«الإنفاق الحكومي» والانسداد السياسي يُفاقمان غضب الليبيين تجاه مؤسساتهم

بيان «المركزي» عمّق شعور المواطنين بأنهم وحدهم من يدفع فاتورة صراع الكبار

صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
TT

«الإنفاق الحكومي» والانسداد السياسي يُفاقمان غضب الليبيين تجاه مؤسساتهم

صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)
صالح يترأس اجتماعاً يضم محافظ المركزي وحماد رئيس الحكومة بشرق ليبيا (مكتب صالح)

تتصاعد في ليبيا وتيرة الغضب على المؤسسات الحاكمة بسبب اتساع حجم إنفاقها، واستمرار قياداتها في تبادل الاتهامات حول الانقسام السياسي وعرقلة الانتخابات.

ورغم استدعاء مجلس النواب محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته لمناقشة الإجراءات الأخيرة، التي أدت إلى تفاقم أزمة السيولة، فإنّها لم تُهدئ مخاوف الشارع الليبي من استمرار معاناته حيالها، خصوصاً وأنها دفعت بكثير من المواطنين مؤخراً إلى الاصطفاف لساعات أمام المصارف لسحب النقود وتسلم رواتبهم.

شكوك الليبيين حول السياسات الاقتصادية

يرى عضو «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن الجلسة الأخيرة «زادت شكوك الليبيين حول السياسات الاقتصادية والمالية، خصوصاً مع بروز توجّه لإلقاء المسؤولية على المصرف وإدارته، والتغافل عن جوهر الأزمة، المتمثل في الانقسام ووجود حكومتين تتنازعان على السلطة وتنفقان بلا رقابة».

وأشار المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إلى ما ورد في بيان المصرف المركزي الأخير من اضطراره لسحب 47 مليار دينار من التداول، بينها 10 مليارات غير معروفة المصدر، ورصده تجاوز إنفاق المجالس الأربعة (الرئاسي، والأعلى للدولة، والبرلمان، والحكومة) أكثر من ثلاثة مليارات منذ بداية العام. واعتبر أن ذلك «زاد من إحباط الليبيين، وعمّق شعورهم بأنهم وحدهم من يدفع فاتورة صراعات الكبار» (الدولار يساوي 5.43 دينار).

المصرف المركزي رصد تجاوز إنفاق المجلس الرئاسي والأعلى للدولة والبرلمان والحكومة أكثر من ثلاثة مليارات منذ بداية العام (رويترز)

ووفق بيان المصرف المركزي، فقد بلغت إيرادات ليبيا نحو 94 مليار دينار في الأشهر التسعة الأولى، فيما بلغ الإنفاق العام أكثر من 86 مليار دينار. وتصدّرت حكومة «الوحدة» والجهات التابعة لها مستوى الإنفاق بـ2.2 مليار دينار، يليها البرلمان وما يتبعه بـ820 مليون دينار.

ويرى المخزوم أن الليبيين «باتوا مدركين أن جلسة استدعاء محافظ المصرف لن تكون لإيضاح السياسات المالية، وكشف التفاصيل حول بعض القضايا لطمأنة الرأي العام كما ردد بعض النواب؛ وإنما لتوظيف معاناته في الحسابات السياسية بين فرقاء السلطة».

وتساءل المخزوم، وهو أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس، عن سبب «عدم انعكاس اهتمام تلك المؤسسات بالمواطن، عبر خفض نفقاتها، أو إظهار جدّية في تنفيذ الخريطة الأممية، بما قد يؤدي إلى إجراء انتخابات وتشكيل حكومة موحدة تُصرف لها ميزانية واحدة».

* استياء من تصاعد الإنفاق العام

أشار الباحث القانوني الليبي، هشام الحاراتي، إلى وجود «استياء واضح» يمكن رصده من خلال منصّات التواصل الاجتماعي «من أداء السلطات وتصاعد الإنفاق العام، دون انعكاسه على حياة المواطنين».

وقال الحاراتي لـ«الشرق الأوسط» إن «استياء الليبيين يتزايد من إنفاق الملايين على جهات تابعة للبرلمان أو للمجلس الرئاسي أو للحكومتين، ما بين مراكز إعلامية واستشارات ودعم سياسات، دون توضيح الجدوى منها»، مضيفاً: «هم يرون أن هذا التوسع في الإنفاق لا ينفصل عن معاناتهم من شحّ السيولة، وتدني مستوى الصحة والتعليم».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

ووفق بيان المصرف المركزي، بلغ إنفاق الجهات التابعة للبرلمان 756 مليون دينار، فيما بلغ إنفاق الجهات التابعة للرئاسي أكثر من 472 مليون دينار.

وحسب الحاراتي، فإنّ «أزمة السيولة وغيرها من الأزمات الاقتصادية، بما فيها قضية المليارات المطبوعة خارج المنظومة المصرفية لن تُحل باستدعاء محافظ المصرف لتوضيح سياساته أو لمحاسبته». ودعا إلى «حضور رؤساء الأجهزة الرقابية لكشف مصير الأموال، ومن استفاد منها كإجراءٍ مؤقت، فيما يتمثّل الحل الرئيسي في الذهاب إلى الانتخابات لتوحيد الحكومة والمؤسسات»، مبرزاً أنّ هذا المسار «يهدد مصالح الكثيرين، مما يثير شكوكاً حول توافقٍ ضمني على عرقلته».

وانضم نائب رئيس «حزب الأمة»، أحمد دوغة، إلى الآراء السابقة، معتبراً أن «وجود حكومتين تنفقان بلا رقابة، كل واحدة منهما تضم عدداً كبيراً من الوزراء والوكلاء والمستشارين والموظفين، هو الأساس في إرباك الوضع الاقتصادي وسياسات المصرف المركزي»، معتبراً أن «امتلاك ليبيا لمثل هذا العدد من الوزراء ربما جعلها حالةً استثنائية مقارنة بباقي الدول».

لفت دوغة إلى «معاناة المواطنين في صرف رواتبهم كل شهر ومحدودية أغلبها رغم ارتفاع الأسعار» (أ.ف.ب)

وعبّر دوغة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن قناعته بأنه «حتى قبل بيان المصرف، سجل ازدياد في استياء الليبيين من أداء السلطات، وهو ما يظهر بوضوح في ما نقلته وسائل الإعلام من انتقادات المواطنين خلال وقوفهم في طوابير أمام المصارف»، مرجعاً ذلك إلى «معاناتهم في صرف رواتبهم كل شهر، ومحدودية أغلبها رغم ارتفاع الأسعار، وهم أبناء الدولة النفطية».

أما الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، فاعتبر أن بيانات المصرف حول إنفاق المجالس الأربعة وما يتبعها من جهات متعددة «باتت تُثير تساؤلات جوهرية عن دورها في حياة الليبيين خلال العقد الأخير».

وقال القماطي لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن الحكومتين والمجلس الرئاسي أو مجلسي النواب والدولة بات مرتبطاً دائماً بالأزمات وفي سياق الانتقاد، لا بمدى مساهمة أيّ منهم في حل أزمات الليبيين أو مكافحة الفساد، أو الحيلولة دون وقوع كارثةٍ ما عبر اتخاذ التدابير اللازمة مسبقاً».

أوضح القماطي أنّ الحديث عن الحكومتين والمجلس الرئاسي أو مجلسي النواب والدولة بات مرتبطاً دائماً بالأزمات (الأعلى للدولة)

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة وتتخذ من طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حمّاد، وهي مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.


مقالات ذات صلة

شبح «العصيان المدني» يطارد «الوحدة» الليبية مع تفاقم أزمة الكهرباء

شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال مشاركته في فعالية الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

شبح «العصيان المدني» يطارد «الوحدة» الليبية مع تفاقم أزمة الكهرباء

عبَّر ليبيون عن غضبهم إزاء حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة على مدار اليوم، ملوحين بـ«العصيان المدني»، وسط استنفار أمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

بولس: ممثلو «بنغازي» و«طرابلس» تجاوزوا خلافاتهم لمصلحة ليبيا

دعا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية إلى استمرار العمل نحو حوكمة موحدة بين شرق ليبيا وغربها لتعزيز الاستقرار

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا من أعمال إصلاح شبكة الكهرباء في شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

ليبيون ينتقدون «الصمت الرسمي» حيال استمرار انقطاع الكهرباء

تتصاعد حالة الغضب في ليبيا مع تجدد الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي للمرة الثالثة خلال أسبوع.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا لقطة جماعية للمشاركين فيما يعرف بـ«ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية بركان الغضب ناصر عمار)

تواتر الإعلان عن «حكومات افتراضية» يُربك المشهد السياسي الليبي

لم يعد السباق السياسي في ليبيا مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعيش انقساماً حكومياً، بل وأيضاً على إعلانها بشكل أحادي، حسب خبراء.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوات تابعة للجيش الوطني خلال اعتقال مهربين في الجنوب الليبي (الشرق الأوسط)

ليبيا وتشاد تكثفان تأمين الحدود وملاحقة «متمردي فزان»

كثفت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والجيش التشادي، السبت، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )