«البؤساء» في الأربعين: قصة نجاح غير متوقعة

أكثر من 15500 عرض في لندن

ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
TT

«البؤساء» في الأربعين: قصة نجاح غير متوقعة

ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)

في اليوم التالي لعرض «البؤساء» الأول في مسرح باربيكان بلندن قبل أربعين عاماً، اجتمع فريق العمل الإبداعي للاحتفال بأول ظهور ناجح للمسرحية. لكن سرعان ما تحول الاحتفال إلى مناسبة محزنة، كما يتذكر جون كايرد، الذي أخرج العمل مع تريفور نان.

وبينما كان الحضور يطالعون صحف ذلك اليوم، اتضح أن المسرحية الموسيقية لم تحظَ بقبول نقاد المسرح البريطانيين.

وصفتها صحيفة «إيفنينغ ستاندارد» بأنها «أوبرا كئيبة» تناسب العصر الفيكتوري أكثر من بريطانيا في ثمانينات القرن الماضي.

وأعربت صحيفة «ديلي ميل» عن أسفها لأن كايرد ونان حوّلا «موجة المشاعر العارمة» في رواية فيكتور هوغو إلى «موجات من المشاعر الرخيصة». ومما زاد من الضغط، أن كاميرون ماكنتوش، المنتج الرئيس للمسرحية، لم يكن أمامه سوى 48 ساعة ليقرر ما إذا كان سيدفع ثمن نقلها إلى حي المسارح في لندن (ويست إند). وإلا اختفت المسرحية الموسيقية بعد أسابيع قليلة من انتهاء عرضها في باربيكان. ولحسن حظ الفريق، لم يكن للنقاد الكلمة الفصل.

يتذكر كايرد في مقابلة أجريت معه مؤخراً في منزله بحي هايغيت بلندن: «كانت السمعة الطيبة التي أحاطت بالعرض مذهلة». اضطر الباربيكان إلى توسيع فريق شباك التذاكر بسرعة للرد على مكالمات رواد المسرح الباحثين عن تذاكر. قال كايرد: «استمر القلق يومين أو ثلاثة. ثم اتضح أن هذا الأمر لا يمكن إيقافه». اليوم، تُعتبر مسرحية «البؤساء» -قصة جان فالجان، السجين السابق، الذي يُطارده جافير، ضابط الشرطة عديم الرحمة، بلا هوادة- رمزاً للمسرح الموسيقي. عُرضت لأكثر من 15500 عرض في لندن، وهي عنصر أساسي في برامج المسرح المدرسي في الولايات المتحدة. كما تُرجمت إلى 22 لغة، وعُرضت في 53 دولة. ومن المقرر افتتاح عروضها الشهر المقبل في مدريد، وشنغهاي.

كانت فكرة تحويل رواية فيكتور هوغو الشاملة، المؤلفة من 1400 صفحة، والتي تتناول الفقر والاضطرابات الاجتماعية في فرنسا في القرن التاسع عشر، إلى مسرحية موسيقية في الواقع من ابتكار فرنسيين -الملحن كلود ميشيل شونبيرغ والشاعر آلان بوبليل- اللذين استلهما من المسرحيات البريطانية والأميركية، وأبدعا مسرحية «البؤساء» عام 1980، وقدّماها على خشبة المسرح في باريس. بعد نحو ثلاث سنوات، استمع ماكنتوش إلى تسجيل صوتي لطاقم التمثيل، فانبهر بالموسيقى، فقرر نقلها إلى لندن. وبالمثل، تذكر كايرد أنه «أُسر تماماً بالطابع المسرحي والعاطفي» للأغاني، وخاصةً لأغنيتي «On My Own» و«I Dreamed a Dream».

بالإضافة إلى جاذبية الأغاني وعاطفتها الجريئة فإن جزءاً من جاذبية مسرحية «البؤساء» يكمن في دلالاتها السياسية (نيويورك تايمز)

مع ذلك، قال كايرد إن الفريق الإبداعي أدرك أن المسرحية الموسيقية الفرنسية بحاجة إلى إعادة صياغة شاملة: لم تكن أكثر من مجرد «سلسلة من اللوحات»، وتتطلب من الجمهور فهم كتاب هوغو من الداخل والخارج. لذا، سرعان ما بدأ كايرد ونون وشونبرغ وبوبليل، إلى جانب الشاعر جيمس فينتون، في قراءة كتاب هوغو الضخم، ومحاولة إيجاد هيكل جديد، وقرروا في النهاية افتتاح المسرحية الموسيقية بمشهد يسرق فيه جان فالجان شمعدانات فضية من أسقف، ليغفر له الأسقف. وفجأة، قال كايرد إن دوافع الشخصية أصبحت واضحة: فالجان يؤمن بفكرة الغفران في العهد الجديد، بينما التزم جافير، مطارده، بصيغة عدالة أكثر صرامة في العهد القديم. كان التقدم بطيئاً في البداية. استغرق فينتون، الساعي للكمال، وقتاً طويلاً في كتابة نص المسرحية الموسيقية، مما اضطر ماكنتوش لتأجيل الافتتاح المخطط له لمدة عام، وفقاً لكتاب إدوارد بير «الكتاب الكامل لمسرحية البؤساء». في النهاية، تولى هربرت كريتزمر، كاتب نص المسرحية الموسيقية والناقد في صحيفة «ديلي ميل»، المهمة. قال كايرد إن الفريق دأب على تغيير النص الموسيقي أثناء التدريبات. في أحد أيام الجمعة قبل أسابيع قليلة من الافتتاح، على سبيل المثال، قرروا أن الممثل كولم ويلكنسون، الذي جسد شخصية فالجان في الأصل، بحاجة إلى أغنية حماسية «لتطلق العنان لصوته». في يوم الاثنين التالي، عزف شونبيرغ للجميع لحن «أعيدوه إلى المنزل» اللطيف، إحدى أكثر أغاني المسرحية الموسيقية شعبية. حتى التغييرات الصغيرة كانت حاسمة. خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً في منزله الكبير -والتي قال فيها كايرد إن نجاح المسرحية الموسيقية مكنه من ذلك- قام بتصفح صناديق ملاحظاته التدريبية. أشار إلى أن أشهر أغنية في المسرحية الموسيقية كانت قد استُهلت بـ«هل تسمعون الناس يغنون/ يغنون أغنية عامة الناس». أثناء التدريبات، غيّر كريتزمر كلمات الأغنية إلى «أغنية رجال غاضبين».

بحلول العرض الأول، تذكر كايرد أن جميع المشاركين اعتقدوا أن لديهم شيئاً مميزاً، لذا كان اختلاف آراء النقاد بمثابة صدمة. كانت لين غاردنر، من أقدم نقاد المسرح البريطانيين، من بين الذين انتقدوا المسرحية في البداية، حيث كتبت في مجلة «سيتي ليميتس» أن المسرحية الموسيقية «هراء عاطفي عتيق». في مقابلة حديثة، قالت غاردنر إن هناك «الكثير من التعالي» حول العرض الأصلي، نظراً لكونه إنتاجاً مشتركاً لفرقة شكسبير الملكية، وكان العديد من النقاد يعتقدون أن الفرقة الموقرة لا ينبغي أن تشارك في المسرحيات الموسيقية في ويست إند. قالت غاردنر إنها متمسكة بتقييمها الأصلي، لكنها أدركت الآن أن عرض «البؤساء» يتمتع بسحر كبير. وقالت: «إنه يفعل ما تفعله جميع المسرحيات الموسيقية العظيمة: إنه يجعلك تشعر»، مضيفة: «لا يجعلك تفكر كثيراً».

بالإضافة إلى جاذبية الأغاني وعاطفتها الجريئة، فإن جزءاً من جاذبية مسرحية «البؤساء» يكمن في دلالاتها السياسية، مع مشاهد طلاب يحاولون الإطاحة بالحكومة الفرنسية. في السنوات الأخيرة، غنى المتظاهرون في أماكن مثل هونغ كونغ وفنزويلا: «هل تسمعون الشعب يغني؟». قال دان فينك، المنتج الذي ساهم في إنتاج لوس أنجليس الأصلي لمسرحية «البؤساء»، إنه يعتقد أن رسالة المسرحية الموسيقية المتمثلة في «النضال من أجل ما تؤمن به» لامست وتراً حساساً لدى الجمهور. وتذكر ليلةً في يونيو (حزيران) 1989 عندما شاهد الممثلون، خلف الكواليس خلال الاستراحة، تغطيةً إخباريةً تلفزيونيةً مباشرة للدبابات وهي تقتحم ميدان تيانانمن في بكين بينما كانت الحكومة الصينية تحاول وقف المظاهرات المناهضة للحكومة بقيادة الطلاب. ويتذكر فينك أن تلك اللقطات بدت وكأنها تعكس قصة المسرحية الموسيقية، وسرعان ما صعد على خشبة المسرح، متسلقاً حاجزاً حاملاً علماً في يده. يتذكر فينك: «واصلنا العمل، وشعرنا بالحاجة إلى التنفيس عن غضبنا إزاء ما يحدث لهؤلاء الناس في الصين. كنا نغني لتمكينهم». وأضاف: «لم أستمتع بليلة أكثر حماساً في المسرح من هذه الليلة». وقال كايرد إن الدلالات السياسية للقصة كانت واضحة للفريق الإبداعي، لكن في رأيه، يعود نجاح المسرحية الموسيقية إلى عالمية الشخصيات: أشخاص يكافحون ضد الظلم وعقباتهم الشخصية. وقال: «في أعماقهم يشعر الكثير من الجمهور بنفس الشعور بالقدر أو المصير تجاه رحلات حياتهم». وأضاف كايرد: «لهذا السبب تحديداً استمرت مسرحية (البؤساء) 40 عاماً»، مضيفاً: «لن تزول أبداً، أليس كذلك؟».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.