«عشت 48 ساعة… من دون ذكاء اصطناعي»

التطبيقات الذكية ونظم التعلم الآلي تتغلغل في كل مناحي الحياة

العودة إلى استعمال الهاتف الأرضي
العودة إلى استعمال الهاتف الأرضي
TT

«عشت 48 ساعة… من دون ذكاء اصطناعي»

العودة إلى استعمال الهاتف الأرضي
العودة إلى استعمال الهاتف الأرضي

عندما قررتُ العيش من دون ذكاء اصطناعي لمدة 48 ساعة، توقعتُ أن يؤثر ذلك على بعض جوانب روتيني اليومي. كنتُ أعلم أنني لن أتمكن من مشاهدة الأفلام الوثائقية التي توصي بها «نتفليكس»، أو قراءة رسائل البريد الإلكتروني التسويقية التي تكتبها الروبوتات، على سبيل المثال. هذا ما أستطيع التعايش معه، كما كتب إيه جيه جاكوبس(*).

إلا أن ما لم أتوقعه هو أن محاولتي لتجنب جميع التفاعلات مع الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ستؤثر على كل جانب تقريباً من حياتي -ما أتناوله، ما أرتديه، وكيف أتنقل.

عودة إلى الخرائط الورقية بدلاً من الرقمية

الذكاء الاصطناعي في حياتنا

قمتُ بهذه التجربة بهدف أن أرى بنفسي مدى انتشار الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية. يدرك معظم الناس أنه يملأ صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي بإعلانات مُستهدفة، ويُشغّل روبوتات الدردشة على مواقع حجز تذاكر الطيران. أردتُ تحديد جميع الذكاء الاصطناعي المختبئ أمام أعيننا، ومعرفة كيف ستكون الحياة من دونه. لذا سأقضي يومين بوصف أنني شخص لا يستخدم الذكاء الاصطناعي.

أثناء بحثي في هذا الموضوع، واجهتُ آراء متضاربة بشدة. هل الذكاء الاصطناعي مُبالغٌ فيه، مجرد تدقيق إملائي مُمجّد، كما أصر البعض في مقابلاتي؟ أم أنه أعظم اكتشاف منذ اكتشاف النار (بل هو أعظم من النار، لأنه سيحل محل البشر)، كما ادّعى آخرون؟

هل يسلبنا حرية الاختيار بإجبارنا على طاعة خوارزميات مُتحيّزة؟ أم أنه يُحسّن حياتنا بطرقٍ بسيطة، كما جادل غاريت وينثر، كبير مسؤولي المنتجات في شركة رأس المال المُغامر «نيو لاب».

وقال لي وينثر: «يعتقد الناس أن الذكاء الاصطناعي مخيف، لكنه في الحقيقة يُحسّن حياتنا بطرق لا نلاحظها، ما يسمح لنا بالتنفس بسهولة أكبر. حرفياً». واستشهد ببرنامج ذكاء اصطناعي حديث في ولاية نيويورك استخدم هذه التقنية لمراقبة الهواء بحثاً عن أي ظواهر غير طبيعية، مثل تسربات الميثان.

الذكاء التوليدي والتعلم الآلي

قبل أن أبدأ تجربتي في يوم اثنين عشوائي من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، كان عليّ الإجابة عن سؤال جوهري: كيف أُعرّف الذكاء الاصطناعي؟

يربط الكثيرون هذا المصطلح بالذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي ظهر فجأةً في عام 2022. فهذه التقنية تُنتج مقالات بحثية باللغة الإنجليزية الجامعية، وتُنشئ صوراً لعملاء مبتسمين لإعلانات المشروبات الغازية.

لكن مظلة الذكاء الاصطناعي تشمل أيضاً أنواعاً أخرى من البرامج القادرة على التعلم والتطور -بما في ذلك التعلم الآلي الذي انتشر على نطاق واسع منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ويُحدّث برنامج التعلم الآلي نفسه أو تنبؤاته بناءً على بيانات جديدة. فعندما يجد تطبيق «ويز» Waze للخرائط لك طريقاً مختصراً إلى منزل أهلك يمكنك شكر التعلم الآلي.

لأكون بعيداً عن الذكاء الاصطناعي، قررتُ أن أتجنب كلاً من جيل الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي. سأكون متشدداً.

البداية - هاتف بلا عمل

منذ اللحظة التي استيقظت فيها في شقتي بنيويورك في اليوم الأول، أدركتُ أن انتشار الذكاء الاصطناعي طاغٍ. وعندما كنت ما زلتُ في السرير، أمسكتُ هاتفي الآيفون تلقائياً لأتمكن من وضعه أمام وجهي وفتح الشاشة. لكن لا. إذ إن تقنية التعرف على الوجه تعمل بالذكاء الاصطناعي... وأدخلتُ رمز المرور كما لو كنا في عام 2017.

ماذا يمكنني أن أفعل بهاتفي الآن بعد أن أصبح مفتوحاً؟ ليس كثيراً. لا «فيسبوك»، لا «إنستغرام»: تُحدد خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهي مليئة بالإعلانات التي يُنشئها. ماذا عن بودكاست؟ لا. تستخدم العديد من البودكاست برامج تحرير الذكاء الاصطناعي لإزالة «الهمهمات»، وفترات الصمت المحرج.

هل يجب أن أتابع الأخبار؟ وفقاً لاستطلاع أجرته وكالة «أسوشييتد برس» عام 2024، أفاد 70 في المائة من الصحافيين بأن مؤسساتهم تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية لأغراض البحث، أو غيرها. سأنقطع عن الأحداث الجارية، وهو ما قد يكون ميزة إضافية رائعة.

كان التحقق من بريدي الإلكتروني أيضاً أمراً غير مقبول، إذ يستخدم «جي ميل» التعلم الآلي للتخلص من الرسائل غير المرغوب فيها. وهكذا، وضعت هاتفي الآيفون في درج.

في الواقع، يتأثر كل شيء تقريباً في حياتنا بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والتعلم الآلي -سواء في تصميمه، أو تصنيعه، أو تسويقه، أو شحنه. لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه التقنيات الجديدة تؤثر على شيء ما، بل إلى أي مدى.

قررتُ تقييم كل شيء في حياتي على مقياس من 1 إلى 10. إذا كان هناك شيء يدين بوجوده بالكامل تقريباً للذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي، مثل رسائل البريد الإلكتروني العشوائية التي تملأ صندوق الوارد الخاص بي، فإنه يحصل على 10.

ماذا عن الشجرة خارج نافذتي؟ تستخدم إدارة الحدائق والترفيه في نيويورك سيارات مزودة بأجهزة مسح ضوئي لإجراء تعداد للأشجار مدعوم بتطبيق للذكاء الاصطناعي، والذي يتتبع صحة أكثر من 600 ألف شجرة على أرصفة المدينة. لذا، فإن شجرة القيقب في حيّي قد تأثرت بالذكاء الاصطناعي، ولكن بشكل طفيف فقط. وقد حصلت الشجرة على تقييم واحد فقط من عشرة.

ركوب الدراجة الهوائية للتنقل بدلاً من استخدام «أوبر«

التنقل خارج البيت

عادةً ما أتحقق من حالة الطقس على هاتفي قبل مغادرة الشقة. لكن تطبيقات الطقس تستخدم بيانات التعلم الآلي. لذلك لجأت إلى تطبيق تقليدي -أخرج يدي من النافذة. كانت درجة الحرارة نحو 21 درجة مئوية، ولم أكن بحاجة إلى سترة، مع أنني أخذت معي مظلة، لأنني لم أكن أعرف إن كانت ستمطر.

للذهاب إلى مطعم للقاء زملائي كان استخدام أوبر وليفت ممنوعاً، لأنهما يستخدمان الذكاء الاصطناعي للتسعير والطلب والجدولة. ماذا عن طلب سيارة أجرة؟ لا يزال الأمر كذلك. يستخدم مصنعو السيارات الذكاء الاصطناعي لتصميم قطع الغيار، وأكثر من نصف السيارات الحديثة مزودة بميزات التعلم الآلي، مثل أجهزة الاستشعار التي تنبهك عند الانحراف إلى مسار آخر.

فكرت في مترو الأنفاق. تستخدم هيئة النقل الحضرية برامج مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة أنماط التهرب من دفع الأجرة. واللافتات الإلكترونية فوق الأرصفة -تلك التي تُشير إلى أن القطار التالي على بُعد خمس دقائق- مُرمّزة بمساعدة الذكاء الاصطناعي التوليدي. لذا، حصل مترو الأنفاق على 2 على مقياسي.

والآن قد تكون الدراجة الهوائية الخيار الأكثر أماناً -وليست «دراجة سيتي» التي تستخدم التعلم الآلي للتنبؤ بالطلب، وتحديد مواقع الدراجات. بدلاً من ذلك، استعرتُ دراجة ابني من قبو مبنانا.

للأسف، كان من المرجح أن أرتكب عدداً من المخالفات في رحلتي. تستخدم إدارة النقل في مدينة نيويورك التعلم الآلي لتحليل حركة المرور، وتدفق المشاة.

مطعم من دون تقنية

وأخيراً، وصلتُ إلى وجهتي. أوضحتُ لزملائي أنني كنتُ أحاول تجنب التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، ولكني لاحظتُ وجود رجلٍ قريبٍ يضع سماعات «إير بودز» التي يتضمن أحدث إصداراتها الجديدة Pro3 ميزة ذكاء اصطناعي تترجم اللغات آنياً... كيف أدفع ثمن طعامي؟ كان ذلك مُحيّراً. تستخدم شركات بطاقات الائتمان الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأنشطة الاحتيالية، وكذلك جهاز الصراف الآلي الذي أسحب منه نقودي.

«اعتقدتُ أن الدفع النقدي أقل قيمةً في مقياس الذكاء الاصطناعي من بطاقات الائتمان، لذلك دفعتُ بأوراق نقدية من فئة 20 دولاراً.

الدفع بالنقود بدلاً من البطاقة المصرفية

قال أحد الزملاء: «لنلتقط صورة سيلفي قبل أن نغادر». قلتُ: «لا أعتقد أنني يجب أن أفعل»، إذ إن كاميرات الهواتف الذكية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد مكان التركيز، وكيفية ضبط الإضاءة. لكنني كنتُ مستعداً، حاملاً كاميرا كوداك قديمة قابلة للطي في حقيبتي.

وفي اليوم التالي عانيت ما عانيت... وأمضيت الساعات الأخيرة من تجربتي أحاول كتابة هذه المقالة. لم أستطع استخدام جهاز ماك بوك برو الخاص بي، لأنه غني بميزات التعلم الآلي، بما في ذلك لوحة تتبع مُدربة على تجاهل لمسات اليد العرضية.

كتابة المقالة

بدأتُ العمل على آلة كاتبة اشتريتها قبل أيام. أحببتُ صوت الطقطقة، لكن الحبر كان على الشريط. ثم انتقلتُ إلى استخدام القلم والورقة، رغم قلقي من أن مُصنّعي أدوات الكتابة البسيطة هذه من بين 51 في المائة من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في التوظيف، وفقاً لاستطلاع أجرته شركة «Résumé Builders». ولأن جهاز الطاقة الشمسية الخاص بي قد نفد، كتبتُ على ضوء الشموع. كان الأمر مُريحاً بعض الشيء.

كتابة المقالة بالآلة الطابعة بدلاً من الكمبيوتر

راجعتُ الملاحظات التي طبعتها قبل بدء تجربتي. وهنا يجب أن أعترف: بعض أبحاثي جاءت من «تشات جي بي تي»، فأنا جزء من غالبية الصحافيين الذين غيّر الذكاء الاصطناعي أعمالهم. طرحتُ عليه أسئلةً مثل «كيف تستخدم إدارة الحدائق الذكاء الاصطناعي؟»، ما قادني إلى تعداد الأشجار، من ناحية.

فكيف أشعر في هذه الساعات القليلة الماضية؟ أشعر ببعض القلق حيال مدى انتشار الذكاء الاصطناعي. أرغب في مزيد من الشفافية. يبدو من المهم معرفة متى يتم توليد صورة أو بريد إلكتروني بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأرغب في مزيد من التحكم في الخوارزميات التي تؤثر على حياتي.

أنا أيضاً أقل يقيناً بشأن شكل العالم بعد خمس سنوات، لكنني أكثر يقيناً بأن الذكاء الاصطناعي سيزداد انخراطاً في حياتنا اليومية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

يوميات الشرق العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك رسم توضيحي يُظهر مجسمات صغيرة تحمل أجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

هل تثق بالذكاء الاصطناعي لتحديد طعامك؟ دراسة تحذر المراهقين

دراسة علمية جديدة تحذر من أن الاعتماد على هذه الأدوات لتخطيط النظام الغذائي قد يحمل مخاطر صحية حقيقية؛ إذ قد تقود بعض المراهقين إلى تناول كميات أقل من المطلوب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.