علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

المكان في نص الكاتب العراقي ليس بريئاً... فهو يُخفي أكثر مما يُظهر

علي بدر
علي بدر
TT

علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

علي بدر
علي بدر

الولع بالأمكنة ليس غواية فقط، بل هو محاولة في التنصيص مع ما تحمله تلك الأمكنة، لتكون جزءاً من الوجود والتخيل، ومن العلاقة الغامضة مع المعنى واللذة والحنين والاختباء. المكان هنا هو الفضاء الذي يتجاوز حدود الدال الضيق إلى المدلول السائل، على نحوٍ تتبدى مظاهره من خلال سرديات الهوية والانتماء والنص والتاريخ، وكأن هذا المكان يتخلى عن مرجعيته في «الجغرافيا» ليبدو وكأنه وجود تصنعه اللغة، أو السيرة والذاكرة والجماعة...

علي بدر المغامر والسارد يضعنا عند المخفي من سرديات تلك الأمكنة، نازعاً عنها الضيق من التوصيف إلى الاتساع، بمعنى الانغمار في التحول والاحتواء؛ إذ تحتفي بملامح في الكتابة، حيث استغواء الإدهاش والسرد الذي يُغذّي المكان بطاقة التشظي، وشهوة الاستعارة، فلا هوية لهذا المكان سوى ما يصنعه من تمثلات تصنعها اللغة أكثر مما يصنعها الواقع...

ما كتبه علي بدر عن المقاهي الإيطالية والروسية والبيروتية والبغدادية يكشف عن هوية تلك الأمكنة المدهشة، السرية والغامضة والموازية، وعن علاقتها بصناعة التاريخ المهمل، تاريخ الجماعات والشعراء وأصحاب البيانات، حيث يتحول التعرّف على التفاصيل اليومية إلى علامات، وإلى إغواءات تُحرض على الحكي والتشهي، وعلى استدعاء النص بوصفه تمثيلاً للغائب، والحكاية بوصفها سيرة لما يُكتب عن «أبطال» ساخرين... هو سكون المقهى، لكنهم يحملون معهم أرواح سكان المكان الملحمي، فيضعون الجسد وقرينه النصوصي داخل لعبة نسقية مفتوحة، يتحرك فيها العوليسي والشاعر والمغني والعاشق، مثلما يتحرك فيها الصعلوك المغمور بأوهام سرديات الهامش الصاخب في المدن الكبرى.

علاقة الثقافة الأوروبية بالمقاهي لها خصوصية وسرائر تُخفي كثيراً من «المنسي من التاريخ»؛ إذ يتحول فيها الكلام إلى زمن يومي، والجسد إلى بطل طقوسي يؤدي وظائف الحضور والهذيان والحميمية، وكأنه يصنع نظيراً للملحمة الغائبة، فالمقهى مكان تطهيري، يشبه الكنيسة، أو الجامع، حتى تبدو هذه الثنائية وكأنها بحث استفزازي عن فكرة التطهير، فاستعارته لقول ألبرتو مورافيا عن علاقة المقهى بالتاريخ، تحمل معها ما يشبه التلاقح، والاشتهاء؛ إذ يقول مورافيا: «لقد أنجبت المقاهي الإيطالية أوروبا الجديدة».

هذا القول ليس فنتازيا، فبقدر ما هو استقراء لما تخفيه تلك المقاهي من تفاصيل، ومن أسرار سرعان ما تتعرى، فإنه يرتبط بغواية صانع السرديات وما يخفيه؛ إذ يجعلها مواربة إزاء أخرى مضادة، عالقة بحميمية، تبدو وكأنها تجعل من التضاد جزءاً من لعبة الجسد ذاته، متوهجاً، غاوياً، مُهيأً للتحول إلى جسد تنط به الشهوة إلى أقصى الاعتراف.

ما يحضر في المقهى لن يكون مكبوتاً، فرغم أن أغلب المقاهي مراقبة، فإنها تظل مسكونة بكثير من السحر والغواية والحوار والشغف، وهو ما يمنح التفاصيل - الطاولة، البن، نظرات النساء، العطر - حساسية فائقة الاستدعاء، في تمثيل هوية المكان «السائل»، وفي تمثيل الذات وهي تمارس طقوس وعيها المفارق، بوصفه أولى العلامات على وجود «شرارة ثورة مؤجلة» كما يسميها بدر...

وحتى استعادته لحكاية إيتالو كالفينو تكشف عمّا هو عميق في سردية المقهى، فقوله: «لا أحد يمكنه أن يروي تاريخ الفكر الأوروبي من دون أن يمر على مقاهي روما»، يضعنا إزاء تلك التفاصيل، وإزاء ما يصطخب بها من استغواءات عميقة، لا سيما ما يتعلق بها من مفارقات وتقابلات، فيزداد سحرها عبر ما تصنعه اللغة، وعبر ما يتوهج منها دون تدوين، حيث «يتبادل الأدباء والنقاد والرسامون الخيانات الفكرية والقبل السريعة والأحلام الماركسية المبتلة بالخمر».

هذا التبادل المكشوف على كلّ شيء يبدو قابلاً للتحول، فيكتسب وجوده السحري من خلال ما يساقط منه من استعارات التشهي، ومن استعارات الرفض والإحساس بأن المقهى بيت أنطولوجي، تتسع فيه الأشياء عبر اللغة، وعبر ما تصنعه من استعارات وإحالات، حيث «تختلط الأرواح بالسياسة كما يختلط النبيذ بالدم»، وحيث تبدو «الثورة تتنفس عبر فم امرأة تضحك وهي تدخن»، وحيث تكون «الطاولات شاهدة على حوارات لا تنتهي بين اليسار الرومانسي الذي يريد أن يحرر الإنسان، وبين الفاشيين الذين أرادوا أن يطهروا الوطن من ضعفه».

هذه السرديات المكثفة، تسحب اللغة إلى منطقة التفكير الصاخب، أو ربما إلى وجودٍ يشبه «الدازين» حيث يكون هذا الوجود رهيناً بالتفكير، وبما يصنعه من مفارقات تسوّغ الوجود، فتجعله متعالياً وفاعلاً، وقادراً على أن يجعل من الأفكار النظير الفعال للتاريخ، حيث تبدو الأفكار الكبرى أكثر تمثيلاً لتفاصيل الأحداث والصراعات الكبرى، ولما تصنعه الجماعات من علامات تخص تلك الأحداث التي تصنعها السلطة، حيث يتم قمع وإقصاء ومراقبة مرويات الهامش، التي يحفل بها السري الغاطس في لا وعي المقهى والبيان والمبغى والحزب، على نحو يتحول فيه هذا المقهى إلى سلطة موازية رغم إخفائها، وإلى نص سري له فرضياته وتخيلاته، حيث تختلط عبره الأشياء بالحكايات، والأجساد بالشهوات، واليسار باليمين، فقوله حول ما يحدث في مقاهي ميلانو، وفي أمسيات «ركن جماعة 63»، يكشف عن تعالقات تبدو أكثر إثارة، وأكثر مفارقة، وأكثر شغفاً بالتمرد، واصطناع ما يعادلها من البلاغة والهذيان والتشهي؛ إذ يرى «الشعراء يتحدثون هناك عن الجسد كما لو أنه نص سياسي، عن القبلة كفعل تحرر، عن اللذة كبيان ضد الفاشية. في تلك الأمسيات التي تختلط فيها رائحة الجلود مع عطر الورق والعرق والكوكاكولا، كانت الحكايات الإيروتيكية تنفجر من فم اللغة نفسها، كأن الأدب قرر أن ينتقم من الكنيسة ومن البرجوازية معاً، أن يحرر الشهوة من الخطيئة، والفكر من الطاعة».المكان وما تصنعه اللغة

المكان في نص علي بدر ليس بريئاً، فهو يُخفي أكثر مما يُظهر، ويصطخب أكثر مما يتستر، على نحوٍ يجعل من أصحابه وكأنهم ممسوسون، يمارسون طقوس استدعاء العالم إلى المقهى، والإشهار بالكتابة حدّ ممارستها كنوع من الحركات الصوفية، حيث يُراقب الجسد وهو يتحول في المقهى إلى علامة للتشهي، وحتى الأفكار تتخلى عن بعضها لكي تخرق حدود الوحدة، فتجعل من اللغة هي الشاهد الخائن والماكر على ما يجري؛ إذ يستعير علي بدر لسرديته المهووسة بذلك المكان أسماء لها ذاكرة ضاجة بالتمردات، فوجد في طقوس بازوليني «القديس القذر» كما سمّاه، من يرقب العالم من خلال عين مركبة، تشبك بين الصور السينمائية والصور الشعرية، واجداً في المقهى مجالاً ليس حيادياً، حيث يتقبل التمرد والإغواء، ويصلح لكل شيء، للحب والكراهية والجنون والهتاف، حيث يجعل من إيطاليا «مقهى كبيراً» كما يقول، يرصد فيه ملامح الأمكنة وهي مفتوحة للعابرين، ومشغولة بالمفارقات «في زاويةٍ ما، ثمة فتيات يضحكن ويقرأن دانونزيو، وفي الزاوية المقابلة رسام شيوعي يناقش رفيقاً فاشياً حول معنى الجمال، وفي الخلفية يعزف غجري منفرد على الكمان بينما تتصاعد رائحة التبغ والرغبة والتمرد».

ما تصنعه المدن

بما أن أغلب شخصيات علي بدر إشكالية وتعاني من عقد الهوية والجنس والسلبية الاجتماعية والطبقية، فإنها تتعرّض إلى عدوى المدينة، بوصفها مكاناً إشكالياً ومعقداً؛ لذا يجعل تلك الشخصيات مهووسة بسرديات مناورة، ومخادعة عبر الأقنعة، وبالأكاذيب، والفحولة الجنسية، والأوهام الثقافية، حتى تبدو تلك الأوهام وكأنها تعكس وجودية وأخلاقية. لا يجد المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر نفسه سوى أن يكون مخادعاً، وفحلاً جنسياً، ومتوارياً خلف أقنعة واستعارات تجعله أكثر تورطاً بـ«الوعي الزائف».

في رواية «بابا سارتر» تخضع الشخصية الرئيسة إلى قصدية واضحة، وإلى تصميم سردي أراد منه الروائي جعل «البطل الضد» يعيش أوهام الوعي الزائف في الأفكار، وفي العلاقة مع المكان الهامشي، ليمرر لنا سخريته من أنموذج «المثقف الستيني» الموهوم بغرائبية الصدمات الكبرى، بما فيها صدمة انقلاب 1963، التي عتّم علي بدر على تداعياتها السياسية والآيديولوجية، ليكون حضور «فيلسوف الصدرية» هو الأنموذج الموهوم للبطل الهروبي، الغارق بتمثيل وجوده عبر مشهديات الوعي الزائف، والمكان الزائف، والهوية الزائفة.

في رواية «شتاء العائلة» يتحول حضور الغريب إلى مفارقة سردية، فيجعل من حكاياته الزائفة نظيراً للتاريخ الزائف، ولأوهام «العائلة البغدادية» التي تعيش تلك الأوهام بوصفها إشباعات رمزية، تتقوض معها علامات الهوية والمكان، حتى يبدو الشتاء الحكواتي للعائلة وكأنه تمثيل للمدينة الزائفة، التي تضطرب فيها الشخصيات، حتى يكون حضور الغريب بحمولته السردية إقصاء للمكان الواقعي، واستدعاء للسيرة الزائفة التي تستفزها مخيلة هذا الغريب الذي يجعل من تاريخ العائلة الأرستقراطية مختبراً سردياً لتقويض تاريخها، كاشفاً فيه عن وظيفته في تشظية الهويات، وفي الكشف عن اندحارها إزاء ما يتخفّى في سرديات الغريب/ العدو/ اللص/ «مشعل الحرائق»/ صانع الحكايات/ الضد.

في رواية «حارس التبغ» تكشف الهوية المتشظية عن محنة الشخصية، وعن علاقتها الشائهة بالمدينة، فبقدر ما تبدو تلك الشخصية حاملة للمأزق الوجودي، فإنها تحمل معها عقدة التحولات التي تعيشها في الأمكنة الدوستوبية، فيتحول رهاب وجودها إلى تمثيل مشوه لهويتها، ولعلاقتها بالمكان، فيفقد ذلك المكان رمزيته تبعاً لفقدان الشخصية قناعها؛ إذ أعطى الروائي علي بدر لسردية الأقنعة وظيفة تحريك الشخصية، عبر تشظيتها في الاسم والهوية، وفي تحويل أنموذجها المتعالي والمتشوه، وكأنه قريب من أنموذج «وليد مسعود» في رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» حيث اللامكان مع تعدد الأقنعة، وحيث تبدو الفحولة الجنسية تمثيلاً للبطل الذي يقاوم نسيان الهوية عبر الجسد، وعبر لعبة الإغواء الجنسي.

يناور علي بدر على التأطير السردي للمدينة، فيجعلها قرينة بالاضطراب الذي تعيشه شخصياته، فهي مدينة غائمة، فقدت روحها الأرستقراطية، فيعمد الروائي إلى تمثيل مأزقها عبر مآزق شخصياتها، لكنه يُخفي أسبابها، وعلاقة تشوهاتها بالأفكار، وبالأحداث التي صنعها الانقلابيون، على نحوٍ يجعل ذاكرة السارد إزاء مواجهة ماكرة مع التاريخ، وأن ما يرويه هذا السارد لا يخرج عن المناورة في الكشف عن المخفي والمستور والمُهرّب... حتى تبدو شخصياته وكأنها تتحرك وسط تلك الدوستوبيا المرعبة، حيث تحضر «المدينة الفاشلة»، المدينة التي لا تحمي أحداً، بوصفها المدينة التي تغمرها أشباح الانقلابات العسكرية، والصراعات الآيديولوجية والطائفية، وهذا ما يجعل شهادة علي بدر عن تلك المدينة خادعة، وأن شخصياتها المخدوعة والأضحوية، لا تكشف كثيراً عن تاريخها، بقدر ما يصطنع لها الروائي تاريخاً موازياً، يكون متخيله السردي مضللاً، عبر ما يسرده عن الجسد الفحل، وعن البطل الذي يرمي التاريخ إلى المزبلة، ليصنع تاريخه عبر هوية ذلك الجسد المتعالي، وعبر ما يتساقط من سرديات مضللة تخص الآيديولوجيا والأمة والهوية والدولة. لا يملك المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر سوى أن يكون مخادعاً متوارياً خلف أقنعة واستعارات


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.