مجوهرات الفيروز والذهب... زواج يتجدد بلغة العصر

عالم المجوهرات يتكلم مصري

الممثلتان هدى المفتي وسلمى أبو ضيف خلال حفل الافتتاح ومجوهرات من عزة فهمي (إنستغرام)
الممثلتان هدى المفتي وسلمى أبو ضيف خلال حفل الافتتاح ومجوهرات من عزة فهمي (إنستغرام)
TT

مجوهرات الفيروز والذهب... زواج يتجدد بلغة العصر

الممثلتان هدى المفتي وسلمى أبو ضيف خلال حفل الافتتاح ومجوهرات من عزة فهمي (إنستغرام)
الممثلتان هدى المفتي وسلمى أبو ضيف خلال حفل الافتتاح ومجوهرات من عزة فهمي (إنستغرام)

افتتاح المتحف المصري الكبير الذي تابعنا فعالياته مؤخراً أعاد لنا ذلك الافتتان لدرجة الهوس بكل ما هو مصري في مجالات فنية وإبداعية متنوعة. كما أعاد وهج حضارة قديمة لم ينضب نبعها في أي وقت من الأوقات، من خلال المجوهرات والأزياء.

فهذه لم تكن تستعمل بوصفها زينة وزخرفة فحسب. في تطريزاتها، سواء كانت جلية أو مبطنة، رموز للحماية من العين، وطاقة الحسد، وبالتالي تجلب الطاقة الإيجابية، مثل الحظ، والصحة، وما شابه.

الممثلتان هدى المفتي وسلمى أبو ضيف خلال حفل الافتتاح ومجوهرات من عزة فهمي (إنستغرام)

ربما لن يصل هذا الافتتان درجة الهوس التي أصابت العالم في عام 1922 عندما اكتشف العالم البريطاني هوارد كارتر مقبرة الملك الفرعوني الصغير توت عنخ آمون أول مرة، لكنه حتماً سيؤثر على الكثير من المسارات الإبداعية، لا سيما قطاع المجوهرات.

فمن منا لا يتذكر كيف أشعل الاكتشاف روح المنافسة بين دور مجوهرات كبيرة حينها، مثل «كارتييه» و«فان كليف آند آربلز» و«بوشرون» و«تيفاني آند كو»، وكيف حفّزتهم على إبداع قطع تُجسِد رموزاً مثل اللوتس وعين حورس والأفعى واليعسوب وغيرها تعتبر حالياً استثماراً لا يقدر بثمن. أحجار كثيرة دخلت في هذه القطع، لكن الفيروز كان دائماً الحجر الأساسي في معظمها.

عالم المجوهرات... رموز وجمال

حولت المصممة عزة فهمي محلها بالمتحف إلى مغارة من الكنوز المصرية القديمة (عزة فهمي)

في الأسبوع الماضي، استبقت المصممة عزة فهمي هذا الحدث الضخم، وحوَّلت محلها الواقع بالمتحف إلى تجربة تحتفي بكل ما هو مصري فرعوني، وليس أدل على هذا من مجموعتها الأخيرة «الجعران»، التي اعتمدت الأشكال والرموز الثقافية القديمة أكثر من اعتمادها على حجر معين. هذه الثقة تعود إلى أنها من نسل هذه الحضارة، وبالتالي تفهم أسرارها وألغازها أكثر.

الأمر يختلف بالنسبة لدور المجوهرات العالمية، التي إلى جانب الأشكال الرمزية جعلت من حجر الفيروز عموداً مهماً في تصاميمها المصرية. كانت «تيفاني آند كو» من أوائل من استعمل الفيروز في مجوهراتها الرفيعة، حتى قبل اندلاع حمى مصر القديمة. بدأ اهتمامها به في أواخر القرن التاسع عشر، وازداد في بداية القرن العشرين، حين كانت لا تزال تستلهم من فن «الآرت نوفو». بيد أنها لم تسلم من العدوى، وسرعان ما ركبت الموجة وقدّمت تصاميم عدة مستوحاة من مصر مثل عقد «عين حورس»، وأقراط وأساور على شكل أفعى، فضلاً عن قلادات مزينة باللوتس، وغيرها.

من المجوهرات التي تحاكي التحف هذه القطعة على شكل سلحفاة مرصعة بالفيروز والماس (تيفاني أند كو)

في الخمسينات انتقلت الحمى إلى دار «بولغري» التي أطلقت مجموعتها «سيربنتي» (Serpenti). ساعات ومجوهرات مرنة بانحناءات والتواءات الأفعى، التي كانت ترمز للحكمة والتجدد في مصر القديمة.

وفي الستينات، أظهرت «بياجيه» اهتمامها بالفيروز. استعملته بشغف ومهارة في ساعات يد تحاكي المجوهرات، وتؤكد لنا أن الفيروز لا يعترف بزمن أو مكان، ولا هو مجرد حجر يجلب الحظ ويبعد الحسد والعين أو يخلق سلاماً داخلياً. لم ينبع اهتمامها به في البداية من معتقدات المصريين القدامى وشعوب الأزتيك وغيرهم.

نظرت إليه نظرة جمالية بحتة. وسرعان ما احتذت بها دور مجوهرات أخرى، خصوصاً بعد دخوله عالم الموضة، مؤكداً أن لونه يزيد البشرة إشراقاً والإطلالة انطلاقاً.

كيف أخضع سحره صاغة المجوهرات؟

ظهر الفيروز أول مرة في دار بياجيه عام 1963 عندما زيّنت مواني ساعاتها الفخمة (بياجيه)

دار «بياجيه» اختارت هذا العام أن تعيده لنا في مجموعة ساعات ومجوهرات تتداخل فيها الألوان والأشكال بمهارة عالية. ابتعدت عن التاريخ بزخرفاته الشرقية والمعتقدات الروحانية، ووّجهت أنظارها إلى الريفييرا الفرنسية لتستقي من ألوان بحارها ما يسر القلب والعين. تقول الدار إن علاقتها بهذا الحجر تعود إلى عام 1963، حين تزيّنت به موانئ ساعات أنيقة بأنظمة فائقة الرقّة. كان لدمجها الجريء بين الحسّ الفنّي والإتقان التقني أثر في تغيير صناعة الساعات الفاخرة. كانت ساعات تحاكي بكل تفاصيلها المجوهرات الثمينة... ولا تزال.

ساعة «Happy Fish» بلون فيروزي (شوبارد)

من وحي البحار أيضاً، كشفت دار «شوبارد» حديثاً عن مجموعة «Happy Sport» التي تتضمن ساعة «Happy Fish» الجديدة، بقطر 36 مليمتراً، المصنوعة من معدن «لوسنت ستيل™» ومينا من عرق اللؤلؤ الفيروزي تسبح فيه سمكة بشكل راقص.

باقي دور الساعات والمجوهرات ابتعدت أيضاً عن كل ما هو تقليدي، لكنها لا تنكر أن الفيروز تعويذة نجاح لا تخيب من الناحية التجارية. فهو يضفي لمسات مُترفة على أي قطعة، وعندما يقترن بالذهب، يشكل معه زواجاً ناجحاً بكل المقاييس. من هذا المنظور، لم تكتفِ بدمجه مع أحجار كريمة أخرى فحسب، بل جعلته في كثير من المجموعات نجماً ساطعاً يصرخ بالحداثة. دار «فان كليف آند آربلز» مثلاً استعملته في مجموعتها الأيقونية «الحمبرا» (Alhambra)، و«تيفاني آند كو» صاغته بأشكال مثيرة، جمعته فيها مع الذهب الأبيض والألماس.

ساعة من مجموعة "الحمرا" من دار "فان كليف أند آربلز" بميناء من الفيروز (موقع فان كليف أند آربلز)

مصممة «ديور» لقسم المجوهرات، فيكتوار دي كاستيلان، استعملته أيضاً في مجموعات مثل «Gem Dior» و«Rose des Vents». لم تغفل جاذبيته رغم أنها اعترفت مراراً أن عشقها يبقى لحجر الأوبال. لكن ماذا تفعل إذا كان العالم قد أجمع على سحر الفيروز؟ وطبعاً لا يمكن الحديث عن هذا الحجر من دون الحديث عن «بولغري» التي استخدمته بكثافة في تصاميم مستوحاة من التراث الروماني والشرقي، أو عن «كارتييه» Cartier التي صاغته هي الأخرى بمهارة وأشكال مستلهمة من الشرق والزخارف الإسلامية. فقد انتبهت لجماله منذ بداية القرن الماضي، ومنذ ذلك تحرص على إدخاله في مجموعاتها الملونة، وليس أدل على هذا من مجموعة «توتي فروتي» التي تراقص فيها مع الزمرد واللازورد وغيرهما من الأحجار الكريمة. تاريخ «كارتييه» الطويل مع هذا الحجر جعل حرفيّيها يُتقنون استعماله، لدرجة أن قطعها المرصعة به تحقق نجاحات مهمة في المزادات العالمية. مثلاً بيع تاج مرصع بالفيروز والماس للوريثة الأميركية نانسي أستور بـ889400 جنيه إسترليني في مزاد «بونهام».

"بولغري" لا تتوقف على تطوير وتجديد تصميمها الأيقوني "سيربنتي" سواء في ساعات اليد أو المجوهرات أو الاكسسوارات (بولغري)

هذا العام، في مجموعة «سيكستي» (Sixtie) ل «بياجيه» التي تمّ إطلاقها في معرض «ساعات وعجائب»، «Watches and Wonders» كان لافتاً تلوّن ميناء الساعة بالأزرق الفيروزي. قالت إنها جاءت تكريماً لساعة صمّمها جان كلود غيت، وتعد سابقة لأوانها في عام 1969. أعاد قسم الساعات والمجوهرات تصميمها مع احترام الخطوط الهندسية الجريئة التي ميّزتها كما ميّزت تصاميم منتصف القرن. تُضيف الدار أن المجموعة أيضاً تكريم للحقبة الذهبية في سبعينات القرن الماضي، حيث يذكّر إطارها اللامع والمفصّص بإطار ساعة آندي وارهول الأيقونية على شكل شاشة تلفزيونيّة. في التصميم الحديث، نجد الميناء الرباعي محاكاً في المنحنيات الناعمة للسوار الذهبي بهندسة دقيقة وبـ5 صفوف، الأمر الذي يزيد من الكثافة اللونية للفيروز الصافي.

من إبداعات دار «بياجيه» ساعة على شكل قلادة (بياجيه)

اللافت كذلك في هذه الساعة بتصميمها المتدلّي على شكل عقد طويل، أطُر الميناء الشبيهة بتموّجات سطح الماء، التي تعزّزها الحركة الحرّة لشرّابة الماسات والذهب العاكسة للضوء.

تكتمل المجموعة مع عقود طويلة (Swinging Sautoirs) أخرى من «بياجيه» تحمل موانئ فيروزية اللون ورباعية الشكل مثبّتة على حبل من الذهب المجدول، يبدو وكأنه معقود، في حين أنه مصنوع يدوياً حسب أسلوب الدار، الذي أرادته أن يُعبّر عن فلسفتها بأن الساعات يمكن أن تزيّن المعصم والجسم على حد سواء، وبأنها أعمال فنيّة بحد ذاتها.

يمتدّ حسّ «بياجيه» الإبداعي والحسّي إلى ساعة «Essentia» الجديدة حيث تأتي العلبة ذات الشكل غير المنتظم مزوّدة هي الأخرى بميناء ذي لون فيروزي غنيّ ومستوحى من أشكال طبيعية وعضويّة، يحيطها إطار مصقول من الذهب والماس. ينساب شكلها السلس والمتموّج ضمن سوار مصنوع من حلقات ذهبية تلتفّ حول المعصم وتعانقه على شكل طلسم، ما يشكّل دمجاً لمهارة الدار في مجال صناعة السلاسل مع ثراء إلهامها الطبيعي.

السحر مستمر

الممثلة الأميركية شايلين وودلي وعقد مرصع بأحجار ملونة من ضمنها الفيروز (بولغري)

هل يمكن اعتبار هذا الاهتمام الذي يشهده الفيروز في الآونة الأخيرة مجرد موجة عابرة؟ الجواب حسب شركة «إتش تي إف» لتحليلات السوق (HTF Market Intelligence) يقول العكس. فهو ينمو عالمياً بنسبة 6.5 في المائة من عام 2025 إلى 2032، حيث يتوقع أن يرتفع حجمه من 2.8 مليار هذا العام إلى 4.9 مليار دولار عام 2032. تكمن شعبيته في جماله الطبيعي، الأمر الذي يجعله مناسباً لموضة البوهو التي تتصدر مشهد الموضة حالياً. وإلى جانب هذا البعد الجمالي، هناك أيضاً الوعي بقيمته الروحية، وما يرمز إليه من سلام داخلي، وكأنه يأخذنا إلى لحظات اكتشافه الأولى من قبل المصريين القدامى وكل الثقافات البعيدة التي استخدمته عبر العصور.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

سجَّلت المصمِّمة السورية منال عجاج حضوراً لافتاً ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس لموسم ربيع وصيف 2026، الذي انطلق في 26 يناير (كانون الثاني)، حيث قدّمت رؤية…

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.