محمد جبعيتي: وجدت في الطهو فعل مقاومة

الروائي الفلسطيني حصل أخيراً على جائزة «كتارا» للرواية العربية

 محمد جبعيتي
محمد جبعيتي
TT

محمد جبعيتي: وجدت في الطهو فعل مقاومة

 محمد جبعيتي
محمد جبعيتي

عبر مشروعه الروائي، يواصل الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي اكتشاف مساحات جديدة في الفضاء اليومي، المعيش، وهو يخوض تجربته السردية بانحياز واضح إلى التجريب والتأمل الفلسفي. تنهل أعماله من الذاكرة الفلسطينية ومن سرديات الاحتلال والمقاومة، لكنها في جوهرها تحتفي بالحياة ذاتها كفعل مضاد للموت والخراب.

حاز جبعيتي مؤخراً جائزة «كتارا للرواية العربية» عن عمله «الطاهي الذي التهم قلبه» الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو)، بعد أن قدّم للقارئ عدداً من الأعمال، منها: «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور»، و«رجل واحد لأكثر من موت»، و«المهزلة - وجوه رام الله الغريبة»، و«عالم 9»، و«لا بريد إلى غزة».

في هذا الحوار، يتحدث عن روايته الفائزة بالجائزة، ورؤيته للرواية الفلسطينية المعاصرة:

> تبدو رواية «الطاهي الذي التهم قلبه» نسيجاً تتداخل فيه مشاهد الاحتلال الإسرائيلي ورهافة الحواس والروائح، وكأنها تجعل من الإحساس فعل مقاومة في ذاته، كيف تأسس لديك هذا العالم؟

- لم أنطلق من رغبة في قول الأشياء الكبيرة، وإنما من تفاصيل شخصية وذكريات صغيرة تستبطن المعنى. الاحتلال آلة جبّارة لمحو الذاكرة ومحاربة الإحساس بالحياة. من هنا انبثق سؤالي: ماذا يعني الطعام في حياة شعبٍ يعيش تحت القهر؟ وجدت في الطهي فعل مقاومة، فالإحساس يصبح ذاكرة، والذاكرة تتحوّل إلى صمود. أردت أن أكتب عن إنسان يصرّ على الحياة، حتى وإن وجد نفسه محاصراً بالفقد والغياب.

> في الرواية، يخترع البطل قاموساً شمّياً خاصاً به، يضع فيه روائح جدته في المقدمة، كيف طوّرت من الروائح عالماً موازياً لفهم السردية الفلسطينية؟

- الرائحة في الرواية تتجاوز كونها عنصراً حسّياً فقط، حتى إنها باتت لغة موازية للسرد، تحمل ما تعجز اللغة المنطوقة عن قوله. حين يخترع البطل قاموسه الشمّي، فهو يحاول أن يستعيد ذاكرته من خلال الحواس، لا الكلمات. رائحة الجدة تمثّل الذاكرة الأولى التي لم تُلوَّث بالاحتلال والنسيان. سعيت في الرواية لأن تكون الروائح خيطاً يربط الفرد بالجماعة، والماضي بالحاضر.

> البطل يصف فقدانه القدرة على ممارسة مهنة الطهي بأنه «فقد أجمل جزء من حياته»، هل كنت تكتب عن العجز كجوهر لتجربة الإنسان الفلسطيني؟

- العجز في الرواية تجلٍّ لفقدان المعنى تحت وطأة الاحتلال. حين يفقد البطل قدرته على ممارسة مهنة الطهي، فهذا يفقده أيضاً وسيلته في التواصل مع العالم، ومع ذاكرته، ومع ذاته. كتبت عن العجز بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز الفلسطيني لتلامس جوهر الوجود نفسه: كيف نصمد حين تُسلب منّا أدوات الحياة؟ في سياق الاحتلال، يصبح العجز مرآة لمدى عمق ما يُسلب من الإنسان. ومع ذلك، يظل في داخله توقٌ خفيّ للحياة وتحقيق أحلامه.

> هل تأثرت بالكاتب الألماني باتريك زوسكند وروايته الأشهر «العطر» في روايتك، خصوصاً في حضور الرائحة كمفاتيح للمعرفة والهُوية؟

- لا يمكن إنكار أن رواية «العطر» تركت أثراً فيّ، كما تركت في أجيال من الكتّاب، لكنها لم تكن مرجعاً مباشراً بقدر ما كانت مثالاً على إمكانية تحويل الحاسّة إلى أداة سردية. في روايتي، الرائحة ليست بحثاً عن المعرفة، وإنما عودة إلى الجذور، وحفاظ على هويةٍ مهددة بالطمس. إذا كان زوسكند جعل الرائحة مدخلاً إلى الهوس بالقتل، فقد جعلتها أنا طريقاً إلى الذاكرة والحياة.

> في «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور» يبدو البطل وهو يتراوح بين اليوميات والخيال في حالة بحث نهمة عن حكاية. حدثنا عن مفارقات البطل ولماذا شوبنهاور تحديداً؟

- بطل «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور» يعيش في مفارقة دائمة بين البساطة الظاهرة والعُمق. إنه عامل يوميّ يبحث عن المعنى وسط رتابة الحياة، فيغدو غسل الصحون فعلَ تأمل، والمطبخ مساحة للفلسفة. شوبنهاور بالنسبة له صوت الإنسان الذي رأى في الألم جوهر الوجود. حاولت في هذا النص أن أهبط بالفكر والفلسفة إلى أكثر الأماكن هامشية.

> بطل «لا بريد إلى غزة» في المقابل يعلو بأحلامه، ويجد نفسه محكوماً بمصير العمل كحفّار للقبور، من أين تستمد ملامح أبطالك؟

- أبطال رواياتي يولدون من تقاطع الذاتي بالجمعي، ومن تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية. بطل «لا بريد إلى غزة» يعلو بأحلامه، إلا أنه يصطدم بواقعٍ قاسٍ يفرضه الاحتلال، فيصبح عمله حفّار قبور رمزاً للموت المستمر الذي يحيط به. أستلهم ملامح شخصياتي من وجوه الناس العاديين وحركاتهم وأحلامهم الصغيرة التي تتشبث بالحياة رغم كل شيء. في فلسطين، يتحوّل الصمود إلى فعل إنساني يومي، حتى في أحلك اللحظات.

> المخزون التراثي دائماً ركيزة أساسية في الرواية الفلسطينية، هل تشغلك فكرة تقديم أبطالك بعيداً عن الصورة النمطية المطروحة عن البطل الفلسطيني؟

- يشغلني تقديم شخصيات فلسطينية تنبض بالحياة والإنسانية قبل أي شعور بالبطولة أو التضحية. أرغب في إظهار أبعاد الفلسطيني الكاملة: ضحكه وحزنه، أحلامه وخيباته، بعيداً عن الصور النمطية التقليدية. إن المخزون التراثي خيط يربط الماضي بالحاضر، لكنه ليس أداة لتجميل الواقع، وإنما نافذة لفهم التجربة الإنسانية الفلسطينية. يواجه أبطالي الحياة بما فيها من عبث وأمل، ليكونوا صادقين قبل أن يكونوا رموزاً. بهذا، يتحول العمل الروائي إلى مساحة للتأمل والاعتراف بالتعقيد الإنساني.

> تبرز الرواية الفلسطينية بشكل متنامٍ على قوائم الجوائز العربية... كيف تفسّر هذا الحضور؟

- الحضور المتزايد للرواية الفلسطينية على قوائم الجوائز العربية يعكس اهتمام القرّاء والنقاد بالعمق الإنساني والتجربة الخاصة التي تحملها، وليس فقط بالبعد السياسي. هناك انفتاح متنامٍ على الرؤى الجمالية، إذ بدأ النقد العربي يقدّر التجريب السردي والتنوع الأسلوبي والقدرة على الجمع بين الحكاية الفردية والجماعية. الرواية الفلسطينية اليوم تُقرأ بوصفها مساحة للتأمل في الإنسان والحياة، بعيداً عن مجرد التعاطف مع الضحية. هذا الاهتمام يعزز الثقة في قدرة الأدب على تقديم صوت نابض بالحياة، متجاوزاً الصور النمطية.

> بماذا يلهمك تتويجك أخيراً بجائزة «كتارا»، وهل أنت بصدد العمل على رواية جديدة في الوقت الراهن؟

- تتويجي بجائزة كتارا مصدر فخر شخصي، لكنه أيضاً مسؤولية كبيرة تجاه الأدب الفلسطيني. تؤكد الجائزة أن التجربة الفلسطينية قادرة على الوصول بعيداً عن الحدود السياسية، وأن صدى أصواتنا الأدبية حاضر عالمياً. أعمل حالياً على مشروع روائي جديد، أحاول من خلاله استكشاف أبعاد جديدة للحياة اليومية الفلسطينية، مع الاستمرار في اللعب بالزمن والذاكرة والحواس. الكتابة بالنسبة إليّ دائماً رحلة للتجريب والتأمل، وفرصة لإعادة صياغة العالم من منظور إنساني.


مقالات ذات صلة

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

ثقافة وفنون من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة…

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع.

ندى حطيط
ثقافة وفنون مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات

عمر شهريار
ثقافة وفنون فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

صدر عن دار «المحروسة للنشر» في القاهرة كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن، الذي يبحث في تاريخ التمرد الفني؛ لـ«يحرِّر الجمال من قيوده التقليدية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي


سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة
TT

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، وعلى نحوٍ يجعل الروائي أكثر إغواءً باستعارة أدوات هذا الحكواتي، ليمنح اللغة بهاءها، ولينزع عن التاريخ سلطته، وباتجاهٍ يتحول فيه «الحكي» ذاته إلى خطاب تمثيلي، وإلى موقف من العالم ومن السلطة.

في رواية «ماء العروس» للروائي السوري خليل صويلح، الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، 2025) ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع، وإلى المكان الموازي، المكان الذي يقترحه المؤلف، حيث التوازي بين المكان البعيد/ الصحراء والمكان الدوستوبي، الذي يستغرقه العنف والقمع والقتل، حيث يشاهد الابن/ البطل الأضحوي إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.

في عالم البدو لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل من هذا العالم مجالاً سردياً ضاجَّاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال حكاياتها، فعمد إلى كسر الرتابة، عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدثٍ إطاري صادم، حيث يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مُهينة، بواسطة حبل طويل يجرّه حصان بتهمة «حيازة سلاح غير مُرخّص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة، وكأن الروائي أراد توظيف هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة، فالصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي قد يكون هو أنموذج السلطة، والسلاح قد يكون كناية عن الخطاب والموقف المعارض.

التصعيد الدرامي الذي أحاط بمشهد «السحل» بدا الأقرب إلى بناء مشهد ملحمي، يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي عبر الطفل إسماعيل، وللصراع الخارجي، حيث تمثلات العنف السلطوي، و«الاستغاثات» العائلية ونحيب الطفل، وإحالاتها الرمزية للضحايا، وللشخصيات التي اختارها الروائي من المكان المعزول والهامشي، والتي توحي بالعجز، وبالهامشية والدونية.

تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة، تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن إسماعيل من مشاعر الغضب والكراهية والسخط، وهو ما يتبدى من خلال لعبته في تمثيل سردية الاستعادة، حيث علاقاته الغريبة، وحيث تدوين «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، وعلى نحوٍ يُمكِّنَه من التصرف بمسار الحكاية، لتناسب مآلاتها، وتحويل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية الغائب، ذات الحمولة المثيولوجية، لكي يكتسب غيابه بعداً نفسياً، يسوِّغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة، وعن مواجهة الجرح النرجسي، وعلى نحوٍ يسمح للعبة السرد أن تُشكل لها مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن، مثلما تتغير معها مصائر شخصياته، وصولاً إلى التحكم بنهاية حكايته، لكي يجعل منها «مسودة» سردية أو مجموعة من التخطيطات السردية/ الاسكتشات التي تتناسب وصراعه الداخلي، وحيث انفتاحها على التغير والإضافة والحذف.

ما لا يشبه الواقع

خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم، لا يعني سوى أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لكي يتمكن من تتبع تحولات المجرى السردي، عبر وظيفة تقانة الاستعادة، وعبر الكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة حدث مشهد الأب المسحول، والمشاعر المضطربة التي ظلت تستثيره دائماً، وترافقه كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب، مع سنواته، ومع تحولاته، ومع استغراقات سردية لم يشأ أن يجعلها بعيدة عن تنامي الأحداث، وعن مخطوطة «مستودعه السردي» الذي جعله أكثر تمثيلاً لصوته الداخلي الذي لم يتركه، فهو صوت ذاته المستلبة، الذي يندمج عبر التصعيد الروائي مع أصوات الشخصيات الأخرى، ليصنع «ملفاً سردياً» تستغرقه كثير من الحكايات الغامضة والسحرية، والمفتوحة على اللانهائي.

فصول الرواية الثلاثون تقوم على أساس شروط لعبة الحكي، حيث تنامي الحدث، وحركة الشخصيات، وتعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية لتكون مدونته النرجسية، حيث الإشباع الرمزي، ومواجهة مأزقه الوجودي، إذ لا يمكنه التحرر منها إلا عبر الاعتراف، باعتباره تطهيراً موازياً، فتقوده الشفرة السحرية لـ«نهر الخابور» إلى ما يشبه فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»، وعلى نحوٍ تتحول فيه الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، حيث يعمد الروائي إلى تفكيك المتواري والمخفي، وإلى تحويل الرواية التي تخلو من العناوين إلى بنية إطارية مفتوحة، تتوالى حكايتها، عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، وبين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي.

ما يُثيره خليل صويلح في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته، وسط عالم مُشبَع بذاكرة فاجعة، وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق، حد أن زمن الرواية الموزع بين الحكايات، يدفع الروائي إلى تمثيل زمنه السردي، بوصفه زمناً ضدياً، يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا، أو عبر استعادة ما يشبه «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص، وحيث الإشباع والارتواء، وحيث تدوين العالم عبر مخطوطة تتضاد مع التاريخ، لتبدو وكأنها رواية سيرة الولد الذي يكره ذلك العالم عبر السلطة، ويبحث عن خلاصه عبر الكتابة.

التحول في تمثيل شخصية «الابن إسماعيل» يعكس علاقة هذا التمثيل عبر الكتابة، بوصفها صناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة، حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، وذاكرة المكان الديستيوبي، من خلال الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري موسى صبري التي يحملها، فيجعلها شفرة دالة على رفض ذاكرة المكان/ خيمة سحل الأب، مقابل الإيحاء بالرفض الداخلي لقانون الطوارئ وبيئة الفساد السياسي والإنساني.

تحول خوف الابن إسماعيل إلى كنايةٍ عن خوف جيل جعلته من السلطة محكوماً باللاوعي المُجهَض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» الذي بدا وكأنه الضد النوعي الرافض للخوف، والذي حمل معه أسئلة ضدية، حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرّف على أسرار القوة الغاشمة التي تملكها السلطة، والقائمة على أساس صناعة الخوف، أو القبول بالوظيفة «القربانية» التي تتحول إلى موقف سلبي، وإلى ممارسة نكوصية تجعل من النزع الأضحوي وكأنه دافع نفسي تطهيري للخلاص من الشر، أو الذهاب إلى السخرية، بوصفها سردية مضادة، ينزع فيها الروائي إلى الاستخدام الساخر لمفردات من التاريخ والحكاية والمثل الشعبي، وإلى ما تحمله من إحالات نفسية ورمزية، لتضعنا إزاء ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفجة» واقعية الفضح والإخفاء والزيف والإحساس بالإثم، حيث يقول بسخرية تُخفي مرارته العميقة بأنه يشبه «شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق».

التاريخ وسرديات الانقطاع

تقانة البناء الروائي عند صويلح لا تميل إلى الحكي التقليدي، ولا إلى صناعة الشخصية التقليدية، فبقدر ما يبدو الواقع حاضراً فيها بوصفه مجالاً سردياً، فإن الانقطاع التاريخي يتبدى وكأنه مفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه، أو التمرد عليه، وعلى أن يجعل من «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع الذي يتنامى، وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها، عبر توظيف سردية البناء الموازية، الذي يجعل منها الروائي تمثيلاً سيميائياً لتقابل الصراع الوجودي والصراع السياسي، مع الصراع النفسي الذي تعيشه شخصياته المأزومة.

هذا التقابل ينفتح على سلسلة من التشكّلات التي تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، وعبر ما تسوغه من تمثيل لفكرة الصراع الإطاري، وللشخصية التي تستدعي الزمن السردي، لمواجهة الزمن الواقعي، ولضبط إيقاع تنامي وظائفها في سياق تنامي وحدات السرد، وفي الكشف عن أزمة البطل الوجودي، أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان، ومع نفسها، وعبر الإحساس بتشظيها الداخلي، فروايته المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية، أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي ما تحمله من هواجس، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد، ومحنة العجز الثوري، والخوف السيميائي، فلا تجد تفريغاً له، سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية، وعبر الغوص في الكتابة بوصفها تفريغاً للمكبوت، وإشهاراً للصوت الداخلي الذي يشاطره الإنصات إلى المخفي خلف «ثقب» السرد بالتوصيف الباربوسي، توهماً بالامتلاء، وإحساساً بأن ما يستعيده، هو ما يكتبه، وما يجعله أكثر شغفاً بسردية الخلاص، وتطهير الجسد عبر تفريغ عذاباته النرجسية، وكابوس الموت الذي ظل يساكنه.


جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.