حملة سورية ضد «داعش» تزامناً مع زيارة الشرع لواشنطن

دمشق تنضم إلى تحالف تقوده أميركا... وحديث عن «انعطافة تاريخية»

الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة «كوب 30» بالبرازيل يوم الخميس (إ.ب.أ)
الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة «كوب 30» بالبرازيل يوم الخميس (إ.ب.أ)
TT

حملة سورية ضد «داعش» تزامناً مع زيارة الشرع لواشنطن

الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة «كوب 30» بالبرازيل يوم الخميس (إ.ب.أ)
الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة «كوب 30» بالبرازيل يوم الخميس (إ.ب.أ)

شنّت السلطات الأمنية السورية حملة واسعة ضد تنظيم «داعش» في محافظات عدة، وبشكل متزامن، وذلك عشية زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في زيارة تُعدّ نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات السورية - الأميركية، وتفتح الباب أمام عقد اتفاقات تعاون أمني وعسكري؛ أبرزها انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

وقالت مصادر أمنية في حمص لـ«الشرق الأوسط» إن قوات الأمن تشنّ حملة متواصلة لاستهداف خلايا لـ«داعش» في مدينة حمص وفي ريفها وباديتها مترامية الأطراف، بالإضافة إلى مناطق سورية أخرى.

وبدأت وزارة الداخلية السورية، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب، السبت، حملة واسعة ضد التنظيم الإرهابي في محافظتي حمص وريف دمشق.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن قوى الأمن الداخلي تقوم بعمليات تستهدف خلايا تابعة لـ«داعش» في حي الأرمن بمدينة حمص، وفي مدينة القصير (جنوب حمص) ومدينة الحولة (شمالها)، وفي بادية المحافظة. وشهدت تلك المناطق انتشاراً أمنياً كثيفاً، وسط معلومات عن إلقاء القبض على عدد من العناصر بحوزتهم ألغام ولوحات سيارات وأجهزة لاسلكية.

وأعلنت «الداخلية السورية»، من جانبها، أن وحداتها الأمنية نفذت، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عملية أمنية واسعة استهدفت خلايا إرهابية تابعة لتنظيم «داعش» في عدد من المحافظات، وذلك استناداً إلى معلومات استخبارية دقيقة، ومتابعة حثيثة لتحرّكات هذه العناصر على مدى الأسابيع الماضية.

«الداخلية السورية» نفذت العملية بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة (سانا)

وقالت الوزارة، في بيان نُشر على قناتها على «تلغرام» إن «هذه العملية تأتي في إطار الجهود الوطنية المستمرة لمكافحة الإرهاب، والتصدّي للمخططات التي تستهدف أمن الوطن وسلامة المواطنين». وأوضحت أن العملية أسفرت عن تفكيك عدة خلايا إرهابية، وإلقاء القبض على عدد من العناصر المطلوبة، إضافة إلى ضبط مواد وأدلة على ارتباطهم بأنشطة إرهابية، يجري حالياً تحليلها واستكمال التحقيقات بشأنها من قِبل الجهات المختصة.

وبينت الوزارة أن هذه العملية «تجسد مستوى التنسيق العالي بين الأجهزة الأمنية، وكفاءتها في التعامل الاستباقي مع التهديدات، بما يُرسّخ الالتزام الثابت بحماية أمن الوطن واستقراره».

ورجح المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم برّاك، توقيع الرئيس الشرع اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن، الاثنين. كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس الشرع، خلال لقائهما، الجمعة، في البرازيل على هامش مؤتمر المناخ «كوب 30»، إلى الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة «داعش».

ويشكل انضمام سوريا للتحالف الدولي «انعطافة تاريخية»، وفق رأي الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي الذي يُشير إلى أن سوريا «كانت تصطف دائماً مع الشرق»، وليس مع الغرب. ورغم أن التحالف ضد «داعش» تقوده الولايات المتحدة، فإنه يضم دولاً إسلامية أيضاً. ومعلوم أيضاً أن سوريا خلال حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد انضمت إلى التحالف العالمي لطرد قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من الكويت عام 1991، لكن ذلك التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، ضم دولاً عربية وإسلامية، إضافة إلى الدول الغربية.

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقال عاصي لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع أن تؤثر هذه الانعطافة السورية (الانضمام إلى التحالف الذي تقوده أميركا ضد «داعش») على أسلوب إدارة البلاد والسلطة والاقتصاد والمجتمع»، مضيفاً أن إعلان الانضمام يعني أيضاً بطبيعة الحال تشريع وجود القوات الأميركية التي تقود التحالف الدولي، في سوريا. وإذا ما انضمت سوريا إلى التحالف فعلاً، فإن المتوقع أن يجري تشكيل غرفة عمليات مشتركة، على أن تُحافظ سوريا على سيادتها على جميع المناطق التي تنتشر فيها قواعد عسكرية تابعة للتحالف، بما في ذلك تلك التي تقع في مناطق «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

وأشار الباحث عبد الوهاب عاصي إلى أن انضمام سوريا للتحالف الدولي يعني «أن مهمة مكافحة الإرهاب باتت منوطة بالتنسيق بين التحالف والحكومة المركزية، لا مع مجموعات ما دون الدولة مثل (قسد) و(جيش سوريا الحرة)».

وقال إن «هذا التنسيق سيُساعد على حل وتفكيك مشروع الإدارة الذاتية (التي يقودها الأكراد في شمال شرقي البلاد) وضمها للسلطة (المركزية)؛ لأن (قسد) ستخسر الغطاء العسكري الذي كانت تستمد منه قوتها، وستحال ملفات السجون والمخيمات والإنزالات والعمليات (الأمنية المشتركة مع التحالف) إلى المركز، ومن ثم فلن يكون هناك أي تنفيذ لعمليات مشتركة بين التحالف و(قسد) أو (جيش سوريا الحرة)، لكن مجموعات منهما لا بد أن تستمر بمهامها بعد دمجها بالجيش والأمن السوري».

ورغم أن سوريا لم تنضم رسمياً بعد إلى التحالف ضد «داعش»، فإن قواتها الأمنية تقوم منذ شهور بعمليات منسقة مع التحالف الدولي ضد خلايا التنظيم في أكثر من منطقة سورية.

وتُشير التقديرات إلى أن انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي ضد «داعش» من شأنه تقوية أوراقها في عملية التفاوض مع «قسد»، وسط أنباء عن نية الولايات المتحدة إقامة وجود عسكري في قاعدة جوية قرب العاصمة دمشق، وذلك بهدف المساعدة في الوصول إلى اتفاق أمني تعمل واشنطن على التوسط فيه بين سوريا وإسرائيل، وفق ما نقلته وكالة «رويترز»، الخميس، وهو ما نفاه مسؤول في وزارة الخارجية السورية في بيان رسمي.

من جانبه، قال مسؤول أميركي، السبت، إن «الولايات المتحدة لا تملك حالياً أي خطط لإعادة النظر في وجود قواتها في شمال سوريا أو في قاعدة (التنف)» على الحدود مع الأردن والعراق.

وإضافة إلى قواعد التحالف ضد «داعش» المنتشرة في أكثر من منطقة بشمال وشرق سوريا، توجد أيضاً في البلاد قواعد للجيش التركي، وكذلك قاعدة جوية للقوات الروسية في اللاذقية (حميميم) وقاعدة بحرية في طرطوس. وأجرى الرئيس الشرع زيارة لموسكو الشهر الماضي للقاء الرئيس فلاديمير بوتين الذي ساند نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد حتى سقوطه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. والأسد لاجئ حالياً في روسيا.

دخان يتصاعد خلال مواجهات في السويداء بين مقاتلين دروز وآخرين من عشائر بدوية وعربية وقوات الأمن السورية في يوليو الماضي (رويترز)

وتعوّل دمشق على زيارة الشرع لواشنطن والانفتاح الأميركي عليها للتخلص من تركة «العزلة الدولية» التي خلفها نظام البعث وحكم عائلة الأسد لعقود طويلة، وهي التركة التي ما زالت تكبّل عملية ولادة «سوريا الجديدة».

وقالت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن السلطة السورية الجديدة تتطلع إلى إعادة بناء علاقاتها مع العالم على «أسس وشراكات جديدة»، بعد خروج البلاد مدمرة من المحور الذي كانت تقوده إيران في المنطقة.

ولفتت المصادر إلى أن من أولويات زيارة الشرع استكمال رفع العقوبات عن سوريا، ولا سيما عقوبات «قانون قيصر».

وقالت إن رفع العقوبات يشكّل البوابة نحو الملفات الأخرى، مثل توحيد سوريا وإعادة الإعمار والتوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل. وتابعت أن إسرائيل تضغط في دوائر القرار الأميركي للإبقاء على العقوبات المفروضة على سوريا وعلى المسؤولين السوريين، مستغلةً ملفات داخلية متعلقة بالأحداث التي حصلت في السويداء (بين الدروز والعشائر العربية وقوات الأمن)، وفي الساحل (ضد مناصرين للنظام السابق من الطائفة العلوية). وفي مقابل الموقف الإسرائيلي، يبدو الرئيس ترمب مصرّاً على رفع كامل العقوبات عن سوريا، على أساس أن ذلك ضروري لاستقرار البلاد وإنهاء الحروب في منطقة الشرق الأوسط.

وكان الرئيس الشرع قد استبق زيارته لواشنطن بالتصريح، على هامش مشاركته في قمة المناخ بالبرازيل، بأن منهجه في العلاقات مع واشنطن هو «البدء بالفعل أولاً»، وقال في مقابلة مع قناة «الشرق» إن مسار هذه العلاقات «يحتاج إلى تدقيق وكثير من تفاصيل النقاش».

وكان مجلس الأمن الدولي قد قرر، الخميس، رفع العقوبات عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس حسن خطاب، وإزالة اسميهما من قوائم العقوبات المعتمدة لدى المجلس.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، السبت، إن اعتماد مجلس الأمن هذا القرار يبعث «إشارة سياسية قوية تعبّر عن اعتراف متزايد بانتقال الجمهورية العربية السورية إلى فصل جديد في تاريخها السياسي».

وأشار البيان إلى أن هذه الإجراءات تأتي اعترافاً بالتقدم الذي أظهرته القيادة السورية الجديدة التي تعمل بجد للبحث عن الأميركيين المفقودين، وتعمل بشكل فعّال على مكافحة الإرهاب والمخدرات.

كما أشاد بيان «الخارجية الأميركية» بجهود الحكومة السورية في القضاء على بقايا الأسلحة الكيميائية، إضافةً إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، والمضي في عملية سياسية شاملة يقودها السوريون بأنفسهم.


مقالات ذات صلة

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

المشرق العربي المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك يتحدث إلى وسائل الإعلام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

رجحت مصادر عراقية أن يكون سلاح الفصائل ضمن نقاشات أجريت في بغداد بين المبعوث الأميركي توم براك ورئيسي الحكومة والقضاء العراقيين.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يدخل كيدال دون قتال بدعم من روسيا

مدينة كيدال تبقى عنوان الحرب المشتعلة في مالي منذ أكثر من 15 عاماً. الجيش المالي يدخلها بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق

الشيخ محمد ( نواكشوط)
المشرق العربي عناصر من قوات «الحشد الشعبي» العراقية في موكب بساحة التحرير في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق (د.ب.أ)

فصيل موالٍ لإيران يشترط تقليص «أكبر سفارات العالم»

طالب فصيل مسلح موالٍ لإيران بتقليص البعثة الدبلوماسية الأميركية في بغداد والتحرر مما وصفها بـ«هيمنة واشنطن الاقتصادية».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أنصار فصيل مسلح يحتفلون بانسحاب «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة من العراق في 30 سبتمبر 2026 (رويترز)

الزيدي يتعهد حصر السلاح منتصف 2027

جدّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أمس الخميس، التذكير بالمهلة الجديدة لإنهاء ملف حصر سلاح المجموعات المقرّبة من إيران بيد الدولة، في إعلان جاء غداة انتهاء.

حمزة مصطفى (بغداد)

تهديدات إسرائيلية بتوسيع الاحتلال وتهجير أكثر من مليون لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

تهديدات إسرائيلية بتوسيع الاحتلال وتهجير أكثر من مليون لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

في موازاة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قرى وبلدات جنوب لبنان، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداته، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب وصولاً إلى منطقتي النبطية والليطاني، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل.

وأطلق كاتس تهديداته في مقطع فيديو صوّره خلال وجوده في جنوب لبنان، في ظل حديث إسرائيلي عن احتمال شن إيران هجوم على إسرائيل قبيل الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي أو خلالها.

وقال كاتس إن «حزب الله» سيتلقى «ضربة قاسية» إذا انضم إلى إيران في شن هجوم على إسرائيل، مضيفاً أن الحزب «سيخسر أراضي إضافية في جنوب لبنان، وتحديداً في منطقتي النبطية والليطاني، لتصبح جزءاً من المنطقة الأمنية الدائمة لإسرائيل»، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ هذه العملية.

ولم تقتصر تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي على الجنوب، إذ توعّد بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت واستهداف ما وصفه بـ«البنية التحتية للإرهاب» فيها، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

آلية تابعة للجيش الإسرائيلي تتحرك في زوطر الشرقية جنوب لبنان (رويترز)

غارات وقصف وتمشيط

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، حيث شن الطيران الحربي غارات على المنطقة الواقعة بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، إضافة إلى طلوسة ووادي الحجير وأطراف بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل.

وفي بلدة الخيام، نفّذت القوات الإسرائيلية الموجودة فيها عملية تمشيط كثيفة بالأسلحة الرشاشة، امتدت من الجلاحية إلى منطقة الحمام، فيما تقدمت آليات إسرائيلية في وادي زبقين تحت غطاء مسيّرة ألقت كميات من المتفجرات أمام الآليات المتقدمة. كذلك استهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري.

وشهدت ساعات فجر الأربعاء قصفاً مدفعياً إسرائيلياً عنيفاً طال وادي زبقين والمنصوري ووادي الحجير، فيما سُمعت أصداء القصف في مختلف قرى الجنوب. كما استهدف القصف منطقة العرايش الواقعة بين بلدتي حاريص وحداثا، ومحيط بلدة شقرا ووادي السلوقي.

وكانت أطراف بلدة ميفدون قد تعرضت ليلاً لقصف مدفعي انطلق من مرابض الجيش الإسرائيلي.


«حزب الله» ومساعدات النازحين... تساؤلات حول مصادر التمويل

سيدة وابنتها نزحتا من منزلهما في قرية عيتا الشعب بجنوب لبنان عام 2023 يقيمان في شقة مستأجرة في بلدة معركة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
سيدة وابنتها نزحتا من منزلهما في قرية عيتا الشعب بجنوب لبنان عام 2023 يقيمان في شقة مستأجرة في بلدة معركة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» ومساعدات النازحين... تساؤلات حول مصادر التمويل

سيدة وابنتها نزحتا من منزلهما في قرية عيتا الشعب بجنوب لبنان عام 2023 يقيمان في شقة مستأجرة في بلدة معركة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
سيدة وابنتها نزحتا من منزلهما في قرية عيتا الشعب بجنوب لبنان عام 2023 يقيمان في شقة مستأجرة في بلدة معركة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر هذه الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، في ظلّ العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وتشديد السلطات اللبنانية رقابتها على قنوات التمويل والإمداد، بالتزامن مع قرار الدولة حصر السلاح بيد القوى الشرعية.

وأتى ذلك في وقت تلقى رئيس الجمهورية جوزيف عون، اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي تم خلاله التداول في الأوضاع الراهنة في المنطقة في ضوء التطورات الأخيرة، «وكان الرأي متفقاً على ضرورة دعم الحلول الدبلوماسية، باعتبارها أفضل الحلول لوضع حد للنزاعات في المنطقة»، بحسب ما أعلنت رئاسة الجمهورية.

مصادر تمويل «حزب الله»

ولطالما كانت مصادر تمويل الحزب تتراوح بين الدعم الإيراني المباشر، والتبرعات من مؤيديه في الخارج، فضلاً عن أنشطة تجارية ومصادر غير مشروعة، تتهمه جهات أميركية بالاعتماد عليها. وفي المقابل، تعمل السلطات اللبنانية على تعزيز التشريعات والرقابة المالية، ولا سيما التعديلات المقترحة على القانون رقم 44 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتي تهدف إلى كشف المستفيدين الحقيقيين من الشركات والمشاريع التجارية، وتحديد مصادر الأموال ووجهاتها، «وتشديد الرقابة على الصرافين وشركات تحويل الأموال».

الخارجية الأميركية: الأموال «غير موجودة»

وشكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية، في تصريح نُقل عنه، في الأموال التي يعلن «حزب الله» حصوله عليها، قائلاً إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً».

واتهم المتحدث الحزب «بالاعتماد على أنشطة إجرامية، بينها تهريب المخدرات وإقامة شراكات مع كارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية، لتعويض الأموال التي لا يحصل عليها من إيران»، من دون تقديم أدلة تفصيلية علنية تدعم هذه الاتهامات. واعتبر أن الإعلان عن المساعدات «يشكّل محاولة لإنقاذ سمعة الحزب، لا لمساعدة الأشخاص الذين جرّهم إلى الحرب».

وأضاف: «إن الحزب جرّ لبنان إلى الحرب بطريقة انتحارية، وأنه، حتى لو امتلك الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة بهدف تهديد إسرائيل وترهيب خصومه»، معتبراً أن «أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».

وأشار المتحدث إلى أن واشنطن «تعمل مع شركائها الخليجيين والأوروبيين على خطة لإتاحة مليارات الدولارات لإعادة إعمار لبنان»، من دون تحديد قيمة نهائية للمساعدات أو جدول زمني لتنفيذها، مؤكداً أن نزع سلاح «حزب الله» يشكّل «جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار ومنع تجدّد النزاع».

وكان «حزب الله» أعلن (الثلاثاء)، عن برنامج دعم مالي للنازحين الذين تدمّرت أو تضرّرت منازلهم، ولا يملكون سكناً بديلاً، يشمل بدل إيجار وأثاثاً بحدّ أقصاه 14 ألف دولار تُسدّد خلال عام، وذلك بعد أيام على نشر وكالة «رويترز» معلومات، تفيد بتلقي «حزب الله» 200 مليون دولار من إيران لمساعدة العائلات اللبنانية النازحة، وهو ما شكّكت فيه أيضاً الولايات المتحدة.

رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» الشيخ علي دعموش معلناً عن المساعدات للنازحين والمتضررين من الحرب (أ.ف.ب)

وفي قراءة للجانب المالي، يقول مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر لـ«الشرق الأوسط»، إنه «عندما تشكّك الولايات المتحدة في وصول الأموال إلى (حزب الله)، فهذا يعني أنهم مطلعون على كل مصادر التمويل الممكنة، لكن قد تكون إيران والحزب استحدثا وسائل لنقل الأموال في الفترة الأخيرة، سواء عبر العملات المشفّرة أو الذهب».

ويضيف أن «الرقابة الأميركية على التجارة، وتشديد القيود المالية يطرحان تحديات أمام هذه القنوات»، معتبراً أن ذلك قد يفسّر جولة العقوبات الأخيرة. ويشدّد على ضرورة تطبيق القوانين اللبنانية على مختلف الأنشطة المالية، قائلاً: «على الدولة اللبنانية تطبيق القوانين كما طبّقتها على القرض الحسن، وأن تشمل الرقابة كل المجالات. فعلى سبيل المثال، يجب التحقق من مدى توافق مكاتب العملات المشفّرة مع القوانين اللبنانية، وقد تكون هناك حاجة إلى استحداث تشريعات جديدة لمواكبة هذه الوسائل».

رازي الحاج

بدوره، يرى عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب رازي الحاج لـ«الشرق الأوسط»، «أن (حزب الله) يحاول الإيحاء بأنه لا يزال يتمتع بالقوة التي كان يمتلكها قبل الحربين، وكأن لم تحصل تداعيات من قتلى وجرحى وانهيار اقتصادي. كما يحاول تحميل المسؤولية للحكومة وهي التي تحملت أكثر من قدراتها ».

ومع تأكيد الحاج «أحقية المتضرّرين في الحصول على المساعدات»، يرى أن «المشكلة تكمن في تطبيق قوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، محذراً «من تداعيات أي إخفاق في هذا المجال على الوضع المالي للبنان وعلاقاته الدولية».

ويضيف: «إن تمويل الحزب، الذي يأتي عادة من مصادر غير مشروعة، يجعل بقاء هذا التنظيم خطراً على استقرار الدولة على مختلف الأصعدة، وعلى علاقتها بالمجتمع الدولي»، محذراً من «احتمال انتقال لبنان من اللائحة الرمادية إلى اللائحة السوداء».

مخزومي: التحقّق يشمل الجميع

وفي الإطار نفسه، أكد النائب فؤاد مخزومي على منصة «إكس»: «إنّ مطالبتنا بالشفافية والتحقّق من مصادر الأموال وآليات نقلها وتوزيعها تشمل الجميع دون استثناء»، محذّراً من «مخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصاً أن لبنان مدرج على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)». كما دعا الحكومة إلى «تحمّل مسؤولياتها في تأمين الإيواء والمساعدات للنازحين»، مؤكداً «ضرورة ألا يُترك أي لبناني وحيداً في مواجهة معاناته».


العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
TT

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)

رجح صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حسم ملف القوات التركية الموجودة شمالي البلاد خلال 3 أشهر.

وتتمركز القوات التركية في قاعدة زليكان، على جبل ناحية بعشيقة التي تبعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الموصل، كما أنها تنتشر في نقاط ومواقع عديدة شمالي البلاد قرب الحدود المشتركة.

وقال النعمان، في تصريحات صحافية، الأربعاء، إن حكومة بلاده «وضعت جدولاً زمنياً للتحرك خلال الشهرين إلى الأشهر الثلاثة المقبلة لإنهاء الوجود العسكري التركي في القواعد المقامة شمالي البلاد، وإن الترتيبات الخاصة بتسلم القواعد العسكرية تجري بصورة تدريجية».

ورغم تأكيد النعمان أن «التوجه الحكومي النهائي يتمثل في إنهاء وجود القواعد والقوات الأجنبية على كامل الأراضي العراقية، بما يعزز السيادة الوطنية واستقلال القرار الأمني»، لكنه لم يبين ما إذا كان الانسحاب التركي يشمل جميع قواعده ونقاط سيطرته في العراق، أم أنه يقتصر على قاعدة زليكان العسكرية.

وتشغل القوات التركية، حسب تقارير محلية، نحو 130 نقطة تفتيش تنتشر داخل الحدود العراقية وعلى الشريط الحدودي بين البلدين.

وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد عقد قمة ثنائية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأسفرت عن اتفاق يقضي بـ«الإخلاء التدريجي» للقوات التركية من قاعدة زليكان على أن يبدأ رسمياً في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) ونقل السيطرة وإخلاء المعسكر لصالح الحكومة الاتحادية في بغداد وفق جدول زمني وآلية متفق عليها.

قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)

معضلة سنجار

ولطالما ربط الجانب التركي عملية إخلاء القاعدة بمسار التقدم الأمني الذي تحرزه بغداد في قضاء سنجار شمال محافظة نينوى، حيث تشترط أنقرة أن تقوم الحكومة العراقية ببسط سلطتها في القضاء وطرد العناصر المسلحة، لا سيما أجنحة «العمال الكردستاني» التي لم تلتزم بقرار حل الحزب وتسليم الأسلحة الذي اتخذه زعيمه عبد الله أوجلان نهاية فبراير (شباط) 2025.

ويعود تاريخ بدء الوجود والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال إلى أواسط عام 1983، حيث وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، التي سمحت حينها للقوات التركية بالتوغل لمسافة محدودة داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر الحزب.

ورغم عدم وضوح موقف السلطات العراقية بعد عام 2003، من اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، فإن قيام تركيا بإنشاء قاعدة زليكان التي تبعد نحو 150 كيلومتراً عن الحدود التركية، كانت لسنوات طويلة إحدى أبرز نقاط الخلاف والتوتر الدبلوماسي بين بغداد وأنقرة.

واعتبرت الحكومات العراقية المتعاقبة الوجود العسكري التركي فيها انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية.

وأنشأت تركيا القاعدة أواسط عام 2015، وفق ترتيبات محلية مع سلطات إقليم كردستان وليس الحكومة الاتحادية في بغداد، تحت مزاعم تدريب القوات المحلية في محافظة نينوى وتأهيلهم للمشاركة في الحرب ضد تنظيم «داعش» الذي سيطر على أجزاء واسعة من البلاد وضمنها محافظة نينوى عام 2014.