«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

«النسيج حي» بعد 20 سنة من انطلاقتها

جانب من الحضور
جانب من الحضور
TT

«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

جانب من الحضور
جانب من الحضور

مؤسسة «المورد الثقافي» التي احتفلت بعيدها العشرين بـ«ميتروبوليس» في بيروت، يومي 24 و25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «هي أشبه بوزارة ثقافة عربية». هكذا وصفتها إحدى المشاركات في الملتقى الذي جمع شبكة واسعة من المبدعين في المنطقة العربية، وهم في غالبيتهم من الذين تعاونوا مع «المورد»، ومنهم من أصبحوا نجوماً بفضل تمويلاتها، ومشاريعها المختلفة.

كان من الممتع متابعة النقاشات الصريحة، التي دارت حول مواضيع في الصميم مثل العمل الثقافي في اللحظة السياسية الراهنة، والتحولات الرقمية، والمشاع كممارسة، واللغة وحدودها، ودارت حلقة نقاش كبرى حول «التمويل والإقصاء والبدائل»، شارك فيها أكثر من عشرين شخصاً.

موضوع التمويل الغربي، الذي اعتمدت عليه بشكل أساسي مؤسسة «المورد»، والعديد من المؤسسات الثقافية العربية، كان موضع أخذ وردّ.

وعادت بشكل متكرر فكرة أن حرب الإبادة هي محطة فاصلة، بعدها ليس كما قبلها. وجاء في كتيب «المورد» للملتقى الذي حمل عنوان «النسيج حي» أن «الإبادة الجماعية في غزة والحروب المتواصلة على المنطقة تعيد تذكيرنا بضرورة اللقاء والتفكير المشترك وإعادة ترتيب الأولويات، كما تؤكد أهمية ما نقوم به في مواجهة استراتيجيات المحو الممنهجة التي يمارسها المشروع الصهيوني وحلفاؤه، التي لا تستهدف الأرواح فحسب، بل تطال العمران والتراث والهوية واللغة والأرشيف...».

وتأمل «المورد» من خلال هذا اللقاء أن «نعيد النظر معاً في الممارسات والقيم والنماذج والعادات التي نود التخلي عنها، أو استعادتها واستكشاف أدوات ومقاربات جديدة، كفيلة ببناء مستقبل يكون فيه الإنسان أولوية».

انقسمت الآراء، بين من قال إنه بات يرفض كلياً التمويل الغربي الذي يأتي من مصادر أميركية والاتحاد الأوروبي، وهؤلاء قلة، وقسم آخر رأى أن التخلي عن التمويل مشكلة لأنه يصعب جداً على أي مؤسسة ثقافية أن تعتمد على مداخيلها الخاصة.

ومالت الأغلبية إلى الاعتماد على الذات بشكل جزئي. تحدثت هانية مروة، مديرة «ميتروبولوس»، وهو مركز ثقافي تعددي فيه صالات سينما عن تجربتها الطويلة والمشجعة. وقالت إن «ميتروبوليس» يحاول أن يتخلى عن التمويل بالمداخيل الذاتية. «بيع (البوب كورن) مثلاً ندفع منه معاشات الموظفين، وبعض التذكارات الصغيرة، وتأجير الصالة لمناسبات صباحية يسد جزءاً آخر. باتت مداخيلنا الخاصة تؤمن 35 في المائة من حاجاتنا، والهدف القريب تأمين نصف المصروف. ولو توقفت المساعدات، بمقدورنا أن نقتصد ونستمر».

إيمان حموري مديرة مركز «الفن الشعبي» في فلسطين، اعتبرت أن «الثقافة كانت مشروعاً تحررياً، لكن بعد (أوسلو) وجدت مؤسسات تجسد النيوليبرالية، يوجه من خلالها الممولون المشاريع الثقافية لتكون غير سياسية. وهكذا دخلنا معهم في التسويات». وعلقت على التجربة: «لقد وقعنا في الفخ، وأقنعنا أنفسنا بأن الأمر عادي، ووافقنا على تنازلات».

حموري من الذين يرون أنه كان ثمة إحساس بأننا نقاوم الموجة، ونحاول أن نفرض رأينا من الداخل «ولم ندرك أنهم يسيرون بشكل ممنهج للوصول إلى غاياتهم، إلى أن جاء التمويل المشروط عام 2019 من الاتحاد الأوروبي، وكنا مجبرين على توقيع العقود المشروطة».

من هنا، كان شبه توافق على أهمية بناء شراكات مع المحيط المحلي، للتحرر من التمويل الأجنبي، قدر الممكن.

بكلام آخر، العودة إلى الأساليب القديمة التي اعتمدت عليها الحياة الثقافية في القرن الماضي. المسرحي روجيه عساف كان قد تحدث عن ضرورة بناء علاقات مع مؤسسات، وشركاء، وتبادل دائم بين المبدعين من مختلف المجالات. أعطى مثلاً مقهى «الهورس شو» في بيروت الستينات؛ حيث كان يلتقي الكاتب بالرسام بالمسرحي بالصحافي والموسيقى، نعمل معاً، نتبادل الخبرات، وهناك العلاقة الوثيقة مع الجمهور أيضاً.

هذه الشبكة هي التي تعطي الدفع المالي والمعنوي للعمل الثقافي. حموري من باب الاستغناء عن التمويل افتتحت في مركزها مدرسة للدبكة تسهم في ثلث المصروف، بالإضافة إلى الشراكات التي تعمل على تقويتها و«بالتضامن تكبر الحلقة».

من تونس أحمد أمين العزوزي طرح شكلاً آخر من أشكال الرجوع إلى الممارسات القديمة، وهي أن نتخلص من فكرة المهنة الفنية التي نتفرع لها، ويمارس الفنان إبداعه إلى جانب مهنة أخرى تؤمن له مدخوله، كما كان الحال في السابق.

قال مشاركون إن الفاعلين الثقافيين ليسوا وحدهم من أُفسدوا، ولكن الجمهور أيضاً اعتاد العروض المجانية، وبات لا يريد أن يشتري تذكرة الدخول، أو أن يسهم في تمويل الأنشطة الثقافية ولو بمبالغ رمزية، بحسب سيرين قنون، مديرة مسرح الحمرا، في تونس.

شرحت إحدى المشاركات بأن قبول تمويلات الأوروبيين والأميركيين في التسعينات «كان بسبب تقاطع أجنداتنا مع الجهات الممولة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. هم كانوا يريدون الترويج لقيم حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان، ونحن بحاجة لهذه المبالغ. الآن اكتشفوا حدود إمكاناتهم، وتغيروا، ولسنا نحن من تغيرنا».

بطبيعة الحال التمويلات الغربية السخية للثقافة العربية تشحّ، ولربما ثمة إحساس بأن الصنابير قد تغلق كلياً في أي لحظة، فأولويات الممولين قد تتغير، وما يريدونه من المنطقة العربية قد يصلون إليه بطرق أخرى غير الثقافة.

وهذا ما يفهمه الفنانون العرب، إضافة إلى صدمة غزة التي تركت ندوبها على الأرواح وفي الضمائر. وبالتالي ما العمل؟ سارة كحيل من فلسطين، مستشارة في تطوير الموارد، رأت أننا «أصبحنا أمام سؤال صعب. هل نبقى نعمل معهم، على اعتبار أننا نغير من الداخل، أم أن وقت الحوار انتهى؟».

شرحت كحيل أن «ثلاثين سنة مضت، ونحن يُطلَب منّا أن نخفف من قول: من نحن؟ فعلاً صار لزام علينا أن نفكر من هو الممول؟ وكيف يجب أن نتعامل معه؟ وما البدائل؟».

حيدر حلو مخرج وممثل، هو المدير الفني لـ«مؤسسة بغداد للأفلام»، قال إن الفنانين المستقلين أهم ما يعنيهم هي الحرية. نحن من خلال التجربة العراقية نعتبر أنفسنا كما كل المنطقة العربية ركاباً في طائرة مخطوفة، وبحاجة لأن نتفاوض مع الخاطفين، وعندما يطلقون سراحنا، نستطيع أن نتحدث ونقرر». واقترح حلو التفكير والمراجعة المستمرين؛ حيث إنه لا حل سحرياً لهذا الموضوع. حالياً للتغلب على المشكلة «نعمل بشراكة مع مؤسسات صديقة، ونود أن نقلب المثلث؛ أن نتعاون في زملائنا العرب. نحن الآن نتعاون مع زملائنا اللبنانيين، هم يصورون في العراق ونحن نصور في لبنان، ونكبّر هوامشنا باطراد. كانت طفرة غربية في رأس المال»، اعتبرتها ليلى حوراني التي سبق وعملت مع مؤسسات مختلفة. ورأت أننا «كلنا مذنبون، وكلنا متواطئون»، مؤكدة ما قالته فاتن فرحات، عضو الجمعية العمومية لـ«المورد». وأكملت حوراني: «أنا قاطعتُ أصدقاء، لم أعد ألتقي معهم بعد الإبادة؛ فهل سيصعب علي مقاطعة المال؟»، مشددة على أن المقاطعة تحتاج إلى أن يجد الإنسان وراءه من يسانده. «يجب أن نتعاون و(نشيل) بعضنا بعضاً». وأوضحت حوراني أن مؤسسة «فورد» كان لها 10 مكاتب في العالم، 40 في المائة من تمويلها يذهب لخارج أميركا. «اليوم يريدون أن يغلقوا على أنفسهم، هل أقاطع أم أصارحهم؟ نحن بحاجة لأن نوزع الأدوار بكل دهاء فيما بيننا. الجميع في وضع صعب مالياً. لذا يجب أن نجلس ونتشاور كقطاع لنرى ما علينا أن نفعل».

إحدى الحاضرات للجلسة قالت إنها اشتغلت مع مؤسسة «فورد» سابقاً وعاشت التجربة، لهذا تعتبر أن «الجلسة كانت مخزية»، قائلة: «نحن نمارس الرقابة على أنفسنا. هل نسيتم أننا نحن دول الجنوب تم تفقيرنا وسرقة مواردنا. الأموال التي تصلنا هي (سوفت بور) أو (احتلال ناعم)». وأكملت: «نحن نبيع سردية غربية ملطفة، نحتاج إلى شجاعة وعمق أكبر. البرغماتية هي التي أوصلتنا إلى هنا».

حسام الثني، باحث ليبي في السياسات الثقافية، رأى أن دور الدول هو تهيئة البنية التحتية الثقافية، لا تمويل المشاريع التي يجب أن تبقى حرّة، إن أردنا استقلالية. فالممول بطبيعة الحال، سيتحكم بالاتجاهات الثقافية. والمخرجات تذهب هدراً بدلاً من أن يعاد تدويرها.

المراجعات بدأت من الجلسات الأولى. شبهت كريستين طعمة مؤسسة «أشكال ألوان» في لبنان، الوضع اليوم بما كان عليه في تسعينات القرن الماضي. «لا فرق بين المشكلات التي يواجهها الفنانون الشباب اليوم، وتلك التي عشناها في ذلك الوقت، أي علينا أن نعمل بالموجود والمتوفر. عدنا لنفس المكان الذي بدأنا منه قبل 35 عاماً». كثيرون تحدثوا عن الحائط المسدود الذي وصل إليه الجميع. الإيجابية الوحيدة هي أننا نجابه مشكلات نتشارك فيها مع العالم أجمع، ولسنا وحدنا هذه المرة.

إدريس كسيسكس روائي ومسرحي مغربي، وصفها بأنها «أزمة وسائط سياسية فقدت مصداقيتها في كل العالم. سقف الحلم الذي كان موجوداً في القرن الماضي لم يعد قائماً. اضمحلت فكرة التعددية وحلت الفاشية. صرنا أمام خيارين: إما المشروع الوطني أو العنصري الإبادي». في المقابل فإن العالم الحقيقي الوحيد هو الثقافة والفن، ومن خلال كتابة الذاكرة هناك نوافذ تُفتَح.

تداول المجتمعون في انهيار القيم، والموجة الكولونيالية الجديدة، وبروز دول الجنوب، وأين على الفنان والمثقف العربي أن يقف؟

اللقاء هو اجتماع عربي ثقافي، ودّعت خلاله مديرة المورد، إيلينا ناصيف، المجتمعين بكلمات مؤثرة، شارحة الصعوبات التي واجهتها عند تسلمها «المورد»، بعد أن انتقل المقر من مصر إلى لبنان، معتبرة أن السنوات العشر المقبلة مهمة جداً، وأنها تترك المؤسسة بين أيادٍ أمينة؛ حيث تتسلم مكانها ألما سالم، التي تحدثت عن «امتداد المنطقة العربية من المشرق إلى المغرب، وتحويل الجغرافيا إلى فكرة ولوحة مفتوحة، فيما المنطقة يعاد تشكيلها. وعملنا لا على أن نرث المنطقة بل أن نبتكرها».

تأسست «المورد» كمؤسسة غير ربحية في مصر عام 2003 بمبادرة من بسمة الحسيني، وكان لها أنشطة مهمة، مثل «مسرح الجنينة» و«مدرسة الدرب الأحمر»، وتم تمويل العديد من البرامج الثقافية. وفي عام 2017 انتقلت «المورد» إلى بيروت، واستمرت في دعم فنانين ومؤسسات ثقافية بمجموعة برامج. تشمل إنتاج أعمال جديدة والسفر والترويج لهذه الأعمال، وبرامج تدريب ومنشورات باللغة العربية تهدف لتطوير مهارات المديرين الثقافيين والمؤسسات الثقافية، وبحوث في السياسات الثقافية، ودعم الفنانين المعرضين للخطر.

ببلوغها عامها العشرين، فإن «المورد» تواجه تحديات بسبب الأزمات المالية لدى الجهات الممولة، وأزمة أخلاقية بسبب الإبادة، وهو ما استحق مراجعات الفنانين واقتراحاتهم واجتهاداتهم.



السعودية… «كود» جديد يوفر ملياري متر مكعب من المياه سنوياً

جانب من فعاليات «أسبوع المياه السعودي 2026» (سقاية)
جانب من فعاليات «أسبوع المياه السعودي 2026» (سقاية)
TT

السعودية… «كود» جديد يوفر ملياري متر مكعب من المياه سنوياً

جانب من فعاليات «أسبوع المياه السعودي 2026» (سقاية)
جانب من فعاليات «أسبوع المياه السعودي 2026» (سقاية)

تتجه السعودية إلى توسيع دور المياه المعالجة بوصفها مورداً اقتصادياً يدعم النمو الصناعي والحضري، مع توقعات بارتفاع استهلاكها في القطاع الصناعي إلى أكثر من 100 مليون متر مكعب سنوياً بحلول عام 2030، بالتزامن مع إطلاق كود وطني جديد لممارسات الري يستهدف توفير نحو مليارَي متر مكعب من المياه سنوياً.

وقال الرئيس التنفيذي للمؤسسة العامة للري، محمد بن زيد أبو حيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن المياه أصبحت عنصراً أساسياً في جميع المشروعات التنموية، مؤكداً أن النمو المتسارع الذي يشهده الاقتصاد السعودي والمشروعات الكبرى في مختلف مناطق المملكة يرفع الطلب على المياه المعالجة بوصفها جزءاً رئيسياً من البنية التحتية لهذه المشروعات.

وأوضح أن المؤسسة تتولى إدارة السدود وتشغيلها، إلى جانب إدارة منظومة نقل المياه المعالجة وتوزيعها وإعادة استخدامها في القطاعات الحضرية والصناعية والزراعية، مشيراً إلى أن هذا القطاع يشهد نمواً متسارعاً.

الرئيس التنفيذي للمؤسسة العامة للري متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»

مشروعات السعودية الخضراء

وأكمل أن استهلاك المياه المعالجة في القطاع الصناعي ارتفع بنحو 50 في المائة خلال عامين، من نحو 20 مليون متر مكعب إلى 30 مليون متر مكعب بنهاية عام 2025، متوقعاً أن يتجاوز 100 مليون متر مكعب بحلول عام 2030.

وأشار إلى أن القطاع الحضري، الذي يشمل الحدائق والمسطحات الخضراء ومشروعات السعودية الخضراء، سجّل كذلك نمواً متسارعاً؛ إذ ارتفع استهلاك المياه المعالجة من نحو 65 ألف متر مكعب إلى قرابة 13 مليون متر مكعب، مع توقعات بوصوله إلى 150 مليون متر مكعب بحلول عام 2030.

وأفاد أبو حيد بأن مشروع السعودية الخضراء يُعدّ أحد أبرز المحركات لنمو الطلب على المياه المعالجة، إلى جانب المشروعات التنموية والمحميات الطبيعية والتوسع في الاستخدامات الحضرية.

كفاءة الري

وكشف عن قرب إطلاق كود ممارسات الري، الذي تطوره المؤسسة بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، موضحاً أن تطبيقه سيرفع كفاءة الري في المملكة نحو 55 في المائة إلى أكثر من 70 في المائة. ولفت إلى أن التطبيق الكامل للكود من المتوقع أن يُسهم في توفير نحو مليارَي متر مكعب من المياه سنوياً، حيث أثبتت التجارب الحقلية زيادة في دخل المزارعين، وفي إنتاجية المزرعة، وتحسين كفاءة استخدام المياه.

وتابع الرئيس التنفيذي، أن الكود يستهدف خفض استهلاك المياه في زراعة الحبوب من 9750 متراً مكعباً للهكتار إلى نحو 6500 متر مكعب للهكتار، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل حالياً على اللمسات النهائية للمشروع، تمهيداً لتدشينه خلال المنتدى العالمي للمياه.

Your Premium trial has ended


«وول ستريت» تفترق عن الاقتصاد الحقيقي... هل انتهت علاقة النمو بالأسواق؟

متداولون يعملون على أرضية بورصة نيويورك خلال تداولات الصباح (أ.ف.ب)
متداولون يعملون على أرضية بورصة نيويورك خلال تداولات الصباح (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تفترق عن الاقتصاد الحقيقي... هل انتهت علاقة النمو بالأسواق؟

متداولون يعملون على أرضية بورصة نيويورك خلال تداولات الصباح (أ.ف.ب)
متداولون يعملون على أرضية بورصة نيويورك خلال تداولات الصباح (أ.ف.ب)

يبدأ الاقتصاد الأميركي وسوق الأسهم في التحرك باتجاهين متباينين، في مشهد يعكس تزايد التناقضات بين البيانات الاقتصادية القوية وأداء الأسواق المالية؛ فقد شهد شهر يونيو (حزيران)، المزدحم بالأحداث، طرحاً قياسياً لأسهم شركة «سبايس إكس»، إلى جانب أول اجتماع لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، وسط سلسلة من التطورات المتباينة في الأسواق.

وعلى صعيد البيانات الاقتصادية، أظهرت المؤشرات الأميركية أداءً قوياً مدعوماً باستمرار مكاسب الوظائف وقوة إنفاق المستهلكين، إلى جانب تحسن تدريجي في معنويات السوق. غير أن هذا الزخم الاقتصادي لم ينعكس إيجاباً على أداء الأسهم؛ إذ تراجع مؤشرا «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» خلال الشهر، كما خسرت مجموعة «السبعة العظماء» (ماغنيفيسنت سفن) التكنولوجية، التي كانت تهيمن على السوق، أكثر من 10 في المائة، وفق أحد المقاييس.

في المقابل، واصلت سندات الخزانة الأميركية تسجيل مكاسب، ما دفع العوائد إلى التراجع، رغم تجاوز معدل التضخم مستوى 4 في المائة الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ 3 سنوات.

وقال غاي ليباس، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في شركة «جاني مونتغمري سكوت» بفيلادلفيا: «الشيء الذي يلفت الانتباه أنه خلال فترة ارتفاع أسعار الطاقة، ظل المستهلكون صامدين في إنفاقهم على السلع والخدمات غير المرتبطة بالطاقة. هذا المزيج يشير بقوة إلى مستوى من الاستقرار والمرونة والقوة يفوق التوقعات الحدسية لهذا العام، وبالتالي يخلق بعض مخاطر الارتفاع لتقديرات نمو الاقتصاد الأميركي».

كرة ليلة رأس السنة في «ناسداك ماركت سايت» خلال يوم إدراج «سابيس إكس» بنيويورك (رويترز)

ارتفاع العوائد الحقيقية يغيّر قواعد اللعبة

يجد المستثمرون أنفسهم عند مفترق طرق مع ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية المعدلة حسب التضخم، التي تؤثر على الأسواق في ظل طفرة استثمارية هائلة بالذكاء الاصطناعي. وقد عزز التحول المتشدد لوارش رهانات قوية على أن البنك المركزي قد يرفع أسعار الفائدة. إلا أن العديد من المحللين يشككون في حدوث ذلك فعلاً؛ إذ إن تشديد الظروف المالية أدى بالفعل إلى تراجع الذهب و«البتكوين» بشكل حاد، إلى جانب أسهم «مايكروسوفت» و«ميتا».

وفي الوقت نفسه، يشهد «وول ستريت» إصداراً مكثفاً للأسهم الجديدة وسندات الدين، بهدف تمويل مزيد من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وهو إنفاق يدافع عنه المؤيدون باعتباره غير مرتبط بفقاعة مضاربية، لكنه في الوقت نفسه يعكس طلباً قوياً من المستثمرين.

وقد تميل الأسواق، التي غالباً ما تحسم هذا التوتر بين اقتصاد قوي نسبياً وسوق مدفوعة بقطاع واحد، إلى جانب الأسواق التي تبدو مضاعفات تقييمها قريبة باستمرار من مستويات قياسية. لكن هذا الاتجاه قد لا يستمر إذا كان عصر ارتفاع تكاليف الاقتراض الحقيقية قد بدأ بالفعل.

وقال محلل «غولدمان ساكس» كاماكشيا تريفيدي: «إن انهيار مخاوف الحرب هذا الشهر وتراجع أسعار النفط يعيدان الأسواق إلى بيئة أساسية ودورية إيجابية، لكنها في الوقت نفسه مُسعّرة بتقييمات مرتفعة. هذا التوتر يظهر بشكل خاص في قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أيضاً المصدر الرئيسي للتقلبات في أسواق الأسهم».

ويُدار معظم هذه التقلبات من خلال انتقال المستثمرين من صفقة زخم إلى أخرى؛ فمنذ ذروة مخاوف الحرب في أواخر مارس (آذار)، اقترب مؤشر أشباه الموصلات من مسار شبه عمودي، مرتفعاً 87 في المائة منذ بداية العام. وارتفعت أسهم «ميكرون» بـ4 مرات، بينما تضاعفت أسهم «إنتل» و«مارفل تكنولوجي» 3 مرات في عام 2026.

في المقابل، تراجعت مجموعة «السبعة العظماء» بقيادة «إنفيديا» و«أبل» و«ألفابت» خلال العام، بعد أن كانت مسؤولة عن نحو 40 في المائة من مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في عام 2025، مدفوعة بارتفاع الأسعار وتوزيعات الأرباح.

دونالد ترمب يلقي كلمة خلال مراسم أداء اليمين لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد كيفين وارش (رويترز)

قفزة الدين تغيّر المزاج

يرى كثير من المستثمرين أن إعادة تقييم ما يُعرف بـ«شركات البنية التحتية الضخمة للذكاء الاصطناعي» بدأت في أواخر العام الماضي، عندما بدأت شركات مثل «أوراكل» وغيرها من الشركات ذات الميزانيات النظيفة نسبياً، في زيادة مستويات الدين.

وقد أصدرت شركات مثل «أمازون» و«ألفابت» سندات بقيمة 60 مليار دولار بعملات متعددة خلال الأشهر الـ12 الماضية. وتجاوزت مبيعات السندات الاستثمارية لهذه الشركات إجمالي عام 2025 بالكامل، وهي في طريقها للوصول إلى توقعات بنك «بي إن بي باريبا» البالغة 250 مليار دولار هذا العام.

وقال جيك دولارهيد، الرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأصول «لونغبو» في تولسا، أوكلاهوما: «الذكاء الاصطناعي يعمل لصالح المزودين، مثل شركات الرقائق، لكنه لا يعمل لصالح المنفقين. ولهذا السبب تراجعت مجموعة السبعة العظماء هذا العام. إنهم هم المنفقون».

ويخشى بعض المستثمرين من أن تتسارع موجة بيع شركات التكنولوجيا المنفقة، نظراً لحجم شركات السبعة الكبار. وقد خفض بنك «يو بي إس» الأسبوع الماضي، انكشافه على أسهم أشباه الموصلات والأجهزة في محفظته الخاصة بالذكاء الاصطناعي، محذراً من احتمال خفض إنفاق رأس المال مستقبلاً من قبل الشركات الضخمة في القطاع، في ظل تراجع أسعار أسهمها.

وأي خفض في الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يؤثر أيضاً على الاقتصاد، نظراً لحجم الإنفاق الكبير من قبل كبرى شركات التكنولوجيا.

وقال ليباس: «إن أكبر عامل متغير في النمو الاقتصادي هو إنفاق الشركات واستثماراتها. ومن الصعب جداً حدوث تباطؤ اقتصادي كبير عندما يكون هذا العامل الأساسي في الناتج المحلي الإجمالي في حالة نمو».

ومع ذلك، قد يكون من المبكر الحديث عن تخفيضات في الإنفاق الرأسمالي، بالنظر إلى مرونة الأسواق الأميركية في السنوات الأخيرة.


تطلُّع يمني لاستئناف الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة

اليمن يسعى لاستئناف الاستثمار الأميركي في مجال استخراج النفط والغاز (سبأ)
اليمن يسعى لاستئناف الاستثمار الأميركي في مجال استخراج النفط والغاز (سبأ)
TT

تطلُّع يمني لاستئناف الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة

اليمن يسعى لاستئناف الاستثمار الأميركي في مجال استخراج النفط والغاز (سبأ)
اليمن يسعى لاستئناف الاستثمار الأميركي في مجال استخراج النفط والغاز (سبأ)

وسط سعي الحكومة اليمنية لاستعادة ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة، عبر بحث استئناف الأنشطة الاستثمارية لشركة «هنت» الأميركية، تواصلت الدعوات لتوسيع الدعم الإنساني لمحافظة مأرب التي تستضيف النسبة الأكبر من النازحين في البلاد.

وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وفداً رفيعاً من شركة «هنت» النفطية الأميركية، برئاسة رئيسها التنفيذي هانتر هانت، لبحث فرص الشراكة في مجالات استكشاف وإنتاج وتصدير النفط والغاز، وآفاق استئناف أنشطة الشركة بما يدعم جهود التعافي الاقتصادي ويعزز أمن الطاقة.

وحسب الإعلام الرسمي، استمع العليمي إلى عرض من وفد الشركة حول خططها المستقبلية وفرصها الاستثمارية في القطاع النفطي، مؤكداً أهمية البناء على الشراكة التاريخية التي جمعت الشركة بالحكومة اليمنية منذ تأسيس صناعة النفط في البلاد.

وأشاد العليمي بالدور الذي لعبته «هنت» في اكتشاف أول الاحتياطيات النفطية التجارية، والمساهمة في إنشاء البنية التحتية لقطاع النفط، وتأهيل الكوادر الوطنية، فضلاً عن مشاركتها في مشروع الغاز الطبيعي المسال، معتبراً أن تلك الإسهامات تمثل محطة مهمة في تاريخ القطاع النفطي اليمني.

العليمي خلال استقباله وفد شركة «هنت» الأميركية (سبأ)

كما استعرض رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الوفد الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية التي تنفذها الحكومة، بما في ذلك إصلاحات قطاع النفط والغاز، والإجراءات الرامية إلى تحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتوفير الضمانات اللازمة لعودة الشركات الأجنبية.

وأكد العليمي التزام الحكومة بتقديم التسهيلات للمستثمرين، والعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين على حماية المنشآت الحيوية وتهيئة الظروف لاستئناف الأنشطة الإنتاجية، بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

ونوه كذلك بالدعم الذي تقدمه السعودية للاقتصاد اليمني، معتبراً أنه يمثل ركيزة أساسية لاستمرار برنامج الإصلاحات الاقتصادية واستعادة ثقة المستثمرين.

التدخلات الإنسانية في مأرب

في سياق آخر، تفقَّد وكيل محافظة مأرب عبد ربه مفتاح، برفقة رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وسفيرة هولندا لدى اليمن جانيت سيبن، عدداً من مخيمات النازحين ومراكز إيواء المهاجرين، إضافة إلى مشاريع إنسانية ممولة من الاتحاد الأوروبي وهولندا.

واطلع الوفد على أوضاع النازحين والخدمات المقدمة لهم، والتحديات التي تواجه العمل الإنساني مع استمرار تدفق موجات النزوح، كما زار مراكز إيواء اللاجئين والمهاجرين الأفارقة واستمع إلى شرح حول الخدمات المقدمة لهم والمشاريع المنفَّذة لتحسين ظروفهم المعيشية.

وفد الاتحاد الأوروبي وهولندا خلال زيارته مخيماً للنازحين في مأرب (سبأ)

وأكد مفتاح أن مأرب ما زالت تتحمل العبء الأكبر من أزمة النزوح في اليمن؛ إذ تستضيف أكثر من 61 في المائة من إجمالي النازحين، إلى جانب عشرات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين القادمين من دول القرن الأفريقي.

ودعا المسؤول اليمني الاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين إلى توسيع تدخلاتهم الإنسانية والتنموية في المحافظة، بما يعزز قدرة السلطة المحلية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للنازحين واللاجئين والمجتمع المضيف.

ونقل الإعلام الرسمي أن رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي والسفيرة الهولندية أكدا استمرار دعم جهود الاستجابة الإنسانية في مأرب، وتعزيز الشراكة مع السلطة المحلية، ومواصلة تمويل المشاريع الإنسانية والتنموية الهادفة إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر احتياجاً.