السعودية: مشاريع مشتركة لتعزيز شبكات النقل مع دول إقليمية

نخبة من القيادات وصنّاع القرار يجتمعون في الرياض لتشكيل مستقبل صناعة الخطوط الحديدية

وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودية يتوسط الحضور مع انطلاق المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية (الشرق الأوسط)
وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودية يتوسط الحضور مع انطلاق المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: مشاريع مشتركة لتعزيز شبكات النقل مع دول إقليمية

وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودية يتوسط الحضور مع انطلاق المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية (الشرق الأوسط)
وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودية يتوسط الحضور مع انطلاق المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية (الشرق الأوسط)

شكلت النسخة الثانية من المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية، منصة لإطلاق خريطة طريق طموحة للتوسع المحلي والتعاون الإقليمي. فعبر هذا المؤتمر الذي يجمع على مدى يومين نخبة من القيادات والمتخصصين وصنّاع القرار من مختلف دول العالم؛ لتبادل الرؤى والخبرات، واستعراض أحدث التقنيات في صناعة الخطوط الحديدية، أعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية، ورئيس مجلس إدارة الخطوط الحديدية السعودية (سار)، المهندس صالح الجاسر، أن شبكة السكك الحديدية في المملكة تجاوزت اليوم 6 آلاف كيلومتر، ومن المقرر أن تمتد بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة لتغطي مناطق جديدة. وكشف في الوقت ذاته عن وجود تعاون مع 8 دول إقليمية لمشاريع مشتركة تعمل على تعزيز الربط البري والاقتصادي، مؤكداً أن المشروع الخليجي للسكك الحديدية يمثل نموذجاً بارزاً لهذا التعاون.

وأكد الجاسر أن النقل السككي أصبح ركيزة أساسية للتنمية ودعم الاقتصاد الوطني، من خلال تسهيل حركة التجارة، وتوسيع خيارات النقل المستدام لدعم قطاع اللوجيستيات وحركة النقل للأفراد والبضائع، وتحقيق الاستدامة البيئية ورفع مستوى السلامة المرورية. وأضاف أن شبكة «سار» شهدت خلال العام الماضي قفزات نوعية وأرقاماً قياسية، حيث تم نقل أكثر من 13 مليون راكب عبر شبكات «سار» الأربع، في حين نقلت قطارات الشحن أكثر من 28 مليون طن من البضائع والمعادن.

«قطاع الصحراء»

وتابع أن العام الماضي كان أيضاً عاماً استثنائياً؛ حيث شهد الإعلان عن عدد من العقود والاتفاقات المهمة، مثل شراء 10 قطارات حديثة، والإعلان عن «قطار الصحراء» السياحي، الذي يعدّ الأول في المنطقة.

وأكمل أنه في ظل النهضة التنموية الشاملة التي تشهدها المملكة، وبدعم من القيادة، تم الإعلان أخيراً عن عدد من المشروعات الواعدة، من بينها مشروع «قطار القدية السريع» الذي سيربط مطار الملك سلمان الدولي بمركز الملك عبد الله المالي ومدينة القدية عبر قطار عالي السرعة تصل سرعته إلى 250 كيلومتراً في الساعة، ليُوفر تجربة تنقل حضرية متكاملة خلال 30 دقيقة، مما يُشكِّل ركيزة مهمة لمدينة الرياض، ويعزِّز الربط المحلي والإقليمي.

من ناحيته، ذكر الرئيس التنفيذي لـ«سار»، الدكتور بشار المالك، أن صناعة السكك الحديدية على المستوى العالمي تشهد نمواً وتوسعاً غير مسبوقَين، مشيراً إلى أن شبكات دول مجموعة العشرين تجاوزت أطوالها 900 ألف كيلومتر، بما يشمل أكثر من 33 ألف كيلومتر من القطارات عالية السرعة، مما يؤكد أهمية دور السكك الحديدية في عمليات الشحن ونقل الركاب.

وبحسب المالك، فإن الاستثمارات السنوية في القطاع عالمياً تبلغ نحو تريليونَي ريال، تشمل مجالات الإنشاء والتشغيل والتصنيع، وهو ما يعكس حجم الفرص الكبيرة في هذا القطاع، لكنه في الوقت ذاته يتطلب تعاوناً بين الحكومات والقطاع الخاص والمستثمرين؛ لضمان استمرار هذا المعدل من النمو، وضمان بناء شبكات أكثر كفاءة واستدامة.

ولفت إلى أن شبكات السكك الحديدية في المملكة تمتد لأكثر من 5500 كيلومتر، وهو ما يعادل المسافة من الرياض إلى مدريد في أوروبا، أو شرقاً إلى تايلاند في آسيا، موضحاً أن ذلك يجسِّد مكانة المملكة في العالم عبر موقعها الجغرافي الذي يجعلها جسراً يربط بين القارات الثلاث.

وأكمل أن الشركة وفَّرت أكثر من 113 مليون لتر من الوقود، وخفَّضت ملايين الأطنان من الانبعاثات؛ دعماً لمبادرة «السعودية الخضراء»، ومساهمة في رفع جودة الحياة.

وبيَّن المالك أن «سار» من خلال استراتيجيتها تستهدف نمواً يتجاوز 5 أضعاف الشحن، وأكثر من 4 أضعاف عدد الركاب بحلول عام 2035، مؤكداً أن هذا الحدث يمثل محطة مهمة في رحلة انطلقت ولا تزال مستمرة لصناعة مستقبل النقل.

الجلسة الوزارية

وعلى هامش الجلسات المصاحبة للحدث، شدَّد وزراء النقل في السعودية والبحرين والأردن وسوريا، على المكانة الاستراتيجية للسكك الحديدية، باعتبارها ركيزة رئيسية للتنمية الاقتصادية، وتعزز الربط الإقليمي والدولي.

عدد من المسؤولين المحليين والدوليين في افتتاح المعرض والمؤتمر السعودي الدولي للخطوط الحديدية (الشرق الأوسط)

وأكد الجاسر أن نحو 50 في المائة من تمويل الحكومة المخصص للاستراتيجية يتم توجيهه إلى شبكة السكك الحديدية، ما يعكس أهمية هذا القطاع، وأن الوزارة تعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي، لتوحيد المواصفات الفنية، وتصاميم البنية التحتية، وأنظمة الإشارات، وإجراءات التشغيل والسلامة. ولفت إلى أن هذا التعاون أسفر عن إنشاء هيئة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون التي بدأت تدريجياً ببناء حضورها، لجمع الجميع معاً، ودفع تنفيذ البرامج الطموحة التي تقوم بها الدول جميعها.

ووفق الجاسر، فإن المملكة تلعب دوراً رئيسياً؛ ليس فقط في الربط الإقليمي، بل أيضاً في الربط العالمي، مشيراً إلى اتصال السعودية أو قربها من 8 دول، والعمل معها بشكل أحادي وثنائي ومتعدد الأطراف لضمان تكامل الشبكات، مع الإشارة إلى مشروع سكك الحديد لدول مجلس التعاون، ومشاريع مثل «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (آي إم إي سي) بوصفها مثالاً على التعاون الدولي الناجح.

التنمية الاقتصادية

من جانبه، شرح وزير المواصلات والاتصالات البحريني، الشيخ عبد الله آل خليفة، أن بلاده، - كونها جزيرة - تم ربطها برياً بالسعودية منذ عام 1986، مضيفاً أن هذا الربط البري أصبح أساسياً للتنمية الاقتصادية في البحرين، وأن السعودية تُعد اليوم من أكبر شركائها التجاريين، مع أهمية تعزيز العمل الذي تقوم به «هيئة جسر الملك فهد».

أما وزير النقل الأردني، الدكتور نضال القطامين، فأوضح أن هذا المؤتمر يُعد دليلاً واضحاً على التقدم الذي تحققه السعودية نحو «رؤية 2030»، مضيفاً أن تقدم السعودية بسرعة في قطاع السكك الحديدية يمثل فرصة ممتازة لبلاده للربط مع السكك الحديدية بالمملكة، التي تصل حالياً إلى حدود الأردن.

من ناحية أخرى، أكد وزير النقل السوري الدكتور، يعرب سليمان، أهمية التعاون الفني مع الدول المجاورة والشركات المتقدمة في مجال السكك الحديدية في المنطقة، مثل السكك الحديدية السعودية، والأردنية، والتركية.

«بوسطن» والسعودية

وعلى هامش أعمال المؤتمر، قال ميتو ترايكوفسكي، المدير الإداري والشريك في مجموعة «بوسطن كونسلتينغ غروب»، وهي شركة استشارية مقرها الولايات المتحدة، إن تطوير السكك الحديدية في دول مجلس التعاون الخليجي لن يفيد اقتصاد المملكة فحسب، بل سيسهم أيضاً في دعم اقتصادات الدول المجاورة، موضحاً أنها ستشكل العمود الفقري للتجارة البرية المستقبلية من آسيا إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط.

وأضاف أن خطوط النقل في السعودية كانت حاسمة في تمكين تطوير قطاع المعادن، ومن المتوقع أن تستمر في لعب هذا الدور مستقبلاً. وشدد على أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص ستكون ضرورية لتطوير السكك الحديدية، مؤكداً أن القطاع يتطلب رأس مال كبيراً، في ظل محدودية تمويل الحكومات حول العالم.


مقالات ذات صلة

البنك الرقمي «دي360» السعودي يقر زيادة رأسماله إلى 778 مليون دولار

الاقتصاد واحدة من أولى البطاقات المصرفية التي أصدرها بنك «D360» السعودي الرقمي 2024 (إكس)

البنك الرقمي «دي360» السعودي يقر زيادة رأسماله إلى 778 مليون دولار

أقرّ مساهمو بنك «دي360» الرقمي زيادة رأسماله عبر إصدار 72.9 مليون سهم جديد بسعر 20.57 ريال للسهم، في خطوة تستهدف دعم خطط النمو وتعزيز القاعدة الرأسمالية.

«الشرق الأوسط» (الرياض) «الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)

خاص «قطار الإسكان» في السعودية يكسر حاجز المليون عقد... وبلوغ مستهدف الـ70 % يقترب

تواصل السعودية هندسة قطاعها العقاري بخطى متسارعة، محققة قفزات هيكلية وضعت مفهوم "جودة الحياة" في قلب التنمية العمرانية.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

إدراج «سبايس إكس» يقفز بمحفظة «المملكة القابضة» إلى 6.8 مليار دولار

أعلنت شركة «المملكة القابضة»، يوم الأحد، آخر التطورات الجوهرية الخاصة باستثمارها الاستراتيجي في شركة تكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي العملاقة «سبايس إكس».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السفير اللبناني لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)

السفير اللبناني في الرياض لـ«الشرق الأوسط»: قرار السعودية جاء بعد تحقيق لبنان المعايير المطلوبة

أكّد مسؤول لبناني أن قرار السعودية استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة جاء عقب استيفاء لبنان المعايير المطلوبة لضمان عدم تشكيل الصادرات اللبنانية أي خطر.

غازي الحارثي (الرياض)
خاص أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)

خاص صدمة «هرمز» تضرب اقتصادات الخليج... والسعودية تتصدر المشهد في 2026

تقف اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مباشرة مع تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق البنك الدولي.

هلا صغبيني (الرياض)

البنك الرقمي «دي360» السعودي يقر زيادة رأسماله إلى 778 مليون دولار

واحدة من أولى البطاقات المصرفية التي أصدرها بنك «D360» السعودي الرقمي 2024 (إكس)
واحدة من أولى البطاقات المصرفية التي أصدرها بنك «D360» السعودي الرقمي 2024 (إكس)
TT

البنك الرقمي «دي360» السعودي يقر زيادة رأسماله إلى 778 مليون دولار

واحدة من أولى البطاقات المصرفية التي أصدرها بنك «D360» السعودي الرقمي 2024 (إكس)
واحدة من أولى البطاقات المصرفية التي أصدرها بنك «D360» السعودي الرقمي 2024 (إكس)

بمتحصلات اكتتاب تبلغ 400 مليون دولار لتمويل خطط التوسع والنمو الرقمي أعلنت شركة دراية المالية السعودية عن موافقة الجمعية العامة غير العادية لبنك «دي360- D360»، الذي تمتلك فيه الشركة حصة استراتيجية، على توصية مجلس إدارته بزيادة رأس مال البنك بنسبة 38.89 في المائة، ليرتفع من 2.1 مليار ريال (560 مليون دولار) إلى نحو 2.92 مليار ريال (نحو 778 مليون دولار)، في حين يبلغ إجمالي متحصلات الاكتتاب الفعلية من هذا الطرح 1.5 مليار ريال (400 مليون دولار) لتوجيهها لدعم خطط النمو والتوسع.

وستتم عملية زيادة رأس المال عبر طرح أسهم جديدة بإجمالي متحصلات اكتتاب قدرها 1.5 مليار ريال (400 مليون دولار) تقريباً، ليتم توجيهها بالكامل لدعم خطط النمو والتوسع. ويعكس سعر الطرح هذا تقييماً للبنك قبل زيادة رأس المال يبلغ 4.5 مليار ريال (1.2 مليار دولار) على أساس مخفف بالكامل.

وانطلاقاً من التزامها الاستراتيجي طويل الأجل تجاه الكيان الرقمي، أكدت «دراية» (التي كانت تمتلك حصة 20.4 في المائة من البنك كما في 31 مارس 2026) عزمها المشاركة في هذه الزيادة من خلال استثمار مالي مباشر بقيمة 100 مليون ريال (26.67 مليون دولار).

وبعد استكمال التمويل، من المتوقع أن تبلغ ملكية «دراية» في البنك ما نسبته 16.35 في المائة، وتُقدر قيمتها بنحو 980 مليون ريال بناءً على تقييم البنك الجديد بعد زيادة رأس المال والبالغ 6 مليارات ريال (1.60 مليار دولار).

أما من الناحية الفنية والمالية، فقد أوضحت «دراية» أن هذا الاستثمار يُعالج محاسبياً وفقاً لطريقة حقوق الملكية، وعليه فلن تقوم الشركة بتسجيل أي مكاسب غير محققة ناتجة عن التقييم الضمني للبنك في قوائمها المالية الموحدة، وبالتالي لن يكون هناك أي تأثير فورى على الأرباح المعلنة للشركة أو حقوق مساهميها. كما أكدت الشركة أن الاستثمار سيُموّل بالكامل من مواردها الذاتية دون التأثير على سياسة توزيع الأرباح المعتمدة، مما يعكس متانة قاعدتها الرأسمالية.

حوافز الموظفين وهيكلة الملكية المتوقعة

بالتزامن مع زيادة رأس المال، سيقوم بنك D360، بعد الحصول على الموافقات التنظيمية، بإصدار 8750000 سهم عادي إضافي وتخصيصها لبرنامج تملك الموظفين، على أن يتم تمويلها بقيمة 87.5 مليون ريال من متحصلات الطرح.

من جهتها، خصصت «دراية» ما يصل إلى 2.26 في المائة من حصتها المتوقعة في البنك للموظفين المستحقين الذين ساهموا في التأسيس بموجب برنامج تملك الأسهم المذكور سابقاً في نشرة إصدار الشركة، ملمحة إلى أن نقل هذه الأسهم مستقبلاً للموظفين سيؤدي إلى انخفاض نسبة ملكيتها في البنك بما يعادل الأسهم المنقولة. يذكر أن بنك «D360» يعد طرفاً ذا علاقة بموجب الأنظمة، نظراً لحق «دراية» في تعيين أكثر من 30 في المائة من أعضاء مجلس إدارته.

ويأتي هذا التوسع المالي الضخم مدفوعاً بالنمو القياسي السريع الذي سجله بنك D360 منذ بدء عملياته التشغيلية الفورية في ديسمبر (كانون الأول) 2024؛ حيث نجح البنك في استقطاب 3 ملايين عميل، وتجاوزت محفظة ودائعه حاجز 3 مليارات ريال بحلول أبريل (نيسان) 2026.

وتخطط إدارة البنك لتوجيه متحصلات زيادة رأس المال لدعم المرحلة المقبلة من النمو، مع التركيز على:

التوسع الديناميكي في محفظة التمويل وتعزيز الخيارات الابتكارية.

اقتناص الفرص الواعدة في أسواق تمويل الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs).

قيادة قطاع الخدمات المصرفية القائمة على واجهات البرمجة المفتوحة (API Banking) في المملكة.

واختتمت «دراية» بيانها بالتأكيد على أن بنك D360 يمثل عنصراً محوريّاً في منظومة أعمالها، حيث تتيح هذه الشراكة الاستراتيجية فرصاً واعدة للتكامل والبيع المتقاطع للمنتجات، والوصول السريع إلى قطاعي التمويل الفردي والشركات الناشئة، وهي القطاعات الأسرع نمواً وتطوراً ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.


«قطار الإسكان» في السعودية يكسر حاجز المليون عقد... وبلوغ مستهدف الـ70 % يقترب

أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
TT

«قطار الإسكان» في السعودية يكسر حاجز المليون عقد... وبلوغ مستهدف الـ70 % يقترب

أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)
أعمال البناء في مشروع «شمس الديار» التابع لبرنامج الإسكان في مدينة الرياض (واس)

تواصل السعودية هندسة قطاعها العقاري بخطى متسارعة، مُحقِّقةً قفزات هيكلية وضعت مفهوم «جودة الحياة» في قلب التنمية العمرانية. وجاء تمكين نحو 33 ألف أسرة سعودية من الحصول على مسكنها الأول خلال الرُّبع الأول من عام 2026، ليؤكد أنَّ المسار التنظيمي يسير بكفاءة مطلقة نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» للوصول بنسبة التملك إلى مستوى الـ70 في المائة. هذا الحراك الذي رفع نسبة التملك إلى 66.24 في المائة بنهاية عام 2025، يأتي متزامناً مع اختراق الصندوق العقاري وبرنامج «سكني» حاجز المليون عقد مدعوم، مما يعكس تحولاً عميقاً في بنية السوق وتكامل المنظومة بجميع أطرافها التمويلية والتنظيمية.

بيئة تشريعية متكاملة

في تفكيك علمي لأرقام الرُّبع الأول من عام 2026، أكد المتحدث الرسمي لوزارة البلديات والإسكان، محمد الرساسمة، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ تمكين 32983 أسرة سعودية من تملك سكنها الأول خلال 3 أشهر فقط يعكس تكامل منظومة الإسكان بمختلف مكوناتها؛ بدءاً من تطوير البيئة التنظيمية والتشريعية، مروراً بتوسيع الخيارات السكنية، وصولاً إلى الحلول التمويلية والشراكات مع القطاع الخاص.

وأوضح الرساسمة أنَّ التوسُّع المدروس في المشروعات السكنية وتنوع المنتجات العقارية أسهما في تلبية احتياجات مختلف شرائح الأسر السعودية، مشيراً إلى الدور الحاسم الذي لعبه التحوُّل الرقمي في تعزيز كفاءة الإجراءات، وسرعة الوصول إلى الحلول السكنية المناسبة للمستفيدين. ونوّه بأن هذا الإنجاز يأتي امتداداً لما أعلنه وزير البلديات والإسكان ماجد الحقيل، مطلع العام الحالي، بشأن تجاوز نسبة التملك السكني للأسر السعودية حاجز الـ66.24 في المائة بنهاية عام 2025، مما يثبت نجاح المنظومة في تعزيز فرص التملك بمختلف مناطق المملكة.

مقر «صندوق التنمية العقارية» بالرياض (موقع الصندوق)

الشراكة مع القطاع الخاص

وضمن هذا المسار التنموي، أفاد الرساسمة بأن الشراكات مع القطاع الخاص تمثل أحد الممكنات الرئيسية لنمو القطاع السكني، حيث أسهمت بشكل مباشر في زيادة المعروض العقاري وتسريع وتيرة التطوير.

وأضاف أن المطورين العقاريين باتوا يقدمون منتجات سكنية متنوعة تلبي تطلعات الأسر، في وقت تواصل فيه الوزارة تطوير البيئة الاستثمارية وتحفيز التنافسية.

وأشار إلى أن التحول الذي يشهده القطاع حالياً لم يعد يقتصر على تطوير وحدات سكنية منفردة، بل يمتد إلى إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة توفر الخدمات، والمرافق، والبنية التحتية، وفرص جودة الحياة، وهو ما يعزِّز جاذبية المدن ويرفع كفاءة التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.

مشروعات «البيع على الخريطة»

وفيما يتعلق بمشروعات «البيع على الخريطة»، أشار الرساسمة إلى أنَّها تحوَّلت إلى واحدة من أبرز الأدوات الداعمة لزيادة المعروض السكني وتسريع التطوير العقاري خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أنَّها أتاحت تنفيذ مشروعات أكبر وأكثر تنوعاً وفَّرت فرصاً أوسع للتملك.

وشدَّد على أنَّ المنظومة التنظيمية والرقابية الصارمة التي فرضتها الوزارة أسهمت في تعزيز موثوقية هذه المشروعات وحماية حقوق المشترين، مما رفع مستويات الثقة في السوق وزاد الإقبال عليها بشكل ملحوظ، لتصبح أحد أهم المسارات الاعتمادية الداعمة للتملك السكني الأول.

رؤية استراتيجية بعيدة المدى

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث الرسمي أنَّ الوزارة تتعامل مع ملف الطلب السكني من منظور استراتيجي طويل المدى يرتكز على رفع المعروض وتحسين كفاءة السوق العقارية؛ من خلال تمكين المطورين، وتطوير الأراضي والمخططات، وتحفيز تدفقات الاستثمار، والتوسُّع في المشروعات السكنية بالمناطق ذات الطلب المرتفع.

وأوضح أنَّ زيادة المعروض وتنوع الخيارات السكنية ينعكسان إيجاباً على توازن السوق، ويسهمان في توفير حلول أكثر ملاءمة للمستفيدين، بالتزامن مع جهود الوزارة المستمرة في تعزيز الشفافية وتطوير المؤشرات العقارية، ورفع كفاءة السوق لتكون جاذبةً ومستقرةً.

واختتم الرساسمة تصريحاته بالإشارة إلى قطاع التمويل العقاري بوصفه من أهم الركائز التي دعمت قفزة نسب التملك السكني خلال السنوات الماضية، عبر توفير حلول تمويلية متنوعة وميسرة عزَّزت القدرة الشرائية للأسر السعودية، حيث بلغ عدد الأسر المستفيدة من خدمات الدعم السكني خلال الرُّبع الأول من العام الحالي وحده 23222 أسرة.

وأكد أنَّ التكامل بين منظومة الإسكان، والجهات التمويلية، والصندوق العقاري أسهم في تخطي حاجز الـ1.02 مليون عقد مدعوم بنهاية مارس (آذار) الماضي، مؤكداً أنَّ ما يشهده القطاع اليوم يعكس تحولاً هيكلياً متكاملاً يدعم استدامة السوق العقارية، ويعزِّز جودة الحياة للمواطنين بما يتماشى مع الطموحات الوطنية.


«بنك اليابان» نحو أعلى فائدة منذ 31 عاماً... و«إنجلترا» يلوذ بالصمت المؤقت

رجل يقف أمام «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
رجل يقف أمام «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

«بنك اليابان» نحو أعلى فائدة منذ 31 عاماً... و«إنجلترا» يلوذ بالصمت المؤقت

رجل يقف أمام «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
رجل يقف أمام «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى عاصمة القرار المالي الأميركي، تعيش البنوك المركزية الكبرى خارج واشنطن حالة استنفار قصوى لإعادة ضبط سياساتها النقدية تحت وطأة الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران. وبينما تبدو أنَّها إعادة رسم لخرائط النفوذ النقدي العالمي، تكشف التحركات المرتقبة، الأسبوع المقبل، عن مفارقة حادة؛ فبينما يستعد «بنك اليابان» للتخلي عن حذره التاريخي والقفز بالفائدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ 3 عقود، يبدو «بنك إنجلترا» أقرب إلى تبني نهج «الانتظار الحذر» لامتصاص صدمة انكماش الاقتصاد البريطاني.

انقسام مرير يحاصر «بنك إنجلترا»

في اجتماعه المرتقب يوم 18 يونيو (حزيران)، يتجه «بنك إنجلترا» إلى الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتةً عند مستوى 3.755 في المائة وفقاً لإجماع «فاكت ست»، مدفوعاً بظهور أولى علامات الإنهاك على الاقتصاد البريطاني الذي انكمش بنسبة 0.1 في المائة في أبريل (نيسان)، مع بدء ظهور تداعيات حرب إيران على سلاسل الإمداد.

ورغم أنَّ التوقعات تشير إلى تصويت اللجنة بأغلبية 7 أصوات مقابل صوتين لصالح التثبيت، فإنَّ الخبراء يترقبون انقساماً داخلياً حاداً قد يصل إلى 5 مقابل 4؛ حيث يُتوقع أن يقود كبير اقتصاديي البنك، هوف بيل، معسكراً متشدداً يطالب برفع الفائدة فوراً إلى 4 في المائة في إجراء استباقي لمواجهة قفزة التضخم المرتقبة في يوليو (تموز) عند إعادة تعيين سقف أسعار الطاقة.

وفي هذا السياق، ترى داني هوسون، رئيسة التحليل المالي في «إيه جي بيل»، أن «التباطؤ الاقتصادي، وضعف سوق العمل، وحالة عدم اليقين المتزايدة، ستُقنع الأعضاء الأكثر تشدداً بأنَّ التحرُّك الأفضل حالياً هو عدم التحرُّك على الإطلاق»، مُفضِّلةً التريث قبل اللحاق بالبنك المركزي الأوروبي الذي افتتح قطار رفع الفائدة الصيفي.

محافظ «بنك إنجلترا» أندرو بيلي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في لندن (أرشيفية - رويترز)

من جهته، يرى مايكل فيلد، كبير استراتيجيي الأسواق الأوروبية في «مورنينغستار»، أن «الأوضاع ستزداد سوءاً دون شك في الأشهر المقبلة مع ظهور التأثيرات الكاملة للصراع الإيراني، لكن الاقتصاد البريطاني يظهر مرونةً نسبيةً حالياً، وأي رفع للفائدة مستقبلاً سيكون مؤقتاً، ويمكن للمستثمرين تحمُّل بعض الألم لأشهر عدة».

وفي المقابل، يرى خبراء «بنك أوف أميركا» أنَّ إفراط «بنك إنجلترا» في التأجيل إلى سبتمبر (أيلول) يحمل مخاطر إرسال إشارات خاطئة تفقد الأسواق ثقتها في قدرة البنك على كبح الأسعار.

تاريخ غير مسبوق منذ 1995

على الجانب الآخر من العالم، يبدو «بنك اليابان» مستعداً لإحداث انعطافة تاريخية في اجتماعه الذي يُختَتم في 16 يونيو، عبر رفع أسعار الفائدة القياسية من 0.75 في المائة إلى 1 في المائة، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ 31 عاماً وتحديداً منذ عام 1995، مدفوعاً بتسارع أسعار الجملة بنسبة 6.3 في المائة في مايو (أيار) بأسرع وتيرة لها في 3 سنوات. وهو ما يُمثِّل تحولاً جذرياً عن السياسات التحفيزية فائقة التيسير التي ميَّزت العقود الماضية، والانتقال إلى الدور التقليدي للمصارف المركزية في مكافحة التضخم.

مشاة يمرون أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

ويأتي هذا القرار مدفوعاً بتسارع أسعار الجملة في مايو بأسرع وتيرة لها في 3 سنوات، مما يمهِّد لقفزة كبيرة في التضخم الأساسي.

وتأتي هذه الخطوة الجريئة في ظلِّ ظرف استثنائي؛ حيث يغيب حاكم البنك، كازو أويدا؛ بسبب وجوده في المستشفى لتلقي العلاج من عدوى في الكبد، ليتولى نائبه شينيتشي أوتشيدا قيادة المؤتمر الصحافي وصياغة الرسالة النقدية.

وحول هذا الغياب، علّق سايسوكي ساكاي، كبير الاقتصاديين في «معهد ميزوهو للأبحاث»، قائلاً: «إن غياب أويدا لن يؤثر على القرار المؤسسي لبنك اليابان بالتركيز على مخاطر التضخم المتزايدة بدلاً من مخاطر النمو الناتجة عن صراع الشرق الأوسط».

ويهدف البنك من هذه النبرة المتشددة إلى حماية الين الياباني الذي يترنح عند حاجز 160 يناً مقابل الدولار، وهو المستوى الحرج الذي يزيد من تكاليف الاستيراد، ويهدِّد بوجوب التدخل المباشر لدعم العملة.

محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا (رويترز)

ومع ذلك، يواجه البنك معضلةً تكتيكيةً؛ فالرفع يضع الفائدة عند الحد الأدنى للنطاق الاسمي «الحيادي» للاقتصاد الياباني المقدر بين 1.1 في المائة و2.5 في المائة، وهو ما يستدعي الحذر.

وحول هذا التوازن الصعب، يقول نوبوياسو أتاغو، كبير الاقتصاديين في «معهد راكوتن لأبحاث الأوراق المالية»: «رغم أنَّ أوتشيدا يُصنَّف ضمن الأعضاء الحمائم، فإنَّه سيحاول تبني نبرة متشدِّدة للغاية لمنع حدوث هبوط حاد للين. إنَّها معضلة حقيقية؛ فالبنك لا يريد الالتزام بجدول زمني محدد للمستقبل في ظلِّ عدم اليقين، لكن إبداء كثير من الحذر قد يضعف الين، ويدفع التضخم للارتفاع، ويجعل البنك متأخراً عن المنحنى».

هندسة التحوط من الحرب

المعركة النقدية خارج واشنطن لا تتوقف عند حدود الفائدة، بل تمتد لهندسة أسواق الدين السيادي؛ فإلى جانب قرار الفائدة، يستعد «بنك اليابان» لمراجعة خطته لتقليص مشتريات السندات الحكومية الجارية حتى مارس (آذار) من العام المقبل، ووضع خطة جديدة لما بعد ذلك.

وكشفت مصادر مطلعة لـ «رويترز» عن أنَّ البنك يدرس بجدية خيار تعليق عمليات خفض شراء السندات اعتباراً من أبريل 2027 فصاعداً. وتهدف هذه الخطوة الاستباقية إلى حماية سوق السندات اليابانية وضمان استقرارها ضد أي تقلبات عنيفة أو حالة ذعر قد تصيب المستثمرين جراء ازدياد المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، لتتحوَّل السندات إلى خط دفاع موازٍ للسياسة النقدية الجديدة.