توحيد الجهود العالمية لتطوير علاج جيني آمن وفعّال لفقدان السمع الوراثي

إرشادات طبية جديدة للتعامل مع الطفرات الجينية المسببة له

مشاكل السمع لدى الأطفال تتراوح بين ضعفه وفقدانه بسبب عوامل وراثية
مشاكل السمع لدى الأطفال تتراوح بين ضعفه وفقدانه بسبب عوامل وراثية
TT

توحيد الجهود العالمية لتطوير علاج جيني آمن وفعّال لفقدان السمع الوراثي

مشاكل السمع لدى الأطفال تتراوح بين ضعفه وفقدانه بسبب عوامل وراثية
مشاكل السمع لدى الأطفال تتراوح بين ضعفه وفقدانه بسبب عوامل وراثية

في دراسة جديدة، وضع فريق دولي من العلماء والأطباء أول مجموعة شاملة من الإرشادات لاستخدام العلاج الجيني في علاج فقدان السمع الوراثي في خطوة مهمة نحو تطوير علاجات أكثر أماناً وفاعلية للصمم الناتج عن الطفرات الجينية. وتهدف الدراسة إلى التوصل إلى أول إجماع دولي حول التطبيق السريري للعلاج الجيني لفقدان السمع الوراثي.

فقدان السمع الخلقي

يُعزى ما يصل إلى 60 في المائة من حالات فقدان السمع الخَلقية والمبكرة إلى طفرات جينية موروثة. ومع بروز العلاج الجيني بوصفه وسيلة واعدة لاستعادة السمع من خلال إصلاح الجينات المعطوبة يؤكد الباحثون أهمية وضع معايير عالمية واضحة قبل أن تصبح هذه العلاجات متاحة على نطاق واسع.

وقال الدكتور تشنغ يي تشن من كلية الطب بجامعة هارفارد، وهو أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، إن العلاج الجيني القوقعي يمتلك إمكانات تحولية لعلاج فقدان السمع الوراثي. كما يوفر هذا الإجماع توجيهات أساسية لضمان إجراء التجارب السريرية المستقبلية بأمان وكفاءة خصوصاً في ظل التطور السريع في هذا المجال.

علاج جين يحول الصوت إلى إشارات عصبية

وعلى الرغم من عدم اعتماد أي علاج جيني لفقدان السمع حتى الآن فإن عدة تجارب سريرية تجرى بالفعل في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. وأظهرت النتائج الأكثر وعداً حتى الآن نجاحاً في معالجة الطفرات التي تصيب جين OTOF وهو الجين المسؤول عن تحويل الموجات الصوتية إلى إشارات عصبية يفهمها الدماغ.

ويقوم الباحثون في هذه الدراسات بإيصال نسخة سليمة من الجين إلى الأذن الداخلية باستخدام ناقل فيروسي معدل. وتشير النتائج الأولية إلى أن هذا النهج قد يُعيد السمع جزئياً لدى بعض الأطفال الذين وُلدوا مصابين بالصمم بسبب طفرات في هذا الجين.

ومن دون وجود إجماع موحد قد تؤدي الاختلافات في تصميم التجارب وطرق قياس النتائج إلى صعوبة مقارنة البيانات ودمجها. وبناء على ما قاله الدكتور ييلاي شو من معهد الأنف والأذن والحنجرة جامعة فودان شنغهاي الصين المؤلف المشارك في الدراسة المنشورة في مجلة Med A Cell Press Journal في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2025: «يوفر إطار عملنا نهجاً موحداً لإجراء هذه الدراسات وضمان الاتساق وسلامة المرضى».

وضع المعيار العالمي

وقد استندت الإرشادات الجديدة إلى الأطر الناجحة لعلاجات جينية أخرى مثل الهيموفيليا واضطرابات الشبكية الوراثية، لكنها صُممت خصيصاً لتناسب التحديات الفريدة المرتبطة بتركيب الأذن ووظائف السمع.

أبرز التوصيات

أبرزت الإرشادات الجديدة مجموعة من التوصيات المتكاملة التي تشكّل خريطة طريق للمستقبل بدءاً من:

- اختيار المرضى بعناية عبر التأكد من وجود الطفرات الجينية وتحديد العمر والحالة السمعية الأنسب للمشاركين.

- وضع إجراءات جراحية دقيقة وآمنة تضمن إيصال العلاج إلى القوقعة دون إلحاق ضرر بالبنية السمعية.

- مراقبة السلامة على المدى الطويل عبر متابعة تمتد لخمس سنوات على الأقل لتقييم النتائج وضمان استقرار التحسن.

كما شددت الإرشادات على أهمية تقييم فاعلية العلاج وفق معايير موحدة تشمل تحسن السمع والإدراك الكلامي وجودة الحياة.

وقال الدكتور لورانس لَستيج من قسم طب الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى جامعة كولومبيا بنيويورك، المشارك في الدراسة، إن هذا الإجماع يمثل علامة فارقة في مسيرة العلاج الجيني القوقعي، مؤكداً أنه مع انتقال العلاج الجيني من المفهوم إلى التطبيق العملي من الضروري أن يقوده توازن دقيق بين الأمان والصرامة العلمية وروح التعاون.

نهج يركز على المريض

يرى الخبراء أن هذه الإرشادات لا تقتصر على العلماء فحسب، بل تهدف إلى خدمة منظومة متكاملة تشمل الأطباء والهيئات التنظيمية والمستشفيات ولجان الأخلاقيات والمتخصصين في إعادة التأهيل بما يضمن تطبيق العلاج الجيني لفقدان السمع بأعلى معايير الأمان والفاعلية. ويؤكد الفريق أهمية تبنّي نهج إنساني يضع المريض في المركز مع احترام التنوع الثقافي واللغوي داخل مجتمع الصم وضعاف السمع. فالعلاج الجيني كما يوضح الباحثون لا يسعى إلى محو هوية الصم أو ثقافتهم بل إلى توفير خيار طبي إضافي للعائلات التي ترغب في الاستفادة من التقدم العلمي لتحسين السمع.

ويشدد الدكتور ييلاي شو على أن القرار النهائي بشأن الخضوع للعلاج يجب أن يكون بيد العائلة الواعية بالمعلومات وأن يُحترم اختيارها أياً كان.

ثورة تجمع بين الدقة العلمية والرحمة الإنسانية

ومع تطور الأبحاث وظهور تقنيات علاجية جديدة يتوقع الفريق تحديث الإرشادات بشكل دوري لتواكب المستجدات العلمية. وفي الوقت الحالي تمثل هذه التوصيات خريطة طريق أساسية لمجالٍ يقف على أعتاب ثورة طبية واعدة في علاج فقدان السمع الوراثي، ثورة تجمع بين الدقة العلمية والرحمة الإنسانية.


مقالات ذات صلة

العدوى المتكررة في دور الحضانة... تقوي المناعة

صحتك العدوى المتكررة في دور الحضانة... تقوي المناعة

العدوى المتكررة في دور الحضانة... تقوي المناعة

عوامل مرضية تصيب جهاز التنفس أو الأمعاء.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
يوميات الشرق اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية (رويترز)

كيف يؤثر اللعب بدمى «باربي» على المهارات الاجتماعية للأطفال؟

أظهرت دراسة حديثة أن اللعب بـدمى "باربي" يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية ويساعدهم على تنمية التعاطف وفهم مشاعر الآخرين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قطرة الكورتيزون تنقذ بصر الأطفال الخُدّج

قطرة الكورتيزون تنقذ بصر الأطفال الخُدّج

تجنب الأطفال مخاطر الإجراءات الجراحية

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك من يتحكم في سلوك المراهقين؟

من يتحكم في سلوك المراهقين؟

أظهرت دراسة طولية حديثة، أن الأقران المشهورين يؤثرون بقوة على السلوك الخارجي للمراهقين، بينما يؤثر الأصدقاء المقربون بقوة على المشاعر الداخلية.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك توقعات بانخفاض في خطر الإصابة بسرطان الجلد بعد الانخفاض في عدد الشامات التي يصاب بها الأطفال (بيكسلز)

دراسة أسترالية تتوقع انخفاض معدل الإصابة بسرطان الجلد بين الأطفال

توقعت دراسة أسترالية طويلة الأمد انخفاضاً كبيراً في خطر الإصابة بسرطان الجلد في المستقبل، بعد الانخفاض الكبير في عدد الشامات التي يصاب بها الأطفال.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.