بيروت وتل أبيب… تاريخ من المفاوضات بوساطات دولية

عُقِدَت مباشرة في 1983 فقط

المبعوث الأميركي توم برّاك ومورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط في القصر الرئاسي اللبناني (د.ب.أ)
المبعوث الأميركي توم برّاك ومورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط في القصر الرئاسي اللبناني (د.ب.أ)
TT

بيروت وتل أبيب… تاريخ من المفاوضات بوساطات دولية

المبعوث الأميركي توم برّاك ومورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط في القصر الرئاسي اللبناني (د.ب.أ)
المبعوث الأميركي توم برّاك ومورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط في القصر الرئاسي اللبناني (د.ب.أ)

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، ظلّ التفاوض اللبناني - الإسرائيلي شبه محصور في الإطار العسكري أو التقني. فمن اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى ترسيم الحدود البحرية عام 2022، حافظ لبنان على موقف ثابت يرفض أي حوار سياسي مباشر مع إسرائيل، مكتفياً بتعاطٍ محدود عبر وسطاء دوليين.

ومع كل محطة تاريخية، تكرّس هذا النمط من التواصل المحدود الذي يعبّر عن توازن دقيق بين الرفض السياسي والحاجة إلى معالجة قضايا ميدانية ملحّة.

لكنّ التطورات الإقليمية الأخيرة، وتبدّل موازين القوى، إضافة إلى الضغوط الدولية المتزايدة لإرساء «استقرار دائم» على كل حدود إسرائيل، وضمناً الحدود اللبنانية، تعيد طرح ملف المفاوضات إلى الواجهة. فالدفع الحاصل اليوم، وخصوصاً عبر وساطات أميركية، يوحي بأن لبنان قد يجد نفسه أمام الاختبار الأصعب.

ومرت العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، التي اتسمت منذ عام 1948 بالعداء والقطيعة التامة، بأكثر من محطة تاريخية اضطُر خلالها الطرفان لصياغة تفاهمات بـ«الواسطة» لإنهاء نزاعات مسلحة وحروب متعددة منذ تسعينات القرن الماضي.

اتفاقية الهدنة

ونشب أول اقتتال بين لبنان وإسرائيل عام 1948، مع إعلان قيام دولة إسرائيل حين شارك الجيش اللبناني إلى جانب الجيوش العربية بالحرب التي انتهت باحتلال إسرائيل بلدات داخل العمق اللبناني. ولم تنسحب تل أبيب من الأراضي اللبنانية المحتلة، إلا بعد توقيع «اتفاقية الهدنة» عام 1949 في بلدة الناقورة اللبنانية.

جانب من المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بوساطة أميركية في عام 1983 تمهيداً لتوقيع اتفاق 17 مايو (أرشيفية - غيتي)

ويشير جورج غانم، الكاتب السياسي الذي واكب عن كثب الأحداث اللبنانية، إلى أن المفاوضات التي سبقت الاتفاقية جرت برعاية الأمم المتحدة تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، ونصّ على عدم اللجوء إلى القوّة العسكرية في تسوية القضية الفلسطينية.

ووقّع الاتفاق في حضور المندوب الشخصي لوسيط الأمم المتحدة لفلسطين ورئيس هيئة مراقبة الهدنة التابع للأمم المتحدة، موضحاً أن هذه الاتفاقية كانت نتاج أول مفاوضات ذات طابع عسكري بين الطرفين، وإن كان قد شارك فيها عن الطرف اللبناني مستشاراً دبلوماسياً وقانونياً.

ويلفت غانم إلى أنها «أدت إلى ترتيبات أمنية على جانبي الحدود وتوزيع القوى بالتساوي. وقد جرى بذلك الوقت تثبيت الحدود وكانت هناك لجنة عسكرية من الأمم المتحدة تشرف على تنفيذ الاتفاق». ويضيف: «جرى تثبيت الحدود كما نصّت عليه اتفاقية بوليه - نيوكمب لعام 1923، ورغم الاعتداءات الإسرائيلية الكثيرة بين عامَي 1968 و1982 فإنّ لبنان الرّسمي ظلّ متمسّكاً باتفاقية الهدنة».

الاجتياح الإسرائيلي‏

ويوضح غانم أن «لبنان لم يشارك بالحرب العربية - الإسرائيلية التي اندلعت عام 1967 بل أكد تمسكه باتفاق الهدنة، وبالوقت نفسه أعلن تضامنه مع الإخوة العرب. وبعد ذلك، ومع انتهاء تلك الحرب، بدأت إسرائيل بقضم أراض لبنانية والتمدد باتجاه مزارع شبعا، وعندها أيضاً انطلقت العمليات الفدائية من لبنان عام 1968».

هوكستين خلال اجتماعه مع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي قبل إعلان وقف النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر 2024 (وزارة الدفاع)

ومع توقيع لبنان اتفاقية القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، التي لحظت السماح للمقاومة الفلسطينية بالعمل العسكري ضد إسرائيل من مناطق محددة في الجنوب اللبناني، اتهمت إسرائيل لبنان بخرق اتفاق الهدنة ما أدى لتفجير الوضع.‏

«اتفاق 17 أيار»

واجتاحت إسرائيل لبنان عام 1978، فيما عُرف باسم «عملية الليطاني»، حيث فرضت سيطرتها على الضفة الجنوبية لنهر الليطاني، وصدر قرار عن مجلس الأمن حمل الرقم 425، يطالب تل أبيب بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. ثم في عام 1982، نفذت اجتياحاً واسعاً ووصلت إلى بيروت، ولم تنسحب منها إلا بالتزامن مع مفاوضات أفضت إلى توقيع اتفاق أمني في 17 مايو 1983، وانبثقت عنه لجان بحث اقتصادية وسياسية وأمنية، وكانت المفاوضات مباشرة برعاية وتسهيل أميركيين.

ويشير غانم في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المفاوضات التي سبقت هذا الاتفاق، كانت دبلوماسية - عسكرية شارك فيها سفراء من الطرفين، وانتهت إلى اتفاق عسكري - أمني له طابع دبلوماسي تحت عنوان إنهاء حالة الحرب. لكن هذا الاتفاق أثار معارضة شديدة في لبنان، ولم يُنفّذ قط، وألغاه مجلس النواب اللبناني، كما ألغى اتفاق القاهرة (لعام 1969 الذي أتاح المقاومة الفلسطينية المسلحة انطلاقاً من لبنان) عام 1987».

مفاوضات 1985

وفي عام 1985، جرت مفاوضات عسكرية بين لبنان وإسرائيل لترتيب الانسحاب الإسرائيلي، وقد انسحب الجيش الإسرائيلي من بيروت والجبل عام 1983، ومن صيدا عام 1985. وهنا يقول غانم: «لذلك فإنّ مفاوضات 1985 هدفت إلى استكمال الانسحاب من جزين والمنطقة وباقي الجنوب والعودة إلى اتفاقية الهدنة، علماً بأن إسرائيل انسحبت من جزين عام 1999»، فيما انسحبت من سائر الأراضي اللبنانية المحتلة في عام 2000.

‏ويشير غانم إلى أنه «في عام 2000 وبعد انسحاب إسرائيل من باقي الشريط الحدودي على خلفية عمليات المقاومة، جرى اتفاق عبر وساطة الأمم المتحدة والسفير تيري رود لارسن على الخط الأزرق، وهو ليس خطاً نهائياً للحدود، وبقي هناك خلاف على 13 نقطة كما على مزارع شبعا وقرية الغجر» التي بقيت إسرائيل تحتل شطراً منها.

مفاوضات ترسيم الحدود البحرية

‏وبعد حرب 2006 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1701 الذي أنهى الحرب. ولم يحصل خلالها أي تفاوض مباشر أو غير مباشر بين إسرائيل ولبنان وصولاً إلى عام 2022 حين حصلت مفاوضات غير مباشرة برعاية أميركية وبوساطة المبعوث الأميركي آموس هوكستين على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (يمين) يصافح المبعوث الأميركي آموس هوكستين في بيروت خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في 2022 (أرشيفية - رويترز)

اتفاق وقف النار

‏كذلك قاد هوكستين مفاوضات غير مباشرة أدت إلى وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، من خلال التفاهم على ما عُرف باتفاق «وقف النار» في نوفمبر من العام نفسه.

وبعد تنصل إسرائيل من هذا الاتفاق ومواصلتها خروقاتها وعملياتها العسكرية واحتلالها لأراض لبنانية، جرى الحديث عن وجوب خوض مسار جديد من التفاوض الذي تفضل واشنطن أن يكون مباشراً ويؤدي إلى هدنة جديدة تطمح إلى أن تتحول إلى تطبيع للعلاقات بين البلدين. لكن لبنان الرسمي لا يزال يرفض بشكل قاطع أي مفاوضات مباشرة ولا يمانع مفاوضات غير مباشرة تؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتلزم إسرائيل بتطبيق التزاماتها.


مقالات ذات صلة

التصعيد الإسرائيلي متواصل ضد «حزب الله»

المشرق العربي فتاة تحمل صور 20 أسيراً من «حزب الله» لدى إسرائيل خلال وقفة تضامنية نظمها الحزب دعماً لهم في الضاحية الجنوبية يوم الأحد (أ.ب)

التصعيد الإسرائيلي متواصل ضد «حزب الله»

في ظلّ تصعيد ميداني إسرائيلي متواصل تمثّل الأحد في سلسلة غارات جوية على مناطق في جنوب وشرق لبنان، تتواصل انتقادات «حزب الله» ضد رئاسة الجمهورية والحكومة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عمليات بحث متواصلة تحت أنقاض المباني المنهارة في طرابلس (د.ب.أ)

الأبنية المتصدّعة خطر يُحدق بساكنيها في شمال لبنان

أعادت الكارثة الإنسانية في طرابلس، جراء انهيار مبنيين سكنيين في منطقة القبة شارع الجديد، مسألة واقع الأبنية القديمة إلى الواجهة.

حنان حمدان (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (الرئاسة اللبنانية)

لبنان: «حزب الله» أسير المرحلة الانتقالية وأزمة الخطاب السياسي

يعترف خصوم رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، قبل مؤيديه، بأهمية دوره في احتواء التصعيد الذي سيطر على علاقة رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، بـ«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يتفقد المباني المنهارة في طرابلس بشمال لبنان (الوكالة الوطنية)

عائلة كاملة تحت الركام في انهيار مبنيين سكنيين شمال لبنان

استفاقت مدينة طرابلس في شمال لبنان، فجر السبت، على صوت رصاص تحذيري أُطلق إثر انهيار مبنيين سكنيين متجاورين في منطقة القبة.

سوسن الأبطح (طرابلس (شمال لبنان))
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في قصر الإليزيه الجمعة (أ.ف.ب)

سلام: لا تراجع عن «حصرية السلاح» ومتمسكون بالـ«ميكانيزم»

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن «لا تراجع بموقفنا حول حصرية السلاح»، مشيراً إلى أن الدولة «حقّقت سيطرة عملانيّة كاملة على جنوب الليطاني»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«القسام»: حريصون على إغلاق ملف جثث الرهائن الإسرائيليين

عناصر من «كتائب القسام» خلال مراسم تسليم جثامين 4 رهائن إسرائيليين بخان يونس (أرشيفية- د.ب.أ)
عناصر من «كتائب القسام» خلال مراسم تسليم جثامين 4 رهائن إسرائيليين بخان يونس (أرشيفية- د.ب.أ)
TT

«القسام»: حريصون على إغلاق ملف جثث الرهائن الإسرائيليين

عناصر من «كتائب القسام» خلال مراسم تسليم جثامين 4 رهائن إسرائيليين بخان يونس (أرشيفية- د.ب.أ)
عناصر من «كتائب القسام» خلال مراسم تسليم جثامين 4 رهائن إسرائيليين بخان يونس (أرشيفية- د.ب.أ)

أكدت «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، حرصها على إغلاق ملف جثث الرهائن الإسرائيليين الذين قضوا نحبهم في أثناء احتجاز الحركة لهم بقطاع غزة، مطالبة الوسطاء بإلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وقال المتحدث باسم «كتائب القسام» أبو عبيدة، اليوم (الأحد): «تعاملنا مع ملف الأسرى والجثث بشفافية كاملة، وأنجزنا كل ما هو مطلوب منا بناء على اتفاق وقف إطلاق النار، وقمنا بتسليم جميع ما لدينا من الأحياء والجثث بالسرعة الممكنة دون أي تأخير».

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، سلَّمت «حماس» جميع جثث الرهائن إسرائيليين الذين قُتلوا خلال احتجازهم في غزة، ما عدا جثة واحدة لم يتم العثور عليها حتى الآن.

ولقي 28 رهينة حتفهم في هجمات إسرائيلية ضربت المناطق التي كانوا فيها خلال الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، في أعقاب هجوم نفَّذته «حماس» على جنوب إسرائيل، وأسفر عن مقتل 1200 حسب إحصاء إسرائيلي، وأَسر ما يزيد على 250 رهينة جرى اقتيادهم إلى القطاع.

وأضاف المتحدث باسم «القسام»: «حريصون كل الحرص على إغلاق هذا الملف بشكل كامل، ولسنا معنيين بالمماطلة فيه... وقد عملنا في ظروف معقدة وشبه مستحيلة على استخراج وتسليم جميع جثث أسرى العدو، بعلم الوسطاء».

وأوضح أبو عبيدة أن «القسام» أطلعت الوسطاء على التفاصيل المتعلقة بجثة الجندي الإسرائيلي ران جويلي، قائلاً: «وما يؤكد صدق ما نقول هو أن العدو يقوم الآن بالبحث في أحد الأماكن، بناء على المعلومات التي قدمتها (كتائب القسام) للوسطاء».


أطفال «سجن الأقطان» يفتحون ملف «سجون داعش»

أطفال «سجن الأقطان» يفتحون ملف «سجون داعش»
TT

أطفال «سجن الأقطان» يفتحون ملف «سجون داعش»

أطفال «سجن الأقطان» يفتحون ملف «سجون داعش»

دعت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» السلطات السورية إلى تأمين جميع مراكز الاحتجاز التي كانت تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» وأصبحت تحت سيطرة الحكومة، بصورة فورية بعد تسلم إدارتها من قوات «قسد»، فيما بررت الأخيرة اعتقال 126 طفلاً أطلقت الحكومة السورية سراحهم السبت، من سجن الأقطان في الرقة، بالقول إن قسماً من هذا السجن خصص لإيواء أحداث متورطين في قضايا مختلفة أو كانوا ضحايا تجنيد من تنظيم «داعش»، وجرى نقلهم لأسباب أمنية من سجن الأحداث قبل نحو 3 أشهر.

وقالت مصادر من نشطاء في الرقة لـ«الشرق الأوسط» إن عدد المعتقلين في سجن الأقطان بلغ نحو 1200 سجين، وإن غالبية التهم الموجهة لهم، هي الانتماء لتنظيم «داعش»، والتواصل مع الجيش الحر، والتعامل مع جهات خارجية.

وبثت وسائل الإعلام السورية الرسمية خلال الساعات الماضية العديد من التقارير واللقاءات مع أطفال خرجوا من المعتقل معظمهم تحت سن الـ18؛ ما أحدث صدمة في أوساط السوريين، إذ قال أحد الأطفال إنه سُجن منذ ثلاثة أشهر بسبب وشاية من خاله لأنه يحب ابنته، وآخر قال إن سبب احتجازه هو العثور في هاتفه على صورة للرئيس السوري أحمد الشرع. كما أكد أطفال أطلق سراحهم في مقابلات بثتها قناة «الإخبارية السورية» تعرضهم لانتهاكات وتعذيب بالكهرباء والضرب لأنهم طلبوا الطعام.

وأصدرت إدارة السجون في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، بياناً رسمياً، الأحد، بررت فيه تلك الصور الصادمة لاحتجاز أطفال، بأن قسماً من «سجن الأقطان» في الرقة كان قد خصص لإيواء أحداث متورطين في قضايا مختلفة أو كانوا ضحايا تجنيد من تنظيم «داعش»، «ثم نقلوا لأسباب أمنية» من سجن الأحداث قبل نحو 3 أشهر.

ولدى الإدارة الذاتية العديد من السجون، وقال فضل عبد الغني مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن عددها غير مؤكد.

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد تنسحب من سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي البلاد وتتجه إلى كوباني في 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وتسلمت الحكومة السورية من «قسد» خلال العمليات العسكرية الأخيرة سجني الشدادي في الحسكة والأقطان في الرقة. ووثقت مصادر إعلامية سورية، أن «قسد» في العام الأخير اعتقلت العشرات من المدنيين بتهم الانتماء لتنظيم «داعش» دون تحقق.

ومن أبرز سجون «قسد»؛ سجن الثانوية الصناعية في المدخل الجنوبي للحسكة، ويقدر عدد السجناء فيه بثمانية آلاف سجين، والسجن المركزي في حي غويران بالحسكة وهو للرجال والنساء والأطفال، ويقدر عدد المعتقلين فيه بعشرة آلاف سجين، وهناك سجن علايا ويعد الأسوأ، وسجن المالكية (ديريك).

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما زال لدى «قسد» ما لا يقل عن 3705 مختفين قسرياً، كما قتلت 122 شخصاً تحت التعذيب منذ تأسيسها.

وأظهرت تقارير إعلامية مصورة تجمع المئات من الأهالي في محيط سجن الأقطان خلال اليومين الماضيين بحثاً عن أبنائهم المفقودين. وقال حسين خليل لـ«الشرق الأوسط» من أبناء محافظة الرقة، إن شقيقه مفقود من 10 سنوات، مضيفاً: «كان لدينا أمل كبير بالعثور عليه في سجن الشدادي أو الأقطان، لكن لم نصل إلى أي معلومة حوله»، وما زال الأمل أن يعثر عليه في السجون الأخرى.

ويعد ملف السجون في مناطق شمال وشرق سوريا أحد أكثر الملفات الحساسة في المفاوضات الجارية بين الحكومة السورية و«قسد»، لاتصالها بمصير سجناء تنظيم «داعش» في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، ويقدر عددهم، حسب التقارير الإعلامية، بنحو ثمانية آلاف سجين بينهم أجانب. وقد باشرت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بنقلهم إلى العراق. وبحسب المعلومات المتوفرة تم نقل نحو ألف منهم. وقد تم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لاستكمال عملية نقلهم من سوريا إلى العراق.

يشار إلى أن الولايات المتحدة الأميركية قررت نقل المعتقلين بعد حادثة هروب معتقلي التنظيم من سجن الشدادي الاثنين الماضي، حيث حمّلت وزارة الداخلية السورية (قسد) المسؤولية عن هروب معتقلي «داعش» وقدرت عددهم بـ120 معتقلاً. في حين قالت «قسد» إن السجن خرج عن سيطرتها.

«الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان»، دعت في تقريرها، الأحد، إلى «صون مسارح الجريمة في مراكز الاحتجاز السابقة الخاضعة لسيطرة (قوات سوريا الديمقراطية)»، وقالت إن «انتقال السيطرة على عدد من مراكز الاحتجاز في شمال شرقي سوريا من قوات (قسد) إلى الحكومة السورية (يمثّل تحدياً عاجلاً) فيما يخص (حماية الأدلة المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان) ومنع ضياعها أو العبث بها».


«قسد»: مقتل طفل في قصف مدفعي قرب كوباني

جنود سوريون يتابعون انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من سجن الأقطان في مدينة الرقة (أ.ف.ب)
جنود سوريون يتابعون انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من سجن الأقطان في مدينة الرقة (أ.ف.ب)
TT

«قسد»: مقتل طفل في قصف مدفعي قرب كوباني

جنود سوريون يتابعون انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من سجن الأقطان في مدينة الرقة (أ.ف.ب)
جنود سوريون يتابعون انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من سجن الأقطان في مدينة الرقة (أ.ف.ب)

قالت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد، اليوم (الأحد)، إن طفلاً لقي حتفه وأصيب 3 في قصف مدفعي نفّذته قوات تابعة للحكومة السورية استهدف قرية القاسمية غربي مدينة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا.

وذكرت «قوات سوريا الديمقراطية»، في بيان: «منذ ساعات الصباح، شنت فصائل دمشق هجمات على قريتي زرك والقاسمية غربي كوباني، إضافة إلى قرية الجلبية جنوب شرقي المدينة، في تصعيد خطير جاء بعد ساعات فقط من التوصل إلى اتفاق تمديد وقف إطلاق النار».

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، الليلة الماضية، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً لدعم العملية الأميركية لنقل سجناء تنظيم «داعش» إلى العراق من السجون التي كانت خاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وفي وقت سابق اليوم، قالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إن تذرُّع الحكومة السورية بدعم العملية الأميركية لإجلاء سجناء تنظيم «داعش» من السجون التي تسيطر عليها «قسد» في قرار تمديد وقف إطلاق النار يؤكد أن الخيار العسكري ما زال مطروحاً.

ونقلت وسائل إعلام سورية عن الأمن الداخلي تأكيداً بافتتاح مركز مراجعات لعناصر «قسد» في دير الزور لتسوية أوضاعهم وتسليم أسلحتهم.

وشدّد الأمن الداخلي السوري على أن أي عنصر من «قسد» يتخلّف عن المراجعة سيُعرّض نفسه للمساءلة القانونية.

وانتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات واسعة من شمال سوريا وشرقها خلال الأسبوعين الماضيين من «قسد»، وهي الجناح العسكري للإدارة الذاتية الكردية، قبل أن يعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، وقف إطلاق النار لأربعة أيام، مانحاً الأكراد مهلة لتنفيذ خطة الدمج في الجيش.

وقالت الإدارة الذاتية الكردية: «في إطار التطورات الأخيرة، تم تمديد وقف إطلاق النار، في وقت تدعي فيه الحكومة في دمشق أن هذه الخطوة تأتي بذريعة نقل عناصر تنظيم (داعش)».

وأضافت: «هذه الادعاءات تؤكد بوضوح أن الخيار العسكري وشن المزيد من الهجمات على مناطقنا ما يزال مطروحاً، وأن التهديد لم يزل قائماً».

وطالبت الإدارة الذاتية الأكراد البقاء «في حالة تأهب دائم»، مؤكدة أنها منفتحة على الحوار والسلام «لأن وطننا سوريا وشعبنا عانى الويلات جراء الحروب المدمرة التي عاشتها بلادنا».

وسيطرت الحكومة السورية على محافظتي الرقة ودير الزور في شمال شرقي البلاد، اللتين تضمان حقول النفط الرئيسية وسجون تنظيم «داعش»، بموجب اتفاق مع «قسد» جرى التوصل إليه هذا الشهر.

وما زال الأكراد يسيطرون على مدينتي القامشلي والحسكة في شمال شرقي سوريا، ومدينة عين العرب شمالي محافظة حلب على الحدود التركية.