه، يواجه اليوم معارضة القوى السياسية السنية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

تواصل السلطات الأمنية في العراق ما تقول إنها حالة تأهب وجهود لتأمين حدود البلاد، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة الجارية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)

غارات إسرائيلية على 4 معابر على الحدود السورية - اللبنانية

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على قرية قناريت اليوم (أ.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على قرية قناريت اليوم (أ.ب)
TT

غارات إسرائيلية على 4 معابر على الحدود السورية - اللبنانية

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على قرية قناريت اليوم (أ.ب)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على قرية قناريت اليوم (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، أنه ضرب أربعة معابر على طول الحدود السورية اللبنانية، متهماً «حزب الله» باستعمالها لتهريب الأسلحة، وذلك بعد أن شن في وقت سابق ضربات جديدة على جنوب لبنان.

وقال الجيش في بيان: «قصف الجيش الإسرائيلي أربعة معابر حدودية بين سوريا ولبنان يستخدمها (حزب الله) لتهريب أسلحة في منطقة الهرمل».

جاء ذلك بعد أن شنّ غارات على مبانٍ في بلدات عدة بجنوب لبنان، إثر إنذارات للسكان بالإخلاء، بعد ساعات من شنّه ضربات أوقعت قتيلين.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بشن غارات إسرائيلية على مبانٍ في بلدات جرجوع وقناريت والكفور وأنصار والخرايب، بعد الإنذارات الإسرائيلية.

وندّد رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، اليوم، بالغارات الإسرائيلية بوصفها «تصعيداً خطيراً يطال المدنيين مباشرة»، معتبراً أنها «خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ووضع حد لحرب مع «حزب الله» دامت أكثر من عام.

قبل الغارات، أورد الناطق باللغة العربية باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في منشور على «إكس»، أن الجيش «سيهاجم بنى تحتية عسكرية تابعة لـ(حزب الله) في بلدات جرجوع والكفور وقناريت وأنصار والخرايب».

وتقع البلدات الخمس شمال نهر الليطاني بعيداً من الحدود مع إسرائيل، وهي منطقة يعتزم الجيش اللبناني الشهر المقبل تقديم خطة إلى الحكومة بشأن آلية نزع سلاح «حزب الله» منها، بعد إعلانه نزع سلاح الحزب في المنطقة الحدودية الواقعة جنوب النهر.

أحدثت الغارات في بلدة قناريت عصفاً عنيفاً، حسب مصوّر «وكالة الصحافة الفرنسية» في المكان، الذي أصيب مع صحافيين اثنين آخرين بجروح طفيفة جراء قوّة العصف.

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بإصابة 19 شخصاً بينهم إعلاميون في الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت بقضاء صيدا.

قتيلان

قتل شخصان، صباح اليوم، بغارتين إسرائيليتين على سيارتين في بلدتي الزهراني والبازورية في جنوب لبنان، وفقاً لوزارة الصحة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عنصرين في «حزب الله».

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»، في موقع الغارة في بلدة الزهراني التي وقعت على طريق عام يصل بين مدينتي صيدا والنبطية، سيارة مدمّرة بالكامل ومحترقة، تناثرت قطع منها في مساحة واسعة، بينما كان عناصر الدفاع المدني يعملون على إخماد النيران المندلعة منها.

وتقول اسرائيل إن ضرباتها على لبنان تستهدف عناصر في «حزب الله» ومنشآت ومخازن أسلحة عائدة إليه، مؤكدة أنها لن تسمح له بترميم قدراته بعد الحرب التي تلقى خلالها ضربات قاسية على صعيد الترسانة العسكرية والبنية القيادية.

وشنّت خلال الأيام الماضية غارات واسعة على مناطق بعيدة من الحدود، بعد أن أعلن الجيش اللبناني مطلع يناير (كانون الثاني) إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع ترسانة «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد الجيش اللبناني أنه أتمّ «بسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني (نحو 30 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية)، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي».

إلا أن إسرائيل شككت في هذه الخطوة واعتبرتها غير كافية. ومنذ إعلان الجيش اللبناني استكمال نزع السلاح جنوب الليطاني، وجهت الدولة العبرية ضربات عدة لمناطق غالبيتها تقع في شمال النهر.

وندّد الجيش اللبناني في بيان اليوم بـ«الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية ضد لبنان» التي تستهدف «مباني ومنازل مدنية في عدة مناطق».

وقال إن هذه «الاعتداءات المدانة تعيق جهود الجيش وتعرقل استكمال تنفيذ خطته».

تتألف خطة الجيش اللبناني من خمس مراحل. وتشمل المرحلة الثانية المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي الذي يصب شمال صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، والواقعة على بُعد نحو 60 كيلومتراً من الحدود، وعلى بُعد نحو 40 كيلومتراً من بيروت.

ويفترض أن تناقش الحكومة المرحلة الثانية من هذه الخطة في فبراير (شباط) قبل البدء بتنفيذها.

وبموجب وقف إطلاق النار، كان يُفترض بإسرائيل أن تسحب قواتها من جنوب لبنان، لكنها أبقت على وجودها في خمسة مواقع تعتبرها استراتيجية، يطالبها لبنان بالانسحاب منها.


أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
TT

أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)
قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)

أثار الانهيار السريع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في شمال شرق سوريا هذا الأسبوع مخاوف بشأن مصير نحو عشرة سجون ومخيمات احتجاز كانت تحت حراستها، وكان يُحتجز بداخلها أكثر من 10 آلاف ​من عناصر «داعش» وآلاف آخرون من النساء والأطفال ذوي الصلة بالتنظيم.

وأعلن الجيش الأميركي، الأربعاء، بدء مهمة لنقل سجناء «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق، إذ جرى نقل 150 مقاتلاً من «داعش» كانوا محتجزين في مركز احتجاز في الحسكة بسوريا، إلى موقع آمن في العراق. ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد معتقلي «داعش» الذين سيتم نقلهم من سوريا إلى مراكز احتجاز تحت السيطرة العراقية إلى 7 آلاف معتقلي، وفق بيان للقيادة المركزية الأميركية.

وفيما يلي عرض لبعض من أبرز السجون والمخيمات التي تؤوي أشخاصاً على صلة بتنظيم «داعش» في شمال شرق سوريا:

سجنان في الحسكة تحت سيطرة «قسد»

السجنان الرئيسيان في محافظة الحسكة هما سجنا غويران وبانوراما، حيث يُحتجز الآلاف من مقاتلي تنظيم «داعش» الذين صقلتهم المعارك. ويضم سجن غويران، الذي كان مدرسة قبل أن يتم تحويله إلى سجن، حوالي 4000 سجين. وتضم ‌سجون أخرى ‌مراهقين وأحداثاً، بعضهم ولدوا في سوريا لآباء سافروا ‌للانضمام ⁠إلى ​تنظيم «داعش».

ويتولى ‌أفراد عسكريون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تأمين المحيط الخارجي للسجن، بينما تحتفظ القوات الكردية بالسيطرة داخله.

وحصلت «رويترز» على فرصة نادرة لدخول أحد السجنين في عام 2025 وتحدثت إلى معتقلين من بريطانيا وروسيا وألمانيا.

وتقع مراكز احتجاز أخرى في مدينتي القامشلي والمالكية اللتين لا تزالان، مثل مدينة الحسكة، تحت سيطرة الأكراد.

أطفال ونساء من أقارب عناصر في تنظيم «داعش» يظهرون داخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

سجون تحت سيطرة الحكومة

سيطرت الحكومة السورية على بعض السجون الأخرى التي تضم معتقلي تنظيم «داعش».

أحد هذه السجون هو سجن الشدادي الواقع في ريف الحسكة. وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» إنها فقدت ‌السيطرة عليه مع اقتراب القوات السورية، وإن سجناء فروا ‍منه. وقالت الحكومة السورية إن ‍«قوات سوريا الديمقراطية» تخلت عن مواقعها وأفرجت عن نحو 200 سجين من «داعش»، وإن القوات السورية أعادت معظمهم لاحقاً.

وأكد مسؤول أميركي أن القوات السورية قبضت مجدداً على كثير من الهاربين، واصفاً إياهم بأنهم أعضاء من تنظيم «داعش» من ذوي الرتب المنخفضة.

ومن المنشآت الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة السورية، سجن الأقطان في محافظة ​الرقة المجاورة.

لقطة جوية تُظهر مخيم الهول في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

مخيمات احتجاز

جمعت قوات الأمن الكردية عشرات الآلاف من المدنيين الذين فروا من آخر معاقل تنظيم «داعش» مع خسارة ⁠التنظيم للأراضي التي كان يسيطر عليها خلال العقد الماضي، واحتجزتهم في مخيمين رئيسيين، يُعرفان باسم مخيمي الهول وروج.

ومنذ عام 2024، كان مخيم الهول يضم 44 ألف شخص، جميعهم تقريباً من النساء والأطفال، ومعظمهم من السوريين أو العراقيين، لكن غربيين يعيشون هناك أيضاً في ملحق منفصل.

عنصر من قوات الأمن السورية يقف أمام بوابة مخيم الهول في محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

ومن بين المحتجزين في مخيم روج أيضا بعض الغربيين مثل شميمة بيجوم، وهي امرأة بريطانية المولد انضمت إلى تنظيم «داعش». وقال أحد سكان روج لـ«رويترز» في عام 2025 إن نساء من تنزانيا وترينيداد يعشن أيضا في المخيم.

وقالت القوات الكردية إنها أُجبرت على الانسحاب من الهول مع اقتراب القوات الحكومية. وشاهد مراسلو «رويترز»، اليوم الأربعاء، عشرات الأطفال والنساء وهم يتدافعون ‌أمام سور المخيم بينما كانت القوات الحكومية السورية تقف ساكنة.

ولم يتضح على الفور ما هو وضع مخيم روج.


إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
TT

إسرائيل تفتتح مرحلة جديدة من التصعيد في جنوب لبنان

لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)
لبنانيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على بلدة قناريت في الجنوب الأربعاء (أ.ب)

كثفت إسرائيل في الأسبوعين الأخيرين وتيرة استهدافاتها لمناطق شمال الليطاني في جنوب لبنان، حيث باتت تنفذ غارات بمعدل مرتين على الأقل في الأسبوع، خلافاً للوتيرة السابقة قبل مطلع العام الحالي، إلى جانب الرصد، والملاحقات شبه اليومية، في مؤشر على تكثيف وتيرة التصعيد بالتزامن مع استعدادات الجيش اللبناني لإطلاق المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح في شمال الليطاني.

وبعد غارات عنيفة استهدفت مناطق في شمال الليطاني يوم الاثنين، وجّه الجيش الإسرائيلي عصر الأربعاء إنذارات إخلاء للسكان في خمس بلدات في جنوب لبنان، بعيد ساعات من شنّه ضربات أوقعت قتيلين، وقال إنها استهدفت عنصرين من «حزب الله».

مؤشر جديد

وقالت مصادر محلية مواكبة لوتيرة التصعيد الإسرائيلي في الجنوب إن ما تقوم به القوات الإسرائيلية في شمال الليطاني منذ مطلع العام «يمثل تحولاً بوتيرة التصعيد، مقارنة بما كان الأمر عليه في العام الماضي منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ» في نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضحت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش الإسرائيلي «بات ينفذ غارات جوية بمعدل كل يومين أو ثلاثة أيام، أي مرتين على الأقل في الأسبوع، وهو ضعف وتيرة القصف التي كان ينفذها في العام الماضي»، في إشارة إلى قصف جوي كان يستهدف منطقة جنوب الليطاني، وأطراف النهر بمعدل مرة أسبوعياً، وغالباً ما كانت الغارات تتم يوم الخميس.

الدخان يتصاعد من مبانٍ استهدفتها غارات إسرائيلية في بلدة قناريت بجنوب لبنان بعد إنذار بإخلائها (متداول)

ويتنوع القصف بين غارات تستهدف الوديان وأطراف القرى والمناطق الحرجية، وإنذارات إخلاء تتكرر في عدة بلدات شمال الليطاني. وقالت المصادر: «هذا مؤشر جديد على التصعيد لناحية تكثيف الضربات»، مؤكدة أن انذارات الإخلاء «باتت تستهدف مباني ضخمة، وأحياء كاملة، وغالباً ما تستخدم فيها ذخائر ضخمة تؤدي إلى أضرار واسعة في الممتلكات والمناطق المحيطة بالمباني المستهدفة».

إنذارات إخلاء

وأصدر الجيش الإسرائيلي بعد ظهر الأربعاء إنذارات إخلاء على مرحلتين في خمس قرى تقع شمال الليطاني في جنوب لبنان، وهي قرى تتعرض لإنذارات إخلاء للمرة الأولى، مما تسبب في نزوح المئات من تلك البلدات.

مواطنون ينزحون من بلدة قناريت في جنوب لبنان إثر إصدار الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء مبنى (متداول)

وأورد الناطق باللغة العربية باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في منشور على «إكس» أن جيشه سيهاجم بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، «وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة» في بلدات جرجوع والكفور في قضاء النبطية وقناريت في قضاء صيدا التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود. وأرفق منشوره بخرائط حدد فيها ثلاثة أبنية باللون الأحمر، وحث سكانها ومحطيها على «إخلائها فوراً».

وبعد تنفيذ القصف الذي أدى إلى تدمير المباني وإلحاق أضرار واسعة في المباني المحيطة، أصدر إنذاري إخلاء في بلدتي أنصار والزرارية اللتين تبعدان نحو 30 كيلومتراً عن الحدود مع إسرائيل.

ويعتزم الجيش اللبناني الشهر المقبل تقديم خطة إلى الحكومة بشأن آلية نزع سلاح «حزب الله» في منطقة شمال الليطاني التي تقع فيها البلدات الخمس، بعد إعلانه نزع سلاح الحزب في المنطقة الحدودية الواقعة جنوب النهر.

وكان الجيش اللبناني أعلن في وقت سابق في يناير (كانون الثاني) إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع ترسانة «حزب الله»، والتي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. وأكد الجيش أنه أتمّ «بسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني (نحو 30 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية)، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي».

إلا أن إسرائيل شككت في هذه الخطوة واعتبرتها غير كافية. ومنذ إعلان الجيش اللبناني استكمال نزع السلاح جنوب الليطاني، وجهت الدولة العبرية ضربات عدة لمناطق معظمها شمال النهر.

وتتألف خطة الجيش اللبناني من خمس مراحل. وتشمل المرحلة الثانية المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي الذي يصب شمال صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، والواقعة على بعد نحو ستين كيلومتراً من الحدود، وعلى بعد نحو أربعين كيلومترا من بيروت.

ملاحقات متواصلة

وجاء التصعيد بعد الظهر، بعد اغتيالين نفذهما سلاح الجو الإسرائيلي بحق شخصين في جنوب لبنان، أحدهما في شمال الليطاني، والثاني في جنوبه.

متطوع في الدفاع المدني يتفقد ركام سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية في منطقة الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فقد شنّت إسرائيل صباح الأربعاء غارة على سيارة في بلدة الزهراني، أدت وفق وزارة الصحة اللبنانية إلى «استشهاد مواطن»، قال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه «عنصر إرهابي من (حزب الله)».

ووقعت الغارة على طريق عام يصل بين مدينتي صيدا والنبطية، فيما أسفرت ضربة إسرائيلية ثانية، استهدفت سيارة في بلدة البازورية في منطقة صور، عن مقتل شخص، وفق وزارة الصحة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف أحد عناصر «حزب الله» في المنطقة. وتقول إسرائيل إن ضرباتها على لبنان تستهدف عناصر في «حزب الله» ومنشآت ومخازن أسلحة عائدة إليه، مؤكدة أنها لن تسمح له بترميم قدراته بعد الحرب التي تلقى خلالها ضربات قاسية على صعيد الترسانة العسكرية والبنية القيادية.

وبموجب وقف إطلاق النار، كان يُفترض بإسرائيل أن تسحب قواتها من جنوب لبنان، لكنها أبقت على وجودها في خمسة مواقع تعتبرها استراتيجية، يطالبها لبنان بالانسحاب منها.

وشنّت خلال الأيام الماضية غارات واسعة على مناطق بعيدة عن الحدود بُعيد إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح الحزب جنوب نهر الليطاني حتى الحدود مع الدولة العبرية.