«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

كُرِّم في «المونو» باستعادة شهادات رافقته وأغنيات تُشبه زمننا

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
TT

«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)

جمع مسرح «المونو» في بيروت، مديرته جوزيان بولس بالكاتب والمخرج المسرحي فارس يواكيم، والناقد المسرحي هنري الكيك، والممثل أحمد الزين، والممثلة والمخرجة ميراي بانوسيان، للحديث عن الكوميدي الكبير الراحل حسن علاء الدين المعروف بـ«شوشو»، في الذكرى الخمسين لغيابه. توسّطت صورته، بشاربه الضخم الشهير، الشاشة أمام حضور أتى ليُصغي إلى شهادات مَن عايشوه وتشاركوا معه ذاكرة وحكايات.

عاد «شوشو» في حكايات مَن أحبّوه (الشرق الأوسط)

قال فارس يواكيم إنّ «شوشو» لا يُنسى. فلا يُذكَر تاريخ المسرح في لبنان من دون تصدُّر اسمه. عاد في الذكريات إلى الوراء، فأخبر أنّ محمد شامل اكتشف حسن علاء الدين ومنحه اسم «شوشو»، وقد درّبه وعملا معاً في الإذاعة والتلفزيون. وبعد مرحلة محمد شامل، كانت مرحلة نزار ميقاتي، ثم أتى فارس يواكيم ليُشكّل المرحلة الثالثة في محطات «شوشو» المفصلية؛ مرحلة النصّ الذي يلتقط اليومي ويؤنسنه، ويعتمد التورية بدل الخطابة.

لقاء مع زمن كان المسرح فيه خبزاً وفسحة وحرّية (الشرق الأوسط)

لا تزال أغنية «شحّادين يا بلدنا» التي كتبها ميشال طعمة ولحَّنها إلياس الرحباني، تُغنَّى كأنها تُحاكي هذه الأيام. غنّاها «شوشو» في أكثر مسرحياته ثباتاً في الذاكرة، «آخ يا بلدنا» (1973)؛ تأليف فارس يواكيم وإخراج روجيه عسّاف. في كلماتها بساطة جارحة تُسمّي الأشياء دون زعيق في بلد يطلب القليل ولا يناله، «يتحايل» إنسانه للعيش، ووجعه يُضحِك لأنّ البكاء لم يعد يُجدي. لذلك شَعَر الحضور، حين أُعيد تشغيل المقطع في المسرح، أنها تُمسك الآن بالعصب ذاته.

ومرَّ يواكيم في التذكُّر على علاقة «شوشو» بأسماء مُقدَّرة، منها محمد كريّم وروجيه عسّاف وبيرج فازليان. أثرُ محمد كريّم في صقل حضوره التلفزيوني والإذاعي، وفي خلق «اللقطة الومّاضة» التي تُمسك الجمهور من دون إطالة. أما روجيه عسّاف، فحضوره في «آخ يا بلدنا» يشي بدقّة بناء المشهد وحساسية الإيقاع الجماعي، وكيف تتحوَّل الكوميديا إلى نقد اجتماعيّ، في حين أدخل بيرج فازليان صرامة التدريب إلى فرقة «شوشو»، واشتغل على الإشارة والإيماءة ومسافة الجسد من الجمهور، فجاءت عروضٌ كثيرة تجمع العفوية بالانضباط، وتجعل «الكاركتير» الشعبي يلمع ضمن منظومة مسرحية مُحكَمة.

يعود الكبار دائماً كأنهم لم يغادروا (الشرق الأوسط)

وقال أيضاً إنّ «شوشو» كان ابن مسرح، «حين يشعر بأنفاس الجمهور، يُجوهِر». ذلك التأثير لم تكن تمنحه إيّاه الكاميرا حيث الجمهور غائب. واستعاد أهمية «المسرح اليومي» الذي استمال الناس إلى الصالة طوال العام، فامتلأت المقاعد ولم تهدأ الحركة. وأخبر أنّ «شوشو» كان يُحبّ استدعاء ضيوف الشرف، وأول ضيفة شرف ظهرت في مسرحياته كانت بديعة مصابني. لمسة وفاء لمدرسة «الفرجة» العربية وخفّتها.

الندوة مفيدة وممتعة؛ والإصغاء يترافق مع الرغبة بمزيد من السرد. ففارس يواكيم الذي عايش «شوشو» وكتب له مسرحيات، يحتفظ بذاكرة لا تكفي ساعة زمنية للغوص في طبقاتها. قال إنّ اسم «شوشو» طغى على كلّ ما عداه، حتى إنّ بيرج فازليان قال لخالدة سعيد إنّ مسرح «شوشو» كان تحت الأرض، والجمهور يبدأ الضحك وهو ينزل الدرج إلى المقاعد! وأضاف: «كان الناس يقولون: نحن ذاهبون لمُشاهدة (شوشو)». لا اسم الكاتب ولا المُخرج ولا الشركاء، اسمه فقط. وكما عُرِف «مسرح سارة برنار» و«مسرح نجيب الريحاني»، اشتُهر في لبنان «مسرح شوشو». ولم يفُت يواكيم الشاهد على تحولات الزمن، التوقُّف عند إسهام بيروت في نهضة «شوشو»، قائلاً إنها مدينة ناجحة ولَّدت ناجحين.

بيروت تتذكر ابنها الذي ضحك كي لا ينهار (الشرق الأوسط)

ولمّا فرغ من شهادته، قرأت ميراي بانوسيان من نصوص المُكرَّم. ذكرت ابنه الراحل خضر علاء الدين، وكيف أنه ووالده تشاركا شغف المهنة والعمل بجدّ لأجلها. واستعادت زمن الجامعة يوم أُسنِد إليها دور في «آخ يا بلدنا»، فتمنَّت لو أنها عاشت العصر الذهبي الذي كان فيه المسرح جزءاً من سحر المدينة.

صَدَق أحمد الزين، المعروف بـ«ابن البلد»، بأنّ «شحّادين يا بلدنا» تحتمل الإسقاط على فقراء اليوم. ذَكَر الفقر والجوع والتشرُّد، ونال تفاعل الحضور وهو يقرأ كأنه يُلقي الشِّعر ويضرب على الأوتار. غير أنّ تدفّقه إلى خطاب سياسيّ مباشر بدا خروجاً عن المزاج العام، وأخذ الحوار إلى منحى آخر. المفارقة أنّ «شوشو» نفسه كان ناقداً سياسياً، لكنه مرَّر القهر الاجتماعي والنقد السياسي بضحكة وبلا صدام خطابي واضح الاتجاه. رهافته جعلت الرسالة تصل من دون أن تتحوَّل إلى منبر.

وعبر الفيديو، أطلّ ناجي الشامل، أخو زوجة المُكرَّم، ليتحدَّث عن «شوشو» الإنسان: تراكُم الديون، قلق البيت، الإصرار على عدم التنازل عن معايير الفنّ، والعطاء حتى النهاية. قال إنه كان مُدخّناً شرهاً وشارب قهوة بإفراط، لكنه مَلَك قلباً قادراً على منح الحبّ واللطف بلا مقابل. على الخشبة كان ينفصل عن همومه ليُضحك ويسخر وينتقد الواقع نفسه.

طرح أسئلة البلد قبل 50 عاماً كما لو أنها أسئلة اليوم (الشرق الأوسط)

وتوقّف الناقد هنري الكيك عند صوت «شوشو»: «لم يستطع أحد تحديد ماهيته». طوراً صوتُ طفل، وطوراً صوتُ رجل، ثم جهوريٌّ في لحظة، ورهيفٌ في أخرى. كأنّ مجموعة أصوات تسكن حنجرة واحدة، لذوبانه في النصوص وتسليمه نفسه للكلمة التي تُطوّع صوته كما تشاء. هذه القدرة على تبديل الطبقات جعلت «شوشو» أقرب إلى «آلة موسيقية» تُخرج النغمة المناسبة بدقّة توقيت.

وفي النقاش الذي أدارته جوزيان بولس، برز سؤال اللغة والسلوك في زمن المعايير الجديدة. المقصود تلك الحساسية المعاصرة التي تُعيد التفكير في النكات والصور النمطية والتجريح المُتعلّق بالجسد والجندر والهوية؛ فتساءلت كيف نكتب كوميديا ذكية تحترم هذا الوعي من دون أن تفقد جرأتها ولذّة لَسْعها النقدي؟

ثم الختام؛ ردَّد الحضور مع نوار، ابنة المُكرَّم، «نانا الحلوة نانا» التي غنّاها «شوشو» لها، ومن خلالها للصغار، فسكنت الذاكرة العامة بوصفها أغنية طفولية لا تشيخ. لحظةٌ أخيرة تؤكد بأنّ الرجل الذي صنع ضحكة المدينة كان يعرف أيضاً كيف يضع يده على قلب الطفل فيها.


مقالات ذات صلة

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لقاء لإطلاق مشروع حماية وصون الأراجوز (وزارة الثقافة المصرية)

«اليونسكو» تدشن مشروعاً لحماية وصيانة فن الأراجوز في مصر

أطلقت مصر مشروع «صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز للدمى اليدوية التقليدية في مصر»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

محمد الكفراوي (القاهرة )

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».