تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

قطاع تجاري تصل قيمته إلى 7.5 مليار دولار

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال
TT

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

تقنية التزييف العميق... تهز الأسواق وتخترق ميدان الأعمال

في 19 مايو (أيار) 2023، وُضعت صورة على ما كان تُعرف آنذاك بمنصة «تويتر»، تُظهر دخاناً يتصاعد من البنتاغون بعد انفجار ظاهري. انتشرت الصورة بسرعة هائلة. وفي غضون دقائق، انخفضت مؤشرات أسواق البورصة بشكل حاد، مما أدى إلى خسارة مليارات الدولارات من قيمتها السوقية. ثم ظهرت الحقيقة: كانت الصورة مزيَّفة، مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما كتب فيصل حق(*).

تقنية التزييف العميق تهزّ سوق الأسهم

تعافت الأسواق بنفس سرعة تراجعها، لكنَّ هذا الحدث مثّل نقطة تحول مهمة: كانت هذه هي المرة الأولى التي تتأثر فيها سوق الأسهم بشكل مباشر بتقنية التزييف العميق. ومن غير المرجح أن تكون الأخيرة. إذ نما اقتصاد التزييف العميق، وبعد أن كان مجرد فضول هامشي، أصبح سوقاً بقيمة 7.5 مليار دولار، مع بعض التوقعات التي تشير إلى أنها ستصل إلى 38.5 مليار دولار بحلول عام 2032.

استهداف الشركات للابتزاز أو إلحاق الضرر

تنتشر التزييفات العميقة الآن في كل مكان، وسوق الأسهم ليس القطاع الاقتصادي الوحيد المعرَّض لتأثيرها. يستهدف المسؤولون عن إنتاج التزييف العميق أيضاً الشركات الفردية، أحياناً بهدف ابتزاز الأموال وأحياناً أخرى لمجرد التسبب في أضرار.

في استطلاع رأي أجرته «ديلويت» Deloitte عام 2024، أفاد واحد من كل أربعة مديرين تنفيذيين بأن شركاتهم تعرضت لحوادث تزييف عميق استهدفت البيانات المالية والمحاسبية.

تشريعات قانونية لشفافية الذكاء الاصطناعي

وبدأ المشرعون الأميركيون ملاحظة هذا التهديد المتزايد، ففي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وقّع حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، قانون كاليفورنيا لشفافية الذكاء الاصطناعي ليصبح قانوناً. عندما طُرح القانون لأول مرة عام 2024، كان يُلزم كبار «مُزوّدي الخدمات الرائدين» -شركات مثل «أوبن ايه آي» و«أنثروبيك» وAnthropic، و«مايكروسوفت» و«غوغل»، و«إكس» بتطبيق أدوات تُسهّل على المستخدمين تحديد المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد وُسّع هذا الشرط الآن ليشمل «المنصات الإلكترونية الكبيرة» -أي منصات التواصل الاجتماعي- ومُنتجي الأجهزة التي تلتقط المحتوى.

وهذا التشريع مهم وضروري، وقد طال انتظاره. ولكنه بعيد كل البعد عن الكفاية، فالتأثير التجاري المُحتمل لتقنيات التزييف العميق يتجاوز بكثير ما يُمكن لأي تشريع مُنفرد مُعالجته.

وإذا أراد قادة الأعمال مُعالجة هذه الآثار، فعليهم أن يكونوا مُتنبّهين للخطر، وأن يُدركوه، وأن يتخذوا خطوات للحد من المخاطر التي تُهدد مؤسساتهم.

تهديدات التزييف لقطاع الأعمال

كيف تُهدّد تقنيات التزييف العميق الأعمال؟ فيما يلي ثلاث طرق مهمة ومترابطة يُمكن أن تُلحق بها تقنيات التزييف العميق الضرر بالأعمال:

* الهجمات المباشرة. الناقل الرئيسي للهجمات المباشرة هو انتحال الشخصية المُستهدف المُصمّم لابتزاز الأموال أو استخراج المعلومات. يُمكن أن تُسبّب مثل هذه الهجمات خسائر حتى للمُشغّلين المُحنّكين بملايين الدولارات.

حادثة ابتزاز كبرى في هونغ كونغ

على سبيل المثال، خسرت شركة الهندسة العملاقة البريطانية «Arup 200» مليون دولار هونغ كونغي (نحو 25 مليون دولار) العام الماضي بعد أن استخدم المحتالون نسخاً مُولّدة بالذكاء الاصطناعي لكبار المديرين التنفيذيين لطلب تحويلات مالية. وأكدت شرطة هونغ كونغ، التي وصفت السرقة بأنها واحدة من كبرى عمليات الاحتيال بتقنية التزييف العميق في العالم، أنه تم استخدام أصوات وصور مزيفة في برنامج مؤتمرات الفيديو لخداع أحد الموظفين لإجراء 15 تحويلاً إلى حسابات مصرفية متعددة خارج الشركة.

وبعد بضعة أشهر، واجهت شركة «WPP»، أكبر شركة إعلانات في العالم، تهديداً مماثلاً عندما استنسخ المحتالون صوت وصورة الرئيس التنفيذي مارك ريد، وحاولوا طلب المال ومعلومات حساسة من زملائهم. ومع أن المحاولة فشلت، لكن الشركة أكدت أنه تم استخدام نسخة مُقنعة من قائدها في عملية الاحتيال.

وبينما لا تزال القدرة على إنشاء بدائل رقمية يمكنها التحدث والتصرف بطريقة مقنعة في مهدها، فإن القدرات المتاحة للمحتالين قوية للغاية بالفعل. قريباً، سيصبح من المستحيل على البشر في معظم الحالات معرفة ما إذا كانوا يتفاعلون مع التزييف العميق أم مع الوقائع، بناءً على الإشارات الصوتية أو البصرية فقط.

صعوبات التحقّق وفقدان الثقة

* ارتفاع تكاليف التحقق: حتى المؤسسات التي لا تُستهدف مباشرةً، لا تزال تدفع ثمن التبعات. فكل تزييف عميق يتم تداوله -سواءً كان عرضاً لرئيس تنفيذي مزيَّف، أو حدثاً إخبارياً مُلفّقاً، أو إعلاناً مزيفاً- يرفع التكلفة الإجمالية لممارسة الأعمال. والنتيجة هي عبء تحقق متزايد يقع على عاتق كل شركة الآن لمجرد إثبات أن اتصالاتها حقيقية وأفعالها موثوقة.

تُشدّد الشركات بالفعل بروتوكولات الأمن الداخلي استجابةً لهذه التهديدات. وتشير شركة «غارتنر» إلى أنه بحلول عام 2026، ستبحث نحو 30 في المائة من المؤسسات التي تعتمد على أدوات أمان التعرف على الوجه عن حلول بديلة، لأن هذه الأشكال من الحماية أصبحت غير موثوقة بسبب التزييف العميق المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

وسيتطلب استبدال بهذه الأدوات بدائل أقل عرضة للخطر، استثمارات كبيرة. فكل طبقة تحقُّق إضافية -علامات مائية، وأدوات بيومترية للكشف عن هوية الشخص، وسجلات سلسلة الحفظ، والمراجعة الجنائية- تُضيف تكاليف أخرى، وتُبطئ عملية اتخاذ القرار، وتُعقّد سير العمل. وستستمر هذه التكاليف في الازدياد مع تطور أدوات التزييف العميق.

* تقويض الثقة بالوسائط الرقمية: بالإضافة إلى التكاليف المباشرة المترتبة على مواجهة تهديدات أمن التزييف العميق، فإن مجرد احتمال استخدام شخص ما هذه التقنية يُضعف الثقة بجميع العلاقات القائمة على الوسائط الرقمية. ونظراً لأن جميع العلاقات التجارية تقريباً تعتمد الآن على شكل من أشكال الاتصال الرقمي، فإن هذا يعني أن التزييف العميق لديه القدرة على تقويض الثقة في جميع العلاقات التجارية تقريباً.

على سبيل المثال، تُعدّ مكالمات الهاتف والفيديو من أبسط الأدوات وأكثرها شيوعاً في اتصالات الأعمال الحديثة. ولكن إذا لم تتمكن من التأكد من أن هوية الشخص على الشاشة أو على الطرف الآخر من الهاتف، فكيف يمكنك الوثوق بأي شيء يقوله؟ وإذا كنت تعمل باستمرار في ظل حالة من عدم اليقين بشأن موثوقية قنوات الاتصال الخاصة بك، فكيف يمكنك العمل بشكل منتج؟

إذا بدأنا نشك في شيء أساسي مثل وسائل تواصلنا اليومية، فستكون النتيجة في النهاية شكوكاً واسعة النطاق تتسرب إلى كل علاقة، داخل أماكن عملنا وخارجها. هذا النوع من الشك يُقوّض الكفاءة التشغيلية، ويُضيف طبقات من التعقيد إلى إبرام الصفقات، ويزيد من الاحتكاك في أي مهمة تتطلب التواصل من بُعد. هذه هو «ضريبة الثقة» -تكلفة ممارسة الأعمال التجارية في عالم قد يكون فيه أي شيء مزيفاً.

خطوات ينبغي اتخاذها

هناك أربع خطوات ينبغي على الشركات وجميع قادة الأعمال اتخاذها للتصدي لخطر التزييف العميق:

التحقق مما هو مهم.

* استخدم التوقيعات المشفرة للبيانات الرسمية، ومقاطع الفيديو التنفيذية ذات العلامات المائية، وقنوات الاتصال، واستخدم علامات المصدر للمحتوى الحساس. لا تحاول تأمين كل شيء -ركّز جهود التحقق على الأماكن التي تُلحق الأكاذيب؛ الضرر الأكبر.

* أنشئ مركزاً لـ«مصدر الحقيقة». أنشئ صفحة تحقُّق عامة تُدرج فيها قنواتك الرسمية، وجهات اتصالك الصحافية، وطرق المصادقة -يجب أن يعرف أصحاب المصلحة بالضبط أين يذهبون للتأكد من صحة المعلومات. إذا كانت مؤسستك تعتمد على مصادر معلومات خارجية لاتخاذ قرارات سريعة، فتأكد من أن الوصول إليها يتم فقط من خلال مراكز مصادقة مماثلة.

* دورات تدريبية لعصر التزييف العميق. أجرِ تدريباتٍ للتوعية بالتزييف العميق، وعزّز ثقافة التحقق في عمليات التوظيف والتدريب الإعلامي والتواصل مع العملاء.

* اعتبر أدوات الكشف بنيةً تحتيةً أساسية. استثمر في أدواتٍ تُمكّن من تحديد الوسائط المُتلاعب بها آنياً، ثمّ ادمج هذه الحلول في سير العمل الرئيسي -الموافقات المالية، ومقابلات الموارد البشرية، واتصالات المستثمرين. ففي عصر التزييف العميق، يُعدّ التحقق قدرةً تشغيليةً أساسية.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.