لا قواعد أخلاقية... جنود إسرائيليون يقرُّون بقتل مدنيين في غزة

أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
TT

لا قواعد أخلاقية... جنود إسرائيليون يقرُّون بقتل مدنيين في غزة

أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)
أمٌّ تحتضن جثمان ابنتها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)

أدلت مجموعة من الجنود الإسرائيليين، في فيلم وثائقي تلفزيوني، بشهادات عما أحدثته القوات الإسرائيلية من فوضى في غزة، وعن انهيار المعايير والقيود القانونية؛ حيث قُتل مدنيون «بدافعٍ من أهواء الضباط».

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد اشترط بعض الجنود الذين تحدثوا في الفيلم الوثائقي «كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل»، المقرر بثه في المملكة المتحدة على قناة «آي تي في» (ITV) مساء الاثنين، عدم الكشف عن هويتهم، بينما تحدَّث آخرون بأسمائهم الحقيقية. وجميعهم أشاروا إلى تلاشي الالتزام بالقواعد الأخلاقية المتعلقة بالتعامل مع المدنيين.

وقال «دانيال»، وهو قائد وحدة دبابات في الجيش الإسرائيلي: «إذا أردتَ إطلاق النار دون قيود، فبإمكانك ذلك».

وأكد الجنود استخدام الجيش الإسرائيلي الممنهج للدروع البشرية، في تناقض مع النفي الرسمي من قبل تل أبيب، كما قدَّموا تفاصيل عن إطلاق القوات الإسرائيلية النار على مدنيين كانوا يهرعون للحصول على مساعدات غذائية، في نقاط توزيع أنشأتها «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF) المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.

«الوسيلة والنية والقدرة»

وقال النقيب يوتام فيلك، وهو ضابط في سلاح المدرعات: «في التدريب الأساسي للجيش، كنا جميعاً نردد عبارة (الوسيلة، والنية، والقدرة)، في إشارة إلى إرشادات التدريب الرسمية التي تنص على أنه لا يجوز للجندي إطلاق النار إلا إذا كان لدى الهدف الوسيلة، وأظهر النية، ولديه القدرة على إلحاق الضرر».

وأضاف: «ولكن في غزة، لا وجود لما يُسمى (الوسيلة، والنية، والقدرة). لا يذكر أي جندي هذه العبارة أبداً. بل تقتصر الشبهات على أشياء، مثل: اشتباه بالسير في مكان غير مسموح بالسير فيه، ورجل تتراوح سنه بين 20 و40 عاماً».

وقال جندي آخر، عُرِف في الفيلم الوثائقي باسم «إيلي» فقط: «لا تُحدَّد الحياة ولا الموت بالإجراءات ولا بلوائح إطلاق النار؛ بل إن ضمير القائد الميداني هو الذي يُقرِر هذا الأمر».

وأضاف: «في مثل هذه الظروف، يُصبح تحديد مَن هو العدو أو الإرهابي تعسفياً واعتباطياً. إذا كانوا يسيرون بسرعة كبيرة، فهم مُريبون. وإذا كانوا يسيرون ببطء شديد، فهم مُريبون. إنهم يُدبِّرون شيئاً ما. إذا كان 3 رجال يسيرون وتأخر أحدهم، فهذا يعني تشكيلاً عسكرياً؛ اثنين لواحد. أي هو تشكيل مشاة عسكري».

ووصف «إيلي» حادثة أمر فيها ضابط رفيع دبابة بهدم مبنى في منطقة مصنفة على أنها آمنة للمدنيين، قائلاً: «كان هناك رجل يقف على السطح ينشر الغسيل، فقرر الضابط أنه مراقب ميداني. ولكنه لم يكن مراقباً، إنه فقط كان ينشر الغسيل. يمكنك أن ترى بوضوح أنه ينشر الغسيل».

وأكمل قائلاً: «كانت أقرب قوة عسكرية على بُعد 600- 700 متر؛ لذا، إن لم تكن لديه عينا نسر، فكيف يُمكن أن يكون مُراقباً؟ أطلقت الدبابة قذيفة. انهار نصف المبنى. وكانت النتيجة العديد من القتلى والجرحى».

وأظهر تحليلٌ أجرته صحيفة «الغارديان» في أغسطس (آب) لبيانات استخباراتية تابعة للجيش الإسرائيلي، أن 83 في المائة من القتلى في غزة -حسب تقديرات مسؤولين عسكريين إسرائيليين- كانوا مدنيين. وهو رقم قياسي تاريخي في النزاعات الحديثة، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي نفى هذا التحليل.

وقُتل أكثر من 69 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب، ولا يزال مزيد منهم يُقتلون، رغم وقف إطلاق النار الذي بدأ قبل شهر.

فلسطينيون يشيِّعون قتلى سقطوا برصاص إسرائيلي في مدينة غزة (د.ب.أ)

وفي بيان مكتوب، قال الجيش الإسرائيلي: «لا يزال الجيش ملتزماً بسيادة القانون، ويواصل العمل وفقاً لالتزاماته القانونية والأخلاقية، على الرغم من التعقيد العملياتي غير المسبوق الذي يشكله تغلغل (حماس) الممنهج في البنية التحتية المدنية، واستخدامها المواقع المدنية لأغراض عسكرية».

هدف مشروع

قال بعض الجنود الذين أُجريت معهم مقابلات في الفيلم الوثائقي، إنهم تأثروا بلغة السياسيين والزعماء الدينيين الإسرائيليين، الذين أشاروا إلى أنه بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي قُتل فيه نحو 1200 إسرائيلي وأجنبي، أصبح كل فلسطيني «هدفاً مشروعاً».

وخلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وفيما يتعلق بمسألة النية، أشارت اللجنة إلى تحريض من قادة إسرائيليين، مثل الرئيس إسحاق هرتسوغ الذي قال بعد وقت قصير من هجوم 7 أكتوبر: «إنها أمة كاملة مسؤولة عن الهجوم. هذا الكلام عن المدنيين غير المدركين وغير المتورطين فيما حدث غير صحيح على الإطلاق».

ويقول «دانيال»، قائد وحدة الدبابات، إن الخطاب الذي يُعلِن عدم وجود أبرياء في غزة قد تسرب إلى صفوف الجيش. ويضيف: «نسمع هذا طوال الوقت، فنبدأ في تصديقه».

أم فلسطينية تنعى جثمان ابنها في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (إ.ب.أ)

ويقدم الفيلم الوثائقي أيضاً أدلة على أن بعض الحاخامات في صفوف الجيش قد روَّجوا لهذه الآراء.

وتقول الرائد نيتا كاسبين: «في إحدى المرات، جلس حاخام بجانبي، وقضى نصف ساعة يشرح لماذا يجب أن نكون كما كانوا في السابع من أكتوبر. علينا أن ننتقم منهم جميعاً، بمن فيهم المدنيون. علينا ألا نميز، وأن هذه هي الطريقة الوحيدة».

ويقول الحاخام أبراهام زربيف -وهو رجل دين يهودي متطرف خدم أكثر من 500 يوم في غزة- في الفيلم: «كل شيء هناك هو بنية تحتية إرهابية ضخمة».

ولم يقتصر دور زربيف على منح الشرعية الدينية للهدم الجماعي للأحياء الفلسطينية؛ بل قاد بنفسه جرافات عسكرية، وينسب لنفسه الفضل في ابتكار تكتيك تبناه الجيش الإسرائيلي كله؛ مشيراً إلى الشراء الجماعي للجرافات المدرعة.

ويقول زربيف في البرنامج: «يستثمر الجيش الإسرائيلي مئات الآلاف من الشواقل لتدمير قطاع غزة. لقد غيَّرنا سلوك جيش كامل».

«بروتوكول البعوض»

ويؤكد الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم في الفيلم أيضاً التقارير المتواترة طوال الصراع الذي استمر عامين، حول استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، وهي ممارسة تُعرف بشكل غير رسمي باسم «بروتوكول البعوض».

ويشرح «دانيال» هذا الأمر بقوله: «يتم إرسال الدرع البشري إلى تحت الأرض، وهو يحمل هاتف (آيفون) في سترته. وبينما يمشي في النفق، يرسم خريطة شاملة له باستخدام معلومات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)».

ويضيف: «رأى القادة كيف يعمل هذا النظام. وانتشرت الممارسة كالنار في الهشيم. وبعد نحو أسبوع، أصبحت كل وحدة تشغِّل بروتوكول البعوض الخاص بها».

وصرَّح الجيش الإسرائيلي في بيان له بأنه «يحظر استخدام المدنيين دروعاً بشرية، أو إجبارهم بأي شكل من الأشكال على المشاركة في العمليات العسكرية. وقد تم التأكيد على هذه الأوامر بشكل روتيني للقوات طوال فترة الحرب».

قتل مدنيين عُزل بمواقع توزيع المساعدات

وتحدث صنَّاع الفيلم الوثائقي إلى شخص يُعرف باسم «سام» فقط، كان يعمل في مواقع توزيع الغذاء التي تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF)، وقال إنه شهد قتل مدنيين عُزل على يد الجيش الإسرائيلي.

ووصف حادثة في أحد مواقع التوزيع؛ حيث كان شابان يركضان للحصول على المساعدات: «رأيت جنديين يركضان خلفهما، قبل أن يسقطا على ركبتيهما ويطلقا رصاصتين على الشابين، ليسقطا في الحال».

فلسطيني يجلس وسط الجثث في مشرحة مستشفى «الشفاء» غرب بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وروى حادثة أخرى؛ حيث دمرت دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي قرب أحد مواقع التوزيع «سيارة عادية... كان بداخلها 4 أشخاص عاديين».

ووفقاً لأرقام الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 944 مدنياً فلسطينياً خلال سعيهم للحصول على مساعدات في محيط مواقع إغاثة تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية».

ونفت المؤسسة والجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين الذين يسعون للحصول على الطعام في مواقع توزيع المساعدات. ونفى الجيش الإسرائيلي مزاعم ارتكاب جرائم حرب ممنهجة، وأصر على أنه يعمل «وفقاً للقانون الدولي، ويتخذ تدابير لتقليل الضرر الواقع على المدنيين في عملياته ضد (حماس)».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».