«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

مدن تشتكي التجاهل رغم إطلاق الحكومتين مشاريع تنموية مهمة قبل 4 سنوات

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
TT

«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)

بينما تتنافس سلطات شرق ليبيا وغربها على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار في المدن المدمَّرة منذ عام 2011، تتصاعد أصوات غاضبة تشكو «التهميش والإقصاء»، في مشهد يراه برلمانيون ومسؤولون محلّيون انعكاساً لـ«الانقسام السياسي».

وتستمر شكاوى التهميش في غرب ليبيا، رغم إطلاق مشروع «عودة الحياة» قبل أربعة أعوام، وكان آخرها في بلدة الحرابة، حيث أصدر مجلسها البلدي بياناً شديد اللهجة طالب فيه بتدخّل حكومي عاجل، وسط احتجاجات على «غياب مشاريع التنمية وفرص العمل».

ووصلت أصواتُ التهميش والشكاوى من «هشاشة البنية التحتية وضعف التعليم والصحة» إلى الأمم المتحدة خلال لقاءات المبعوثة الأممية هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري مع ممثلين عن مدن في الغرب الليبي، منها بني وليد وتينيناي ومردوم، في يوليو (تموز) الماضي، رأوا أن نقص التمويل لا يُعطّل الخدمات الأساسية فقط، بل يُضعف أيضاً ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.

تهميش بسبب غياب العدالة

استناداً إلى خبرته في المنصب الذي غادره قبل أسابيع، أكد العميد السابق لبلدية زليتن، مفتاح حمادي لـ«الشرق الأوسط»، أن «عدداً من مدن الغرب الليبي، بينها زليتن، لا تزال تعاني التهميش نتيجة غياب العدالة في توزيع المخصّصات الحكومية»، لافتاً إلى أن «ميزانيات التنمية المحدودة وُجّهت بتفضيل بعض البلديات على غيرها».

مواطنون ينددون في وقفة احتجاجية بانقطاع الكهرباء في ربيانة بالجنوب الليبي (المجلس البلدي للمدينة)

ويُجري رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لقاءات مع مسؤولين في تلك البلديات لبحث مشكلاتهم، إلا أن حمادي يقول إن الحكومة «كثيراً ما وعدت بإطلاق مشاريع، ووقّعت عقوداً لم تُنفذ بسبب غياب التمويل»، موضحاً أن «قرارات تنفيذ مشاريع في زليتن بقيت حبيسة الأدراج رغم طرح الملف مراراً أمام رئيس الحكومة دون استجابة فعلية».

أما في شرق ليبيا، فلا يعد الوضع أفضل حالاً؛ إذ تتكرّر شكاوى مدن عدّة، مثل مرادة والبريقة ورأس لانوف وشحات من «ضعف الإعمار وتدهور الخدمات»، وفق مصادر محلّية وشهادات مواطنين عبر صفحات التواصل الليبية. وفي هذا السياق، انتقد المكتب الإعلامي لقبيلة الدرسة «غياب البنية التحتية في ساحل الجبل الأخضر»، كما خرج شباب شحات محتجّين في سبتمبر (أيلول) الماضي على «أزمة الإسكان المزمنة والتهميش المتعمّد».

وأقرّ عضو مجلس النواب فهمي التواتي بـ«مشروعية شكاوى تلك المدن»، مبرزاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تدنّي مستوى الخدمات، واتساع الرقعة الجغرافية، وعدم إدراك عديد المسؤولين لمفهوم التخطيط ومؤشرات القياس والقيم التقديرية لميزانيات التنمية وأهدافها، يهدّد بتشوّه الخدمات وتفاوتها»، لكنه أشار إلى «تنفيذ مشاريع طرق بين البريقة وأجدابيا، وأخرى تربط مرادة بالطريق الساحلي».

أما في الجنوب الليبي، فتبرز معاناة القطرون وأم الأرانب ووادي الأجال ومدن الواحات التي تعاني التهميش، وفق مصادر محلّية. وكان النموذج الأكثر وضوحاً في ربيانة، التي تُعدّ مثالاً للعزلة وضعف الخدمات، حيث تفتقر إلى طريق مرصوف، وتعاني أزمة كهرباء مزمنة.

وحتى في مدن جنوبية طالها الإعمار مثل أوجلة، فإنها «تفتقر إلى مشاريع تنموية مقارنة بمدنٍ كبرى مثل أجدابيا»، بحسب شهادة المواطن سالم عوض.

في المقابل، أطلق نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر، هذا الأسبوع، خلال زيارته سبها، وعوداً بـ«تحويل المنطقة إلى مركز إنتاج لا معبرٍ للمعاناة والتهميش».

موجة إعمار

منذ أربع سنوات، تشهد ليبيا موجة إعمار متفرّقة وسط انقسام سياسي واضح؛ إذ تتولى حكومة «الوحدة» في الغرب جزءاً منها، بينما يدير «صندوق إعادة الإعمار في الشرق»، برئاسة بالقاسم نجل القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، مشروعات أخرى في الشرق والجنوب.

فصل دراسي يفتقر للتجهيزات الضرورية في بلدة قصر الأخيار في غرب ليبيا (بلدية قصر الأخيار)

تاريخياً، يبدو أن «التهميش في ليبيا ظاهرة متجذّرة منذ تأسيس الدولة عام 1951، لكنها تفاقمت أكثر بعد 2011»، وفق ما ذكر أشرف بلها، رئيس تجمع «تكنوقراط ليبيا»، الذي أوضح أن «حقبة معمر القذافي (الرئيس الليبي الراحل) شهدت عقوبات اقتصادية طويلة أعاقت تنفيذ المشاريع الوطنية بسبب سياسات النظام الخارجية»، واصفاً البنية التحتية في ليبيا بأنها «متخلّفة حتى في المدن الكبرى، التي تفتقر إلى شبكات نقلٍ ومياه وكهرباء متكاملة».

أما السبب الأبرز لتهميش بعض البلديات، بحسب عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي» عبد الله عثمان، فهو «الانقسام السياسي، وتفكّك مؤسسات الدولة»، موضحاً أن «غياب حكومة وطنية واحدة، تضع خطة تنموية وتتابع تنفيذها عبر وزارات تخطيط ومالية واقتصاد موحّدة، واستبدالها بصناديق وهيئات مستقلة في الشرق والغرب - بعضها لا يخضع للرقابة - فاقم حالة الارتباك وغياب العدالة في توزيع المشاريع، وأثار شبهات فساد في التعاقد عليها».

غياب رؤية واضحة للأولويات

حذّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2024 من أن «غياب التوافق السياسي والميزانية الوطنية حدّا من تمويل التنمية»، فيما أظهر استطلاعٌ أن «64 في المائة من الليبيين يشكّكون في قدرة البنية التحتية على مواجهة تغيّر المناخ والأزمات البيئية».

في هذا السياق، يرى عثمان أن «غياب رؤية واضحة للأولويات يجعل بعض المشاريع غير ذات أهمية تتقدّم، بينما تتأخر مشاريع حيوية كالصحة والتعليم»، مشيراً إلى أن «المدن الصغيرة، أو البعيدة عن مراكز النفوذ مثل غات وغدامس والكفرة وأوباري ومرزق ونالوت وشحات، لا تحصل على نصيبها من الإعمار مقارنة بالمدن الكبرى».

وقفة احتجاجية في مدينة شحات شرق ليبيا للمطالبة بحل مشكلة الإسكان (الصورة من فيديو)

وحذّر عثمان من أن «منظومة الفساد الراسخة، وافتقار المشاريع للشفافية، خاصة مع إسنادها المباشر دون مناقصات علنية، يضعان كثيراً من هذه المبادرات في دائرة الغموض»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا النهج يجعل الشعور بالتهميش لدى الليبيين قائماً، ويحوّل مشاريع الإعمار إلى أدوات للدعاية السياسية أكثر منها استجابةً فعلية لاحتياجات تنموية ملحّة».

أكد النائب فهمي التواتي أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة» (أ.ف.ب)

ولا توجد تقديرات موحّدة لميزانيات الإعمار في ليبيا؛ إذ أقرّ البرلمان موازنة بنحو 69 مليار دينار لصندوق التنمية، فيما خصّصت حكومة الوحدة 8.8 مليار دينار لمشروعات البنية التحتية في الغرب.

ومع ذلك، يشير النائب فهمي التواتي إلى أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة وتدفقات منتظمة»، مشبّهاً ما يجري في شرق وجنوب ليبيا راهناً بـ«خطة إنقاذ»، ومؤكداً أن «التنمية المتأخّرة لا يمكن تحقيقها سريعاً في جميع المدن».


مقالات ذات صلة

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

شمال افريقيا الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

من طرابلس إلى مصراتة طالب حقوقيون ليبيون بإطلاق الناشط المهدي عبد العاطي كما أهابوا بالنائب العام سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

أفاد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، بأن «السلام الذي ساد في ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، ولكنه قائم، ويعتمد استمراره على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.