مصر تفتتح «المتحف الكبير» في حفل «أسطوري» بمشاركة 79 وفداً رسمياً

السيسي أكد أن السلام هو الطريق الوحيد لبناء الحضارات

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
TT

مصر تفتتح «المتحف الكبير» في حفل «أسطوري» بمشاركة 79 وفداً رسمياً

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)

في حفل «أسطوري مبهر» رفع شعار «السلام»، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «المتحف المصري الكبير»، مساء السبت، بمشاركة 79 وفداً رسمياً ضم ملوك ورؤساء وأمراء وأولياء عهود نحو 39 دولة، فضلاً عن ممثلين لمنظمات ثقافية ودولية، ما وصفته القاهرة بأنه «حضور غير مسبوق يعكس الاهتمام الدولي برؤية الدولة المصرية في الجمع بين عراقة الماضي وإبداع الحاضر وازدهار المستقبل، وليؤكد المكانة الفريدة لمصر كجسر حضاري بين كافة شعوب العالم المحبة للثقافة وللسلام».

وعبر الرئيس المصري، في كلمته خلال الحفل، عن رؤية بلاده لدورها في العالم، باعتبارها «قوة سلام وإنسانية»، وقال إن «السلام هو الطريق الوحيد لبناء الحضارات، وإن العلم لن يزدهر إلا في مناخ من الأمن والاستقرار، والثقافة لا تثمر إلا حين تتوفر بيئة من التعايش والتفاهم».

وافتتح الحفل بعرض موسيقي ربط المتحف بعدة عواصم عالمية، حيث مزج غناء أوبراليا من مصر مع معزوفات من طوكيو وباريس وريو دي جانيرو ونيويورك.

تلاه عرض موسيقي من تأليف الموسيقار هشام نزيه، ترافق مع عرض ضوئي في السماء لرموز من الحضارة المصرية مع ربط المتحف الكبير بالأهرامات. وتوسطت الفنانة المصرية شريهان الراقصين على المسرح، وقالت: «مصرية أنا». وشهد الحفل مشاركة عدة فنانين بينهم: ياسمين العبد، وسلمى أبو ضيف، وهدى المفتي، وأحمد مالك.

وشهد الحفل استعراضاً لمواقع أثرية وتراثية من مختلف أنحاء مصر، تعكس التنوع بين رموز الحضارة المصرية القديمة، مروراً بالآثار الإسلامية والقبطية، وحتى العصر الحديث ممثلاً في العاصمة الإدارية الجديدة.

وشارك ممثلو عدة دول، منهم ملوك وملكات وأولياء عهود وأمراء وأعضاء من الأسر الحاكمة من: بلجيكا، وإسبانيا، والدنمارك، والأردن، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات، والسعودية، ولوكسمبورج، وموناكو، واليابان، وتايلاند.

ورؤساء عدة دول بينهم: فلسطين، والبرتغال، وألمانيا، وقبرص، وبلغاريا، وكولومبيا، إضافة إلى رؤساء وزراء عدة دول من بينها: اليونان، والمجر، وبلجيكا، وهولندا، والكويت، كما مثلت دول عدة على مستوى الوزراء وأعضاء البرلمان.

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير (من فيديو الافتتاح)

وفي مشهد رمزي يشير إلى أن المتحف ملك للبشرية كلها، تسلّم كل قائد من القادة المشاركين نموذجاً مصغراً يحمل اسم دولته لجزء من المتحف، ووضعه بيديه في مكانه داخل مجسم ضخم للمشروع، قبل أن يضع الرئيس السيسي القطعة الأخيرة في المجسم والتي تمثل مصر، معلناً رسمياً افتتاح المتحف الكبير.

وجاءت كلمات حفل الافتتاح لتسلط الضوء على رمزية قانون «ماعت» الذي وضعه المصري القديم قبل آلاف السنين، باعتباره أول إعلان لحقوق الإنسان وكرامة الطبيعة، حيث دعا إلى العدل والنظام واحترام الأرض والماء وحماية الحياة.

وأكد المدير العام لمنظمة اليونسكو، الدكتور خالد العناني، في كلمته، أن «المتحف المصري الكبير يمثل نقطة التقاء نادرة بين الماضي والمستقبل؛ إذ يُقدَّم فيه التاريخ ليس كأثرٍ ساكن، بل كقوة ملهمة تُحرّك الفكر الإنساني وتدفعه نحو الابتكار».

كما أشار الجراح المصري الدكتور مجدي يعقوب، في كلمته، إلى أن «الطب في مصر القديمة كان مهنة مقدسة تمزج بين الجسد والروح، وأن الحضارة المصرية قدّمت للبشرية فكرة الرعاية الصحية الشاملة قبل آلاف السنين، وهي الفكرة نفسها التي تواصل مصر ترسيخها اليوم في سياساتها الصحية والإنسانية».

واستعرض وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، الرحلة الطويلة التي مر بها المشروع منذ عام 2002، مشيراً إلى أنه «كان حلماً على الورق، لكن الإرادة المصرية جعلت منه واقعاً ملموساً رغم كل التحديات». وأكد أن «المتحف لا يقف فقط على أرض الجيزة، بل على أرض من القيم التي أرساها الأجداد؛ التصميم، الإبداع، الإصرار، والإيمان العميق بأن الحضارة رسالة تتناقلها الأجيال».

مصر تفتتح المتحف الكبير في حفل «أسطوري» (من فيديو حفل الافتتاح)

وبدا واضحاً خلال الافتتاح رغبة مصر في إبراز قوتها الناعمة، باعتبار افتتاح المتحف رسالة مفادها أن «الحضارة التي بنت الأهرامات لا تزال قادرة على إبهار العالم، لا بالحجر فقط، بل بالفكر والمعرفة والإنسان».

وعدّ رئيس مجلس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، افتتاح المتحف الكبير «يوماً تاريخياً واستثنائياً للدولة المصرية». وقال في كلمته خلال مؤتمر صحافي قبيل بدء فعاليات الحفل، إن «المتحف الكبير صرح ثقافي تهديه مصر للعالم يعبر عن حضارتها الممتدة لأكثر من سبعة آلاف سنة».

وأشار إلى أن فكرة المتحف تعود إلى نحو 30 عاماً مضت، وقال إن «الدولة المصرية عملت خلال السنوات الماضية على إنهاء الإجراءات اللازمة للمتحف، وبدء تنفيذ المشروع الذي توقف بفعل أحداث 2011 قبل أن يوجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي باستكماله على أحسن صورة تعكس وجه مصر الحضاري». وأضاف أن «حجم الإنجاز الأكبر في المشروع كان في السنوات السبع الماضية».

ووجه مدبولي الشكر لرجال الأعمال رعاة حفل الافتتاح، وعدّ ذلك «نموذجاً للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص».

منظر خارجي للمتحف المصري الكبير قبل حفل الافتتاح في الجيزة (إ.ب.أ)

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، عندما برزت الحاجة إلى إنشاء متاحف جديدة نظراً لتكدس المتحف المصري بالتحرير، الذي افتتح عام 1902 بالآثار، لدرجة بات يوصف فيها بـ«المخزن»، وبعد سنوات من الدراسة والإعداد وضع حجر الأساس للمتحف في عام 2002، وافتتحت المرحلتين الأولى والثانية منه عام 2010، وضمت محطة المياه والكهرباء ومخازن الآثار ومركز الترميم الأثري، قبل أن يتوقف العمل في المشروع عام 2011.

واجه المتحف خلال رحلة إنشائه تحديات عدة، على رأسها التمويل، حيث تجاوزت تكلفته المليار دولار، من بينها 760 مليون دولار قروضاً ميسرة من اليابان، إضافة إلى الظروف السياسية التي عرقلت تنفيذه وأجلت افتتاحه، ومن بينها جائحة «كوفيد - 19»، و«حرب غزة» وتداعياتها.

وتعوّل مصر على المتحف في إعادة صياغة صورتها عالمياً في شكل يربط بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

أشخاص يرتدون أزياء يمشون قبل الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة (رويترز)

ويقع المتحف بجوار الأهرامات (غرب القاهرة)، وجاء تصميمه، الذي اختير عبر مسابقة معمارية دولية، ليجعل الأهرامات جزءاً من سيناريو العرض المتحفي يستطيع الزائر رؤيتها عبر شرفة المتحف، بحيث يكون المتحف الهرم الرابع «الذي يربط ما بين أعظم ما شيّده الإنسان في الماضي وأعظم ما يبنيه في الحاضر».

ويمتد المتحف على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع، ويضم في قاعاته وأروقته ما يزيد على مائة ألف قطعة أثرية تمثل جميع العصور التاريخية، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بعصر الدولة القديمة والوسطى والحديثة، ووصولاً إلى العصرين اليوناني والروماني. ويعد أكبر متحف مكرس لحضارة واحدة.

ويستقبل تمثال ضخم يزن 83 طناً للملك رمسيس الثاني زوار المتحف في «البهو العظيم»، ينتقل بعدها الزائر إلى «الدرج العظيم» حيث تعرض مجموعة من الآثار الضخمة، تقود في نهايتها إلى قاعات العرض المتحفي الـ12.

ويوصف المتحف الكبير بأنه «بيت توت عنخ آمون»، حيث يعرض المجموعة الكاملة لمقتنيات الفرعون الذهبي وعددها 5992 قطعة أثرية، وذلك للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرته في الأقصر (جنوب مصر) عام 1922. ومن أبرز مقتنيات توت عنخ آمون؛ العجلات الحربية، والأثاث الملكي، وخنجر مصنوع من نيزك قادم من الفضاء.

المدخل الرئيسي للمتحف المصري الكبير قبل حفل الافتتاح في الجيزة السبت (إ.ب.أ)

كما يوجد بجوار المتحف مبنى مستقل أعد لعرض «مراكب الشمس»، وسيعرض مركب خوفو الأولى بطريقة تسمح للزوار بالدوران حولها ورؤيتها من جميع الجوانب، بينما سيخصص قسم آخر من المتحف لمركب خوفو الثانية حتى يتمكن الزوار من مشاهدة عملية الترميم والتجميع، التي ستستغرق من 5 إلى 7 سنوات.

ومراكب خوفو أو مراكب الشمس هي أقدم أثر عضوي في التاريخ الإنساني، حيث يبلغ عمرها أكثر من 4600 عام، وهي مصنوعة من خشب الأرز، واكتشفها المهندس كمال في مايو (أيار) عام 1954، مفككة داخل حفرة بجوار الأهرامات، وتولى المرمم المصري أحمد يوسف عملية ترميم وإعادة تركيب مركب خوفو الأولى في موقعها، في عملية استغرقت 7 سنوات، بينما ظلت الثانية مفككة داخل الحفرة، واستمرت عملية ترميم المركب حتى تم افتتاح متحف مركب خوفو بجوار الهرم في 1982... وعام 2021 نقل المركبين إلى المتحف الكبير.

وأكدت مصر من خلال حفل الافتتاح «دورها في إرساء مفاهيم الدولة والقانون والعدالة»، وفي هذا الإطار يعرض المتحف «أول معاهدة سلام في التاريخ التي أبرمها الملك رمسيس الثاني في معركة (قادش) لتؤكد أن السلام كان في قلب المشروع الحضاري المصري منذ فجره الأول»، ثم يعرض قانون «ماعت» الذي وضع «إعلاناً لمبادئ حقوق الإنسان وحماية البيئة».


مقالات ذات صلة

زيادة الأجور في مصر تثير تساؤلات حول موقف القطاع الخاص

شمال افريقيا القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)

زيادة الأجور في مصر تثير تساؤلات حول موقف القطاع الخاص

أثار إعلان الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام (الحكومي)، تساؤلات بشأن موقف القطاع الخاص، وسط تكهنات باجتماع قريب لـ«المجلس القومي للأجور».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير البترول المصري كريم بدوي في أثناء متابعته تجهيز إحدى سفن التغييز (وزارة البترول المصرية)

استئناف ضخ الغاز من إسرائيل... هل يخفف أزمة الطاقة في مصر؟

بعد شهر تقريباً من توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، عاد الحديث مجدداً عن إمكانية استئناف ضخ الكميات المتفق عليها وفقاً «لاتفاق تصدير الغاز».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)

«مركز لوجيستي للحبوب والطاقة»... مساعٍ مصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة

سلّط حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر، الضوء على المساعي المصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة.

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
شؤون إقليمية فلاديمير بوتين يصافح بدر عبد العاطي الخميس (الخارجية المصرية)

عبد العاطي في موسكو... تعزيز لتوازنات التحالفات وتأمين لمسار الطاقة والغذاء

أكدت مصر «حرصها على تطوير علاقاتها الثنائية وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع روسيا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مناورة أميركية لجمع «رفقاء السلاح الليبي» في سرت منتصف الشهر

قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية للمشاركة في (فلينتلوك 2026) بسرت (وزارة دفاع الوحدة)
قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية للمشاركة في (فلينتلوك 2026) بسرت (وزارة دفاع الوحدة)
TT

مناورة أميركية لجمع «رفقاء السلاح الليبي» في سرت منتصف الشهر

قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية للمشاركة في (فلينتلوك 2026) بسرت (وزارة دفاع الوحدة)
قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية للمشاركة في (فلينتلوك 2026) بسرت (وزارة دفاع الوحدة)

تحرّكت وحدات عسكرية تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة من طرابلس نحو سرت (وسط)؛ للانضمام إلى المناورة العسكرية (فلينتلوك 2026)، التي تشارك فيها قوات من «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتنطلق منتصف الشهر الحالي، فعاليات مناورة «فلينتلوك» متعددة الجنسيات، التي تستضيف ليبيا جزءاً منها لأول مرة، بإشراف القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، وبمشاركة دول أفريقية وأوروبية، إلى جانب شركاء دوليين.

قوات عسكرية تابعة لـ«الوحدة» الليبية (وزارة دفاع الوحدة)

وينظر إلى هذه المناورة الأميركية على أنها تعمل على جمع «رفقاء السلاح» في المؤسسة الليبية المنقسمة منذ السنوات، التي تلت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011. وتهدف بحسب وزارة الدفاع، التابعة لحكومة «الوحدة»، إلى تعزيز جهود التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الخاصة، وتبادل الخبرات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع التهديدات الأمنية في شمال وغرب القارة الأفريقية.

وهذه هي المرة الأولى التي يُنظم فيها مثل هذا التمرين في ليبيا، والذي سيشهد مشاركة واسعة للعديد من دول العالم.

وقالت وزارة الدفاع، مساء الخميس، إن هذه الجهود «تأتي في سياق دعم توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع كفاءة الضباط والأفراد من خلال اكتساب الخبرات الميدانية المتقدمة، وتعزيز مكانة ليبيا على المستويين الإقليمي والدولي، وإبراز قدرتها على استضافة وتنفيذ التمارين العسكرية المشتركة وفق المعايير الدولية».

أحد عناصر القوات العسكرية بغرب ليبيا (وزارة دفاع الوحدة)

ويشارك في هذه المناورة، وفق حكومة «الوحدة»، نحو 1500 جندي يمثلون 30 دولة، في إطار تعزيز التعاون العسكري، ورفع مستوى الجاهزية، وتبادل الخبرات، لا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة. ويعوّل سياسيون ليبيون على أن يتمثل الهدف النهائي لهذه المناورة في إعادة بناء جيش وطني موحد محترف، قادر على حماية البلاد وصون استقرارها.

تاريخياً، تُعد مناورة «فلينتلوك» أحد أعمدة الشراكة العسكرية الأميركية - الأفريقية في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء؛ حيث انطلقت عام 2005 بوصفها تدريبات مشتركة أميركية - أوروبية، قبل أن ينتقل الإشراف إلى القيادة الأميركية في أفريقيا بعد تأسيسها عام 2008.

وتذهب ورقة بحثية أميركية، صادرة عن «المجلس الأطلسي»، إلى أن استضافة «فلينتلوك» في سرت تحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة لدمج ليبيا ضمن منظومة أمنية غربية، واحتواء النفوذ الروسي والقوى المنافسة.

وفي 25 مارس (آذار) الماضي، جددت الولايات المتحدة الأميركية تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيريمي برنت، في شرق البلاد مع الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني».

وتُبدي المواقف الأميركية المعلنة اهتماماً بملف توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، التي تعاني انقساماً بين قوتين عسكريتين: الأولى في شرق البلاد، والثانية في غربها.


زيادة الأجور في مصر تثير تساؤلات حول موقف القطاع الخاص

القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)
القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)
TT

زيادة الأجور في مصر تثير تساؤلات حول موقف القطاع الخاص

القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)
القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)

أثار إعلان الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام (الحكومي)، تساؤلات بشأن موقف القطاع الخاص، وسط تكهنات باجتماع قريب لـ«المجلس القومي للأجور»، للنظر في مدى إقرار أصحاب الأعمال زيادة مماثلة للعاملين لديهم.

وأعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع العام إلى 8 آلاف جنيه مصري شهرياً، (الدولار يساوي 54.30 جنيه مصري)، ابتداء من شهر يوليو (تموز) المقبل.

وتباينت الآراء بين ممثلي العمال وأصحاب الأعمال في مصر حول مدى إمكانية تطبيق زيادة مماثلة في الأجور بالقطاع الخاص؛ إذ يرى قيادات في اتحاد العمال المصري أن هناك مطالب موجهة إلى المجلس القومي للأجور برفع الأجور بنحو 14 في المائة، في حين يعتقد ممثل أصحاب الأعمال في «مجلس الأجور» أنه ليس شرطاً تطبيق زيادة مماثلة مع التحديات التي يواجهها القطاع الخاص في عملية الإنتاج بسبب ظروف الحرب الإيرانية الجارية.

والمجلس القومي للأجور، جهة حكومية نص عليها قانون العمل المصري، ويرأسه وزير التخطيط، ويضم في عضويته ممثلين لعدد من الوزارات، منها التضامن والمالية والصناعة والتموين، والهيئة الاقتصادية، إلى جانب ستة أعضاء من منظمات أصحاب الأعمال، وستة أعضاء من النقابات العمالية، ويختص بتحديد الحد الأدنى للأجور، وقيمة العلاوات الدورية.

وكانت الحكومة وعدت قبل أسابيع، بزيادة «استثنائية» في الرواتب، وتعهد رئيس الوزراء المصري، في مؤتمر صحافي الأربعاء، بـ«إقرار زيادات استثنائية تستهدف المعلمين والعاملين بالقطاع الصحي»، وقال إنها «تهدف إلى تحسين البيئة الوظيفية لأصحاب المهن الاستراتيجية، وضمان استمرارية جودة الخدمات المقدمة في قطاعي التعليم والصحة».

وطبّقت مصر الحد الأدنى للأجور لأول مرة في يوليو 2011، حيث تم تحديده عند 700 جنيه، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة البلاد في 2014، رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور عدة مرات، ووصل إلى 7 آلاف جنيه في عام 2025.

ويعتزم المجلس القومي للأجور، عقد اجتماع له خلال الشهر الحالي، لمراجعة زيادات الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، وحسب تقارير لوسائل إعلام محلية، فإنه من المتوقع أن «تجري الزيادة بالنسبة نفسها التي اعتمدتها الحكومة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة».

بينما يرى عضو المجلس القومي للأجور، علاء السقطي، أنه «ليس شرطاً أن يتم تطبيق زيادة مماثلة بالقطاع الخاص حال اتخاذ الحكومة قراراً برفع الأجور في جهازها الإداري»، وقال إن «هناك تفهماً للتداعيات الاقتصادية والأعباء المعيشية للعمال بسبب الآثار الاقتصادية للصراع الدائر بالمنطقة، لكن في الوقت نفسه هناك تحديات تواجهها شركات القطاع الخاص في عملية الإنتاج، قد تصعب عملية الزيادة في الأجور في القريب».

وأوضح السقطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك شكاوى من عدم توافر المواد الخام لدى أصحاب الأعمال، ما يؤدي إلى نقص الإنتاج»، وأشار إلى أن «التحديات التي يواجهها القطاع الخاص حالياً قد لا تعطي فرصة لطلب زيادة الأجور في هذا التوقيت»، مشيراً إلى أن «المهم الحفاظ على استقرار الإنتاج وانتظام الأجور، حتى لا تتفاقم الأعباء على القطاع الخاص».

وتداول مستخدمون عبر منصات التواصل الاجتماعي، شكاوى تفيد بتهديد بعض أصحاب الأعمال بتسريح عدد من العمال، نتيجة لضغوط الإنتاج.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

فيما أكد نائب رئيس اتحاد العمال المصري، عادل عبد الفضيل، أن الإجراءات الاستثنائية التي تتخذها الحكومة، لا تؤثر على بيئة العمل والإنتاج في مصر، وقال إن «الحكومة تتخذ إجراءات لترشيد الاستهلاك لضمان استدامة عملية الإنتاج»، منوها بأنه «من الطبيعي أن تطبق زيادة في الحد الأدنى للأجور، مماثلة لما جرى تطبيقها على القطاع الحكومي».

وأشار عبد الفضيل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هناك مطالب من ممثلي نقابات العمال، للمجلس القومي للأجور، للنظر في زيادة أجور العاملين في القطاع الخاص»، وقال إن «الحديث عن ضغوط على القطاع الخاص في الوقت الحالي غير مبررة، ومن ثمّ لا توجد مخاوف من تسريح العمال».

ومن الطبيعي أن يتم تطبيق زيادة على الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، بعد تطبيقها في القطاع الحكومي، وفق عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب (البرلمان)، عبد العزيز الصفتي، وقال إنه «جرى العرف أن يتبع تحريك الأجور في الجهاز الإداري للدولة، إجراء مماثل في القطاع الخاص».

وأشار الصفتي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «نسب الأجور في القطاع الخاص تخضع لرقابة وإجراءات نص عليها قانون (العمل الجديد) الذي جرى إقراره العام الماضي، لضمان حقوق العاملين في هذا القطاع».

ووضع قانون «العمل الجديد» حداً أدنى إلزامياً يجب أن يلتزم به جميع أصحاب الأعمال، سواء في القطاع العام أو الخاص، بما يساهم في تقليص الفجوة بين العاملين في القطاعات المختلفة ويخلق سوق عمل أكثر عدلاً. ويضمن القانون صرف الأجور بانتظام عبر التحويلات البنكية، ويحدد علاوة سنوية دورية لا تقل عن 3 في المائة من الأجر التأميني.


ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

وسط لغط مجتمعي، وجَّه عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، بإنهاء ما سماها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو» الخاصة للنفط، وذلك على خلفية تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية بارزة، وزعماء كتائب مسلحة.

وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 – فبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 – ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».

إبراهيم الدبيبة «يسار» في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في سبتمبر 2025 (السفارة الأميركية)

وبحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط». وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» بشأن الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».

وأوصى فريق الخبراء في تقريره المسرّب، الأسبوع الماضي، بوقف أي تعاقدات مع «أركنو»، وحظر أي مدفوعات خارج الحسابات الرسمية للمؤسسة الوطنية للنفط في مصرف ليبيا الخارجي، مشدداً على أن المؤسسة هي المصدر والمسوق الحصري لخام النفط الليبي.

وأمام تصاعد موجة الغضب الشعبي، وتصاعد حالة من اللغط، سارع الدبيبة إلى مخاطبة رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط بوقف ما سماه «اتفاقية التطوير الموقعة بين شركة الخليج العربي للنفط و(أركنو)»، وأرجع ذلك «لما أثير من حملة واسعة، رافقها رفض شعبي للاتفاقية؛ ومع عدم تمكن المؤسسة من بناء قناعة عامة لدى الشعب بدفاعها عن سلامة الإجراءات المتخذة، وجدوى هذه الاتفاقية من عدمها».

ولم يهدئ الإجراء الذي اتخذه الدبيبة مناوئيه، الذين عدوه «مراوغة» لن تفضي إلى شيء، و«ستظل شركة (أركنو) تمارس مهامها سراً، كما كان منذ إنشائها قبل نحو 3 أعوام».

وأبقى الدبيبة على حالة اللغط المجتمعي متصاعدة، وذلك بعدم إقراره نصاً في رسالته إلى رئيس مؤسسة النفط على إنهاء العمل مع «أركنو»، وهو ما يراه حسن الصغير، وكيل وزارة الخارجية السابق، «رسالة إنشائية لا تحمل قراراً صريحاً بإنهاء عمل الشركة»، لافتاً إلى أن الدبيبة ألقى الكرة والخصومات في ملعب النائب العام.

غير أن الدبيبة دافع عن نفسه، وقال إن الأمر «تم استغلاله عبر دس الإشاعات، وتضخيم الأرقام وتوظيفها من بعض الأطراف، مستفيدة من الجدل القائم، وعجز مؤسسة النفط عن تقديم دفاع كافٍ، الأمر الذي أدى إلى صرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية»، لافتاً إلى «تنامي الدَّين العام الناتج عن الإنفاق الموازي المنفلت، والذي تجاوز 300 مليار دينار خارج إطار الميزانية العامة للدولة وقدراتها». (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية)، وقرابة 10 دنانير في السوق الموازية.

وأضاف الدبيبة أنه «انطلاقاً من مسؤوليتنا في احترام رأي مواطنينا، واتقاء الشبهات التي قد تنشأ في مثل هذه الترتيبات، وصون سمعة مؤسساتها السيادية من أي تأويل أو لبس، نوجهكم بإنهاء اتفاقية التطوير المشار إليها؛ وذلك وفقاً للإجراءات والشروط القانونية والتعاقدية، التي تضمن عدم الإضرار بمصالح الدولة الليبية، مع اتخاذ ما يلزم حيال وضع الشريك في إطار هذه الإجراءات».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وانتهى الدبيبة إلى مطالبة مكتب النائب العام بتوجيه الأجهزة الرقابية والمحاسبية بمراجعة عقود المؤسسة كافة، ذات الصلة بالترتيبات التطويرية، واتخاذ ما يلزم حيالها وفقاً للقانون.

وهذه ليست المرة الأولى التي يرد فيها ذكر اسم صدام حفتر في تقرير أممي، إذ سبق أن ورد ضمن تقرير أممي في فبراير 2025، في إطار اتهامات ضمنية بـ«تهريب» النفط عبر نفوذ غير مباشر من خلال «أركنو».

ولم يطمئن قرار الدبيبة بعض مناوئيه، الذين قللوا من الإجراء الذي اتخذه؛ حيث قال أسامة الشحومي، المحلل السياسي الليبي، إن الدبيبة «يتعرض لضغط شعبي، ويحاول تخفيف ذلك بكلام إعلامي؛ رغم أنه هو المسؤول الأول عن فتح الباب للقطاع الخاص المحلي في قطاع النفط، بصفته رئيس المجلس الأعلى لشؤون الطاقة».

ويرى الشحومي أن «ما يحدث مجرد مناورة لامتصاص الضغط الشعبي، من الجهات التي وافقت منذ البداية على تدشين الشركة، وتحاول اليوم التنصل».

وبخصوص الحديث الدائر بشأن سعي مصر لاستيراد مليون برميل نفط من ليبيا في الشهر، قال مصدر بالمؤسسة الوطنية إن الأمر «لا يزال قيد التباحث»، لكنه أشار إلى مذكرة تفاهم بين البلدين للتعاون في مجالات النفط والغاز والتعدين، سبق أن تم توقيعها بحضور الدبيبة، ووزير النفط بحكومة «الوحدة»، خليفة عبد الصادق، والوزير المصري كريم بدوي بطرابلس في 24 يناير الماضي.

إبراهيم الدبيبة «يسار» في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في سبتمبر 2025 (السفارة الأميركية)

في سياق قريب، أكد المستشار الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، على أهمية وضع اللمسات النهائية على ميزانية موحدة لعام 2026؛ لتعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، والحفاظ على قيمة الدينار والقوة الشرائية للشعب الليبي.

وقال بولس عبر حسابه على منصة «إكس» إنه خلال مكالمة «مثمرة» بالأمس مع بالقاسم حفتر، المدير العام لصندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار: «شددنا، بمشاركة القائم بالأعمال جيريمي برنت، على تمكين تنفيذ مشاريع التنمية في جميع أنحاء ليبيا»، كما أعرب عن «تقديرنا للعمل الحيوي، الذي يقوم به صندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار».