السرطان يتنكر في شكل فيروس... لكن جهاز المناعة يرصده

كشف «الخدعة الجينية» يمكن أن يقود إلى تطوير أدوية ولقاحات ذكية

السرطان يتنكر في شكل فيروس... لكن جهاز المناعة يرصده
TT

السرطان يتنكر في شكل فيروس... لكن جهاز المناعة يرصده

السرطان يتنكر في شكل فيروس... لكن جهاز المناعة يرصده

في سباق لا يتوقف للقضاء على أحد أخطر أمراض العصر يواصل العلماء حول العالم فكّ شيفرات جديدة تُظهر كيف يتعامل جهاز المناعة مع السرطان، ذلك العدوّ الذكي الذي يتخفّى داخل الجسم مستتراً بخلاياه.

خيوط تفاعلية خفيّة

وبينما كان يُعتقد سابقاً أن جهاز المناعة يقف عاجزاً أمام هذا الخداع تكشف الأبحاث الحديثة عن خيوطٍ خفية من التفاعل بين الطرفَيْن قد تغيّر مستقبل علاج السرطان إلى الأبد. وتمهد هذه الاكتشافات الواعدة الطريق لعصر جديد من العلاجات المناعية الدقيقة واللقاحات المصمَّمة خصوصاً لهزيمة المرض من الداخل.

وقد كشف فريق بحثي من مركز «ميموريال سلون كيترينغ» في نيويورك بالولايات المتحدة -في دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Cell Genomics» خلال 24 سبتمبر (أيلول) 2025- عن نتائج توضّح كيف يشكّل جهاز المناعة تطوّر السرطان، كما تكشف عن شيفرة خفية قد تغيّر طريقة فهم العلماء للمرض وعلاجه.

عندما تتصرّف الخلايا السرطانية مثل الفيروسات

المهمة الأساسية للجهاز المناعي هي التعرف إلى التهديدات مثل البكتيريا والفيروسات والقضاء عليها. لكن ولأن السرطان ينشأ من خلايا الجسم نفسها، يصعب على الجهاز المناعي عدّه خطراً.

المفاجأة التي اكتشفها العلماء أن بعض الخلايا السرطانية تُعيد تنشيط تسلسلات متكرّرة في الحمض النووي (دي إن إيه) DNA، وهي أجزاء تشكّل نحو نصف الجينوم البشري، لكنها عادةً ما تكون خاملة. وعند تنشيطها تبدأ هذه المقاطع إنتاج جزيئات من الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA تُشبه إلى حد كبير تلك التي تنتجها الفيروسات الحقيقية.

حينها يتعامل الجهاز المناعي مع هذه الإشارات، وكأن الجسم يتعرّض لهجوم فيروسي فيُطلق استجابة مناعية قوية. وهذه الظاهرة هي ما يُعرف بـ«محاكاة الفيروسات».

يقول عالم الأورام الحسابي في مركز «ميموريال سلون كيترينغ» للسرطان الأميركي، قائد الدراسة، الدكتور بنجامين غرينباوم، إنها طريقة مذهلة تجذب بها الخلايا السرطانية انتباه الجهاز المناعي. ولأجل فهم متى ولماذا يحدث هذا يمكن أن يكشف الكثير عن تطور السرطان وكيفية تحسين العلاجات.

تحويل علم الأحياء إلى معادلات رياضية

حتى وقت قريب لم تكن لدى العلماء أدوات دقيقة لقياس هذه الظاهرة أو التنبؤ بموعد حدوثها. لكن فريق الدكتور غرينباوم، بالتعاون مع باحثين دوليين، ابتكر نموذجاً رياضياً متقدماً، لقياس وتوقّع «محاكاة الفيروسات» Viral Mimicry في الخلايا السرطانية.

وقد استعان الفريق بوسائل من الفيزياء الإحصائية والذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء التطوري لبناء نموذج قادر على تحديد أيّ التسلسلات الجينية تُثير الجهاز المناعي، وأيّها تبقى غير ملحوظة. ويعتمد فهم ما يُفعّل هذه المحاكاة أو يُوقفها كثيراً على تتبّع كيفية تفاعل الجهاز المناعي مع الخلايا في أثناء تطوّرها، بما في ذلك الخلايا السرطانية.

وقد كشفت نتائج الدراسة الجديدة عن أن بعض أنواع الحمض النووي المتكرر تُجيد تقليد الفيروسات أكثر من غيرها، مما يشير إلى أن لهذه المقاطع وظيفة دفاعية خفية ربما تعمل بمثابة آلية إنذار مبكر عند حدوث خلل داخل الخلية.

لماذا تبقى بعض الخلايا السرطانية «مرئية»؟

لا تخفي كل السرطانات نفسها عن جهاز المناعة، فبعض الخلايا السرطانية تبقي إشاراتها الجينية النشطة مرئية، رغم أن ذلك يجعلها أكثر عرضة لهجوم الخلايا المناعية.

ويقول الدكتور غرينباوم إنه من المحتمل أن هذه التسلسلات المتكرّرة تساعد في الحفاظ على توازن معيّن في تطوّر الخلايا، وربما تُسهم في اكتشاف الخلل أو الإجهاد داخلها.

وكان فريق الدكتور غرينباوم أوضح، في دراسة سابقة نُشرت في مجلة «Immunity» خلال 10 ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، كيف تتجنب خلايا سرطان البنكرياس الهجمات المناعية من خلال إسكات تكرارات جينية تُعرف باسم «الريتروترانسبوسونات» Retrotransposons (هي عناصر متحركة تتحرك في جينوم المضيف عن طريق تحويل الحمض النووي الريبي «RNA» المنسوخ إلى حمض نووي «DNA» من خلال النسخ العكسي).

كما أظهرت دراساتهم السابقة أن الأورام قد تستخدم مسارَين للهروب من الاستجابة المناعية: الأول يتضمن طفرة في الجين «TP53»، والآخر يعتمد على إنزيم يُدعى «ADAR1» الذي يعدّل الحمض النووي الريبي (RNA) لتقليل الإشارات التي تكشف الخلايا للمنظومة المناعية.

وعندما تم تعطيل أي من هذَيْن المسارَيْن في التجارب المختبرية تراجع نمو الورم بشكل ملحوظ، مما يوضح كيف تطوّر السرطانات وسائل معقدة لتفادي دفاعات الجسم الطبيعية.

نحو علاجات مناعية أكثر ذكاءً

إن فهم هذا «الكود الخفي» بين السرطان والجهاز المناعي قد يمكّن العلماء من تصميم علاجات مناعية أكثر دقة. ويقول الدكتور غرينباوم إذا فهمنا ما الذي يُنشّط الجهاز المناعي يمكننا تصميم لقاحات السرطان لتكون أكثر أو أقل وضوحاً للمناعة حسب الحاجة إلى تحقيق أفضل استجابة ممكنة. فقد تساعد هذه المعرفة أيضاً على تطوير أدوية جديدة تنشّط المناعة بشكل انتقائي لمهاجمة الأورام فقط دون التسبب في التهابات ضارة.

فصل جديد في أبحاث السرطان

ويؤكد الدكتور غرينباوم أن القدرة على قياس محاكاة الفيروسات تفتح آفاقاً جديدة لدراسة العلاقة المعقّدة بين السرطان والجهاز المناعي. ويختتم بقوله: «لقد حوّلنا شيئاً كان غامضاً إلى ظاهرة قابلة للقياس»، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أعمق للطريقة التي يرى بها جهاز المناعة السرطان، وكيف يمكننا استخدام هذه المعرفة لعلاج المرضى.

ومع التطور المتسارع في النماذج الحسابية والذكاء الاصطناعي يبدو أن العلماء باتوا على أعتاب فهم الشيفرة الخفية للسرطان وربما يوماً ما استخدام بيولوجيا الجسم نفسه لهزيمته.


مقالات ذات صلة

إصابة البابا بسرطان الرئة تثير تساؤلات حول مخاطر المرض لدى غير المدخنين

صحتك البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)

إصابة البابا بسرطان الرئة تثير تساؤلات حول مخاطر المرض لدى غير المدخنين

أعلن الفاتيكان، الثلاثاء، تشخيص إصابة البابا ليو الرابع عشر بسرطان الرئة، بعد خضوعه لعملية جراحية مقررة مسبقاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الاحتفاظ بالهاتف بجوارك أثناء النوم قد يضر بصحتك (بيكسلز)

هل تنام وهاتفك بجوارك؟ 5 مخاطر صحية محتملة ينبغي أن تعرفها

بالنسبة للكثيرين، يُعد تفقد الهاتف آخر ما يفعلونه قبل النوم، وأول ما يلجأون إليه عند الاستيقاظ، ما يدفعهم إلى الاحتفاظ به بالقرب منهم طوال الليل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك سرطان الرئة لا يصيب المدخنين وحدهم (رويترز)

بعد تشخيص بابا الفاتيكان بالمرض... لماذا يُصاب غير المدخنين بسرطان الرئة؟

أعاد تشخيص البابا ليو الرابع عشر، البالغ من العمر 71 عاماً، بالسرطان الغدي الرئوي، تسليط الضوء على حقيقة طبية مهمة، وهي أن سرطان الرئة لا يصيب المدخنين وحدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)

أصيب بابا الفاتيكان به... ما هو سرطان الرئة؟

أعلن الفاتيكان أن البابا ليو الرابع عشر جرى تشخيص حالته على أنها سرطان في الرئة بعد أن استأصل جراحون جزءاً من رئته اليمنى الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك طفلة مصابة بالسرطان في مستشفى بولاية أتلانتا الأميركية (أرشيف - أ.ب)

سرطان الأطفال... أعراض مبكرة قد تتشابه مع مشكلات صحية شائعة

رغم أن السرطان يُعد من الأمراض الأقل شيوعاً بين الأطفال، فإن اكتشافه في مراحله المبكرة يمثل تحدياً بسبب تشابه أعراضه الأولية مع مشكلات صحية يومية شائعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تعاني «قلق الغاية»؟

هل تعاني «قلق الغاية»؟
TT

هل تعاني «قلق الغاية»؟

هل تعاني «قلق الغاية»؟

تتحدث إلين هندريكسن، وهي اختصاصية نفسية سريرية في بوسطن، كثيراً مع مراجعين يشعرون بالقلق بشأن مسار حياتهم، وتقول إن أحدهم التحق بكلية الطب مثلاً لأن والديه توقعا منه ذلك، «فعاش تعيساً نتيجةً لهذا القرار». وآخرون عملوا بجد للوصول إلى قمة مجالاتهم المهنية، ليجدوا أنفسهم في النهاية يتساءلون: «من أجل ماذا كان كل هذا؟».

«الغاية» الهيكل المعماري لتنظيم الحياة

وتوضح هندريكسن أن هؤلاء الأشخاص كانوا يواجهون جميعاً صعوبة في العثور على «غاية أو هدف» لحياتهم، وهي حالة يُشار إليها أحياناً باسم «قلق الغاية» (Purpose Anxiety).

وتُعد الغاية إحدى أهم الوسائل التي نضفي من خلالها معنى على حياتنا. ويقول تود كاشدان، أستاذ علم النفس بجامعة جورج ميسون، الذي يدرس كيف يسعى الأفراد لإيجاد غاية في حياتهم وكيف يعيشون وفقاً لها: «والغاية، بمجرد تحديدها، تصبح بمثابة الهيكل المعماري أو المخطط الأساسي لتنظيم حياتك».

«الغاية» في الحياة

كما أن وجود غاية في الحياة يجلب فوائد متعددة، إذ يرتبط الشعور بوجود غاية بتحسن الصحة البدنية، وارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة، وانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق، بل يرتبط حتى بطول العمر. ولحسن الحظ، يؤكد الخبراء أن هناك طرقاً لاكتشاف غايتك في الحياة دون الوقوع في دوامة من القلق أو الاضطراب.

ما الغاية؟ ولماذا تثير القلق؟

على الرغم من أن مصطلح «قلق الغاية» ليس شائع الاستخدام في علم النفس، لكنه مفهوم مألوف لدى الباحثين والأطباء على حد سواء. ويبدو أن هذا المصطلح صِيغ في عام 2014 على يد طالب دراسات عليا في علم النفس، خلص في بحثه حول هذا الموضوع إلى أن معظم الناس يتوقون إلى وجود غاية في حياتهم، لكنهم «يواجهون دائماً تقريباً قلقاً بشأن هذه الغاية أثناء رحلة البحث عنها، بغض النظر عن أعمارهم».

مكاسب نفسية أكثر عند السعي لتحقيق غاية نافعة للآخرين

ويشير كاشدان إلى أن هذا القلق ينبع أحياناً من مفاهيم خاطئة حول ماهية «الغاية» والدور الذي تؤديه في حياتنا. فعلى سبيل المثال، غالباً ما ينظر الناس إلى الغاية على أنها شيء يعود بالنفع عليهم وحدهم، في حين أن الأفراد يحققون أكبر قدر من المكاسب النفسية عندما يسعون لتحقيق غاية تعود بالنفع على الآخرين أيضاً.

ومن ناحية أخرى، يفترض البعض أن الغاية تتطلب هدفاً سامياً أو عظيماً، مثل الوصول إلى منصب قيادي رفيع أو ابتكار علاج لمرض ما.

يقول باتريك هيل، أستاذ العلوم النفسية والدماغية بجامعة واشنطن في سانت لويس، الذي يدرس مفهوم «الغاية» منذ أكثر من عقد من الزمن، إن هذا الافتراض «قد يثير قلقاً كبيراً لدى الناس، إذ يتساءلون: كيف يمكنني الارتقاء إلى ذلك المستوى أو بلوغ ذلك المعيار؟».

غاية بسيطة وأقل طموحاً

لكن الخبراء يؤكدون أن غايتك في الحياة يمكن أن تكون أبسط وأقل طموحاً، كما أنها قد تتغير على مر السنين، بل يمكنك أن تمتلك أكثر من غاية في الوقت نفسه. فعلى مدى العقد الماضي، وجد داريل فان تونجيرين، أستاذ علم النفس في كلية «هوب» بمدينة هولاند في ولاية ميشيغان، غايته في زراعة بذور الفلفل، ورعاية سيقانها الغضة، ثم حصادها لصنع صلصة حارة يشاركها مع عائلته وأصدقائه. ويُعد هذا النشاط مغايراً لعمله الأساسي، وهو في الوقت نفسه وسيلة ممتعة لتعزيز روابطه مع الأشخاص الذين يحبهم.

وقد أظهرت أبحاث فان تونجيرين أن التصرف بطرق تعود بالنفع على الآخرين يمكن أن يضفي مزيداً من المعنى على حياتنا. ويقول، في هذا الصدد: «إن القيام بذلك يعزز علاقاتنا، والعلاقات هي المصدر الأكثر موثوقية للمعنى في الحياة».

كيف يمكنك العثور على «غاية» تُشعرك بالحياة؟

قد يكون العثور على «الغاية» أمراً صعباً، فقد أظهر استطلاعٌ شمل أكثر من 2400 شخص من «الجيل زد» (Gen Z)، نُشر في يونيو (حزيران) الماضي، أن نحو 45 في المائة من المشاركين يشعرون بغياب المعنى أو الغاية في حياتهم. وإذا كنت تشعر بأنك عالق في مكانك، فهناك عدة طرق يمكنك اتباعها.

* «إيجاد غاية»

يقول كاشدان إن إحدى هذه الطرق هي السعي النشِط لإيجاد غاية، وذلك من خلال تجربة أنشطة متنوعة، والقراءة عن الأمور التي تثير اهتمامك، والانتباه لما يجعلك تشعر بالحياة. يتطلب هذا أيضاً تخصيص فترات للتأمل بهدف تحديد أيٍّ من تلك التجارب كانت لديك الأكثر عمقاً ومعنى، ولماذا كانت كذلك.

ويضيف كاشدان أن هناك طريقة أخرى تتمثل في استلهام الغاية من حدث حياتيّ جوهري غيّر مسار حياتك. فعلى سبيل المثال، قد يجد رياضيّ تعرّض لإصابة أجبرته على الاعتزال غايةً جديدة في مساعدة الآخرين على التعافي، فيقرر حينها احتراف العلاج الطبيعي.

*«التعلم الاجتماعي»

وأخيراً، يقترح كاشدان ما يُعرف بـ«التعلم الاجتماعي»، وهو ملاحظة السلوكيات الإيجابية لدى الآخرين ومحاكاتها.

في المقابل، يمكنك أيضاً الانتباه للمواقف التي تثير فيك نفوراً أخلاقياً أو انزعاجاً تجاه الآخرين، فهذا يساعدك على إدراك الصفات التي لا ترغب في أن تتسم بها.

ويختتم كاشدان قائلاً: «كلما زاد حب الاطلاع لديك وطرحت مزيداً من الأسئلة، وقارنت بين نمط حياة الآخرين وما تراه مثالياً لك، تولدت لديك طاقة تحفيزية تدفعك لتجربة ذلك النمط من الحياة بنفسك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
TT

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

بعد مرور أكثر من أسبوعين على وفاة باحثة تبلغ من العمر 28 عاماً جراء إصابتها بعدوى غامضة أثناء عملها في مختبر روسي لأبحاث الطاعون، لا يزال مسؤولو الصحة حول العالم بانتظار الحصول على إجابات. وكانت التقارير الأولية تشير إلى أن داريا شيبيلوفا، وهي باحثة في «معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون»، قد أصيبت بالطاعون الرئوي pneumonic plague؛ ما أثار مخاوف بشأن طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المرفق، ومدى كفاية تدابير السلامة المتبعة فيه، كما كتبت كيه. آر. كالاواي (*).

حادثة غامضة

من جانبها، استبعدت السلطات الروسية إصابة شيبيلوفا بالطاعون الرئوي - وهو عدوى بكتيرية يسببها العامل الممرض ذاته المسؤول عن «الطاعون الدبلي» bubonic plague الأكثر شيوعاً - سبباً لوفاتها، لكنها لم تؤكد بعدُ ماهية العامل الممرض الذي تسبب في إصابتها بالالتهاب الرئوي.

وقد أثارت هذه الحادثة انتقادات من الولايات المتحدة وحكومات أخرى، كما كشفت عن استمرار حالة عدم الثقة لدى المجتمع الدولي تجاه الأبحاث الطبية الحيوية في روسيا، وهي مخاوف تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، حين كان الجيش يمتلك برامج واسعة النطاق لتطوير أسلحة بيولوجية.

وعلى الرغم من أن معهد إيركوتسك لم يكن يوماً منشأة عسكرية، فإنه كان جزءاً من نظامٍ واسعٍ وسريٍّ لمكافحة الطاعون. ففي مئات المواقع والمختبرات المنتشرة في أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، عمل آلاف الباحثين على تتبع السلالات الناشئة من الطاعون وغيره من الأمراض المتوطنة، والقضاء على القوارض الناقلة للأمراض، وتطوير اللقاحات. ويشير خبراء إلى أن هذه المرافق كانت توفر أيضاً عينات من مسببات الأمراض للمختبرات العسكرية التي تولت تطوير الأسلحة البيولوجية خلال الحقبة السوفياتية.

ولا تزال معظم هذه المرافق تعمل حتى اليوم؛ إذ وبينما تخضع تلك الموجودة داخل روسيا لرقابة أمنية مشددة، فتحت بعض المرافق الأخرى - الواقعة في دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي - أبوابها أمام باحثين دوليين يسعون للتعرف على هذا النظام (النظام المختبري) الذي أحاطت به الأساطير.

بكتيريا «يرسينيا الطاعونية»

«نظام مكافحة الطاعون»

على الرغم من أن «الموت الأسود» الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، يُعدّ أكثر تفشيات الطاعون فتكاً وشهرةً - وهو مرض تسببه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) وتنقله القوارض - فإن هذا المرض ظل يلاحق مناطق أوراسيا لآلاف السنين. وبهدف وضع حد لتفشي المرض المتكرر في المناطق الريفية - حيث تنتشر حيوانات تحمل بكتيريا الطاعون، مثل الجرذان واليربوع وغيرها - أنشأ الاتحاد السوفياتي في أوائل القرن العشرين سلسلة من المواقع الميدانية ومعاهد البحوث، وأطلق العلماء عليها اسم «نظام مكافحة الطاعون».

برنامج بدائي للقضاء على الطاعون

وتقول سوزان دي جونز، وهي مؤرخة في الطب البيطري بجامعة مينيسوتا - التي زارت عام 2018 معهداً سوفياتياً سابقاً لمكافحة الطاعون يقع في كازاخستان حالياً: «كان الهدف من عملهم إنشاء مؤسسة مركزية تتولى مراقبة مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بها، بما في ذلك السهوب التي تأوي أعداداً كبيرة من القوارض البرية التي تحفر جحوراً في الأرض».

في بداياته، كان البرنامج بدائياً للغاية؛ إذ كان العلماء ينطلقون على ظهور الخيل نحو بؤر تفشي الطاعون، وغالباً ما كانوا يقيمون في خيام أو يستأجرون غرفاً لدى السكان المحليين، ويقضون أيامهم في القضاء على القوارض، وحفر جحورها، وإحراق مخزونها من الطعام، في محاولة للقضاء على الأمراض التي تحملها.

وقد نُفذ العديد من مهمات تلك البعثات دون توفر مطهرات فعالة أو معدات حماية شخصية؛ ما جعل عمل القائمين على مكافحة الطاعون محفوفاً بمخاطر بالغة. ومع ذلك، لم تنجح جهود الإبادة هذه في وقف انتشار المرض.

برنامج «الوقاية من تفشي الطاعون»

لكن في الفترة ما بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، تحول تركيز البرنامج من «القضاء على المرض» إلى «الوقاية من تفشيه»، حيث تم افتتاح سلسلة من المختبرات في مدن مختلفة عبر الاتحاد السوفياتي. وبحلول منتصف القرن العشرين - ومع تطوير مضاد حيوي لعلاج الطاعون - أصبح آلاف الموظفين يعملون في هذه المختبرات على مدار العام، بالإضافة إلى مئات آخرين كانوا يُوظفون موسمياً لجمع العينات من الميدان.

زيارة مواقع من الحقبة السوفياتية

كتب مويسي يوسيفوفيتش ليفي، وهو باحث سابق في مجال مكافحة الطاعون، في مقال نُشر عام 1994، أن الأبحاث التي أُجريت في هذه المنشآت التي تعود للحقبة السوفياتية كانت «محاطة بستار من السرية».

ولتجنب الربط بين عملهم وبرامج تطوير الأسلحة البيولوجية في المختبرات العسكرية، تلقى العاملون في مختبرات أبحاث الطاعون تعليمات صارمة بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل محددة حول طبيعة عملهم. وإضافة إلى ذلك، صُممت مباني المختبرات ذاتها لتبدو وكأنها وحدات سكنية عادية؛ إذ كان الموظفون في العديد من هذه المنشآت يعتنون بالحدائق، ويتركون نوافذ المختبرات مفتوحة، ويتجولون بملابس عادية - أو حتى بملابس النوم - بدلاً من ارتداء المعاطف البيضاء المخصصة للمختبرات.

ولم تتضح الغاية الحقيقية من هذه المباني إلا عندما يدخلها زائر ويرى المعدات العلمية بداخلها: ثلاجات تعجّ بعينات من مسببات الأمراض، وأجهزة تعقيم ضخمة تُستخدم لغلي الأدوات المستعملة، وطاولات طويلة تصطف فوقها المجاهر.

معايير السلامة والأمن البيولوجي

وتشير سونيا بن وُغرهام-غورملي، وهي باحثة في مجال الدفاع البيولوجي بجامعة جورج ميسون - وقد زارت العديد من معاهد مكافحة الطاعون في دول الاتحاد السوفياتي السابق - إلى أن «معايير السلامة والأمن البيولوجي في تلك المواقع كانت تختلف اختلافاً جذرياً عما نعهده في الدول الغربية».

وفي سلسلة من المؤلفات التي تحمل عنوان «قصص مثيرة عن أحداث وأشخاص في نظام مكافحة الطاعون في روسيا والاتحاد السوفياتي» - التي تولى ليفي تحريرها - يصف المؤلفون ظروفاً خطيرة، شملت تفشي الأمراض بين الحيوانات المحفوظة داخل المنشآت، واندلاع حرائق في المختبرات، وفقدان عينات من مسببات الأمراض.

وفي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، زُوِّدت بعض المنشآت بمعدات مختبرية أكثر أماناً وفاعلية، حيث استُبدلت بالثلاجات المنزلية أخرى أكثر أماناً، ووُضعت خزانات سحب الغازات (fume hoods) بدلاً من الاعتماد على النوافذ المفتوحة. ومع ذلك، كان الحصول على تمويل لهذه التحديثات أمراً بالغ الصعوبة؛ ما جعل المنشآت الأصغر حجماً أو تلك الواقعة في مناطق نائية - بما في ذلك المعهد الموجود في إيركوتسك - تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة هذه التغييرات.

المنشآت العلمية في بداية القرن الحالي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظلت معظم هذه المختبرات - بدءاً من المراكز المتطورة في المدن الغنية وصولاً إلى المنشآت الريفية التي تعاني ضائقة مالية - قائمة، وتعمل. وظل الكثير منها على حاله تقريباً لعقود طويلة. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، زارت بن واغرهام-غورملي - برفقة زملاء لها من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار - أكثر من 100 منشأة كانت تابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً. وقد وجدوا أن دخول إحدى هذه المنشآت كان أشبه بالعودة إلى الماضي؛ إذ كانت عمليات تتبع عينات مسببات الأمراض تُسجَّل يدوياً باستخدام القلم والورق، وكان العديد من القوارير يحفظ في ثلاجات تُفتح بشكل متكرر، مع استخدام أختام شمعية للدلالة على هوية الشخص الذي فتحها آخر مرة.

وأشار الباحثون إلى أن العديد من تلك المباني كانت تفتقر إلى أي تدابير أمنية خارجية، كما كانت إجراءات الأمن بداخلها في حدّها الأدنى.

وتستذكر بن واغرهام-غورملي إحدى تلك المنشآت قائلة: «عندما وصلنا للزيارة، وجدنا في المختبر طاولةً تحت نافذة مفتوحة على مصراعيها - نظراً لارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وغياب أجهزة التكييف - وكانت أكوام من مزارع بكتيريا الطاعون موضوعة على تلك الطاولة».

...وفي الوقت الراهن

وعلى مدى العقدين التاليين، خضعت العديد من المنشآت في دول الاتحاد السوفياتي السابق لعمليات تجديد أو إعادة بناء لتستوعب معدات علمية حديثة؛ ما حوَّل بعضها مراكز متطورة للغاية يقصدها الباحثون من جميع أنحاء العالم. وفي حديثها عن منشأة زارتها في كازاخستان عام 2018، تقول جونز: «توجد مستويات متعددة للاحتواء (احتواء انتشار مسببات الأمراض) داخل هذه المباني. ففي أعلى مستويات الاحتواء، يرتدي العاملون معدات الوقاية الشخصية الكاملة، وتُجرى جميع الأعمال داخل وحدات احتواء محكمة الإغلاق».

ولا تتوفر سوى معلومات شحيحة للجمهور حول المنشأة الواقعة في إيركوتسك. ومع ذلك، تصرّ السلطات الروسية على أن وفاة شيبيلوفا لم تكن ناجمة عن أي خرق للبروتوكولات أو تقصير في إجراءات الأمن البيولوجي داخل المنشأة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
TT

«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)

​لنتخيَّل مريضاً عربياً يدخل المستشفى لإجراء صورة أشعة أو تحليل جيني، معتقداً أن بياناته ستُستخدم لعلاجه. ولكن نسخة منها قد تنتقل -بعد إزالة ما يكشف هويته- إلى منصة خارجية لتدريب خوارزمية تشخيصية. وبعد سنوات، قد تعود الخوارزمية إلى المستشفى منتجاً تجارياً مدفوع الثمن، بينما لا يعرف المريض كيف استُخدمت بياناته، ولا تملك المؤسسة حقاً واضحاً في المعرفة الناتجة عنها أو عوائدها. فهل أسهمت هذه البيانات في تقدم الطب بمنافع مشتركة، أم أنها أسهمت في اقتصاد يقدِّم فيه المرضى المعلومات، ويحتفظ غيرهم بالقيمة؟

البيانات ليست مادة خاماً بلا صاحب

طوَّر الباحثان نِك كولدري وأوليسيس ميخياس مفهوم «استعمار البيانات» لوصف تحويل تفاصيل الحياة البشرية إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه جهات أخرى. وفي الصحة، لا تكمن المشكلة في انتقال البيانات عبر الحدود بحد ذاته؛ بل في اختلال العلاقة: يقدِّم المرضى صور الأشعة والمعلومات الجينية والسجلات الطبية، بينما تنفرد جهات أخرى بالخوارزميات والمعرفة والعوائد. وهذه البيانات مرتبطة بأشخاص وأُسَر ومجتمعات؛ وقد تكشف أخطاراً صحية لم يعرفها أصحابها بعد، أو تسهم في تطوير وسائل تشخيص وأدوية. لذلك، فإن استخدامها يطرح سؤالاً عن حقوق أصحابها ونصيبهم من منافعها.

ان البيانات الطبية معلومات عن أشخاص حقيقيين تحمل تفاصيل حساسة عن صحتهم وأسرهم وجيناتهم وسلوكهم، وقد تكشف أخطاراً مرضية لم يعرفوها بعد. وعندما تُستخدم هذه البيانات لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها تتجاوز غرض الفحص الأصلي؛ إذ قد تسهم في إنتاج معرفة، أو تطوير وسيلة تشخيص، أو دواء، أو ابتكار منتج تجاري يحقق أرباحاً.

استعمار البيانات الصحية... من يملك المعرفة والعائد؟

من الخصوصية إلى السيادة

تركِّز النقاشات على الخصوصية: هل أُزيل اسم المريض؟ وهل وافق على استخدام بياناته؟ لكن ذلك لا يحسم أسئلة: من يحدد استخداماتها اللاحقة؟ وهل تُستغَل تجارياً بعد انتهاء البحث؟ ومن يحق له فحص النظام أو الاعتراض على نتائجه؟ فقد تُخزَّن البيانات داخل الدولة، بينما تعتمد معالجتها على خدمات سحابية لا تستطيع الجهة الرقابية تدقيقها. لذلك، لا تكفي حماية الملف الطبي؛ بل نحتاج إلى سلطة فعلية لمراقبة الأنظمة التي تستخدمه وتؤثر في القرار العلاجي.

دراسة تكشف 3 فجوات

وقدمت دراسة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في «مجلة اقتصاديات وسياسات الصحة العالمية» (Journal of Global Health Economics and Policy) مثالاً على هذه التحديات؛ إذ درس الباحثون 4 شركات أفريقية تستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، مستندين إلى 36 مصدراً منشوراً. وحددوا 3 فجوات: الاعتماد على خدمات سحابية أجنبية، ومحدودية الأدلة المنشورة على الرقابة المحلية على بيانات التدريب وإعادة تدريب النماذج واختبارها، وتفاوت الأطر التنظيمية بين نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.

وخلصت الدراسة إلى أن «السيادة التشخيصية» تتجاوز امتلاك البيانات أو تخزينها محلياً، لتشمل القدرة على فحص بيانات التدريب، واختبار أداء النموذج لدى السكان المحليين، ومتابعة تحديثاته، والتدخل عند تراجع أدائه، ومحاسبة المسؤول عن الضرر. واقترح الباحثون صناديق إقليمية للبيانات الصحية، واختبار التقنيات تحت إشراف رقابي متدرج، وآليات تدقيق عامة، وعقود شراء تشترط نقل المهارات والتحقق المحلي.

لكن الدراسة استكشافية؛ فقد اعتمدت على معلومات منشورة، دون تدقيق تقني مباشر أو مقابلات مع الشركات والمرضى والجهات الرقابية. لذلك، لا تثبت وقوع مخالفات لدى الشركات الأربع؛ بل تشير إلى اختلال محتمل في توزيع السيطرة يستدعي مزيداً من البحث والتدقيق.

السؤال العربي

إذا كانت الدراسة تناولت أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تطرح سؤالاً مهماً للعالم العربي. فالمنطقة تضم أنظمة صحية رقمية متقدمة، وأخرى تعاني ضعف السجلات والاتصال والقدرات التنظيمية. وقد تتفاوض الدول الأقدر على شراكات أفضل، بينما تقبل الأنظمة الأقل موارد شروطاً غير متكافئة للحصول على التقنية. وهكذا، قد تتسع الفجوة داخل المنطقة نفسها، إلى جانب الفجوة بين الشمال والجنوب.

والبيانات العربية تكتسب أهميتها من التنوع الجيني والوبائي واللغوي للسكان، وإذا استُخدمت لبناء نماذج لا يستطيع الباحثون المحليون الوصول إليها أو مراجعتها، فقد تصبح المنطقة مصدراً للبيانات وسوقاً للمنتجات، بدلاً من المشاركة في إنتاج المعرفة. وقد يعود النموذج بواجهة عربية، دون أن يكون أداؤه قد اختُبر بما يكفي لفهم اللهجات وطرائق وصف الألم والأنماط المرضية المحلية.

ولهذا، ينبغي ألا يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد الملفات المجموعة أو العقود الموقعة وحده؛ بل بالقدرة المحلية على التحليل والتدقيق والاعتراض. فامتلاك خوادم البيانات لا يمنح الدولة سيادة فعلية ما لم تمتلك خبراء وصلاحيات لفحص النموذج، وفهم حدوده، وإيقاف استخدامه عند الحاجة.

السيادة لا تعني العزلة

لا تعني السيادة حجب البيانات أو رفض التعاون الدولي؛ فالبحوث ضرورية لدراسة الأمراض النادرة وتطوير الطب الدقيق والاستعداد للأوبئة. ولا تكمن المشكلة في استخدام منصة أجنبية؛ بل في غياب شراكة متوازنة ورقابة فعالة. المطلوب تعاون يتيح الاستفادة من التقنيات، مع الاحتفاظ بحق فحص البيانات والنماذج، والتحقق من أدائها، ومساءلة المسؤولين عن القرارات التي تمس المرضى.

من يملك القيمة؟

تبدأ الحماية بموافقة تميِّز الاستخدام البحثي من التجاري، وعقود تحدد أين تُعالج البيانات وكيف تُستخدم لاحقاً، وتضمن تقاسماً عادلاً للملكية الفكرية والمنافع. وينبغي أن تكفل الشراكات دوراً قيادياً للباحثين المحليين، والوصول إلى سجلات التدقيق، واختبار النماذج لدى السكان المحليين، والإبلاغ عن تحديثاتها والحوادث المرتبطة بها، والاستثمار في القدرات الحاسوبية والمهارات العربية. كما ينبغي أن تتيح العقود للحكومات والمستشفيات تغيير المورِّد دون فقدان البيانات أو الارتهان لخدماته.

في الاقتصاد الطبي، قد تستمر قيمة بيانات المريض طويلاً بعد انتهاء الفحص. لذلك، لا يكفي السؤال عن حمايتها من السرقة؛ بل يجب أن نسأل: من يحوِّلها إلى معرفة؟ ومن يملك المعرفة؟ وهل تعود فوائدها إلى الأشخاص والمجتمعات التي جاءت منها؟ فالشراكة العادلة تتيح تقاسم المعرفة والقدرة والعائد. أما حين يقدِّم طرف البيانات ويحتكر الآخر قيمتها، فإن التعاون قد يتحول إلى علاقة تبعية، مهما بدا متقدماً.