انتخابات العراق: صناديق الاقتراع ترسم مستقبل الاقتصاد لا البرلمان فقط

الحكومة المقبلة أمام ضغط تنفيذ «جراحة إصلاحية» عاجلة وإنقاذ البلد من عبء النفط

ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

انتخابات العراق: صناديق الاقتراع ترسم مستقبل الاقتصاد لا البرلمان فقط

ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)
ناخبة عراقية تحمل طفلها حاملاً علم البلاد في مركز اقتراع بمدينة البصرة الجنوبية (أ.ف.ب)

توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمانهم السادس، يوم الثلاثاء، في انتخابات تتجاوز أهميتها الإطار السياسي لترسم مصير الاقتصاد الوطني العالق عند مفترق طرق حرج.

ففي الوقت الذي يسود فيه استقرار داخلي نسبي، تُظهر تقارير المؤسسات المالية الدولية أن العراق يواجه تحديات هيكلية عميقة. وتجد الحكومة المقبلة التي ستنبثق عن هذا الاستحقاق، نفسها أمام مهمة عاجلة وحاسمة: إطلاق إصلاحات مالية شاملة للحد من تزايد خطر الدين العام وتباطؤ النمو غير النفطي، في مواجهة مؤشرات متصاعدة للهشاشة الاقتصادية.

قبيل الانتخابات، تعهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بإجراء إصلاحات كبرى في حال فوزه بولاية ثانية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب «عمليات جراحية» لخفض عجز الموازنة وزيادة الإيرادات غير النفطية.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يصل للإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية في مركز اقتراع في بغداد (إ.ب.أ)

واعترف السوداني بأنه أضاف نحو 700 ألف وظيفة إلى الجدول العام خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك في محاولة «لكسب بعض الوقت» وتجنب تكرار الاضطرابات الشعبية التي حدثت في 2019. وقد أدى هذا التوسع إلى تضخم عدد موظفي الدولة إلى 4 ملايين شخص، مع اعتماد ما يقرب من 90 في المائة من الإنفاق العام على الرواتب والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، وفق «بلومبرغ».

وأكد رئيس الوزراء عزمه على تغيير هذا المسار من خلال إعادة توجيه الشباب، الذين يمثلون نحو 60 في المائة من السكان، نحو القطاع الخاص عبر تبسيط اللوائح لجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات حيوية مثل الصناعة والسياحة والزراعة، كما تحدث عن منح شركات النفط والغاز الأميركية شروطاً «تفضيلية» لتطوير قطاع الهيدروكربونات.

عبء النفط والإنفاق

تُعدّ الاستدامة المالية هي التحدي الأبرز الذي يواجه العراق، وهو نتاج الاعتماد المفرط على النفط وسياسات الإنفاق غير المستدامة:

  • الاعتماد المفرط: حتى عام 2025، لا تزال إيرادات الحكومة العراقية تأتي بشكل ساحق من النفط، حيث تشكل أكثر من 90 في المائة من إجمالي الدخل. هذا الواقع يجعل البلاد عرضة للغاية لصدمات الأسعار العالمية وقرارات مجموعة «أوبك بلس».
  • فاتورة الأجور «المقدسة»: بدلاً من التنويع، وسعت الحكومة فاتورة الأجور والمعاشات العامة، التي شكلت أكثر من 60 في المائة من الموازنة الفيدرالية لعام 2024. وتُعد هذه النفقات «مقدسة» في العراق، ما يجعل خفضها صعباً للغاية سياسياً. وأدت ضخامة فاتورة الأجور الحكومية وتراجع إيرادات النفط إلى خلق عجز مالي كبير في عامي 2024 و 2025.
  • تآكل الاحتياطيات وإهمال الاستثمار: تعتمد الحكومة تاريخياً على السحب من الاحتياطيات الأجنبية لإدارة النقص المالي، ما يضعف الاستقرار على المدى الطويل... كما يتم خفض الإنفاق الرأسمالي والتنموي، الضروري للتنويع الاقتصادي، لإعطاء الأولوية للرواتب.

ناخب عراقي يُتحقق من بصمات أصابعه في مركز اقتراع بالناصرية محافظة ذي قار جنوب العراق (أ.ف.ب)

ونتيجة لذلك، ارتفع سعر النفط اللازم لتوازن الموازنة بشكل مقلق، ليصل إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024، مقارنة بـ54 دولاراً في 2020، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. ومع انخفاض سعر خام برنت إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل في 2025، يواجه العراق ضائقة مالية قد تهدد دفع أجور الموظفين والمتقاعدين، كما حدث في 2020.

ومع توقعات الصندوق بتراجع متوسط سعر برميل النفط إلى ما دون 66 دولاراً في 2025، فإن التوقعات تشير إلى اتساع العجز المالي وارتفاع الدين الحكومي الإجمالي إلى 62.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026 ما لم يتم اتخاذ إجراءات فورية.

تباطؤ القطاع غير النفطي وتحديات النمو

عانى القطاع غير النفطي، وهو مفتاح تنويع الاقتصاد، من تباطؤ حاد، حيث انخفض نموه من 13.8 في المائة في 2023 إلى 2.5 في المائة في 2024، متأثراً بتقلص الاستثمار العام والقيود التمويلية. ويُتوقع أن تستمر هذه القيود في الضغط على النشاط الاقتصادي.

وتتفاقم المشكلة بسبب الهشاشات الهيكلية المتأصلة، مثل الفساد المستشري، وضعف الحوكمة، وأزمة الكهرباء المزمنة، التي تشكل عائقاً كبيراً أمام الإنتاجية وتطور القطاع الخاص. كما أن القطاع المصرفي لا يزال يعاني من ضعف، حيث يتطلب خطة شاملة لإعادة هيكلة البنوك الحكومية ومعالجة القروض المتعثرة.

أجندة الإصلاحات الضرورية على المدى القصير والمتوسط

من الواضح أن الحكومة المقبلة أمامها أجندة إصلاحات لا يمكن تأجيلها. على المدى القصير جداً، يجب على السلطات مراجعة خطط الإنفاق لعام 2025 وتجميد أو تأجيل جميع النفقات غير الضرورية لاحتواء مخاطر السيولة. وعلى المدى المتوسط، فإن تحقيق الاستقرار في الدين يتطلب تعديلاً مالياً إضافياً يتراوح بين 1 و 1.5 في المائة من الناتج المحلي غير النفطي سنوياً.

تتركز الإصلاحات المقترحة حول مسارين:

  • الإيرادات: تعزيز إدارة الضرائب والرسوم الجمركية، وإصلاح ضريبة الدخل (مثل الحد من الإعفاءات)، وإمكانية إدخال ضريبة مبيعات عامة.
  • الإنفاق: إصلاح شامل لفاتورة الأجور عبر الحد من التوظيف الحكومي الإلزامي، وإصلاح نظام التقاعد (مثل رفع سن التقاعد)، وتحسين استهداف شبكات الأمان الاجتماعي.

ويهدف تنفيذ هذه الإصلاحات إلى توفير حيز مالي لحماية الإنفاق الرأسمالي الحيوي، خاصة في قطاعات البنية التحتية للنقل والطاقة، التي تعد ضرورية لتنويع الاقتصاد.

أشخاص يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع خلال الانتخابات البرلمانية بكركوك (رويترز)

موازنة 2026

كذلك، فإن تشكيل الحكومة الجديدة سيواجه اختباراً فورياً يتمثل في ضرورة تمرير موازنة 2026 في ظل توقعات بأسعار نفط أقل من سعر التعادل. وفيما بدأت بعض الشركات الدولية الكبرى مثل «إكسون موبيل» بالعودة، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يزال يراوح مكانه، حيث تُحجم دول الخليج والمستثمرون الأجانب عن التوسع الكامل بسبب النفوذ الإقليمي والشكاوى المتكررة من تدخل المقاولين المرتبطين بجهات مسلحة في المشاريع.

ويؤكد الخبراء أن الاستقرار الحقيقي يتطلب أكثر من «واجهة استقرار مؤقتة»، بل يتطلب إصلاحات حقيقية في الحوكمة ومكافحة الفساد لتوفير بيئة جاذبة للاستثمار الخاص الذي يحتاج إليه العراق بشدة.

خلاصة القول أن التحدي الذي يواجه الحكومة العراقية الجديدة يتجاوز التوافق السياسي إلى مهمة اقتصادية وجودية: فإما أن يبدأ العراق فوراً مسار «الجراحة الإصلاحية» الصعبة لتقليل اعتماده الخطير على النفط، وتخفيف عبء فاتورة الأجور الضخمة، أو أن يبقى عرضة لصدمات السوق العالمية التي تهدد قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه مواطنيه. وفي ظل توقعات بارتفاع الدين وضرورة تمرير موازنة 2026 في بيئة نفطية غير مستقرة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية غير مسبوقة لتحويل تعهدات الإصلاح إلى واقع يضمن الاستقرار الاقتصادي الطويل الأمد للعراقيين.


مقالات ذات صلة

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية المصري محمد شريف يحتفل بهدف الزوراء في مرمى قطر (نادي الزوراء)

«أبطال الخليج»: المصري شريف يسجل... والزوراء يتعادل مع قطر

تعادل نادي قطر بصعوبة مع ضيفه الزوراء العراقي بنتيجة 1 - 1 الثلاثاء، في افتتاح مشوار الفريقين بدوري أبطال الخليج لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية فرحة لاعبي الشرطة بالتسجيل في مرمى إيست بنغال (الاتحاد الآسيوي)

«أبطال آسيا 2»: الشرطة العراقي يفوز في الهند

واصل فريق الشرطة العراقي انطلاقته القوية في دور المجموعات من بطولة دوري أبطال آسيا الثاني، ليفوز خارج ملعبه على مضيّفه الهندي إيست بنغال.

«الشرق الأوسط» (كالكوتا (الهند))

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
TT

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)

توقّع صندوق النقد الدولي تعافي اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان إلى نمو بنسبة 6.6 في المائة في عام 2027، بعد انكماش متوقع بنسبة 1.3 في المائة في العام الحالي، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط واضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة، التي خلّفت آثاراً متفاوتة بين دول المنطقة.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن الاقتصادات المتأثرة مباشرة بالنزاع تواجه ضغوطاً شديدة، في حين أظهرت اقتصادات أخرى في المنطقة، إلى جانب معظم دول القوقاز وآسيا الوسطى، قدرة أكبر على الصمود. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الدول على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وتأتي التوقعات بعد نمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المتوقعة خلال العام الحالي، قبل ارتداد قوي في العام المقبل. غير أن أزعور أكد أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين اقتصادات المنطقة، وأن التعافي لن يكون متساوياً بين الدول.

تفاوت بين مصدّري النفط ومستورديه

وأوضح أزعور أن الدول المصدّرة للنفط التي تأثرت مباشرة باضطرابات الطاقة والتجارة ستواجه انكماشاً ملحوظاً في 2026، رغم أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم لأوضاعها المالية والخارجية. ومن المتوقع أن يقود التعافي التدريجي في الإنتاج والتجارة إلى انتعاش قوي في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، إلا أن مستويات الإنتاج ستظل دون المسار الذي كان متوقعاً قبل اندلاع النزاع.

في المقابل، حافظ النشاط الاقتصادي في الدول المستوردة للنفط ضمن المنطقة على قدر من المرونة خلال 2026، ومن المتوقع أن يستمر ذلك. وأسهمت تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة والأوضاع المالية الميسّرة والدعم الحكومي في الحد من الأثر الفوري للصدمة، وإن كانت الهوامش المتاحة أمام السياسات الاقتصادية تتقلص.

وتوقّع الصندوق ارتفاعاً معتدلاً في التضخم لدى هذه الاقتصادات خلال 2026، قبل أن يتراجع تدريجياً في الفترة اللاحقة.

سفينة شحن الحاويات «هوي فا» التي ترفع العلم الصيني تمر عبر خليج عمان قبالة سواحل خور فكان في إمارة الشارقة (أ.ف.ب)

مخزونات أقل ومخاطر أكبر

وأشار أزعور إلى أن أثر صدمة الطاقة كان أقل حدة مما أوحت به التقديرات الأولية، بفضل الفوائض المتراكمة قبل الحرب، وإنتاج الدول غير الخليجية، وطرق النقل البديلة، وتكيّف الطلب، والسحب من المخزونات. لكنه حذّر من أن هذه العوامل وفّرت وقتاً للتكيّف، من دون أن تكون موارد مستدامة، إذ تراجعت المخزونات المتاحة وضاقت الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لارتفاعات أكبر في الأسعار إذا تجددت الاضطرابات.

وعدّ استمرار الحرب لفترة أطول الخطر الأبرز على التوقعات، محذراً من أن أي اضطرابات إضافية في إنتاج الطاقة أو طرق الشحن أو البنية التحتية الحيوية ستضعف النشاط الاقتصادي لدى مصدّري النفط في الخليج، وتزيد الضغوط التضخمية، وتفاقم الضغوط على الأوضاع المالية والخارجية في أنحاء المنطقة.

كما حذّر من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظل الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظل اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

دعوة إلى دعم موجّه وإعادة بناء الهوامش المالية

ودعا أزعور صانعي السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار والاستدامة المالية، مع استخدام السياسة النقدية خط الدفاع الأول عند ظهور ضغوط تضخمية، وتكاملها مع سياسة مالية حصيفة، ولا سيما في الدول محدودة الموارد المالية.

وشدّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية، محذراً من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، ومفضّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحافظ على كلفة التدخل ضمن حدود الموازنات.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة. ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي الكامل في 22 أكتوبر (تشرين الأول) في دبي، متضمناً تقييماً أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية وأولويات السياسات.


صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)

توقّع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا العام المقبل، محذّراً من مخاطر متزايدة ناجمة عن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، واحتمال تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي، وانتقال تداعيات ارتفاع عوائد السندات العالمية إلى الأسواق الآسيوية.

وقال الصندوق، في تقرير عن آفاق منطقة آسيا والمحيط الهادئ صدر الخميس خلال اجتماعاته السنوية في بانكوك، إن الغموض المحيط بمسار السياسة النقدية الأميركية قد يبقي الأسواق المالية الآسيوية عرضة للتقلبات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال.

وأشار التقرير إلى أن أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال أصبحت أكثر تقلباً منذ صدمة الطاقة هذا العام، مع تعرض عملات عدد من الاقتصادات الناشئة لضغوط انخفاض القيمة. ورغم استمرار متانة تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة عموماً، تزامنت هذه التدفقات مع خروج بعض الاستثمارات من محافظ مالية، بما في ذلك أسهم التكنولوجيا الكورية الجنوبية.

ورجّح الصندوق أن ينمو اقتصاد آسيا بنسبة 4.8 في المائة في 2026 و4.4 في المائة في 2027، وهي توقعات أعلى من تقديراته الصادرة في أبريل (نيسان)، لكنها تعكس تباطؤاً مقارنة بنمو بلغ 5 في المائة في 2025.

وعزا الصندوق رفع توقعاته جزئياً إلى استفادة الاقتصادات الآسيوية المتقدمة من طفرة الذكاء الاصطناعي، متوقعاً تسارع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة العام الماضي. في المقابل، يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة، مقارنة بـ5.6 في المائة في 2025، بفعل أثر ارتفاع أسعار الطاقة.

وحذّر التقرير من أن المخاطر المحيطة بآفاق النمو تميل إلى الجانب السلبي، خصوصاً إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة ويستنزف الاحتياطيات النفطية. كما أن أي تراجع في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يضغط على النمو العالمي، مع احتمال أن تكون تداعياته أشد في آسيا بسبب انكشافها الكبير على سلاسل إنتاج هذه التقنيات.

ضغوط على عوائد السندات والمالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع العوائد العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد تنتقل تداعياته إلى أسواق السندات الآسيوية، وترفع تكاليف الاقتراض وتفاقم مواطن الضعف في المالية العامة.

وقال التقرير إن ارتفاع الدين العام واحتياجات الاقتراض في أجزاء واسعة من المنطقة يجعلان الأوضاع المالية أكثر عرضة للتشدد المفاجئ، الذي قد يزيد أعباء خدمة الدين ويضغط على الموازنات الحكومية.

وفي إحاطة صحافية، شدّد كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، على ضرورة استمرار تركيز البنوك المركزية على استقرار الأسعار، رغم بقاء توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة إلى حد كبير في المنطقة.

وقال إن على البنوك المركزية التواصل بوضوح والاستعداد لتشديد السياسة النقدية عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً، أو الأطر النقدية أقل مصداقية، أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مؤكداً ضرورة الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

وأضاف سرينيفاسان أن بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل الجائحة يحدّ من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق. ودعا إلى أن تكون التدابير المالية محددة الأهداف ومؤقتة، محذّراً من اللجوء إلى دعم شامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب عليهما من تكاليف أعلى.


موجة بيع لأسهم التكنولوجيا تهبط بالبورصات الآسيوية مع تصاعد مخاوف التضخم

متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
TT

موجة بيع لأسهم التكنولوجيا تهبط بالبورصات الآسيوية مع تصاعد مخاوف التضخم

متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)

تراجعت أسواق الأسهم الآسيوية بقوة، الخميس، مع تعمّق موجة البيع في أسهم التكنولوجيا، خصوصاً في كوريا الجنوبية واليابان، بعدما هبطت الأسهم الأميركية في الجلسة السابقة إثر بيانات تضخم تجاوزت التوقعات، فيما واصلت عوائد السندات المرتفعة الضغط على الأسواق.

وهبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي 8 في المائة إلى 5527.12 نقطة، فيما تراجع بأكثر من 16 في المائة خلال الشهر الماضي، مبتعداً عن مستوى 9 آلاف نقطة الذي تجاوزه في يونيو (حزيران)، عندما بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق مدفوعاً بالتفاؤل حيال طفرة الذكاء الاصطناعي عالمياً.

وتصدرت أسهم التكنولوجيا الخسائر، إذ انخفض سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 9.7 في المائة، وهوى سهم «إس كيه هاينكس»، المتخصصة في صناعة رقائق الذاكرة، 11.1 في المائة.

وفي اليابان، هبط مؤشر «نيكي 225» بنسبة 5 في المائة إلى 64334.68 نقطة. وتراجع سهم مجموعة «سوفت بنك»، المستثمر في «أوبن إيه آي»، 9.6 في المائة، بينما انخفض سهم «طوكيو إلكترون»، المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق، 7.5 في المائة، وتراجع سهم «كيوكسيا هولدينغز» لصناعة رقائق الذاكرة 11.2 في المائة.

كما انخفض مؤشر «تايكس» التايواني 3.4 في المائة، بينما تراجع سهم «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (تي إس إم سي) 1.8 في المائة قبيل إعلان نتائج الشركة. وفي هونغ كونغ، هبط مؤشر «هانغ سينغ» 1.3 في المائة إلى 24009.28 نقطة، وتراجع مؤشر «شنغهاي المركب» 2 في المائة إلى 3692.65 نقطة. أما مؤشر «إس آند بي/إيه إس إكس 200» الأسترالي فانخفض 0.2 في المائة إلى 8710.20 نقطة.

وجاءت الخسائر الآسيوية بعد تراجع «وول ستريت» الأربعاء، إذ انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة، وتراجع «داو جونز» الصناعي 0.1 في المائة، فيما هبط مؤشر «ناسداك» المجمع، المثقل بأسهم التكنولوجيا، 1.9 في المائة. وانخفض سهم «إنفيديا» 3.2 في المائة، و«برودكوم» 3.1 في المائة، و«إيه إم دي» 5.7 في المائة.

وزادت بيانات التضخم الأميركية من الضغوط على الأسهم، بعدما أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 3.7 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، مقارنة بـ3.4 في المائة في أغسطس (آب)، وبوتيرة أعلى من توقعات الاقتصاديين.

عوائد السندات

وتواجه الأسواق أيضاً ضغوطاً من ارتفاع عوائد السندات وتقلبات سوق الدين، في ظل مخاوف من استمرار التضخم بفعل صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب تصاعد الدين الحكومي الأميركي.

وتراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5.10 في المائة، بعدما تجاوز لفترة وجيزة 5.32 في المائة الأربعاء. وكان العائد قد بلغ 5.35 في المائة في وقت سابق من الشهر، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002.

وفي أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط مع استمرار الضبابية بشأن الإمدادات العالمية والتوترات في الشرق الأوسط. وانخفض خام برنت، المعيار العالمي، 1.5 في المائة إلى 104.47 دولار للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1 في المائة إلى 94.17 دولار. ورغم الانخفاض، ظلت الأسعار أعلى بكثير من مستوى نحو 72 دولاراً للبرميل المسجل قبل اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير (شباط).