كيف تحوّل السعودية الأمن السيبراني من درع دفاعية إلى محرك للنمو الاقتصادي؟

رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
TT

كيف تحوّل السعودية الأمن السيبراني من درع دفاعية إلى محرك للنمو الاقتصادي؟

رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)

لم يعد الأمن السيبراني مجرد وسيلة للحماية، بل أصبح محركاً استراتيجياً للنمو، يعزز الابتكار، وينمّي الكفاءات، ويعزز التنافسية على المستوى العالمي.

ووفقاً لبيانات شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) الشرق الأوسط، تتصدر السعودية المنطقة في نضج واستعداد الأمن السيبراني، إذ تخطط 87 في المائة من الشركات لاعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) في الدفاع السيبراني خلال السنوات المقبلة. يضع هذا التحول المملكة في موقع ريادي نحو اقتصاد رقمي آمن، ومتقدم.

يقول سامر عمر، مدير قسم الأمن السيبراني والثقة الرقمية في «بي دبليو سي» الشرق الأوسط: «إن السعودية أصبحت واحدة من أبرز الأسواق عالمياً من حيث الجاهزية والنضج السيبراني». ويشيد خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» باستثمار المملكة المتواصل في الحلول المبتكرة، والتقنيات الناشئة، ومن بينها استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الدفاع السيبراني.

سامر عمر مدير قسم الأمن السيبراني والثقة الرقمية في «بي دبليو سي» الشرق الأوسط (بي دبليو سي)

الأمن الذكي ونمو الشركات الوطنية

يشير عمر إلى أن شركة الذكاء الاصطناعي «هيوماين» (HUMAIN) وغيرها تسهم في بناء قدرات وطنية متقدمة من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في حلول الأمن السيبراني. ويضيف أن الجيل الجديد من الاستخدامات يشمل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لاستبدال محللي الأمن في المستويين الأول والثاني في مراكز الدفاع، أو لأتمتة عمليات تقييم الالتزام بمعايير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA) دون تدخل بشري كبير. ويقول: «لقد بدأت الشركات الوطنية فعلاً في تطوير حلول أمنية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي ضمن بنيتها. هذه الابتكارات ستساعد المملكة على ترسيخ مكانتها باعتبار أنها مركز عالمي للأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي.»

ومع ذلك، ينوه عمر إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي يرافقه تحدٍ متزايد. إذ يرى ثلث قادة الشركات في الشرق الأوسط أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وسّع من نطاق الهجمات المحتملة، ما يستدعي بناء حوكمة واضحة، وتنمية وعي مؤسسي حول الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتقنيات. ويؤكد أنه «يجب على المؤسسات تعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي، ووضع أطر حوكمة تضمن الاستخدام المسؤول له، بالتوازي مع تطوير التشريعات التي تُحمّل الأفراد والمنظمات المسؤولية عن ممارساتهم».

من الرقابة إلى بناء الثقة الرقمية

أظهرت دراسة شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) الشرق الأوسط أن 63 في المائة من مجالس إدارات الشركات في الشرق الأوسط تُعد فعالة في الإشراف على قضايا الأمن السيبراني، لكن نسبة السرعة في الاستجابة للحوادث لا تتجاوز 27 في المائة. ويرى عمر أن سد هذه الفجوة يبدأ من وعي القيادة التنفيذية. ويوضح أنه «على مديري الأمن المعلوماتي (CISOs) أن يرتقوا بدورهم ليصبحوا مستشارين موثوقين لدى مجالس الإدارة، وأن يتحدثوا بلغة الأعمال لا بلغة التقنية. كما يُتوقع منهم أن يصبحوا سفراء للثقة الرقمية داخل مؤسساتهم.»

ويتابع أن تطور أدوات قياس المخاطر السيبرانية آلياً التي تستخدمها أكثر من نصف الشركات في المنطقة سيمكن مجالس الإدارة السعودية من تحويل الأرقام إلى قرارات استثمارية أكثر دقة، عبر بناء نماذج واضحة للعائد على الاستثمار في الأمن السيبراني. ويصرح بأن «ذلك قد يؤدي مستقبلاً إلى ظهور نماذج تجارية جديدة تُربط فيها رسوم مقدمي خدمات الأمن بأدائهم في منع الاختراقات، أو الحد من الخسائر الناتجة عنها».

نمو الحوسبة السحابية

تسعى 68 في المائة من الشركات السعودية إلى نقل معظم عملياتها إلى السحابة خلال عام 2025، وهو تحول يتطلب موازنة دقيقة بين تسارع التحول الرقمي، ومتطلبات توطين البيانات والسيادة الرقمية.

يلفت عمر إلى أن «السعودية أصبحت مقراً لأكبر مزودي خدمات الحوسبة السحابية في العالم، ما يعزز مكانتها باعتبار أنها اقتصاد رقمي رائد، مع ضمان سيادة البيانات، وخصوصيتها». وقد تحقق ذلك بفضل التنظيم الصارم من الجهات المختصة، مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA)، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، وهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST). ويعد أن الشراكات الاستراتيجية مع شركات كبرى مثل «أرامكو» و«إس تي سي» (STC) ساعدت على تطوير الكفاءات المحلية، وتسريع التحول السحابي في مختلف القطاعات.

بحلول 2030 تسعى السعودية لتصدير خبراتها ومنتجاتها السيبرانية لتصبح قوة عالمية في الاقتصاد الرقمي (شاترستوك)

دروس من المشاريع العملاقة

يعتبر عمر أن مشاريع «نيوم» و«البحر الأحمر» و«القدية» تمثل مختبرات حقيقية لتطبيق مفاهيم الأمن السيبراني الحديثة، نظراً لتداخل أنظمة تكنولوجيا المعلومات (IT)، والتشغيل الصناعي (OT)، وإنترنت الأشياء (IoT) فيها. ويوضح أن «هذه المشاريع تتبنّى فلسفة (الأمن بالتصميم)، حيث يتم إشراك خبراء الأمن والخصوصية والمرونة في المراحل الأولى من التصميم، لضمان دمج الضوابط الأمنية ضمن البنية الأساسية، والثقافة المؤسسية. وهذا النهج قلل من المخاطر، وغرس ثقافة مرونة سيبرانية في مستويات القيادة العليا».

حوكمة رشيقة ومعايير عالمية

رغم أن 25 في المائة فقط من الشركات في المنطقة تشعر بثقة عالية في قدرتها على الامتثال للوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والمرونة الرقمية، يرى عمر أن السعودية تمثل نموذجاً عالمياً في هذا المجال. ويضيف أن «الجهات التنظيمية في المملكة تتحرك بسرعة ومرونة، فهي تراقب النماذج الناجحة عالمياً، وتبني عليها بما يتلاءم مع احتياجاتها المحلية، كما تقدم دعماً عملياً عبر الأدلة الإرشادية، والتعاون مع الجامعات لإدماج هذه المعايير في المناهج الأكاديمية».

رأس المال البشري والثقة الرقمية

يركز عمر خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن رأس المال البشري هو العنصر الأهم في تعزيز النضج السيبراني الوطني. ومع تسارع تبنّي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، تصبح الشراكات بين القطاعين العام والخاص أكثر إلحاحاً لتأهيل الكفاءات المحلية. ويؤكد أن «العنصر البشري هو الأساس، ولا بد من إنشاء مراكز تميز، ومختبرات محاكاة (Cyber Ranges) تتيح للكوادر السعودية التدريب في بيئات واقعية، واختبار الحلول الأمنية قبل تطبيقها فعلياً». ويؤكد أن 73 في المائة من الشركات في المنطقة تعتبر الأمن السيبراني عنصراً أساسياً لبناء الثقة مع العملاء، ما يحوله من مجرد أداة حماية إلى ميزة تنافسية تعزز السمعة، والإيرادات.

ويقول عمر: «في الاقتصاد الرقمي الثقة هي العملة الأهم. عندما تستثمر المؤسسات في السرية والسلامة والمرونة، فهي لا تحمي بياناتها فحسب، بل تبني سمعتها، وتفتح فرصاً للنمو المستدام».

من المرونة إلى الريادة

ينهي عمر حديثه برؤية مستقبلية طموحة تفيد بأن «السعودية تتصدر حالياً مجالات التنظيم، والابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري، والخطوة التالية ستكون تصدير منتجاتها وخبراتها في مجال الأمن السيبراني لدعم أسواق أخرى، مما سيجعلها قوة سيبرانية عالمية بحلول 2030». وبينما تمضي المملكة قدماً في دمج الثقة الرقمية ضمن استراتيجيتها الاقتصادية، فإنها لا تعيد تعريف كيفية الدفاع عن العالم الرقمي فحسب، بل أيضاً كيف يمكن تحويل الحماية إلى نمو مستدام، وميزة تنافسية طويلة الأمد.


مقالات ذات صلة

هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
شؤون إقليمية أعلنت مجموعة القرصنة الإيرانية «حنظلة» أنه «تم تنفيذ عمليتنا السيبرانية الكبيرة بنجاح تام» (رويترز)

مجموعة إيرانية تتبنى قرصنة واسعة لشركة طبية أميركية

أعلنت مجموعة قرصنة إلكترونية مرتبطة بإيران مسؤوليتها، الأربعاء، عن هجوم واسع النطاق على شركة «سترايكر» الأميركية العملاقة للتكنولوجيا الطبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

يتحول الاحتيال الرقمي إلى منظومة عالمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع تضاعف احتيال العملاء، وازدهار أسواق الإنترنت المظلم، وتسارع المدفوعات الرقمية

نسيم رمضان (لندن)
العالم خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

يربك التشويش الإلكتروني أنظمة توجيه الصواريخ الذكية عبر حجب أو تزوير الإشارات، ما يؤدي إلى انحرافها وفقدان دقة إصابة الهدف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص تعقيد البيئات متعددة السحابة والهوية الرقمية يجعل التعافي أكثر ترابطاً من مجرد استعادة بيانات (شاترستوك)

خاص هل التعافي السيبراني هو الحلقة الخفية في معادلة الذكاء الاصطناعي؟

تسارع الذكاء الاصطناعي في السعودية يبرز التعافي السيبراني كشرط أساسي لضمان الثقة واستمرارية الخدمات الحيوية على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
TT

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)

أقرّ البرلمان الأوروبي، الخميس، قانوناً يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ«تعرية» الأشخاص من دون موافقتهم.

وتمّ تبني القرار في نصّ أُقرّ بأغلبية ساحقة (569 صوتاً مقابل 45 صوتاً معارضاً) خلال جلسة عامة للبرلمان في بروكسل، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بيان صادر عن البرلمان أن الأمر يتعلّق بحظر برامج «التعرية» التي «تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو التلاعب بصور ذات إيحاءات جنسية واضحة، أو صور في وضع حميم تشبه شخصاً حقيقياً يمكن التعرّف عليه، من دون موافقة هذا الشخص».

ولا يطبّق النص على أنظمة الذكاء الاصطناعي المزوّدة «بتدابير أمنية فعّالة» تحول دون هذه الممارسات.

وكانت دول الاتحاد الأوروبي أقرّت هذا الشهر إجراء مشابهاً. وسيتعيّن عليها الآن التفاوض مع البرلمان للتوصل إلى صياغة متقاربة، قبل أن يصبح من الممكن تطبيق الإجراء.

وتأتي هذه المبادرات خصوصاً بعد إدخال خاصية قبل بضعة أشهر في تطبيق «غروك» للذكاء الاصطناعي تتيح للمستخدمين أن يطلبوا منه تركيب صور مزيفة قريبة جداً من الواقعية (ديب فيك) لنساء وأطفال عراة، انطلاقاً من صور حقيقية.

وأثارت هذه القضية موجة استنكار في العديد من الدول ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى فتح تحقيق.

كما وافق البرلمان في النص ذاته، على إرجاء دخول قوانين أوروبية جديدة حيّز التنفيذ بشأن أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات المخاطر العالية، أي تلك العاملة في مجالات حساسة كالأمن أو الصحة أو الحقوق الأساسية.

وكان من المفترض أن تدخل هذه القواعد حيّز التنفيذ في أغسطس (آب) 2026. وعلى غرار الدول الأعضاء، اقترح النواب الأوروبيون تاريخين محدّدين لهذا التأجيل، في حين كانت المفوضية الأوروبية تريد منح الشركات جدولاً زمنياً أكثر مرونة.

والتاريخان هما: الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2027 للأنظمة المستقلة ذات المخاطر العالية، والثاني من أغسطس (آب) 2028 للأنظمة المدمجة في برامج أو منتجات أخرى.


«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
TT

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

في خطوة تعكس تسارع الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، أعلنت «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، عن شراكة مع شركة «Turing» المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بهدف إنشاء سوق عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن منصة «HUMAIN ONE».

وتتمحور الفكرة حول توفير بيئة تمكّن الشركات من اكتشاف هذه الوكلاء وتطبيقها وتوسيع استخدامها عبر وظائف مختلفة، مثل الموارد البشرية والمالية والعمليات، في محاولة لتسريع الانتقال من استخدام أدوات رقمية تقليدية إلى نماذج تشغيل أكثر اعتماداً على الأتمتة الذكية.

يفتح المشروع المجال أمام المطورين لنشر حلولهم وبناء منظومة أوسع لما يُعرف بـ«اقتصاد الوكلاء» (شاترستوك)

منصات التشغيل الذكي

الشراكة تجمع بين ما تطوره «هيوماين» من بنية تحتية ونماذج ذكاء اصطناعي، وبين خبرة «Turing» في تقييم النماذج وضبطها وتطبيقها في بيئات العمل. الهدف المعلن هو الوصول إلى وكلاء ذكاء اصطناعي يمكن استخدامها على نطاق واسع داخل المؤسسات، وليس فقط في التجارب أو النماذج الأولية.

ويُتوقع أن يشكّل هذا السوق طبقة جديدة ضمن ما يُعرف بنماذج التشغيل القائمة على الوكلاء، حيث لا تقتصر البرمجيات على دعم سير العمل، بل تبدأ في تنفيذه بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات الوصول إلى وكلاء متخصصين حسب الوظيفة أو القطاع، ضمن بيئة مصممة لتكون قابلة للتوسع ومراعية لمتطلبات الأمان.

كما يفتح هذا التوجه المجال أمام المطورين وشركات التقنية لنشر حلولهم عبر المنصة، ما قد يساهم في بناء منظومة أوسع لوكلاء الذكاء الاصطناعي، تتجاوز حدود المؤسسات الفردية إلى سوق أكثر تكاملاً.

وتشير «هيوماين» إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة تعريف كيفية بناء البرمجيات واستخدامها داخل المؤسسات، عبر الانتقال من نموذج «البرمجيات كخدمة» إلى بيئات تعتمد على وكلاء قادرين على تنفيذ المهام والتعلم والتفاعل بشكل مستمر.

يعكس هذا التوجه تحولاً نحو نماذج تشغيل جديدة تعتمد على وكلاء أذكياء بدلاً من البرمجيات التقليدية داخل المؤسسات

اقتصاد الوكلاء الناشئ

من جانبه، يرى طارق أمين، الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين»، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في طبيعة البرمجيات المستخدمة داخل المؤسسات، قائلاً إن «المؤسسات في المستقبل لن تُبنى حول تطبيقات منفصلة، بل حول وكلاء أذكياء يعملون إلى جانب الإنسان». ويضيف أن هذه الشراكة تسعى إلى تسريع بناء سوق يربط بين قدرات المطورين واحتياجات المؤسسات.

بدوره، أشار جوناثان سيدهارث، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لـ«Turing»، إلى أن تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تطبيقات عملية يمثل التحدي الأساسي حالياً، موضحاً أن بناء سوق قائم على الوكلاء قد يسهم في جعل هذه التقنيات أكثر ارتباطاً بالإنتاجية الفعلية داخل المؤسسات.

وتأتي هذه الشراكة أيضاً في سياق أوسع يعكس طموح السعودية لتكون لاعباً في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من حيث الاستخدام، بل كمصدر للمنصات والحلول التقنية.

وبينما لا تزال فكرة «اقتصاد الوكلاء» في مراحل مبكرة، فإن الاتجاه نحو بناء منصات تجمع بين المطورين والمؤسسات يشير إلى تحول محتمل في طريقة تطوير البرمجيات وتبنيها. فبدلاً من شراء أدوات جاهزة، قد تتجه المؤسسات مستقبلاً إلى تشغيل منظومات من الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام متكاملة عبر مختلف أقسام العمل.

في هذا الإطار، تبدو «HUMAIN ONE» محاولة لبناء هذه الطبقة التشغيلية الجديدة، حيث لا تقتصر القيمة على التكنولوجيا نفسها، بل على كيفية تنظيمها وتكاملها داخل بيئات العمل.


السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.