علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

المكان في نص الكاتب العراقي ليس بريئاً... فهو يُخفي أكثر مما يُظهر

علي بدر
علي بدر
TT

علي بدر... سرديات الأمكنة المخدوعة

علي بدر
علي بدر

الولع بالأمكنة ليس غواية فقط، بل هو محاولة في التنصيص مع ما تحمله تلك الأمكنة، لتكون جزءاً من الوجود والتخيل، ومن العلاقة الغامضة مع المعنى واللذة والحنين والاختباء. المكان هنا هو الفضاء الذي يتجاوز حدود الدال الضيق إلى المدلول السائل، على نحوٍ تتبدى مظاهره من خلال سرديات الهوية والانتماء والنص والتاريخ، وكأن هذا المكان يتخلى عن مرجعيته في «الجغرافيا» ليبدو وكأنه وجود تصنعه اللغة، أو السيرة والذاكرة والجماعة...

علي بدر المغامر والسارد يضعنا عند المخفي من سرديات تلك الأمكنة، نازعاً عنها الضيق من التوصيف إلى الاتساع، بمعنى الانغمار في التحول والاحتواء؛ إذ تحتفي بملامح في الكتابة، حيث استغواء الإدهاش والسرد الذي يُغذّي المكان بطاقة التشظي، وشهوة الاستعارة، فلا هوية لهذا المكان سوى ما يصنعه من تمثلات تصنعها اللغة أكثر مما يصنعها الواقع...

ما كتبه علي بدر عن المقاهي الإيطالية والروسية والبيروتية والبغدادية يكشف عن هوية تلك الأمكنة المدهشة، السرية والغامضة والموازية، وعن علاقتها بصناعة التاريخ المهمل، تاريخ الجماعات والشعراء وأصحاب البيانات، حيث يتحول التعرّف على التفاصيل اليومية إلى علامات، وإلى إغواءات تُحرض على الحكي والتشهي، وعلى استدعاء النص بوصفه تمثيلاً للغائب، والحكاية بوصفها سيرة لما يُكتب عن «أبطال» ساخرين... هو سكون المقهى، لكنهم يحملون معهم أرواح سكان المكان الملحمي، فيضعون الجسد وقرينه النصوصي داخل لعبة نسقية مفتوحة، يتحرك فيها العوليسي والشاعر والمغني والعاشق، مثلما يتحرك فيها الصعلوك المغمور بأوهام سرديات الهامش الصاخب في المدن الكبرى.

علاقة الثقافة الأوروبية بالمقاهي لها خصوصية وسرائر تُخفي كثيراً من «المنسي من التاريخ»؛ إذ يتحول فيها الكلام إلى زمن يومي، والجسد إلى بطل طقوسي يؤدي وظائف الحضور والهذيان والحميمية، وكأنه يصنع نظيراً للملحمة الغائبة، فالمقهى مكان تطهيري، يشبه الكنيسة، أو الجامع، حتى تبدو هذه الثنائية وكأنها بحث استفزازي عن فكرة التطهير، فاستعارته لقول ألبرتو مورافيا عن علاقة المقهى بالتاريخ، تحمل معها ما يشبه التلاقح، والاشتهاء؛ إذ يقول مورافيا: «لقد أنجبت المقاهي الإيطالية أوروبا الجديدة».

هذا القول ليس فنتازيا، فبقدر ما هو استقراء لما تخفيه تلك المقاهي من تفاصيل، ومن أسرار سرعان ما تتعرى، فإنه يرتبط بغواية صانع السرديات وما يخفيه؛ إذ يجعلها مواربة إزاء أخرى مضادة، عالقة بحميمية، تبدو وكأنها تجعل من التضاد جزءاً من لعبة الجسد ذاته، متوهجاً، غاوياً، مُهيأً للتحول إلى جسد تنط به الشهوة إلى أقصى الاعتراف.

ما يحضر في المقهى لن يكون مكبوتاً، فرغم أن أغلب المقاهي مراقبة، فإنها تظل مسكونة بكثير من السحر والغواية والحوار والشغف، وهو ما يمنح التفاصيل - الطاولة، البن، نظرات النساء، العطر - حساسية فائقة الاستدعاء، في تمثيل هوية المكان «السائل»، وفي تمثيل الذات وهي تمارس طقوس وعيها المفارق، بوصفه أولى العلامات على وجود «شرارة ثورة مؤجلة» كما يسميها بدر...

وحتى استعادته لحكاية إيتالو كالفينو تكشف عمّا هو عميق في سردية المقهى، فقوله: «لا أحد يمكنه أن يروي تاريخ الفكر الأوروبي من دون أن يمر على مقاهي روما»، يضعنا إزاء تلك التفاصيل، وإزاء ما يصطخب بها من استغواءات عميقة، لا سيما ما يتعلق بها من مفارقات وتقابلات، فيزداد سحرها عبر ما تصنعه اللغة، وعبر ما يتوهج منها دون تدوين، حيث «يتبادل الأدباء والنقاد والرسامون الخيانات الفكرية والقبل السريعة والأحلام الماركسية المبتلة بالخمر».

هذا التبادل المكشوف على كلّ شيء يبدو قابلاً للتحول، فيكتسب وجوده السحري من خلال ما يساقط منه من استعارات التشهي، ومن استعارات الرفض والإحساس بأن المقهى بيت أنطولوجي، تتسع فيه الأشياء عبر اللغة، وعبر ما تصنعه من استعارات وإحالات، حيث «تختلط الأرواح بالسياسة كما يختلط النبيذ بالدم»، وحيث تبدو «الثورة تتنفس عبر فم امرأة تضحك وهي تدخن»، وحيث تكون «الطاولات شاهدة على حوارات لا تنتهي بين اليسار الرومانسي الذي يريد أن يحرر الإنسان، وبين الفاشيين الذين أرادوا أن يطهروا الوطن من ضعفه».

هذه السرديات المكثفة، تسحب اللغة إلى منطقة التفكير الصاخب، أو ربما إلى وجودٍ يشبه «الدازين» حيث يكون هذا الوجود رهيناً بالتفكير، وبما يصنعه من مفارقات تسوّغ الوجود، فتجعله متعالياً وفاعلاً، وقادراً على أن يجعل من الأفكار النظير الفعال للتاريخ، حيث تبدو الأفكار الكبرى أكثر تمثيلاً لتفاصيل الأحداث والصراعات الكبرى، ولما تصنعه الجماعات من علامات تخص تلك الأحداث التي تصنعها السلطة، حيث يتم قمع وإقصاء ومراقبة مرويات الهامش، التي يحفل بها السري الغاطس في لا وعي المقهى والبيان والمبغى والحزب، على نحو يتحول فيه هذا المقهى إلى سلطة موازية رغم إخفائها، وإلى نص سري له فرضياته وتخيلاته، حيث تختلط عبره الأشياء بالحكايات، والأجساد بالشهوات، واليسار باليمين، فقوله حول ما يحدث في مقاهي ميلانو، وفي أمسيات «ركن جماعة 63»، يكشف عن تعالقات تبدو أكثر إثارة، وأكثر مفارقة، وأكثر شغفاً بالتمرد، واصطناع ما يعادلها من البلاغة والهذيان والتشهي؛ إذ يرى «الشعراء يتحدثون هناك عن الجسد كما لو أنه نص سياسي، عن القبلة كفعل تحرر، عن اللذة كبيان ضد الفاشية. في تلك الأمسيات التي تختلط فيها رائحة الجلود مع عطر الورق والعرق والكوكاكولا، كانت الحكايات الإيروتيكية تنفجر من فم اللغة نفسها، كأن الأدب قرر أن ينتقم من الكنيسة ومن البرجوازية معاً، أن يحرر الشهوة من الخطيئة، والفكر من الطاعة».المكان وما تصنعه اللغة

المكان في نص علي بدر ليس بريئاً، فهو يُخفي أكثر مما يُظهر، ويصطخب أكثر مما يتستر، على نحوٍ يجعل من أصحابه وكأنهم ممسوسون، يمارسون طقوس استدعاء العالم إلى المقهى، والإشهار بالكتابة حدّ ممارستها كنوع من الحركات الصوفية، حيث يُراقب الجسد وهو يتحول في المقهى إلى علامة للتشهي، وحتى الأفكار تتخلى عن بعضها لكي تخرق حدود الوحدة، فتجعل من اللغة هي الشاهد الخائن والماكر على ما يجري؛ إذ يستعير علي بدر لسرديته المهووسة بذلك المكان أسماء لها ذاكرة ضاجة بالتمردات، فوجد في طقوس بازوليني «القديس القذر» كما سمّاه، من يرقب العالم من خلال عين مركبة، تشبك بين الصور السينمائية والصور الشعرية، واجداً في المقهى مجالاً ليس حيادياً، حيث يتقبل التمرد والإغواء، ويصلح لكل شيء، للحب والكراهية والجنون والهتاف، حيث يجعل من إيطاليا «مقهى كبيراً» كما يقول، يرصد فيه ملامح الأمكنة وهي مفتوحة للعابرين، ومشغولة بالمفارقات «في زاويةٍ ما، ثمة فتيات يضحكن ويقرأن دانونزيو، وفي الزاوية المقابلة رسام شيوعي يناقش رفيقاً فاشياً حول معنى الجمال، وفي الخلفية يعزف غجري منفرد على الكمان بينما تتصاعد رائحة التبغ والرغبة والتمرد».

ما تصنعه المدن

بما أن أغلب شخصيات علي بدر إشكالية وتعاني من عقد الهوية والجنس والسلبية الاجتماعية والطبقية، فإنها تتعرّض إلى عدوى المدينة، بوصفها مكاناً إشكالياً ومعقداً؛ لذا يجعل تلك الشخصيات مهووسة بسرديات مناورة، ومخادعة عبر الأقنعة، وبالأكاذيب، والفحولة الجنسية، والأوهام الثقافية، حتى تبدو تلك الأوهام وكأنها تعكس وجودية وأخلاقية. لا يجد المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر نفسه سوى أن يكون مخادعاً، وفحلاً جنسياً، ومتوارياً خلف أقنعة واستعارات تجعله أكثر تورطاً بـ«الوعي الزائف».

في رواية «بابا سارتر» تخضع الشخصية الرئيسة إلى قصدية واضحة، وإلى تصميم سردي أراد منه الروائي جعل «البطل الضد» يعيش أوهام الوعي الزائف في الأفكار، وفي العلاقة مع المكان الهامشي، ليمرر لنا سخريته من أنموذج «المثقف الستيني» الموهوم بغرائبية الصدمات الكبرى، بما فيها صدمة انقلاب 1963، التي عتّم علي بدر على تداعياتها السياسية والآيديولوجية، ليكون حضور «فيلسوف الصدرية» هو الأنموذج الموهوم للبطل الهروبي، الغارق بتمثيل وجوده عبر مشهديات الوعي الزائف، والمكان الزائف، والهوية الزائفة.

في رواية «شتاء العائلة» يتحول حضور الغريب إلى مفارقة سردية، فيجعل من حكاياته الزائفة نظيراً للتاريخ الزائف، ولأوهام «العائلة البغدادية» التي تعيش تلك الأوهام بوصفها إشباعات رمزية، تتقوض معها علامات الهوية والمكان، حتى يبدو الشتاء الحكواتي للعائلة وكأنه تمثيل للمدينة الزائفة، التي تضطرب فيها الشخصيات، حتى يكون حضور الغريب بحمولته السردية إقصاء للمكان الواقعي، واستدعاء للسيرة الزائفة التي تستفزها مخيلة هذا الغريب الذي يجعل من تاريخ العائلة الأرستقراطية مختبراً سردياً لتقويض تاريخها، كاشفاً فيه عن وظيفته في تشظية الهويات، وفي الكشف عن اندحارها إزاء ما يتخفّى في سرديات الغريب/ العدو/ اللص/ «مشعل الحرائق»/ صانع الحكايات/ الضد.

في رواية «حارس التبغ» تكشف الهوية المتشظية عن محنة الشخصية، وعن علاقتها الشائهة بالمدينة، فبقدر ما تبدو تلك الشخصية حاملة للمأزق الوجودي، فإنها تحمل معها عقدة التحولات التي تعيشها في الأمكنة الدوستوبية، فيتحول رهاب وجودها إلى تمثيل مشوه لهويتها، ولعلاقتها بالمكان، فيفقد ذلك المكان رمزيته تبعاً لفقدان الشخصية قناعها؛ إذ أعطى الروائي علي بدر لسردية الأقنعة وظيفة تحريك الشخصية، عبر تشظيتها في الاسم والهوية، وفي تحويل أنموذجها المتعالي والمتشوه، وكأنه قريب من أنموذج «وليد مسعود» في رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» حيث اللامكان مع تعدد الأقنعة، وحيث تبدو الفحولة الجنسية تمثيلاً للبطل الذي يقاوم نسيان الهوية عبر الجسد، وعبر لعبة الإغواء الجنسي.

يناور علي بدر على التأطير السردي للمدينة، فيجعلها قرينة بالاضطراب الذي تعيشه شخصياته، فهي مدينة غائمة، فقدت روحها الأرستقراطية، فيعمد الروائي إلى تمثيل مأزقها عبر مآزق شخصياتها، لكنه يُخفي أسبابها، وعلاقة تشوهاتها بالأفكار، وبالأحداث التي صنعها الانقلابيون، على نحوٍ يجعل ذاكرة السارد إزاء مواجهة ماكرة مع التاريخ، وأن ما يرويه هذا السارد لا يخرج عن المناورة في الكشف عن المخفي والمستور والمُهرّب... حتى تبدو شخصياته وكأنها تتحرك وسط تلك الدوستوبيا المرعبة، حيث تحضر «المدينة الفاشلة»، المدينة التي لا تحمي أحداً، بوصفها المدينة التي تغمرها أشباح الانقلابات العسكرية، والصراعات الآيديولوجية والطائفية، وهذا ما يجعل شهادة علي بدر عن تلك المدينة خادعة، وأن شخصياتها المخدوعة والأضحوية، لا تكشف كثيراً عن تاريخها، بقدر ما يصطنع لها الروائي تاريخاً موازياً، يكون متخيله السردي مضللاً، عبر ما يسرده عن الجسد الفحل، وعن البطل الذي يرمي التاريخ إلى المزبلة، ليصنع تاريخه عبر هوية ذلك الجسد المتعالي، وعبر ما يتساقط من سرديات مضللة تخص الآيديولوجيا والأمة والهوية والدولة. لا يملك المثقف الذي يقترح أنموذجه علي بدر سوى أن يكون مخادعاً متوارياً خلف أقنعة واستعارات


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.