خروقات الهدنة تعثر وصول المساعدات الطبية لليمنيين

الصحة العالمية: الفرقاء وعدوا بحركة غير مشروطة للإمدادات

خروقات الهدنة تعثر وصول المساعدات الطبية لليمنيين
TT

خروقات الهدنة تعثر وصول المساعدات الطبية لليمنيين

خروقات الهدنة تعثر وصول المساعدات الطبية لليمنيين

تناقلت وسائل الإعلام تقارير تقول بأن هناك خروقات لوقف إطلاق النار مما قد يعني تعثر الجهود الدولية في إيصال المساعدات الطبية التي أصبح الناس في أمس الحاجة لها، وكذا المستشفيات التي تعاني من نقص شديد في الأدوية، حتى في أسطوانات الأكسجين المستخدمة في العمليات الجراحية.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن الأطراف المتحاربة في اليمن وعدتها «بحركة غير مشروطة» للإمدادات والفرق الطبية في ظل وقف لإطلاق النار ترعاه الأمم المتحدة ودخل حيز التنفيذ في عموم البلاد أمس الثلاثاء. وجهزت المنظمة 19 شاحنة بإمدادات طبية في اليمن وكانت تتوقع أن تتحرك أمس لبدء توزيع الإمدادات بعد سريان وقف إطلاق النار.
وكان قد صرح قبل أيام ستيفن أوبراين وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إن محادثات سلام اليمن ستكون فرصة لجلب مساعدات إنسانية تشتد إليها حاجة ملايين الأشخاص المحرومين من الإمدادات الحيوية منذ أن تصاعدت الحرب قبل تسعة أشهر.
وأضاف أوبراين قائلا في مقابلة مع «رويترز»: «في اليمن أنا متفائل جدا بأن الخامس عشر من ديسمبر (كانون الأول) سيكون إيذانا بإطار سلمي جديد يمكننا من خلاله أن نقدم إلى حد كبير جدا المساعدة، سواء بالسرعة أو الحجم الكافي، إلى جميع المحتاجين، بينما يوجد ما يزيد قليلا على 21 مليون شخص لديهم شكل ما من الحاجة الإنسانية في أرجاء اليمن، فإن الحاجات الحيوية الفورية تشمل نحو خمسة ملايين شخص يحتاجون الغذاء والماء والمأوى ورعاية طبية عاجلة في جميع جبهات الصراع».
وأعلنت اللجنة الطبية العليا بمحافظة تعز عن تسجيل وفيات ودخول مصابين في حالة موت سريري جراء الانعدام التام لمادة الأكسجين في مستشفيات المدينة.
وقالت اللجنة الطبية في بلاغ صحافي، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنها وإدارة المستشفيات اضطرتا إلى التواصل مع أهالي الأطفال الخدج وتم إخراجهم بشكل طارئ من الحضانات لأنهم باتوا عرضة للموت المحقق لحاجتهم الماسة للأكسجين، وإنها سجلت عددًا من الوفيات كمؤشر أولي لبدء المأساة الحقيقية لعدم توفر الأكسجين.
وأشارت إلى أن «عددًا من المصابين والجرحى للأسف في حالة موت سريري وباتوا ينتظرون مصيرهم المحتوم، حيث إن كل المستشفيات العاملة حاليا أعلنت توقف أقسام الجراحة بشكل اضطراري لصعوبة الحصول على الأكسجين».
وكررت اللجنة الطبية العليا نداء استغاثة لمخاطبة الضمير الإنساني في العالم ومطالبته بالتدخل للاستجابة وسرعة ابتكار الوسائل والحلول العاجلة لتوفير الأكسجين ومواد الإغاثة الصحية لوقف الكارثة الإنسانية في محافظة تعز، مجددة إدانتها الشديدة للتصرفات الهمجية وإصرار ميليشيا الحوثي والمخلوع على تكرار منع دخول الأكسجين لقتل أبناء تعز كعقاب جماعي وهو ما يحدث الآن وبطريقة ممنهجة وأجندة تفتقد للأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة.
وبدوره، أكد أمين عام نقابة الأطباء بتعز، صادق الشجاع، لـ«الشرق الأوسط» أن «الوضع الطبي في تعز مأساوي حيث إن انعدام الأكسجين أدى إلى إغلاق أقسام العمليات في بعض المستشفيات وأيضًا غرف العناية المركزة وأيضًا الحضانات، والحصار الخانق على هذه المدينة الأبية من الدواء والغذاء والأكسجين والمشتقات النفطية والغاز المنزلي ضاعف من حجم المعاناة، بالإضافة إلى سبب انعدام بعض الأدوية وخصوصا المضادات الحيوية وأدوية التخدير وبعض مستلزمات العظام وخصوصًا أجهزة التثبيت الخارجي والمسامير النخاعية وأفلام الأشعة والمحاليل المختبرية وأيضًا السوائل الوريدية والأدوية الخاصة بالتغذية والأدوية والمحاليل الخاصة بالفشل الكلوي والأدوية التخصصية لمرضى الأورام».
وقال إن «ميليشيات الحوثي وصالح تواصل استهدافها للمستشفيات والكوادر الطبية فيها بالقصف المباشر وخصوصا هيئة مستشفى الثورة ومختبر الصحة المركزي والمستشفى الجمهوري وأخيرا «عجلة الحياة»، والكادر الطبي العامل في المجال الطبي يمر عليه الشهر والشهران والثلاثة أحيانًا ولم يتسلم أي مكافئة تذكر».
وبينما تستمر معاناة أهالي مدينة تعز منذ تسعة أشهر، يستمر الأهالي بإطلاق نداء الإغاثة لإنقاذهم من ميليشيات الحوثي وصالح وفك الحصار عنهم بعدما باتوا في حكم الموتى إما جوعا أو بسبب نقص الأكسجين في المستشفيات أو برصاص الميليشيات. وقال نشوان نعمان شمسان، مدير مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان بتعز لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن مآسي تعز لن يكتمل، فتعز مدينة منكوبة في مختلف المجالات الصحية والمعيشية والمياه وكل مستلزمات العيش بسبب الحصار المفروض عليها من الميليشيات الانقلابية أعداء الإنسانية والحرية، والمواطنون في تعز يبحثون عن أبسط مقومات الإنسانية الأساسية في ظل صمت دولي غريب ومجتمع يقف غير مبال أمام هذه جرائم ضد الإنسانية وضد الحياة». وأضاف: «لو تطرقنا إلى جانب انعدام مادة الأكسجين في جميع مستشفيات المدينة فهذه وحدها كارثة كبرى خاصة بعدما أغلقت مستشفيات المدينة أبوباها أمام المرضى بسبب النقص الحاد في المستلزمات الطبية الأولية، وهناك عوامل كثيرة للحياة تكاد تكون مفقودة»، مؤكدًا أن التخفيف عن الأهالي جراء الحصار الغذائي الشديد الذي يعانون منه يكون من خلال تقديم الإغاثات الإنسانية العاجلة في مجال المياه والغذاء والدواء رغم الصعوبات التي تواجهنا والتي منها عدم إمكانية دخول هذه الإغاثات إلى المدينة».
وقال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي إنه تمكن من إرسال قافلتين من 31 شاحنة إلى مدينة تعز، التي تعاني نقصا شديدا في الغذاء، محملة بأغذية تكفي 145 ألف شخص لمدة شهر. وأضاف أن قافلة ثالثة في الطريق. وقال أوبراين إنه توجد أيضًا زيادة كبيرة في وصول الإمدادات الإنسانية إلى ميناء الحديدة اليمني، وإن آلية جديدة للأمم المتحدة للتحقق والتفتيش سيبدأ تشغيلها قريبا مما يسمح بدخول غير مقيد للسفن التجارية.
لكنّ مصدرًا حكوميًا في اللجنة العليا للإغاثة نفى دخول أي مساعدات إنسانية إلى محافظة تعز وسط البلاد، وقال المصدر إن ميليشيا الحوثي وصالح، قامت باحتجاز مساعدات من برنامج الغذاء العالمي، بهدف تسخيرها لصالح مجهودها الحربي، مؤكدا أن الميليشيات لا تزال تفرض حصارًا خانقًا على تعز منذ ثمانية أشهر، من مختلف المنافذ وتمنع وصول المساعدات الإغاثية والإنسانية إلى المدينة. واستغرب المصدر تصريحات المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في اليمن بورنيما كاشياب بوصول المساعدات الإغاثية إلى سكان مدينة تعز، مشيرًا إلى أن الميليشيا الانقلابية تحتجز منذ الخميس الماضي 31 شاحنة محملة بالمواد الغذائية والإنسانية التابعة لبرنامج الغذاء العالمي المقدمة لأبناء تعز وتسخيرها لصالح مجهودها الحربي.
وكانت منظمات دولية منها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، والصليب الأحمر، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، اتهمت المتمردين بمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى تعز، وفرض حصار خانق لعشرات الآلاف من السكان المدنيين، وأصدرت المنظمات تقارير تكشف الوضع الإنساني المأساوي في تعز.
وأكدت التقارير أن «الميليشيا تفرض حصارًا خانقًا على مدينة تعز، وتمنع وصول المساعدات الإغاثية والإنسانية والماء والدواء والأدوية والمستلزمات الطبية بطريقة تتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وقيمنا الأخلاقية والإنسانية». وقال المصدر الحكومي إن «مثل هذه الأعمال التي تقوم بها ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية تثبت عدم جديتها نحو مشاورات (جنيف2) التي بدأت أمس برعاية الأمم المتحدة».
وأضاف أن «الميليشيا الانقلابية تفرض حربًا ممنهجة وسياسة تجويع بحق المدنيين الرافضين لوجودهم في المدينة وانقلابهم على الشرعية الدستورية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ومؤتمر الرياض وقرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصا القرار رقم 2216». ودعا المصدر المنظمات الحقوقية العربية والدولية التحرك العاجل لوضع حد لمثل هذه الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها الميليشيا الانقلابية بحق المدنيين وملاحقة المتورطين ومحاسبتهم على جرائمهم التي يرتكبونها أمام مرأى ومسمع الجميع.
وفي إطار متصل، قدم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مساهمات إنسانية للشعب اليمني، حيث قام المركز بتوزيع 2400 بطانية ومائة خيمة تم توزيعها في مديرية سيحوت التابعة لمحافظة المهرة اليمنية، وذلك ضمن برامج المساعدات الإيوائية التي خصصها المركز لإغاثة المحافظات اليمنية المتضررة من إعصاري تشابلا وميغ، بإشراف مباشر من الدكتور عبد الله الربيعة المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
ووزعت المساعدات بمناطق رخوت، وعتاب، وحي الشعب، وحي الصيادين، وقلاو، وحي 14 أكتوبر، وحي السلام، ومحيسو، بالإضافة لمنطقة خطر، وذلك بحضور مسؤولي المناطق والمحافظات المستهدفة.
يذكر، أن المركز خصص برامج إيوائية وغذائية لمحافظات حضرموت، وشبوة، والمكلا، والمهرة المتأثرة بإعصاري تشابلا وميغ وفق الاحتياجات والأضرار التي خلفها الإعصاران.
ودعت دول الخليج العربية يوم الخميس الماضي إلى مؤتمر دولي لإعمار اليمن بعد أن ينهي أي اتفاق الحرب الأهلية التي قتلت نحو ستة آلاف شخص وتسببت في إلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد والبنية التحتية في البلد الواقع في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويعتمد اليمن على الواردات لتلبية كل حاجاته تقريبا من الغذاء وكل حاجاته من الدواء، لكن تتأخر الشحنات بسبب نظام تفتيش السفن في مسعى لإحباط أي شحنات أسلحة إلى المسلحين الحوثيين الذين تدعمهم إيران. وقال أوبراين إن النظام الجديد الذي يتضمن قيام الأمم المتحدة بالتحقق من أي شحنات مشتبه بها سيكون جاهزا للتشغيل «خلال أيام أو أسابيع وليس شهورا».
ويقول موظفو الإغاثة إن عودة السفن التجارية هي وحدها التي يمكن أن تجلب الأغذية بالكميات التي يحتاجها اليمن. ويوجد نقص بشكل خاص في إمدادات الوقود وهو ما يلحق ضررا شديدا بإمدادات الكهرباء ومحطات ضخ مياه الشرب والمستشفيات.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.