اقتراع المغتربين اللبنانيين يحاصر قانون الانتخاب و«تحريره» بتسوية رئاسية

تجميد المواد الخلافية يسهّل إنجاز الاستحقاق النيابي

لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت (إ.ب.أ)
لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت (إ.ب.أ)
TT

اقتراع المغتربين اللبنانيين يحاصر قانون الانتخاب و«تحريره» بتسوية رئاسية

لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت (إ.ب.أ)
لبنانية ترفع أصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات البلدية في بيروت (إ.ب.أ)

يقف لبنان على مسافة سبعة أشهر من موعد إجراء الانتخابات النيابية في ربيع 2026 من دون أن تلوح في الأفق حتى الساعة بوادر انفراجة تدعو للتفاؤل بفتح الأبواب لإخراج قانون الانتخاب من التأزم الذي يحاصره مع تصاعد وتيرة الخلاف حول اقتراع اللبنانيين في الاغتراب، ما يبقي الآمال معقودة على تدخّل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لـ«تحريره من الأسر» بتسوية تضع الاستحقاق النيابي على نار حامية؛ لأن هناك استحالة لترحيله في ظل الضغوط الدولية الرامية لإنجازه في موعده بوصفه ممراً إلزامياً لإعادة تشكيل السلطة.

ومع أن السجال حول اقتراع المغتربين بلغ ذروته، بين رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام على خلفية أن الأول يدعو الحكومة لإصدار مراسيم تطبيقية لتمثيل الاغتراب اللبناني بست مقاعد نيابية، مصرّاً على الإبقاء على القانون النافذ، في مقابل إصرار الثاني على أن تصدر هذه المراسيم عن البرلمان في جلسة تشريعية خاصة، بذريعة أن الصلاحية في هذا المجال من اختصاصه.

ويتجاوز الخلاف حول اقتراع المغتربين الشكل إلى المضمون، ويدور بين «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» من جهة بإصرارهما على استحداث 6 مقاعد لتمثيل المغتربين، توزّع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، في مقابل تمسك خصومهما بمطلب اقتراع المغتربين لـ128 نائباً من مقر إقامتهم بحسب قيودهم الشخصية في لوائح الشطب.

وبالتالي في الحالتين لا بد من تعديل قانون الانتخاب.

جلسة نيابية سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية)

ويقول مصدر نيابي بارز، في معرض دفاعه عن موقف بري بأن اللجان النيابية المشتركة، كانت فوضت وزيري الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار والخارجية والمغتربين يوسف رجّي صلاحيات استثنائية بإصدار المراسيم الخاصة.

ويؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن كلمة الفصل في العودة إلى المحاضر الخاصة باجتماعات اللجان، والتي لا يحق للحكومة تجاهلها. ويُنقل عن بري إصراره على إجراء الانتخابات في موعدها، وأنه لا مجال للتمديد للبرلمان أو التأجيل، وأن من يريد ذلك عليه أن يتحمل مسؤولية أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، لا أن يرميها على «الثنائي».

ويضيف المصدر، نقلاً عن بري، بأن كتلته النيابية، وكتلتي «اللقاء الديمقراطي» وحزب «الكتائب» كانوا في عداد الذين سجلوا تحفظهم على استحداث 6 مقاعد لتمثيل الاغتراب، في مقابل إصرار حزب «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني» على تمثيلهم، وتعاملا مع القانون في حينها على أنه انتصار لهما.

جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (إ.ب.أ)

ويلفت المصدر النيابي إلى أن كتلتي بري و«التيار الوطني» تؤيدان تمثيل الاغتراب، وتنظران إليه على أنه أقل ضرراً من السماح للمغتربين بالاقتراع لـ128 نائباً بذريعة غياب تكافؤ فرص الترويج الانتخابي في الخارج، نظراً إلى فرض عقوبات على بعض مسؤولي «الثنائي»، وبينهم مرشحون للنيابة.

وفي المقابل، يغمز خصوم «الثنائي» و«التيار الوطني» من قناة بري لرفضه إدراج اقتراح القانون «المعجّل المكرر» الذي يحمل تواقيع نواب الأكثرية ويطالبون فيه بإلغاء المادة الـ112 من القانون، بما يسمح للمغتربين بالاقتراع لـ128 نائباً، ولا يرون مبرراً، بحسب مصادرهم، لإحجام بري عن إدراج على جدول أعمال أول جلسة تشريعية للبرلمان.

وتؤكد هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن لا مفر من طرح اقتراح القانون على الهيئة العامة للبرلمان، ويعود لها الحق بالتصويت عليه أو إسقاط صفة العجلة عنه، وعندها يحال إلى اللجنة النيابية المكلفة بدراسة قوانين الانتخاب. وتقول إنه من غير الجائز تحويله إلى اللجان من دون أن تنظر فيه الهيئة العامة، خصوصاً أنه يتعلق بتعديل قانون الانتخاب بخلاف المشاريع الأخرى الخاصة بدراسة قوانين جديدة.

وتلفت المصادر إلى أن بري ألقى المسؤولية على وزيري الداخلية والخارجية في إصدار المراسيم التطبيقية؛ لأنه يريد تفادي أن تطرح الأكثرية النيابية في جلسة تشريعية خاصة، الاقتراح الذي كانت تقدمت به ويرمي إلى شطب المادة الـ112 من قانون الانتخاب، وذلك خشية أن يحظى بتأييد الأكثرية.

سيدة تحمل صورة زوجها الذي قُتل في الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل خلال إدلائها بصوتها في الانتخابات البلدية بالنبطية جنوب لبنان (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن مصدراً نيابياً مقرباً من «الثنائي» يجزم بأن العريضة التي تقدم بها الفريق الآخر لا تحمل تواقيع نصف عدد النواب زائداً واحداً، أي 65 نائباً، بخلاف ما يروّج له حزب «القوات»، وبالتالي لا مبرر لإحالته إلى الهيئة العامة.

ولم تستبعد المصادر بأن يبادر عدد من الوزراء في الجلسة المرتقبة للحكومة إلى تبني مشروع القانون الذي تقدم به وزير الخارجية من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وطلب إدراجه على جدول أعمال أول جلسة تعقدها، ويراد منه بتأييد من حزب «القوات»، إلغاء المادتين الـ112 والـ122 من قانون، بما يمكّن المغتربين من الاقتراع للـ128 نائباً، مع أنه تقدم به من دون التشاور مع سلام، وهذا ما ينقله عنه عدد من النواب المؤيدين لاقتراح رجّي.

الرئيس عون يتابع سير الانتخابات البلدية في الشمال وعكار خلال مايو الماضي (الرئاسة اللبنانية)

ويبقى السؤال: هل ما زالت الأبواب موصدة أمام إخراج القانون من الحصار؟ وكيف سيتعامل رئيس الجمهورية، الذي يصر على إجراء الانتخابات في موعدها وليس في وارد السماح بتعريض عهده إلى انتكاسة مع دخوله عامه الثاني، ويلاقيه سلام في منتصف الطريق؟

ولا شك أن عون سيتدخل في الوقت المناسب، ولن يسمح بحرق المراحل على نحو يؤدي لتقطيع الوقت لفرض التمديد كأمر واقع، وهذا ما يؤكده مصدر وزاري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، مرجحاً التوصل إلى تسوية قاعدتها تجميد المواد الخلافية في القانون، بدءاً بصرف النظر عن اقتراع المغتربين، ومؤكداً أن تدخله سيلقى التجاوب المطلوب من بري و«التيار الوطني». فيما الأكثرية بدأت تتكيّف مع ما سيطرحه عون لإنقاذ الاستحقاق النيابي، وإن كانت مصادرها تبدي تشدداً لرفع منسوب التعبئة لدى مناصريها لحث المغتربين للحضور إلى لبنان وممارسة حقهم الديمقراطي رهاناً منهم على أن التغيير آتٍ لا محالة بتسجيل خرق في مرمى الثنائي، مع أن تمرير التسوية يتطلب عقد جلسة وعلى جدول أعمالها بند وحيد يتعلق بتجميد المواد الخلافية مشروطة سلفاً بالتزام الكتل بتأييدها.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».