«الحواس الخمس» تميط اللثام عن جهود سعودية في الحرمين الشريفين

منظومات دقيقة تقف خلف كل لحظة يعيشها الحاج والمعتمر

الحواس الخمس رحلة تكشف جهوداً خفية تسبق خطوات الحاج  والمعتمر (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
الحواس الخمس رحلة تكشف جهوداً خفية تسبق خطوات الحاج والمعتمر (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
TT

«الحواس الخمس» تميط اللثام عن جهود سعودية في الحرمين الشريفين

الحواس الخمس رحلة تكشف جهوداً خفية تسبق خطوات الحاج  والمعتمر (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
الحواس الخمس رحلة تكشف جهوداً خفية تسبق خطوات الحاج والمعتمر (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

لا شيء يشبه اللحظة التي يدخل فيها قاصدو الحرمين الشريفين رحابهما للمرة الأولى؛ لحظة تتداخل فيها مشاعر الدهشة والسكينة، ويغمرهم فيها إحساس لا يُنسى، يمر عبر بوابة الحواس قبل العقل. فالصوت الذي يملأ المكان، والضياء المنعكس على الحجر، ورائحة البخور التي تستقبلهم عند المداخل، ولمسة الرخام البارد تحت أقدامهم، كلها تفاصيل تنسج معاً تجربة روحية يصعب وصفها.

مجسم يوضح الكعبة المشرفة من الداخل (الشرق الأوسط)

ومع كل هذا الجمال الذي يعيشونه، نادراً ما يتوقف أحد ليسأل: كيف تصل هذه التجربة بهذا الكمال؟ كيف يبقى الصوت واضحاً مهما ابتعد؟ ولماذا يظل الرخام بارداً تحت حرارة الشمس؟ وكيف تُنسج الكسوة، ويُخلط الطيب، ويُضبط الإيقاع اليومي للحرمين بهذا القدر من الدقة؟ هذه الأسئلة كانت تُطرح دائماً.

حتى كشفت الهيئة العامة للعناية في شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جانباً من هذا العالم الخفي، في جناحها الذي حصل على جائزة أفضل الأجنحة المشاركة، ضمن الجهات الحكومية، في مؤتمر ومعرض الحج والعمرة بنسخته الخامسة؛ حيث تقدم للزوار جولة استثنائية عبر الحواس الخمس تكشف ما وراء المشهد، وما خلف قدسية التجربة التي يعيشونها في كل زيارة.

حامد الثبيتي يشرح لوزير الحج والعمرة تفاصيل تجربة الحواس الخمس (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

السمع... هكذا يُصنع الصوت الذي يلامس ملايين القلوب

من حاسة السمع تبدأ الرحلة. في هذا الركن يكشف حامد الثبيتي، ممثل جناح الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين الشريفين، تفاصيل المنظومة الصوتية الأكبر من نوعها في العالم الإسلامي. يعتمد الحرم المكي والنبوي على 3 أنظمة صوتية متكاملة: النظام الإحساسي، والنظام الاحتياطي، ونظام الطوارئ، تعمل بتناغم لضمان وصول صوت الأئمة والمؤذنين بصفاء تام.

النظام الصوتي في الحرمين الشريفين (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

تكشف الأرقام ضخامتها: 8 آلاف سماعة في المسجد الحرام، و6 آلاف سماعة في المسجد النبوي، و22 ميكروفوناً في الحرم المكي، و21 ميكروفوناً في الحرم النبوي، و170 مهندس صوت في مكة، و106 مهندسين في المدينة. ويشرح الثبيتي أن لكل إمام ومؤذن «خامة صوتية» خاصة تُضبط عبر موازنة دقيقة للطبقة الصوتية.

وفي الركن التفاعلي، يستمع الزائر عبر سماعات رأس لتلاوات وأذانات من الحرمين، ثم يدخل إلى استوديو صغير يتيح له تسجيل الأذان أو الإقامة أو قراءة قصيرة من القرآن، ليصل التسجيل إلى هاتفه، ويبقى ذكرى شخصية.

مفتاح الكعبة (الشرق الأوسط)

في حاسة اللمس، ينتقل الزائر إلى مجموعة من القطع الأصلية المرتبطة بصناعة كسوة الكعبة المشرفة. يعرض الجناح خيوط الحرير الخام قبل صباغتها بالألوان التي تغيّرت عبر التاريخ: الأحمر، والأخضر، فالأسود المعتمد اليوم.

تُبرز الكتابات على الكسوة عبر عملية «الدباجة»، باستخدام خيوط من الفضة المطلية بماء الذهب. وتُستخدم سنوياً 100 كيلوغرام من الذهب و120 كيلوغراماً من الفضة في التطريز.

كما يعرّف الجناح الزوار بملمس رخام «تاسوس» المستخدم في أرضيات الحرمين، وهو رخام يتميز بقدرته على امتصاص البرودة ليظل بارداً طوال اليوم.

ويُعرض أيضاً سجّاد الحرمين المصنوع محلياً، الذي انتقل من اللون الأحمر إلى الأخضر منذ عام 1434هـ، مع طبقة نانو مقاومة للبكتيريا.

ويطّلع الزوار على نسخة من مصحف برايل المخصَّص لأصحاب الإعاقة البصرية، إلى جانب تجربة تفاعلية للطباعة على نماذج من قناديل وحزام الكسوة، ليحمل الزائر تذكاراً يدوياً يحاكي الزخارف الأصلية للكعبة.

تجربة «VR» (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

البصر... تجربة ثلاثية الأبعاد داخل مراسم الكسوة

في محطة البصر، يدخل الزائر إلى عالم بصري غامر عبر نظارات «VR» التي تنقله إلى مراسم تغيير كسوة الكعبة المشرفة بتقنية 360 درجة. حيث يشاهد التفاصيل الدقيقة كما لو أنه يقف في منتصف الفريق، ويرى عمليات تعطير الحجر الأسود والركن اليماني والملتزم، إضافة إلى مشاهد تبخير الحرم المكي، في محاكاة واقعية لم يكن الوصول إليها ممكناً من قبل.

خالد الأمير يشرح طريقة عمل محلول غسل الكعبة (الشرق الأوسط)

الشم... أسرار الطيب

تأخذ الرحلة منحى مختلفاً عند حاسة الشم؛ حيث يكشف خالد الأمير من الهيئة العامة للعناية في شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أسرار الطيب المستخدم في غسل الكعبة المشرفة وتعطير الحرمين الشريفين.

يوضح الأمير أن الطيب المستخدم يتكون من ماء زمزم، ودهن الورد ودهن العود، وهي خلطة خاصة تُحضَّر بنسب دقيقة يشرف عليها فريق متخصص.

ويشير إلى أن التطييب يتم خمس مرات يومياً قبل الصلوات، في حين يتراوح استهلاك البخور بين 800 غرام وكيلوغرام يومياً، ويصل في يوم الجمعة إلى نحو كيلوغرامين، مع مضاعفة الكميات في المواسم تحديداً في شهر رمضان وموسم الحج.

التبخير في الحرمين الشريفين (الشرق الأوسط)

ويعرّف الجناح الزوار بالأدوات التقليدية والحديثة المستخدمة في التعطير، وبكيفية الحفاظ على نقاء الخلطات، والطريقة المخصصة لكل من الحجر الأسود، والركن اليماني، والملتزم، وسائر أرجاء المسجد الحرام.

تُختتم الجولة بحاسة التذوق، عبر التعريف بخدمتين ارتبطتا بضيافة الحرمين الشريفين: ماء زمزم في مكة، وتمر العجوة في المسجد النبوي.

ويكشف الجناح تفاصيل دقيقة عن بئر زمزم: عمق البئر 30.5 متر، والعيون الرئيسية عند عمق 12.8 متر، وخطوط الشفط عند 8 أمتار، والإنتاجية بين 11 و18 لتراً في الثانية، والمسافة بين البئر والكعبة 21 متراً.

بئر زمزم (الشرق الأوسط)

ويتعرّف الزائر إلى رحلة الماء من البئر إلى منطقة كُدي، ثم إلى مصنع الملك عبد الله لعبوات زمزم؛ حيث تُعبّأ العبوة ذات الـ330 مل عبر خطوط تشغيل متواصلة على مدار الساعة.

أما إلى المسجد النبوي، فيُنقل زمزم عبر شاحنات مخصصة لا تُفتح حمولتها إلا داخل الحرم النبوي من قبل فرق مختصة، حفاظاً على نقاء الماء وجودته.

محراب المسجد النبوي ثلاثي الأبعاد (الشرق الأوسط)

خلال هذه الجولة، يدرك الزائر أن ما يعيشه في الحرمين من انسجام روحاني وراحة حسية ليس وليد المصادفة، بل ثمرة عمل عميق ودقيق يمتد عبر الزمن. إنها تجربة لا تكشف الحواس فقط بل تكشف ما وراء الحرمين، وما يقف خلف قدسية المكان من جهد بشري وهندسي ومعرفي يجعل الرحلة الروحية أكثر اكتمالاً وجمالاً.


مقالات ذات صلة

خادم الحرمين وولي العهد يُعزيان الحاكمة العامة لكندا في حادثة إطلاق نار بمدرسة

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين وولي العهد يُعزيان الحاكمة العامة لكندا في حادثة إطلاق نار بمدرسة

بعث خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد، برقيتي عزاء للحاكمة العامة لكندا في حادثة إطلاق نار في مدرسة غرب كندا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير سيرغي لافروف (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يتلقى رسالة من نظيره الروسي

تلقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان رسالة خطية من نظيره الروسي سيرغي لافروف، تتصل بعلاقات البلدين، وسبل دعمها وتعزيزها في المجالات كافة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج يسلّط مؤتمر «مبادرة القدرات البشرية» الضوء على التواصل والتفكّر والابتكار (واس)

الرياض تستضيف «مؤتمر مبادرة القدرات البشرية» الثالث في مايو المقبل

ينظم برنامج «تنمية القدرات البشرية» النسخة الثالثة من مؤتمر «مبادرة القدرات البشرية (HCI)» تحت شعار «The Human Code»، يومي 3 و4 مايو 2026، في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال وزير الصحة يكرم الفائزين بجوائز نموذج الرعاية السعودي 2026

وزير الصحة يكرم الفائزين بجوائز نموذج الرعاية السعودي 2026

توج وزير الصحة رئيس مجلس إدارة «الصحة القابضة» فهد الجلاجل، راعي ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026، الفائزين بجوائز الملتقى الذي تنظمه الشركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.