عصر «الفاشية التقنية» بدأ... لكنه لم ينتصر بعد

الباحث الأميركي غاري ماركوس يحذّر من الانجراف الهادئ نحو شكل جديد للسلطة

غاري إف. ماركوس
غاري إف. ماركوس
TT

عصر «الفاشية التقنية» بدأ... لكنه لم ينتصر بعد

غاري إف. ماركوس
غاري إف. ماركوس

في عام 1922، عندما صعد موسوليني إلى السلطة في إيطاليا، كانت الفاشية تبدو لأوّل وهلة مشروعاً لاستعادة النظام بعد فوضى الحرب العالمية الأولى؛ لكنها سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي: سيطرة مطلقة باسم المصلحة العامة. اليوم، وبعد قرنٍ كامل، يعود السؤال ذاته بثوب جديد: هل نحن على أعتاب فاشية أخرى؛ «فاشية رقمية» تتغذّى من الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟

قد يبدو السؤال مبالغاً فيه؛ لكنّ نظرة واحدة إلى ما يحدث في «وادي السيليكون» تكفي لتولّد أعلى أشكال القلق. الشركات العملاقة، التي كانت تُبشّرُ بحرية الوصول إلى المعرفة إلى حدود تنشأ معها مشاعية معرفية مجانية، باتت هي ذاتها تتحكم في المعرفة؛ صناعةً ومناقلةً وترويجاً لما يرادُ وما لا يرادُ، والمنصّات التي رفعت شعار «تمكين الأفراد معرفياً» أصبحت تحدّدُ ما نقرأه، وما نعرفه؛ بل وحتى ما نعتقده.

في كتابه الأخير «ترويض وادي السيليكون (Taming Silicon Valley)»، المنشور أواخر عام 2024، يحذّر الباحث الأميركي غاري إف. ماركوس (Gary F. Marcus)، (وهو مختصٌّ في علم النفس واللغويات والذكاء الاصطناعي، ويعمل أستاذاً في جامعة نيويورك، وله كثير من الكتب المهمّة في هذه المجالات) من تبعات هذا الانجراف الهادئ نحو شكل جديد من السلطة... ليست سلطة عسكرية ولا آيديولوجية؛ بل «سلطة رقمية» تُمارَسُ من وراء الشاشات. يعتقدُ ماركوس أنّ الذكاء الاصطناعي - كما يُمارَسُ اليوم - لم يعُدْ محض علم أو أداة أو ثورة تقنية جديدة؛ بل صار نظاماً اجتماعياً واقتصادياً متكاملاً يصوغ سلوك البشر ويعيد تشكيل المؤسسات والمجتمعات. إنّه عصر نهضة جديدة بكلّ المقاييس والاعتبارات.

يؤكّدُ ماركوس في كتابه أنّنا نشهدُ اليوم انتقالة جذرية من «الفاشية الكلاسيكية» إلى «الفاشية التقنية (Techno-Fascism)». «الفاشية القديمة» كانت تعتمد على السيطرة المادية: الشرطة، والجيوش، والإعلام الموجّه، والخطابة. أما «الفاشية التقنية» فتعمل بطريقة أعلى أناقةً، وأشد خبثاً في الوقت ذاته. إنها لا تفرض عليك ما تفعل؛ بل تدفعك إلى فعله دون أن تدري.

حين تقترح عليك الخوارزمية ما «قد يعجبك»، فإنها في الحقيقة لا «تقترح»، بل توجّهك، وحين تجمع البيانات عنك لـ«تخصيص تجربتك»، فإنّها في الواقع تكتب سيرتك النفسية بدقةٍ تفوق ما تعرفه أنت عن نفسك. نحنُ نعيش لحظة مفارقة: لم يَعُد الإنسان يواجه الاستبداد في الشوارع؛ بل في جيبه: في هاتفه، في ساعته الذكية، وفي كومبيوتره اللوحي أو المحمول. الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد أداة للراحة أو الكفاءة؛ بل تحول إلى جهازٍ سياسي بامتياز: كلّما زادت قدرته على التنبؤ، زادت قدرة مالكيه على التحكّم فينا.

ماركوس يسمّي هذا الوضع «اختطاف المستقبل»؛ إذ يرى أنّ حفنة من الشركات - بقيادة أباطرة التقنية الرقمية: «غوغل»، و«ميتا»، و«مايكروسوفت»، و«أوبن إيه آي (Open AI)» - تمسك اليوم بالمفاتيح الجوهرية للمستقبل البشري على مستويات اللغة، والمعرفة، والقرار. هذه الشركات لا تمثّلُ «السوق الحرة» كما تدّعي؛ بل تمثلُ نوعاً من «الاحتكار العقلي العالمي». يصف ماركوس «الأباطرة الرقميين» بأنّهم «الفاشيون الجدد»: «نخبة الخوارزميات». ويمضي في الإيضاح بقوله إنّ «الفاشي القديم» كان يرفع شعارات القوة والوحدة القومية؛ أما «الفاشي الجديد» فهو يرتدي قميصاً رمادياً ويحمل بطاقة موظف في «وادي السيليكون»... إنه مبرمِج، أو مدير منتج، أو مستثمر مغامر؛ لكنّه في كلّ أشكاله الوظيفية يعتقد أنّه يصنع المستقبل؛ غير أنّه في الواقع يعيد صياغة الحاضر على صورته الخاصة.

يصف ماركوس «الأباطرة التقنيين» بأنّهم «الكهنة الجُدُد» الذين يملكون أسرار «الكود (Code)» والمعرفة التقنية... هم مَنْ يقرّرون شكل الذكاء الاصطناعي، والقيود المفروضة عليه، وما إذا كان يجب أن يخضع للرقابة أم لا. بهذا المعنى نحن أمام طبقة جديدة؛ طبقة من «الفاشيين التقنيين» الذين لا يحتاجون إلى رفع شعارات أو استعراض عضلات، يكفيهم أن يملكوا البنية التحتية الرقمية للعالم. يصف ماركوس الأمر بطريقة درامية مثيرة حينما يوردُ في كتابه أنّ «وادي السيليكون» استحال إلى ما يشبه «الفاتيكان الجديد للتقنية»: يملك العقيدة (الذكاء الاصطناعي)، والطقوس (الكود)، والمؤمنين (المُسْتَخْدِمين)، والقدّيسين الجُدُد (روّاد الأعمال)... لكنْ بخلاف الفاتيكان؛ لا يخضع أحدٌ فيه للمساءلة الأخلاقية.

ماركوس يرى أن هذه «اللامساءلة» هي جوهر الخطر؛ فحين تصبح الخوارزميات أذكى من البشر، ويُرفَعُ شعار «الثقة بالتقنية»، فمن ذا الذي بمستطاعه تقديم ضمانة مؤكّدة أو مقبولة بأنّ التقنية نفسها لا تنزلق إلى «فاشية خفية»؟

تعمل «الفاشية التقنية» بواسطة الوسائل التقنية الناعمة والأنيقة... ما يميّزُ «الفاشية التقنية» هو أنها لا تأتي بالبنادق، بل عبر «الواجهات الحاسوبية».

هي لا تمنعك من الكلام، بل تغرقك بالضجيج حتى لا تعود تعرف ما تقول.

هي فاشية لا تحتاج إلى الرعب، بل إلى الإدمان.

في هذا العالم تُصبح البيانات بديلاً للدم، والخوارزميات بديلاً للقوانين.

حين يقرر الذكاء الاصطناعي من يُوظَّفُ، ومن يُقصى، ومن يُراقَبُ، فإننا نعيش بالفعل شكلاً من أشكال «الحكم التقني (Technocracy)» الذي قد يتحول بسهولة إلى «فاشية» حين تُرفَعُ عنه الضوابط الأخلاقية والقانونية.

لعلّ من أهمّ ما ورد في كتاب ماركوس أنّه يقدّمُ قائمة من «12 خطراً فورياً» لـ«الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)»: من نشرِ المعلومات المضلّلة، إلى فقدان السيطرة على المحتوى، ومن تشويه الحقيقة إلى الترويج لأنساق آيديولوجية مشخّصة دون سواها؛ لكن خلف هذه المخاطر التقنية يكمن خطر أعمق: تحويل «الإنسان» نفسه إلى «بيانات قابلة للمعالجة».

حين يُختزَلُ الوعيُ إلى خوارزمية، والمشاعرُ أنماطاً، والعلاقاتُ إلى إشعارات، نكون قد دخلنا فعلاً «عصر ما بعد الإنسان»؛ العصر الذي تكتب فيه الآلة ميثاق الإنسانية من جديد.

«الفاشية القديمة» كانت تعتمد على السيطرة المادية: الشرطة والجيوش والإعلام الموجّه والخطابة... أما «الفاشية التقنية» فتعمل بطريقة أعلى أناقةً وأشد خبثاً

> عنوان كتاب ماركوس «ترويض وادي السيليكون» يبدو أقرب إلى صيحة استغاثة، منه إلى اقتراح أكاديمي. إنه يدعو إلى استعادة السلطة الأخلاقية من أيدي الشركات التقنية عبر سياسات واضحة للشفافية والمساءلة وحقوق البيانات. الأهمّ من ذلك أنه يدعو إلى وعي جماعي؛ فالتقنية لا تُروَّضُ بالقوانين وحدها، بل بوعي الناس الذين يستخدمونها. المسألة ليست حرباً بين البشر والآلات؛ بل بين مجتمعات بشرية تؤمن بالإنسان، ونُخب تقنية تؤمن بالفائقية التقنية حدّ جعلها الآيديولوجيا الحاكمة للعصر المقبل. ماركوس يذكّرُنا بأنّ السؤال لم يَعُدْ: «هل يمكننا تطوير ذكاء يفوق البشر؟»، بل: «هل يمكننا تطويرُ ذكاء يخدم البشر؟». «الفاشية التقنية» تبدأ حين نخلط بين الذكاء والسلطة، وبين الكفاءة والعدالة، وبين المعلومة والحقيقة.

> نحن عند خطّ الشروع فقط، ولم نشهد تغوّل عصر «الفاشية التقنية» بعدُ. يؤكّدُ ماركوس أنّ الذين يظنون أننا في منتصف الطريق يخطئون التقدير: نحن في البداية فقط. «الفاشية التقنية» ليست مشروعاً معلناً، بل تحوّل زاحف يحدث بصمت. كل تحديث جديد؛ كل تطبيقٍ «مجاني»، كل ميزة «مخصصة لك»، إنّما هي خطوة صغيرة في طريق بناء نظام شامل من المراقبة والضبط الناعم في «إمبراطورية الفاشية التقنية».

> لكنّ هذا المستقبل ليس قدَراً محتوماً لا مفرّ من مواجهته... يكتب ماركوس في خاتمة كتابه: «لم يزلْ لدينا خيار. يمكننا أن نعيد رسم العلاقة بين التقنية والمجتمع، شريطة أن نعترف أولاً بأننا فقدنا السيطرة». ترويض «وادي السيليكون» لا يعني كراهية التقنية، بل تحريرها من عبادة السوق، وألا تتحول القيم إلى كُود، وألا يتحول الإنسان إلى متغيرٍ في معادلة إحصائية.

> «الخوارزميات الحاسوبية» في عصرنا هذا هي التي تُسيّر العقول. نعم، قد لا نسمع خطاباً فاشياً صاخباً؛ لكننا نعيش ضمن نظامٍ يحدّد ما نراه وما نفكّرُ فيه وما نرغب به. «الفاشية التقنية» ليست ضجيجاً، بل صمتٌ منظمٌّ ومبرمَج. مقاومة هذا الشكل الجديد من السيطرة لا تكون بالهروب من التقنية، بل بفهمها، وتملكها، ومساءلتها. علينا أن نتذكّر أنّ كل خوارزمية كتبها إنسانٌ يمكن تغييرها. لكن أول خطوة في المقاومة هي الاعتراف بالحقيقة: «عصر الفاشية التقنية» قد بدأ؛ لكنه لم ينتصر بعد.


مقالات ذات صلة

في استحالة «حي بن يقظان»

ثقافة وفنون في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته.

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود.

«الشرق الأوسط» (برلين)
كتب سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن...

د. رشيد العناني
كتب تي. إس. إليوت

دفاع عن العاطفة

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة».

د. ماهر شفيق فريد
كتب طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن

«الشرق الأوسط» (لندن)

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت
TT

دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».

هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.

يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

تشارلز ديكنز

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.

وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.

ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.

إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.

ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.

وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.

وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.

وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.

كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».

ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.

ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.


طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً
TT

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن التشكيليّ السوريّ والعربيّ، ويعيد بناء عالمه الإنسانيّ والفنيّ عبر مقاربة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل والأسئلة الوجودية.

تتخذ الرواية من الساعات الأخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطلاق لسرد يتنقل بين محطات متعددة من حياته، مستحضراً طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. ومن خلال هذا البناء، تتحول الذاكرة إلى فضاء رحب تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية.

تأتي أهمية هذا العمل من اقترابه من شخصية فنية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعمال لؤي كيالي تحظى بحضور واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما انطوت عليه من حساسية إنسانية عالية وقدرة على التقاط وجوه المهمشين والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية.

ولا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي بقدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة الإنسانية التي ترافق الإبداع حين يصبح وسيلة لرؤية ما يغفل عنه الآخرون. ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من الأسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الفن، والعزلة، والهشاشة الإنسانية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم مثقل بالتحولات والخيبات.

ويستفيد معلّا من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعداً بصرياً واضحاً، حيث تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء والظلّ واللون، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية. كما تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، ضمن حوارات ومواقف تضيء جوانب من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية في القرن العشرين.

وتكشف الرواية عن اهتمام خاص بالعلاقة بين الفنان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وبالأثر الذي تتركه الأحكام النقدية والتوقعات العامة على المبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الفردية لتتحول إلى نافذة للتأمل في مصير الفنان العربي، وفي التوتر المستمر بين الصدق الفني ومتطلبات الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.

وعلى الرغم من استناد الرواية إلى شخصية واقعية معروفة، فإنها تتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية خاصة، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى إعادة تخيل حياة لؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بين المعرفة الفنية والاشتغال السردي.

تضع «ذاكرة النار» تجربة لؤي كيالي أمام جيل جديد من القرّاء، وتعيد فتح النقاش حول واحد من أكثر الفنانين السوريين تأثيراً وإثارة للأسئلة، في رواية تمنح الفن موقعاً مركزياً في مساءلة الإنسان ومصيره وعلاقته بالعالم.

وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى المدن والأمكنة والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحولات كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة.

جاءت الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الراحل لؤي كيالي.