علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

المكان في نص الكاتب العراقي ليس بريئاً... فهو يُخفي أكثر مما يُظهر

علي بدر
علي بدر
TT

علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

علي بدر
علي بدر

الولع بالأمكنة ليس غواية فقط، بل هو محاولة في التنصيص مع ما تحمله تلك الأمكنة، لتكون جزءاً من الوجود والتخيل، ومن العلاقة الغامضة مع المعنى واللذة والحنين والاختباء. المكان هنا هو الفضاء الذي يتجاوز حدود الدال الضيق إلى المدلول السائل، على نحوٍ تتبدى مظاهره من خلال سرديات الهوية والانتماء والنص والتاريخ، وكأن هذا المكان يتخلى عن مرجعيته في «الجغرافيا» ليبدو وكأنه وجود تصنعه اللغة، أو السيرة والذاكرة والجماعة...

علي بدر المغامر والسارد يضعنا عند المخفي من سرديات تلك الأمكنة، نازعاً عنها الضيق من التوصيف إلى الاتساع، بمعنى الانغمار في التحول والاحتواء؛ إذ تحتفي بملامح في الكتابة، حيث استغواء الإدهاش والسرد الذي يُغذّي المكان بطاقة التشظي، وشهوة الاستعارة، فلا هوية لهذا المكان سوى ما يصنعه من تمثلات تصنعها اللغة أكثر مما يصنعها الواقع...

ما كتبه علي بدر عن المقاهي الإيطالية والروسية والبيروتية والبغدادية يكشف عن هوية تلك الأمكنة المدهشة، السرية والغامضة والموازية، وعن علاقتها بصناعة التاريخ المهمل، تاريخ الجماعات والشعراء وأصحاب البيانات، حيث يتحول التعرّف على التفاصيل اليومية إلى علامات، وإلى إغواءات تُحرض على الحكي والتشهي، وعلى استدعاء النص بوصفه تمثيلاً للغائب، والحكاية بوصفها سيرة لما يُكتب عن «أبطال» ساخرين... هو سكون المقهى، لكنهم يحملون معهم أرواح سكان المكان الملحمي، فيضعون الجسد وقرينه النصوصي داخل لعبة نسقية مفتوحة، يتحرك فيها العوليسي والشاعر والمغني والعاشق، مثلما يتحرك فيها الصعلوك المغمور بأوهام سرديات الهامش الصاخب في المدن الكبرى.

علاقة الثقافة الأوروبية بالمقاهي لها خصوصية وسرائر تُخفي كثيراً من «المنسي من التاريخ»؛ إذ يتحول فيها الكلام إلى زمن يومي، والجسد إلى بطل طقوسي يؤدي وظائف الحضور والهذيان والحميمية، وكأنه يصنع نظيراً للملحمة الغائبة، فالمقهى مكان تطهيري، يشبه الكنيسة، أو الجامع، حتى تبدو هذه الثنائية وكأنها بحث استفزازي عن فكرة التطهير، فاستعارته لقول ألبرتو مورافيا عن علاقة المقهى بالتاريخ، تحمل معها ما يشبه التلاقح، والاشتهاء؛ إذ يقول مورافيا: «لقد أنجبت المقاهي الإيطالية أوروبا الجديدة».

هذا القول ليس فنتازيا، فبقدر ما هو استقراء لما تخفيه تلك المقاهي من تفاصيل، ومن أسرار سرعان ما تتعرى، فإنه يرتبط بغواية صانع السرديات وما يخفيه؛ إذ يجعلها مواربة إزاء أخرى مضادة، عالقة بحميمية، تبدو وكأنها تجعل من التضاد جزءاً من لعبة الجسد ذاته، متوهجاً، غاوياً، مُهيأً للتحول إلى جسد تنط به الشهوة إلى أقصى الاعتراف.

ما يحضر في المقهى لن يكون مكبوتاً، فرغم أن أغلب المقاهي مراقبة، فإنها تظل مسكونة بكثير من السحر والغواية والحوار والشغف، وهو ما يمنح التفاصيل - الطاولة، البن، نظرات النساء، العطر - حساسية فائقة الاستدعاء، في تمثيل هوية المكان «السائل»، وفي تمثيل الذات وهي تمارس طقوس وعيها المفارق، بوصفه أولى العلامات على وجود «شرارة ثورة مؤجلة» كما يسميها بدر...

وحتى استعادته لحكاية إيتالو كالفينو تكشف عمّا هو عميق في سردية المقهى، فقوله: «لا أحد يمكنه أن يروي تاريخ الفكر الأوروبي من دون أن يمر على مقاهي روما»، يضعنا إزاء تلك التفاصيل، وإزاء ما يصطخب بها من استغواءات عميقة، لا سيما ما يتعلق بها من مفارقات وتقابلات، فيزداد سحرها عبر ما تصنعه اللغة، وعبر ما يتوهج منها دون تدوين، حيث «يتبادل الأدباء والنقاد والرسامون الخيانات الفكرية والقبل السريعة والأحلام الماركسية المبتلة بالخمر».

هذا التبادل المكشوف على كلّ شيء يبدو قابلاً للتحول، فيكتسب وجوده السحري من خلال ما يساقط منه من استعارات التشهي، ومن استعارات الرفض والإحساس بأن المقهى بيت أنطولوجي، تتسع فيه الأشياء عبر اللغة، وعبر ما تصنعه من استعارات وإحالات، حيث «تختلط الأرواح بالسياسة كما يختلط النبيذ بالدم»، وحيث تبدو «الثورة تتنفس عبر فم امرأة تضحك وهي تدخن»، وحيث تكون «الطاولات شاهدة على حوارات لا تنتهي بين اليسار الرومانسي الذي يريد أن يحرر الإنسان، وبين الفاشيين الذين أرادوا أن يطهروا الوطن من ضعفه».

هذه السرديات المكثفة، تسحب اللغة إلى منطقة التفكير الصاخب، أو ربما إلى وجودٍ يشبه «الدازين» حيث يكون هذا الوجود رهيناً بالتفكير، وبما يصنعه من مفارقات تسوّغ الوجود، فتجعله متعالياً وفاعلاً، وقادراً على أن يجعل من الأفكار النظير الفعال للتاريخ، حيث تبدو الأفكار الكبرى أكثر تمثيلاً لتفاصيل الأحداث والصراعات الكبرى، ولما تصنعه الجماعات من علامات تخص تلك الأحداث التي تصنعها السلطة، حيث يتم قمع وإقصاء ومراقبة مرويات الهامش، التي يحفل بها السري الغاطس في لا وعي المقهى والبيان والمبغى والحزب، على نحو يتحول فيه هذا المقهى إلى سلطة موازية رغم إخفائها، وإلى نص سري له فرضياته وتخيلاته، حيث تختلط عبره الأشياء بالحكايات، والأجساد بالشهوات، واليسار باليمين، فقوله حول ما يحدث في مقاهي ميلانو، وفي أمسيات «ركن جماعة 63»، يكشف عن تعالقات تبدو أكثر إثارة، وأكثر مفارقة، وأكثر شغفاً بالتمرد، واصطناع ما يعادلها من البلاغة والهذيان والتشهي؛ إذ يرى «الشعراء يتحدثون هناك عن الجسد كما لو أنه نص سياسي، عن القبلة كفعل تحرر، عن اللذة كبيان ضد الفاشية. في تلك الأمسيات التي تختلط فيها رائحة الجلود مع عطر الورق والعرق والكوكاكولا، كانت الحكايات الإيروتيكية تنفجر من فم اللغة نفسها، كأن الأدب قرر أن ينتقم من الكنيسة ومن البرجوازية معاً، أن يحرر الشهوة من الخطيئة، والفكر من الطاعة».المكان وما تصنعه اللغة

المكان في نص علي بدر ليس بريئاً، فهو يُخفي أكثر مما يُظهر، ويصطخب أكثر مما يتستر، على نحوٍ يجعل من أصحابه وكأنهم ممسوسون، يمارسون طقوس استدعاء العالم إلى المقهى، والإشهار بالكتابة حدّ ممارستها كنوع من الحركات الصوفية، حيث يُراقب الجسد وهو يتحول في المقهى إلى علامة للتشهي، وحتى الأفكار تتخلى عن بعضها لكي تخرق حدود الوحدة، فتجعل من اللغة هي الشاهد الخائن والماكر على ما يجري؛ إذ يستعير علي بدر لسرديته المهووسة بذلك المكان أسماء لها ذاكرة ضاجة بالتمردات، فوجد في طقوس بازوليني «القديس القذر» كما سمّاه، من يرقب العالم من خلال عين مركبة، تشبك بين الصور السينمائية والصور الشعرية، واجداً في المقهى مجالاً ليس حيادياً، حيث يتقبل التمرد والإغواء، ويصلح لكل شيء، للحب والكراهية والجنون والهتاف، حيث يجعل من إيطاليا «مقهى كبيراً» كما يقول، يرصد فيه ملامح الأمكنة وهي مفتوحة للعابرين، ومشغولة بالمفارقات «في زاويةٍ ما، ثمة فتيات يضحكن ويقرأن دانونزيو، وفي الزاوية المقابلة رسام شيوعي يناقش رفيقاً فاشياً حول معنى الجمال، وفي الخلفية يعزف غجري منفرد على الكمان بينما تتصاعد رائحة التبغ والرغبة والتمرد».

ما تصنعه المدن

بما أن أغلب شخصيات علي بدر إشكالية وتعاني من عقد الهوية والجنس والسلبية الاجتماعية والطبقية، فإنها تتعرّض إلى عدوى المدينة، بوصفها مكاناً إشكالياً ومعقداً؛ لذا يجعل تلك الشخصيات مهووسة بسرديات مناورة، ومخادعة عبر الأقنعة، وبالأكاذيب، والفحولة الجنسية، والأوهام الثقافية، حتى تبدو تلك الأوهام وكأنها تعكس وجودية وأخلاقية. لا يجد المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر نفسه سوى أن يكون مخادعاً، وفحلاً جنسياً، ومتوارياً خلف أقنعة واستعارات تجعله أكثر تورطاً بـ«الوعي الزائف».

في رواية «بابا سارتر» تخضع الشخصية الرئيسة إلى قصدية واضحة، وإلى تصميم سردي أراد منه الروائي جعل «البطل الضد» يعيش أوهام الوعي الزائف في الأفكار، وفي العلاقة مع المكان الهامشي، ليمرر لنا سخريته من أنموذج «المثقف الستيني» الموهوم بغرائبية الصدمات الكبرى، بما فيها صدمة انقلاب 1963، التي عتّم علي بدر على تداعياتها السياسية والآيديولوجية، ليكون حضور «فيلسوف الصدرية» هو الأنموذج الموهوم للبطل الهروبي، الغارق بتمثيل وجوده عبر مشهديات الوعي الزائف، والمكان الزائف، والهوية الزائفة.

في رواية «شتاء العائلة» يتحول حضور الغريب إلى مفارقة سردية، فيجعل من حكاياته الزائفة نظيراً للتاريخ الزائف، ولأوهام «العائلة البغدادية» التي تعيش تلك الأوهام بوصفها إشباعات رمزية، تتقوض معها علامات الهوية والمكان، حتى يبدو الشتاء الحكواتي للعائلة وكأنه تمثيل للمدينة الزائفة، التي تضطرب فيها الشخصيات، حتى يكون حضور الغريب بحمولته السردية إقصاء للمكان الواقعي، واستدعاء للسيرة الزائفة التي تستفزها مخيلة هذا الغريب الذي يجعل من تاريخ العائلة الأرستقراطية مختبراً سردياً لتقويض تاريخها، كاشفاً فيه عن وظيفته في تشظية الهويات، وفي الكشف عن اندحارها إزاء ما يتخفّى في سرديات الغريب/ العدو/ اللص/ «مشعل الحرائق»/ صانع الحكايات/ الضد.

في رواية «حارس التبغ» تكشف الهوية المتشظية عن محنة الشخصية، وعن علاقتها الشائهة بالمدينة، فبقدر ما تبدو تلك الشخصية حاملة للمأزق الوجودي، فإنها تحمل معها عقدة التحولات التي تعيشها في الأمكنة الدوستوبية، فيتحول رهاب وجودها إلى تمثيل مشوه لهويتها، ولعلاقتها بالمكان، فيفقد ذلك المكان رمزيته تبعاً لفقدان الشخصية قناعها؛ إذ أعطى الروائي علي بدر لسردية الأقنعة وظيفة تحريك الشخصية، عبر تشظيتها في الاسم والهوية، وفي تحويل أنموذجها المتعالي والمتشوه، وكأنه قريب من أنموذج «وليد مسعود» في رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» حيث اللامكان مع تعدد الأقنعة، وحيث تبدو الفحولة الجنسية تمثيلاً للبطل الذي يقاوم نسيان الهوية عبر الجسد، وعبر لعبة الإغواء الجنسي.

يناور علي بدر على التأطير السردي للمدينة، فيجعلها قرينة بالاضطراب الذي تعيشه شخصياته، فهي مدينة غائمة، فقدت روحها الأرستقراطية، فيعمد الروائي إلى تمثيل مأزقها عبر مآزق شخصياتها، لكنه يُخفي أسبابها، وعلاقة تشوهاتها بالأفكار، وبالأحداث التي صنعها الانقلابيون، على نحوٍ يجعل ذاكرة السارد إزاء مواجهة ماكرة مع التاريخ، وأن ما يرويه هذا السارد لا يخرج عن المناورة في الكشف عن المخفي والمستور والمُهرّب... حتى تبدو شخصياته وكأنها تتحرك وسط تلك الدوستوبيا المرعبة، حيث تحضر «المدينة الفاشلة»، المدينة التي لا تحمي أحداً، بوصفها المدينة التي تغمرها أشباح الانقلابات العسكرية، والصراعات الآيديولوجية والطائفية، وهذا ما يجعل شهادة علي بدر عن تلك المدينة خادعة، وأن شخصياتها المخدوعة والأضحوية، لا تكشف كثيراً عن تاريخها، بقدر ما يصطنع لها الروائي تاريخاً موازياً، يكون متخيله السردي مضللاً، عبر ما يسرده عن الجسد الفحل، وعن البطل الذي يرمي التاريخ إلى المزبلة، ليصنع تاريخه عبر هوية ذلك الجسد المتعالي، وعبر ما يتساقط من سرديات مضللة تخص الآيديولوجيا والأمة والهوية والدولة. لا يملك المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر سوى أن يكون مخادعاً متوارياً خلف أقنعة واستعارات


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.