«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

مدن تشتكي التجاهل رغم إطلاق الحكومتين مشاريع تنموية مهمة قبل 4 سنوات

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
TT

«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)

بينما تتنافس سلطات شرق ليبيا وغربها على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار في المدن المدمَّرة منذ عام 2011، تتصاعد أصوات غاضبة تشكو «التهميش والإقصاء»، في مشهد يراه برلمانيون ومسؤولون محلّيون انعكاساً لـ«الانقسام السياسي».

وتستمر شكاوى التهميش في غرب ليبيا، رغم إطلاق مشروع «عودة الحياة» قبل أربعة أعوام، وكان آخرها في بلدة الحرابة، حيث أصدر مجلسها البلدي بياناً شديد اللهجة طالب فيه بتدخّل حكومي عاجل، وسط احتجاجات على «غياب مشاريع التنمية وفرص العمل».

ووصلت أصواتُ التهميش والشكاوى من «هشاشة البنية التحتية وضعف التعليم والصحة» إلى الأمم المتحدة خلال لقاءات المبعوثة الأممية هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري مع ممثلين عن مدن في الغرب الليبي، منها بني وليد وتينيناي ومردوم، في يوليو (تموز) الماضي، رأوا أن نقص التمويل لا يُعطّل الخدمات الأساسية فقط، بل يُضعف أيضاً ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.

تهميش بسبب غياب العدالة

استناداً إلى خبرته في المنصب الذي غادره قبل أسابيع، أكد العميد السابق لبلدية زليتن، مفتاح حمادي لـ«الشرق الأوسط»، أن «عدداً من مدن الغرب الليبي، بينها زليتن، لا تزال تعاني التهميش نتيجة غياب العدالة في توزيع المخصّصات الحكومية»، لافتاً إلى أن «ميزانيات التنمية المحدودة وُجّهت بتفضيل بعض البلديات على غيرها».

مواطنون ينددون في وقفة احتجاجية بانقطاع الكهرباء في ربيانة بالجنوب الليبي (المجلس البلدي للمدينة)

ويُجري رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لقاءات مع مسؤولين في تلك البلديات لبحث مشكلاتهم، إلا أن حمادي يقول إن الحكومة «كثيراً ما وعدت بإطلاق مشاريع، ووقّعت عقوداً لم تُنفذ بسبب غياب التمويل»، موضحاً أن «قرارات تنفيذ مشاريع في زليتن بقيت حبيسة الأدراج رغم طرح الملف مراراً أمام رئيس الحكومة دون استجابة فعلية».

أما في شرق ليبيا، فلا يعد الوضع أفضل حالاً؛ إذ تتكرّر شكاوى مدن عدّة، مثل مرادة والبريقة ورأس لانوف وشحات من «ضعف الإعمار وتدهور الخدمات»، وفق مصادر محلّية وشهادات مواطنين عبر صفحات التواصل الليبية. وفي هذا السياق، انتقد المكتب الإعلامي لقبيلة الدرسة «غياب البنية التحتية في ساحل الجبل الأخضر»، كما خرج شباب شحات محتجّين في سبتمبر (أيلول) الماضي على «أزمة الإسكان المزمنة والتهميش المتعمّد».

وأقرّ عضو مجلس النواب فهمي التواتي بـ«مشروعية شكاوى تلك المدن»، مبرزاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تدنّي مستوى الخدمات، واتساع الرقعة الجغرافية، وعدم إدراك عديد المسؤولين لمفهوم التخطيط ومؤشرات القياس والقيم التقديرية لميزانيات التنمية وأهدافها، يهدّد بتشوّه الخدمات وتفاوتها»، لكنه أشار إلى «تنفيذ مشاريع طرق بين البريقة وأجدابيا، وأخرى تربط مرادة بالطريق الساحلي».

أما في الجنوب الليبي، فتبرز معاناة القطرون وأم الأرانب ووادي الأجال ومدن الواحات التي تعاني التهميش، وفق مصادر محلّية. وكان النموذج الأكثر وضوحاً في ربيانة، التي تُعدّ مثالاً للعزلة وضعف الخدمات، حيث تفتقر إلى طريق مرصوف، وتعاني أزمة كهرباء مزمنة.

وحتى في مدن جنوبية طالها الإعمار مثل أوجلة، فإنها «تفتقر إلى مشاريع تنموية مقارنة بمدنٍ كبرى مثل أجدابيا»، بحسب شهادة المواطن سالم عوض.

في المقابل، أطلق نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر، هذا الأسبوع، خلال زيارته سبها، وعوداً بـ«تحويل المنطقة إلى مركز إنتاج لا معبرٍ للمعاناة والتهميش».

موجة إعمار

منذ أربع سنوات، تشهد ليبيا موجة إعمار متفرّقة وسط انقسام سياسي واضح؛ إذ تتولى حكومة «الوحدة» في الغرب جزءاً منها، بينما يدير «صندوق إعادة الإعمار في الشرق»، برئاسة بالقاسم نجل القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، مشروعات أخرى في الشرق والجنوب.

فصل دراسي يفتقر للتجهيزات الضرورية في بلدة قصر الأخيار في غرب ليبيا (بلدية قصر الأخيار)

تاريخياً، يبدو أن «التهميش في ليبيا ظاهرة متجذّرة منذ تأسيس الدولة عام 1951، لكنها تفاقمت أكثر بعد 2011»، وفق ما ذكر أشرف بلها، رئيس تجمع «تكنوقراط ليبيا»، الذي أوضح أن «حقبة معمر القذافي (الرئيس الليبي الراحل) شهدت عقوبات اقتصادية طويلة أعاقت تنفيذ المشاريع الوطنية بسبب سياسات النظام الخارجية»، واصفاً البنية التحتية في ليبيا بأنها «متخلّفة حتى في المدن الكبرى، التي تفتقر إلى شبكات نقلٍ ومياه وكهرباء متكاملة».

أما السبب الأبرز لتهميش بعض البلديات، بحسب عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي» عبد الله عثمان، فهو «الانقسام السياسي، وتفكّك مؤسسات الدولة»، موضحاً أن «غياب حكومة وطنية واحدة، تضع خطة تنموية وتتابع تنفيذها عبر وزارات تخطيط ومالية واقتصاد موحّدة، واستبدالها بصناديق وهيئات مستقلة في الشرق والغرب - بعضها لا يخضع للرقابة - فاقم حالة الارتباك وغياب العدالة في توزيع المشاريع، وأثار شبهات فساد في التعاقد عليها».

غياب رؤية واضحة للأولويات

حذّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2024 من أن «غياب التوافق السياسي والميزانية الوطنية حدّا من تمويل التنمية»، فيما أظهر استطلاعٌ أن «64 في المائة من الليبيين يشكّكون في قدرة البنية التحتية على مواجهة تغيّر المناخ والأزمات البيئية».

في هذا السياق، يرى عثمان أن «غياب رؤية واضحة للأولويات يجعل بعض المشاريع غير ذات أهمية تتقدّم، بينما تتأخر مشاريع حيوية كالصحة والتعليم»، مشيراً إلى أن «المدن الصغيرة، أو البعيدة عن مراكز النفوذ مثل غات وغدامس والكفرة وأوباري ومرزق ونالوت وشحات، لا تحصل على نصيبها من الإعمار مقارنة بالمدن الكبرى».

وقفة احتجاجية في مدينة شحات شرق ليبيا للمطالبة بحل مشكلة الإسكان (الصورة من فيديو)

وحذّر عثمان من أن «منظومة الفساد الراسخة، وافتقار المشاريع للشفافية، خاصة مع إسنادها المباشر دون مناقصات علنية، يضعان كثيراً من هذه المبادرات في دائرة الغموض»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا النهج يجعل الشعور بالتهميش لدى الليبيين قائماً، ويحوّل مشاريع الإعمار إلى أدوات للدعاية السياسية أكثر منها استجابةً فعلية لاحتياجات تنموية ملحّة».

أكد النائب فهمي التواتي أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة» (أ.ف.ب)

ولا توجد تقديرات موحّدة لميزانيات الإعمار في ليبيا؛ إذ أقرّ البرلمان موازنة بنحو 69 مليار دينار لصندوق التنمية، فيما خصّصت حكومة الوحدة 8.8 مليار دينار لمشروعات البنية التحتية في الغرب.

ومع ذلك، يشير النائب فهمي التواتي إلى أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة وتدفقات منتظمة»، مشبّهاً ما يجري في شرق وجنوب ليبيا راهناً بـ«خطة إنقاذ»، ومؤكداً أن «التنمية المتأخّرة لا يمكن تحقيقها سريعاً في جميع المدن».


مقالات ذات صلة

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

شمال افريقيا صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

قبل أن يغادر صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي منطقة بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، وأرجعوا ذلك لـ«مواقفه الوطنية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

منذ أن اتجه «ملف الأزمة» الليبية إلى مدينة غدامس (جنوباً)، وهي قيد البحث حتى الآن، إمّا على طاولات خارجية، وإما عبر لجان محلية؛ سعياً للتواصل إلى حل توافقي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)

ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

تباينت آراء سياسيين ومحللين في ليبيا بشأن مستقبل المبادرة المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس لحلحلة أزمة بلدهم

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر: الاستجابة السريعة لبلاغات التحرش تعزّز ثقة الفتيات في البوح

حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
TT

مصر: الاستجابة السريعة لبلاغات التحرش تعزّز ثقة الفتيات في البوح

حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)
حملة «خريطة التحرش» لعبت دوراً في توعية الفتيات (الموقع الرسمي للحملة)

لقيت شكاوى فتيات قررن في الآونة الأخيرة «كسر حاجز الصمت» والحديث عن تعرضهن للتحرش استجابة سريعة من السلطات المصرية المعنية، في خطوة من شأنها أن تشجع كثيرات على «البوح عن المسكوت عنه».

وفي الواقعة الأحدث، قررت النيابة العامة، الخميس، حبس حقوقي نسبت إليه اتهامات بـ«هتك عرض» أربع فتيات على ذمة التحقيقات لمدة 15 يوماً.

وكانت النيابة قد باشرت تحقيقاتها في الاتهامات المنسوبة إلى الحقوقي، وهو أيضاً مؤسس جهة للدعم النفسي وكاتب وصانع محتوى، في ضوء ما رصده مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين من تداول منشورات تتضمن تلك الاتهامات، وذلك بعد أن ضجت مواقع التواصل الاجتماعي قبل نحو شهرين بسيل من الشهادات المتتالية لفتيات اتهمنه بالتجاوز والاستغلال.

واستمعت النيابة إلى أقوال المبلغين والمجني عليهن، حيث شهدت ثلاث فتيات بتعرضهن لـ«هتك العرض» خلال الفترة من عام 2022 حتى 2025، في أماكن من بينها مقر مؤسسته غير المرخص، فيما أفادت فتاة رابعة بتعرضها لواقعة مماثلة في عام 2017.

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة التي تحركت فيها جهات التحقيق سريعاً في الآونة الأخيرة؛ ففي فبراير (شباط) الماضي نشرت فتاة مقطعاً مصوراً داخل حافلة ركاب لشاب اتهمته بمضايقتها، وسرعان ما تحركت الجهات القضائية، لكنها برأت الشاب بعد عدم ثبوت التهمة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد شهر تقريباً من بلاغات تقدم بها أولياء أمور تلاميذ، قضت المحكمة بإحالة أوراق عامل بمدرسة دولية في محافظة الإسكندرية إلى مفتي الديار المصرية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامه بعد اتهامه بـ«هتك العرض المقترن بالخطف» بحق أربعة أطفال.

هذه التحركات القضائية تزامنت مع نشاط ملحوظ على مستوى الحملات والمبادرات الحقوقية والأهلية التي تشجع على البوح وفضح المتحرشين؛ من أبرزها حملات «أنا أيضاً» و«لا للتحرش» و«حمايتهم واجبنا» و«خريطة التحرش».

حملة توعية ضد التحرش بالأطفال (المجلس القومي للطفولة والأمومة)

أهمية التوعية

وأشادت الباحثة في حقوق المرأة، ندى أمير عبد الله، بسرعة الاستجابة لبلاغات التحرش قائلة إن هذا يساهم في توعية الفتيات بأهمية البوح عن الحوادث التي يتعرضن لها، منوّهة بالتشريعات التي تشدد عقوبات التحرش، وبتزايد فضح المتحرشين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تحركات الجهات الأمنية والقضائية، وتدشين وحدات في أقسام الشرطة للإبلاغ عن حوادث التحرش، ساهما في تشجيع الفتيات على تصوير المتهمين وإثبات ما يتعرضن له من مضايقات، ومنحهن قدراً من الاطمئنان بحصولهن على حقوقهن، بعد أن تأثرن أيضاً بحملات الدعم العديدة التي دشنتها منظمات حقوقية ونسوية خلال السنوات الأخيرة».

وتشير إحصائية «للمركز المصري لحقوق المرأة» إلى أن 82 في المائة من النساء تعرضن للتحرش، وتتنوع الأشكال بين اللفظي والجسدي، بما في ذلك التحرش الجماعي.

وينص «قانون العقوبات» على أن «يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز 4 سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه (1862 دولاراً تقريباً) ولا تزيد على 200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو أتى أموراً أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو الفعل بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أي وسيلة تقنية أخرى».

حملات التوعية بالتحرش ساهمت في تعزيز وعي الفتيات (حملة خريطة التحرش)

الأثر النفسي

وتشير أستاذة الصحة النفسية بجامعة بني سويف، رشا الجندي، إلى أن سرعة تحرك الأجهزة الأمنية وصدور أحكام رادعة عاملان مؤثران في نفسية الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش، ويسهمان في تشجيعهن على الكشف عما تعرضن له، مما يدعم «عملية التعافي» اللازمة.

وأضافت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن وعي الفتيات تزايد بفضل تركيز وسائل الإعلام، بما فيها منصات التواصل الاجتماعي، على وقائع التحرش، وكذلك مناقشة الدراما لتلك القضايا. لكنها أشارت أيضاً إلى أن هناك «نظرة دونية» من جانب فئات مجتمعية تجاه الفتيات اللاتي تشجعن للبوح عن تجاربهن، وأن هذا أمر بحاجة إلى مزيد من التوعية المجتمعية.

ويمنح قانون العقوبات المصري النيابة العامة سلطة حجب بيانات المجني عليه في جرائم التحرش وهتك العرض وإفساد الأخلاق. ومن يخالف تعليمات النيابة بنشر أو تداول معلومات عن الضحايا يُعرض نفسه للملاحقة الجنائية بعقوبات تصل إلى الحبس مدة تصل لستة أشهر وبغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه.

وفي واقعة الفتيات الأربع الأخيرة، حظرت النيابة العامة في بيان لها، الأربعاء، نشر أو تداول أي بيانات أو معلومات من شأنها كشف هوية المجني عليهن أو الشهود، مؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يخالف ذلك.


خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)

يستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً»، يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى؛ لكن المعارضة لا تكف عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في مايو (أيار) 2026.

وجاء أحدث تلك الإنذارات على لسان رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، مما يضع الصومال أمام اختبار سياسي وثلاثة سيناريوهات، بحسب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

وحذر رئيس بونتلاند، مساء الأربعاء، من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس في 15 مايو. وأضاف: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية لإدارة البلاد»، بحسب ما نقله الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وتعارض ولايتا جوبالاند وبونتلاند وقيادات معارضة بارزة التعديلات الدستورية، قائلة إنها لم تتم بطريقة قانونية، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي في مارس (آذار) الماضي، وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضاً رفض الانتخابات المباشرة.

وأكد رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن «تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع (التي يفترض أن تنتهي قبل منتصف مايو)».

وعقب إقرار التعديل الدستوري، قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

اختبار سياسي

ويقول المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، إن الانقسام بين المعارضة والموالاة يتصاعد حول شرعية استمرار الرئيس في منصبه، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي تلوّح فيه قوى معارضة بعدم الاعتراف بالرئيس بعد هذا التاريخ، يستند أنصار السلطة إلى مبرر «العام الانتقالي»، عقب إقرار التعديل الدستوري، ما يضع البلاد أمام اختبار سياسي قد يكون الأخطر منذ سنوات.

وأوضح أن التصريحات بعدم الاعتراف بالرئيس بعد 15 مايو تمثل تصعيداً سياسياً واضحاً، لكنها في الوقت ذاته تحمل طابع الضغط التفاوضي، مضيفاً أن الصومال «يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث قد يتحول العام الانتقالي من فرصة لإعادة بناء الدولة إلى عامل تفجير لأزمة سياسية معقدة».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وقال المحلل السياسي الصومالي، حسن نور، إن المعارضة في الصومال «تلوح بتهديداتها بين يوم وآخر، لكن كما يرى أغلب الشعب، فإن الرئيس حسن شيخ محمود وحكومته برئاسة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، يسيرون على النهج الصحيح نحو قيام دولة دستورية انتخابية، يكون فيها للشعب الحق الكامل في الاختيار، بحيث يستطيع الشاب أو الفتاة ممن بلغوا سن الثامنة عشرة، أن يختار رئيسه القادم».

وأضاف: «أغلب فئات الشعب يرغبون في استمرار الرئيس حسن شيخ محمود لسنة إضافية، لتتم بعدها الانتخابات». وتابع: «وفيما يتعلق بملف الانتخابات، فإنها تدور حالياً على مستوى المحليات، وستليها انتخابات البرلمان، ثم انتخاب عمدة مقديشو، وصولاً إلى انتخاب الرئيس في العام المقبل».

وكان الرئيس الصومالي قد التقى شيوخاً وزعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مؤكداً أنه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، ودعاهم إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة «لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف».

معادلة جديدة

وبحسب كلني، فإن المعارضة تسعى إلى فرض معادلة جديدة تضمن مشاركتها في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء عبر انتخابات توافقية أو ترتيبات انتقالية مشتركة.

وأضاف: «المجتمع الدولي الذي لعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات السياسية في الصومال، لن يسمح بانزلاق الوضع نحو انهيار شامل، وسيسعى لمبادرات وساطة وحوار».

ويرجح كلني ثلاثة سيناريوهات للمشهد: «الأول التهدئة والتسوية عبر التوصل لاتفاق سياسي محدد بإطار زمني محدد للمرحلة الانتقالية، والثاني الجمود السياسي الذي يغذيه تمسك الأطراف بمواقفها ومن شأنه أن يقود لشلل سياسي طويل وصولاً لسيناريو التصعيد والانقسام، مما سيؤدي لعدم استقرار أمني ويقود للسيناريو الثالث وهو الانفجار السياسي الذي يعد الأسوأ»، وفق قوله.

أما المحلل السياسي نور فيرى أن في هذه الأزمة السياسية «نهجاً سليماً»؛ إذ يطرح كل طرف فكرته ويقدم رأيه. وهو لا يعتقد أن المعارضة السياسية ستقوم بالتصعيد أو ترفع السلاح في وجه الدولة، وهذا ما أكده الرئيس السابق شريف شيخ أحمد. وأشار أيضاً إلى أن المجتمع الدولي سيدعم مسار الحوار.


ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
TT

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

أنهى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، زيارة أجراها مساء الأربعاء إلى منطقة بئر الأشهب، التي تعتبر معقل قبيلة المنفة التي ينتمي إليها «شيخ المجاهدين» عمر المختار، معلناً ضمّها إلى «أولويات برامج الإعمار والتنمية».

 

صدام حفتر خلال زيارة مسقط رأس المناضل عمر المختار في بئر الأشهب (القيادة العامة)

وقبل أن يغادر صدام بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، التي تعود إلى فترة «الجهاد الوطني» ضد الاحتلال الإيطالي، وذلك «تقديراً لدور صدام ومواقفه الوطنية، وجهوده في دعم الاستقرار في مدن ومناطق ليبيا كافة». فما هي قصة هذه البندقية؟

يرجع تاريخ هذه البندقية، بحسب مشايخ بئر الأشهب، إلى المحاربين القدامى من رفاق المختار، الذين استخدموها خلال المعارك ضد المحتل الإيطالي في الفترة الممتدة ما بين 1911 و1931. وتحتفظ بعض المراكز الليبية - مثل «مركز السلام» في بنغازي - وعدد من الأعيان بنوعيات من هذه البنادق، باعتبارها موروثاً يرمز للشرف والمقاومة، ويهدونها كرمز لـ«التقدير الوطني».

 

المقاوم عمر المختار (الشرق الأوسط)

ويحتفظ «مركز السلام» ببندقية شهيرة لـ«المجاهد الليبي» الراحل، حسين الجويفي، الذي رافق المختار في نضاله ضد الإيطاليين. والجويفي ينتمي إلى منطقة الجبل الأخضر، وهو من قبيلة البراعصة، وينقل المؤرخون الليبيون أن المختار تأثر لاستشهاده، فوقف عند قبره في منطقة خلاء، وقال: «شهير لَسَم وَافِ الدين... تمَّا غفير في فاهق خلا».

وتتنوع «بنادق المجاهدين» التي لا تزال تحتفظ بها ليبيا بين نوعيات عديدة. وكان محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، قد ظهر خلال زيارة سابقة لبئر الأشهب في مايو (أيار) 2021 وهو يمسك بالبندقية التي حارب بها المختار قوات الاحتلال الإيطالي.

 

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» (القيادة العامة)

والمختار، الذي يعد أيقونة لليبيين، حارب الإيطاليين لأكثر من عشرين عاماً، وأُعدم في 16 سبتمبر (أيلول) عام 1931.

وبرنامج «الإعمار والتنمية»، بحسب القيادة العامة، يتضمن «إطلاق حزمة متكاملة من المشروعات الخدمية، تشمل تطوير البنية التحتية من طرق وشبكات مياه وكهرباء، وتعزيز القطاع الصحي بمرافق حديثة، إلى جانب الارتقاء بالمؤسسات التعليمية، ودعم المشاريع التنموية، التي تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل».

في شأن مختلف، قالت رئاسة الأركان العامة إن الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، تابع التمرينات التعبوية والتدريبات، التي ينفذها منتسبو الجيش الموجودون في الأردن، وذلك بحضور مدير التدريب العسكري بالقوات المسلحة الأردنية، العميد محمد بدر المقدادي.

وشملت التدريبات، بحسب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، برامج متقدمة في مجالات العمليات الخاصة، إضافة إلى تنفيذ مناورة تدريبية، تضمنت اقتحام المباني، وتمرين ميدان الجبال.

وتأتي هذه الزيارات الميدانية في إطار تنفيذ خطة متكاملة لرفع مستوى أفراد القوات المسلحة الليبية، والتي أعدّتها رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة.