«المحيط مع ديفيد أتينبورو»... وثائقي بريطاني يرصد جرائم «الصيد الجائر»

مخرج الفيلم يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عما وصفه بـ«الاستعمار الحديث للبحر»

الفيلم وثّق على مدى نحو 3 سنوات الانتهاكات التي تحدث في المحيطات (الشركة المنتجة)
الفيلم وثّق على مدى نحو 3 سنوات الانتهاكات التي تحدث في المحيطات (الشركة المنتجة)
TT

«المحيط مع ديفيد أتينبورو»... وثائقي بريطاني يرصد جرائم «الصيد الجائر»

الفيلم وثّق على مدى نحو 3 سنوات الانتهاكات التي تحدث في المحيطات (الشركة المنتجة)
الفيلم وثّق على مدى نحو 3 سنوات الانتهاكات التي تحدث في المحيطات (الشركة المنتجة)

قال المخرج البريطاني كيث شولي، إن فكرة الفيلم الوثائقي الطويل «المحيط مع ديفيد أتينبورو» جاءت من رؤيته لما سمّاه «الاستعمار الجديد للبحر»، ووجد أن الإعلامي المخضرم الذي اعتاد رواية قصص الحياة على كوكب الأرض سيكون الأفضل لتقديم العمل، مشيراً إلى أنه تقاسم العمل مع زميلَيْه كولين بوتفيلد وتوبي نوولان، ليخرج بالصورة التي شاهدها عليه الجمهور.

وعرض الفيلم بالصالات السينمائية مطلع العام الحالي، وعبر إحدى المنصات في يونيو (حزيران) الماضي، ويسلط الضوء على تداعيات الصيد الجائر، ويُعرض حالياً ضمن برنامج «العروض الخاصة» في الدورة الحالية من مهرجان «الجونة السينمائي» بحضور كيث شولي.

وتحدّث شولي لـ«الشرق الأوسط» عن مراحل صناعة الفيلم، قائلاً: «تولى زميلي كولين بوتفيلد مراجعة النصوص والتأكد من دقتها العلمية، وإسناد مهمة الجوانب العملية والتقنية خلال العمل إلى المخرج توبي نوولان الذي أنتج العمل، مما جعل التنسيق الجماعي يؤدي إلى خروج الفيلم بشكل لائق».

وأوضح شولي أن «التصوير في أعماق البحار كان من أكثر التحديات صعوبة في الفيلم، لأن العمل تحت الماء دائماً ما يكون معقّداً للغاية، لكون السيطرة على المشهد محدودة، خصوصاً في المحيط المفتوح».

مع ديفيد خلال التصوير (الشركة المنتجة)

وأضاف: «واجهنا صعوبات كبيرة في تصوير بعض ممارسات الصيد الجائر، مثل مشاهد جر الشباك في قاع البحر؛ لأن كثيراً من الشركات العاملة في هذا المجال لم تكن راغبة في السماح بتصوير ما تفعله، بوصفها ممارسات مدمرة للبيئة، ولم يسبق توثيقها بهذا الوضوح من قبل».

وقال المخرج إن «الفكرة المركزية للفيلم هي تسليط الضوء على مشكلة (الصيد الجائر)، وما يسببه من تدهور للأنظمة البيئية في المحيطات»، موضحاً أن «العمل استند إلى تقارير علمية صادرة عن الأمم المتحدة تؤكد أن معظم بحار العالم تعاني من الاستنزاف المفرط، وأن الحل يكمن في حماية 30 في المائة من مياه الكوكب».

لافتاً إلى أن «مهمة الفيلم كانت أن يشرح للجمهور لماذا هذا المقترح منطقي وضروري، وأن يقدم صورة بصرية مقنعة توضح حجم الخطر الذي يهدد الحياة في البحر بسبب جشع الصيد الصناعي».

تبدأ قصة الفيلم من أعماق المحيط، حيث يأخذنا ديفيد أتينبورو في رحلة تمتد عبر مختلف بحار العالم، ليرينا روعة الحياة التي تزدهر تحت السطح، من أسراب الأسماك المضيئة إلى الشعاب المرجانية الغنية بالألوان، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى الجانب المظلم من المشهد، حيث تختفي الحياة ويعمّ الصمت في أماكن كانت يوماً تعجّ بالكائنات.

في هذا الانتقال الحاد بين «الجمال والخراب»، يكشف الفيلم عن كيف أدّت عقود من الصيد الجائر والتلوث إلى تحويل أجزاء واسعة من المحيطات إلى مناطق ميتة، واصفاً ذلك بـ«الاستعمار الحديث في البحر»، حيث تتعامل الشركات مع المياه وكأنها أرض بلا مالك يمكن استنزافها بلا رحمة.

لقطة من الفيلم الوثائقي (يوتيوب)

وفي النصف الثاني من الفيلم، يتحول السرد من التحذير إلى الأمل؛ إذ يعرض الفيلم مشاهد مؤثرة لاستعادة الطبيعة لعافيتها حين تُمنح الفرصة. تُظهر الكاميرا غابات الطحالب البحرية وهي تنمو مجدداً، والكائنات وهي تعود إلى موائلها القديمة بعد حظر الصيد في بعض المناطق، بهذه الثنائية بين الدمار والإحياء يقدم الفيلم رسالة مفادها أن المحيط قادر على الشفاء، إذا ما توقف الإنسان عن تدميره.

يقول شولي إن «العمل أُنجز في مرحلة حساسة من حياة السير ديفيد أتينبورو الذي بلغ من العمر تسعة وتسعين عاماً عند عرض الفيلم»، مضيفاً: «عندما بدأنا العمل كان عمر ديفيد ستة وتسعين عاماً، وكنا نعلم أنه سيُعرض وهو في التاسعة والتسعين، وقد تعامل مع ذلك بروح عملية، وقال إن علينا أن نبدأ التصوير فوراً، وبالفعل صورنا معه معظم مشاهده في البداية».

المخرج البريطاني (الشركة المنتجة)

وأضاف أن أتينبورو ما زال يحتفظ بلياقته الذهنية والجسدية المدهشة، مؤكداً أن اختياره لم يكن صدفة، لكونه يتمتع بمصداقية ومعرفة استثنائية في بريطانيا وسائر أوروبا وأميركا، وبوصفه الشخص الوحيد القادر على إيصال رسالة بهذا الحجم من التأثير.

وأكد المخرج أن «الفيلم لا يتحدث فقط عن البيئة، بل أيضا عن رحلة رجل عاش قرناً كاملاً وشهد بأم عينيه التحول الكبير في علاقة الإنسان بالطبيعة»، لافتاً إلى أن «وجود أتينبورو أضفى على الفيلم بعداً إنسانياً عميقاً، وجعل رسالته أكثر قرباً من الناس، لكونه تحدث بخبرة من عاش تلك القصة فعلاً، لا من يرويها من بعيد»، على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.