تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

قطاع تجاري تصل قيمته إلى 7.5 مليار دولار

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال
TT

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

في 19 مايو (أيار) 2023، وُضعت صورة على ما كان تُعرف آنذاك بمنصة «تويتر»، تُظهر دخاناً يتصاعد من البنتاغون بعد انفجار ظاهري. انتشرت الصورة بسرعة هائلة. وفي غضون دقائق، انخفضت مؤشرات أسواق البورصة بشكل حاد، مما أدى إلى خسارة مليارات الدولارات من قيمتها السوقية. ثم ظهرت الحقيقة: كانت الصورة مزيَّفة، مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما كتب فيصل حق(*).

تقنية التزييف العميق تهزّ سوق الأسهم

تعافت الأسواق بنفس سرعة تراجعها، لكنَّ هذا الحدث مثّل نقطة تحول مهمة: كانت هذه هي المرة الأولى التي تتأثر فيها سوق الأسهم بشكل مباشر بتقنية التزييف العميق. ومن غير المرجح أن تكون الأخيرة. إذ نما اقتصاد التزييف العميق، وبعد أن كان مجرد فضول هامشي، أصبح سوقاً بقيمة 7.5 مليار دولار، مع بعض التوقعات التي تشير إلى أنها ستصل إلى 38.5 مليار دولار بحلول عام 2032.

استهداف الشركات للابتزاز أو إلحاق الضرر

تنتشر التزييفات العميقة الآن في كل مكان، وسوق الأسهم ليس القطاع الاقتصادي الوحيد المعرَّض لتأثيرها. يستهدف المسؤولون عن إنتاج التزييف العميق أيضاً الشركات الفردية، أحياناً بهدف ابتزاز الأموال وأحياناً أخرى لمجرد التسبب في أضرار.

في استطلاع رأي أجرته «ديلويت» Deloitte عام 2024، أفاد واحد من كل أربعة مديرين تنفيذيين بأن شركاتهم تعرضت لحوادث تزييف عميق استهدفت البيانات المالية والمحاسبية.

تشريعات قانونية لشفافية الذكاء الاصطناعي

وبدأ المشرعون الأميركيون ملاحظة هذا التهديد المتزايد، ففي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وقّع حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، قانون كاليفورنيا لشفافية الذكاء الاصطناعي ليصبح قانوناً. عندما طُرح القانون لأول مرة عام 2024، كان يُلزم كبار «مُزوّدي الخدمات الرائدين» -شركات مثل «أوبن ايه آي» و«أنثروبيك» وAnthropic، و«مايكروسوفت» و«غوغل»، و«إكس» بتطبيق أدوات تُسهّل على المستخدمين تحديد المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد وُسّع هذا الشرط الآن ليشمل «المنصات الإلكترونية الكبيرة» -أي منصات التواصل الاجتماعي- ومُنتجي الأجهزة التي تلتقط المحتوى.

وهذا التشريع مهم وضروري، وقد طال انتظاره. ولكنه بعيد كل البعد عن الكفاية، فالتأثير التجاري المُحتمل لتقنيات التزييف العميق يتجاوز بكثير ما يُمكن لأي تشريع مُنفرد مُعالجته.

وإذا أراد قادة الأعمال مُعالجة هذه الآثار، فعليهم أن يكونوا مُتنبّهين للخطر، وأن يُدركوه، وأن يتخذوا خطوات للحد من المخاطر التي تُهدد مؤسساتهم.

تهديدات التزييف لقطاع الأعمال

كيف تُهدّد تقنيات التزييف العميق الأعمال؟ فيما يلي ثلاث طرق مهمة ومترابطة يُمكن أن تُلحق بها تقنيات التزييف العميق الضرر بالأعمال:

* الهجمات المباشرة. الناقل الرئيسي للهجمات المباشرة هو انتحال الشخصية المُستهدف المُصمّم لابتزاز الأموال أو استخراج المعلومات. يُمكن أن تُسبّب مثل هذه الهجمات خسائر حتى للمُشغّلين المُحنّكين بملايين الدولارات.

حادثة ابتزاز كبرى في هونغ كونغ

على سبيل المثال، خسرت شركة الهندسة العملاقة البريطانية «Arup 200» مليون دولار هونغ كونغي (نحو 25 مليون دولار) العام الماضي بعد أن استخدم المحتالون نسخاً مُولّدة بالذكاء الاصطناعي لكبار المديرين التنفيذيين لطلب تحويلات مالية. وأكدت شرطة هونغ كونغ، التي وصفت السرقة بأنها واحدة من كبرى عمليات الاحتيال بتقنية التزييف العميق في العالم، أنه تم استخدام أصوات وصور مزيفة في برنامج مؤتمرات الفيديو لخداع أحد الموظفين لإجراء 15 تحويلاً إلى حسابات مصرفية متعددة خارج الشركة.

وبعد بضعة أشهر، واجهت شركة «WPP»، أكبر شركة إعلانات في العالم، تهديداً مماثلاً عندما استنسخ المحتالون صوت وصورة الرئيس التنفيذي مارك ريد، وحاولوا طلب المال ومعلومات حساسة من زملائهم. ومع أن المحاولة فشلت، لكن الشركة أكدت أنه تم استخدام نسخة مُقنعة من قائدها في عملية الاحتيال.

وبينما لا تزال القدرة على إنشاء بدائل رقمية يمكنها التحدث والتصرف بطريقة مقنعة في مهدها، فإن القدرات المتاحة للمحتالين قوية للغاية بالفعل. قريباً، سيصبح من المستحيل على البشر في معظم الحالات معرفة ما إذا كانوا يتفاعلون مع التزييف العميق أم مع الوقائع، بناءً على الإشارات الصوتية أو البصرية فقط.

صعوبات التحقّق وفقدان الثقة

* ارتفاع تكاليف التحقق: حتى المؤسسات التي لا تُستهدف مباشرةً، لا تزال تدفع ثمن التبعات. فكل تزييف عميق يتم تداوله -سواءً كان عرضاً لرئيس تنفيذي مزيَّف، أو حدثاً إخبارياً مُلفّقاً، أو إعلاناً مزيفاً- يرفع التكلفة الإجمالية لممارسة الأعمال. والنتيجة هي عبء تحقق متزايد يقع على عاتق كل شركة الآن لمجرد إثبات أن اتصالاتها حقيقية وأفعالها موثوقة.

تُشدّد الشركات بالفعل بروتوكولات الأمن الداخلي استجابةً لهذه التهديدات. وتشير شركة «غارتنر» إلى أنه بحلول عام 2026، ستبحث نحو 30 في المائة من المؤسسات التي تعتمد على أدوات أمان التعرف على الوجه عن حلول بديلة، لأن هذه الأشكال من الحماية أصبحت غير موثوقة بسبب التزييف العميق المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

وسيتطلب استبدال بهذه الأدوات بدائل أقل عرضة للخطر، استثمارات كبيرة. فكل طبقة تحقُّق إضافية -علامات مائية، وأدوات بيومترية للكشف عن هوية الشخص، وسجلات سلسلة الحفظ، والمراجعة الجنائية- تُضيف تكاليف أخرى، وتُبطئ عملية اتخاذ القرار، وتُعقّد سير العمل. وستستمر هذه التكاليف في الازدياد مع تطور أدوات التزييف العميق.

* تقويض الثقة بالوسائط الرقمية: بالإضافة إلى التكاليف المباشرة المترتبة على مواجهة تهديدات أمن التزييف العميق، فإن مجرد احتمال استخدام شخص ما هذه التقنية يُضعف الثقة بجميع العلاقات القائمة على الوسائط الرقمية. ونظراً لأن جميع العلاقات التجارية تقريباً تعتمد الآن على شكل من أشكال الاتصال الرقمي، فإن هذا يعني أن التزييف العميق لديه القدرة على تقويض الثقة في جميع العلاقات التجارية تقريباً.

على سبيل المثال، تُعدّ مكالمات الهاتف والفيديو من أبسط الأدوات وأكثرها شيوعاً في اتصالات الأعمال الحديثة. ولكن إذا لم تتمكن من التأكد من أن هوية الشخص على الشاشة أو على الطرف الآخر من الهاتف، فكيف يمكنك الوثوق بأي شيء يقوله؟ وإذا كنت تعمل باستمرار في ظل حالة من عدم اليقين بشأن موثوقية قنوات الاتصال الخاصة بك، فكيف يمكنك العمل بشكل منتج؟

إذا بدأنا نشك في شيء أساسي مثل وسائل تواصلنا اليومية، فستكون النتيجة في النهاية شكوكاً واسعة النطاق تتسرب إلى كل علاقة، داخل أماكن عملنا وخارجها. هذا النوع من الشك يُقوّض الكفاءة التشغيلية، ويُضيف طبقات من التعقيد إلى إبرام الصفقات، ويزيد من الاحتكاك في أي مهمة تتطلب التواصل من بُعد. هذه هو «ضريبة الثقة» -تكلفة ممارسة الأعمال التجارية في عالم قد يكون فيه أي شيء مزيفاً.

خطوات ينبغي اتخاذها

هناك أربع خطوات ينبغي على الشركات وجميع قادة الأعمال اتخاذها للتصدي لخطر التزييف العميق:

التحقق مما هو مهم.

* استخدم التوقيعات المشفرة للبيانات الرسمية، ومقاطع الفيديو التنفيذية ذات العلامات المائية، وقنوات الاتصال، واستخدم علامات المصدر للمحتوى الحساس. لا تحاول تأمين كل شيء -ركّز جهود التحقق على الأماكن التي تُلحق الأكاذيب؛ الضرر الأكبر.

* أنشئ مركزاً لـ«مصدر الحقيقة». أنشئ صفحة تحقُّق عامة تُدرج فيها قنواتك الرسمية، وجهات اتصالك الصحافية، وطرق المصادقة -يجب أن يعرف أصحاب المصلحة بالضبط أين يذهبون للتأكد من صحة المعلومات. إذا كانت مؤسستك تعتمد على مصادر معلومات خارجية لاتخاذ قرارات سريعة، فتأكد من أن الوصول إليها يتم فقط من خلال مراكز مصادقة مماثلة.

* دورات تدريبية لعصر التزييف العميق. أجرِ تدريباتٍ للتوعية بالتزييف العميق، وعزّز ثقافة التحقق في عمليات التوظيف والتدريب الإعلامي والتواصل مع العملاء.

* اعتبر أدوات الكشف بنيةً تحتيةً أساسية. استثمر في أدواتٍ تُمكّن من تحديد الوسائط المُتلاعب بها آنياً، ثمّ ادمج هذه الحلول في سير العمل الرئيسي -الموافقات المالية، ومقابلات الموارد البشرية، واتصالات المستثمرين. ففي عصر التزييف العميق، يُعدّ التحقق قدرةً تشغيليةً أساسية.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».