«بعد عودتهم من خطوط القتال»... جملة اشتهرت خلال حرب غزة فماذا تعني؟

عنصران من «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)
عنصران من «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

«بعد عودتهم من خطوط القتال»... جملة اشتهرت خلال حرب غزة فماذا تعني؟

عنصران من «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)
عنصران من «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» بقطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)

كثيراً ما كان يرد في بيانات وإعلانات «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، التي كانت تتبنّى فيها بعض العمليات الميدانية التي تقوم بها ضد القوات الإسرائيلية خلال عامين من الحرب، فقرة تُثير عدداً من التساؤلات حول ما تحمله من مضامين.

«بعد عودتهم من خطوط القتال»... ما زالت هذه الفقرة تنشر في بيانات «القسام» حتى يوم الجمعة الماضي، ورغم توقف الحرب عادت لاستخدامها لتتبنّى من خلالها عملية استهدفت القوات الإسرائيلية شرق خان يونس خلال الحرب.

مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

ولوحظ استخدام هذه الفقرة في بيانات تبني الهجمات التي كانت تشنّها «كتائب القسام»، بكثرة، خصوصاً في العام الأخير من الحرب، ويعود ذلك أساساً إلى تعقيدات المعركة وتغيُّر أساليبها، سواء من قبل «القسام» أو الجيش الإسرائيلي، الذي حاول العمل على قطع التواصل بين العناصر في الميدان وقياداتهم في الجناح العسكري لـ«حماس»، ومن بين ذلك استهداف خطوط الاتصالات الداخلية للحركة، التي كان يعتمد عليها في الإبلاغ عن الهجمات والتواصل المستمر في الميدان.

تقول مصادر ميدانية من داخل «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجملة تُشير بشكل أساسي إلى عودة الاتصال والتواصل ما بين القيادة الميدانية، والعناصر النشطة داخل مناطق المعارك، وقد يكون التواصل إما عبر الاتصالات وإما عبر التواصل البصري المباشر، وإما حتى من خلال وسيط أو نقل رسائل، وكل هذه الوسائل كانت متاحة خلال الحرب بشكل كبير.

وحسب المصادر، فإن تلك العناصر النشطة في الميدان التي تقوم بمهام عسكرية لمهاجمة القوات الإسرائيلية، كانت تبقى لفترات طويلة في أماكن معينة مثل خطوط الأنفاق المختلفة وتفرعاتها، إلى جانب بعض الكمائن المجهزة مسبقاً.

وتقول المصادر، إن المقاومين في العقد العسكرية القتالية، سواء داخل الأنفاق أو أماكن الكمائن وغيرها من المواقع المحددة لشن هجمات منها يبقون لفترات طويلة فيها، قد تمتد في بعض الأحيان لأكثر من شهر، مشيرة إلى أن هناك قناصة كانوا ينتظرون يومين كاملين أو أكثر من أجل فقط قنص جندي إسرائيلي في لحظة محددة، وفق الظروف الميدانية.

مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)

وأوضحت المصادر أن أولئك المقاومين كانوا يعتمدون على كميات محدودة من التمر والمياه تُوفَّر لهم، إضافةً إلى بعض أنواع الطعام التي يُمكن إيصالها عبر فرق الدعم اللوجيستي، إذا سمحت الظروف الميدانية بذلك، مضيفة أن القصف الجوي والتحركات الإسرائيلية كانت تمنع ذلك في العديد من الأحيان، ما يبقي هؤلاء لفترة طويلة أسفل الأرض، أو في أماكن الكمائن والعقد العسكرية القتالية المختلفة، وأن هناك مَن بقي في إحدى الفترات داخل بعض المناطق، مثل بلدة بيت حانون، أسفل الأرض في نفق لمدة 3 أشهر، معتمدين على ما تبقَّى لديهم من كميات التمر والمياه التي كانت توزع عليهم من دون أي دعم لوجيستي من الخارج، وكانوا في بعض الأيام لا يتناول المقاوم فيها أكثر من تمرة واحدة.

ولفتت المصادر إلى أن القوات الإسرائيلية كانت تمر من فوقهم، وتتحرك من دون أن تكشف أمرهم، وتتخطاهم وتصل إلى مناطق متقدمة عنهم كثيراً، وكان المقاومون ينتظرون فرصة ميدانية محددة لكي يستطيعوا توجيه ضربة محددة لهم، وفق ما تتيح لهم الظروف الميدانية، وعندما يستطيعون الخروج من الأنفاق أو الكمائن والعقد العسكرية المختلفة، ويصلون إلى مناطق آمنة للتواصل عبر طرق الاتصال الآمنة أو من خلال التواصل المباشر البصري بقياداتهم وفق نقاط التقاء محددة، يبلغون عن المهام التي يقومون بها وتنقل للجهاز الإعلامي للإعلان عنها.

عنصر من «حماس» يُسلم على أطفال في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتكشف المصادر أن بعض المقاومين فُقدت آثارهم داخل أنفاق بعدما بقوا فيها لفترات طويلة أو في مناطق الكمائن التي كانوا يوجدون فيها، مشيرةً إلى أن التأكيدات تُشير إلى مقتلهم داخلها بسبب إلقاء القوات الإسرائيلية دخاناً مسموماً، أو بفعل تفجيرها أو تفجير محيطها ما تسبب في انهيارها.

وأوضحت المصادر أن هؤلاء لم تنتشل جثامينهم بعد من أماكنها، وأن عملية البحث عنهم قد تطول.

ولفت إلى أن هناك بعض المقاومين قضوا آخر 3 أشهر في عقد قتالية مختلفة، وقد خرجوا بعد وقف إطلاق النار بنحو أسبوع من أماكنهم، وهم بخير وصحة جيدة، مشيراً إلى أنهم أبلغوا عن تنفيذهم سلسلة عمليات في مناطق قرب جباليا وبمدينة غزة، وكذلك في خان يونس ومحيط محور موراج برفح.


مقالات ذات صلة

مباحثات سعودية – فلسطينية تشدد على تسوية عادلة ودائمة

الخليج جانب من اللقاء (واس)

مباحثات سعودية – فلسطينية تشدد على تسوية عادلة ودائمة

استعرض وزير خارجية السعودية، ونائب الرئيس الفلسطيني، تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، ولا سيما التداعيات الإنسانية المتفاقمة التي يعانيها سكان غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عَلَم الأردن في العاصمة عمّان (أ.ف.ب)

الأردن يندد بإقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يستهدف خدمات «الأونروا» في غزة

ندد الأردن بإقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يستهدف عمل ووجود وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ويقوض قدرتها.

«الشرق الأوسط» (عمان)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يقفون بجوار بركة من مياه الأمطار وسط ملاجئ مؤقتة في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة في ظل ظروف شتوية باردة تشهدها المنطقة في 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة 25 فلسطينياً في غزة جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر

قال تلفزيون «فلسطين»، الاثنين، إن 25 مواطناً في قطاع غزة لقوا حتفهم جراء سوء الأحوال الجوية منذ بداية ديسمبر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج جانب من عملية تفريغ حمولة الطائرة السعودية الإغاثية في مطار العريش بمصر (واس)

الطائرة الإغاثية السعودية الـ77 تصل إلى العريش محمَّلة بالمساعدات لغزة

وصلت إلى مطار العريش الدولي بمصر، الأحد، الطائرة الإغاثية السعودية الـ77، حاملة على متنها سلالاً غذائية وحقائب إيوائية، تمهيداً لنقلها إلى المتضررين في غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أفراد عائلة فلسطينية نازحة يتدفأون حول نار خارج مأواهم في مدينة خان يونس أمس (إ.ب.أ)

غزة: نازحون يبيتون في العراء وسط البرد القارس بعد غرق خيامهم

توفيت شابة فلسطينية إثر سقوط جدار منزل قصفه الجيش الإسرائيلي، فيما تسببت رياح قوية وأمطار غزيرة، بغرق عدد من خيام النازحين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الشرع يهنئ السوريين بعام جديد... وسوريا «موحدة وقوية ومستقرة»

دمشق تحتفل بدخول عام 2026 (سانا)
دمشق تحتفل بدخول عام 2026 (سانا)
TT

الشرع يهنئ السوريين بعام جديد... وسوريا «موحدة وقوية ومستقرة»

دمشق تحتفل بدخول عام 2026 (سانا)
دمشق تحتفل بدخول عام 2026 (سانا)

هنأ الرئيس أحمد الشرع، الشعب السوري بمناسبة قدوم العام الجديد، بينما أكّد البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، أن المسيحيين في سوريا ليسوا بحاجة إلى حماية خارجية.

الرئيس السوري أحمد الشرع

وقال الشرع في منشور عبر منصة «إكس»: «مع بداية عامٍ جديد، نتطلع بكل أمل وتفاؤل إلى مستقبل مشرق، تبقى فيه سوريا موحدة وقوية ومستقرة، ويشارك فيها السوريون يداً بيد في البناء والتنمية، ليعمّ الخير والسلام والوئام في كل أرجائها».

وختم الرئيس الشرع بالتهنئة قائلاً: «كل عام وأنتم وسوريا بألف خير».

البطريرك يوحنا العاشر يازجي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في قداس رأس السنة بدمشق

وفي ردٍّ على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن «حماية الأقليات المسيحية والدروز في سوريا»، أكّد البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، أن «المسيحيين في سوريا ليسوا بحاجة إلى حماية خارجية، وأنهم جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، وسيظلون يدافعون عن وطنهم جنباً إلى جنب مع شركائهم من أبناء المجتمع السوري كافة».

ونوه موقع شبكة «شام» الإخباري، بأنه على الرغم من تصريحات نتنياهو المتكررة بأن حكومته «ملتزمة بحماية مسيحيي سوريا والدروز وغيرهم من الأقليات»، فإن رد فعل القيادات المسيحية في سوريا اتسم بالرفض القاطع لأي تدخل خارجي تحت شعار حماية الأقليات، عادّين أن ذلك يمس بسيادة البلاد، ويُستغََل لمآرب سياسية خارجية.

دمشق تحتفل بدخول عام جديد (سانا)

ويُنظَر إلى هذه التصريحات على أنها تأكيد على الهوية الوطنية السورية للمسيحيين، ورفض لأي محاولات لاستغلال ملف الأقليات داخلياً أو خارجياً لأغراض سياسية أو استراتيجية، مع دعوات للحوار الوطني وتعزيز السلم المجتمعي داخل سوريا دون تدخلات خارجية.

ومع انتهاء عام 2025، ملأت أجواء الفرح والتفاؤل شوارع دمشق القديمة، حيث عبَّر المواطنون عن أمنياتهم بانطلاقة جديدة تحمل لهم مزيداً من الأمان والسكينة والاستقرار في حياتهم اليومية، بعد سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها السوريون في ظل العهد البائد.

أطفال يلعبون في الثلج بمخيم للاجئين قرب مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي (رويترز)

وبينما غطت عاصفة ثلجية شمال البلاد، تجمَّع السكان في دمشق للاحتفال بحلول العام الجديد، بعد مرور أكثر من عام بقليل على سقوط بشار الأسد. وقالت سهر السعيد (33 عاماً) التي تعمل في مجال التسويق في دمشق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الاحتفالات هذا العام كانت «مختلفة كثيراً عن السنوات الماضية لأنه ليس هناك خوف، والشعب سعيد، وسوريا كلها واحدة موحدة».

وأكد مواطنون في تصريحات لـ«سانا»، أن سوريا الجديدة تحتاج إلى تكاتف جميع فئات المجتمع؛ لمواجهة التحديات التي خلَّفتها المرحلة الماضية، والنهوض بالواقع المعيشي والخدمات العامة، عادّين أن توفير الأمن والسكينة أولوية قصوى بعد سنوات من المعاناة، لافتين إلى أن التفاؤل يشمل جميع جوانب الحياة اليومية، من الأمان إلى الاستقرار الاقتصادي، وتحسن الخدمات الأساسية.

وقامت الطوائف المسيحية في دمشق، في 31 يناير (كانون الثاني)، بأداء الصلوات والقداديس في الكنائس، بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية.

كما شهدت قرية القنية في ريف إدلب أجواء احتفالية بالمناسبة، حيث اجتمع الأهالي في كنيسة القديس يوسف، الليلة الماضية؛ لإقامة الصلوات والقداديس، وسط أجواء من الأمان والطمأنينة.

وأعرب كاهن رعية القنية خوكاز في تصريح لوكالة «سانا» عن أمله بأن يحمل العام الجديد الخير والسلام لسوريا، وأن تسود المحبة بين أبنائها.


سوريا تتهم تنظيم «داعش» بالتخطيط لاستهداف كنائس خلال احتفالات رأس السنة

أحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)
أحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)
TT

سوريا تتهم تنظيم «داعش» بالتخطيط لاستهداف كنائس خلال احتفالات رأس السنة

أحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)
أحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، اليوم (الخميس)، إنّ الانتحاري الذي تسبب بمقتل عنصر من قوات الأمن في حلب، ليلة الأربعاء، ينتمي إلى تنظيم «داعش» الذي اتهمته بالتخطيط لهجمات تستهدف «الكنائس والتجمّعات المدنية» خلال احتفالات رأس السنة.

وكثّف تنظيم «داعش» في الآونة الأخيرة هجماته في المناطق الخاضعة لسلطات دمشق، ونُسب إليه هجوم الشهر الماضي في تدمر، أسفر عن مقتل 3 أميركيين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية أن «معلومات توافرت حول نية التنظيم تنفيذ عمليات انتحارية وهجمات تستهدف احتفالات رأس السنة في عدد من المحافظات، لا سيما مدينة حلب، من خلال استهداف الكنائس وأماكن التجمعات المدنية»؛ ما دفعها إلى اتخاذ «إجراءات أمنية مشددة».

وأضافت: «خلال قيام إحدى نقاط التفتيش في منطقة باب الفرج بمدينة حلب بمهامها، اشتبه أحد العناصر بشخص تبيّن لاحقاً أنه ينتمي لتنظيم (داعش)».

وتابع البيان أن «العنصر الإرهابي أقدم على إطلاق النار» في أثناء محاولة «التحقّق من وضعه»؛ ما أدى «إلى استشهاد أحد عناصر الشرطة، ثم فجّر نفسه؛ ما أسفر عن إصابة عنصرين في أثناء محاولتهما التدخل لاعتقاله».

وأسفر هجوم في 13 ديسمبر (كانون الأول) عن مقتل جنديَّين أميركيَّين ومدني، ونسبته واشنطن إلى مسلح من تنظيم «داعش» في مدينة تدمر (شرق).

ورداً على ذلك، نفَّذ الجيش الأميركي ضربات على قواعد يشتبه في أنها تابعة للتنظيم في البلاد. وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الضربات الأميركية أسفرت عن مقتل 5 عناصر على الأقل من التنظيم.

كذلك نفَّذت السلطات السورية مذّاك عمليات ضد التنظيم، وأعلنت في 25 ديسمبر أنها قتلت أحد قادته البارزين بالتنسيق مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن، في عملية «أمنية دقيقة»، وذلك بعد ساعات من إعلانها إلقاء القبض على قيادي بارز آخر قرب العاصمة.

وانضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» خلال زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، الشهر الماضي.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، قُتل 25 شخصاً بتفجير انتحاري داخل كنيسة في دمشق تبنَّته في حينه مجموعة «سرايا أنصار السُّنة» المتطرفة. ويقول محللون إن «سرايا أنصار السُّنة» واجهة لتنظيم «داعش».


لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان: المتضررون من الحرب الإسرائيلية يلجأون إلى «إدارة الخسائر»

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)
عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية ببلدة جباع في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

وجد آلاف اللبنانيين المتضرّرين من الحرب الإسرائيلية، أنفسهم أمام واقع أكثر هدوءاً وأشدّ قسوة بعد نهاية الحرب، يتمثّل بإدارة الخسائر، والتكيُّف مع النزوح، وفي حين تقلصت إلى حد كبير الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن مرحلة إعادة الإعمار بقيت من دون خطة واضحة، ولا آلية تعويض شفافة، ولا أفق زمني محدَّد.

بالنسبة إلى المتضررين، لم يكن عام 2025 عاماً للترميم، بل كان عاماً للانتظار بموارد شحيحة، ودعم متراجع، وقرارات مؤجَّلة، في ظل غياب مقاربة شاملة تعيد وصل ما انقطع بين المتضرّرين ومؤسسات «حزب الله» المولجة بالتعويضات، أو مؤسسات الدولة اللبنانية التي يطالبها السكان بالتحرك.

3 أشهر... ثم الفراغ

بعد وقف إطلاق النار، صُرف بدل إيواء للمتضرّرين لـ3 أو 6 أشهر، أو لسنة كاملة على أبعد تقدير. ومع انتهاء المهلة، لم تُستكمَل الخطوة بخطة تعويض متكاملة أو برنامج إعادة إعمار واضح المعالم. لم تُعلَن لوائح نهائية، ولم تُحدَّد جداول زمنية، وبقيت المراجعات محكومة بإجابات عامة من نوع: «الملف قيد المتابعة».

لبنانيون يعودون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 نوفمبر 2024 إثر دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتؤكد مصادر متابعة للملف أن المقاربة المعتمدة كانت إسعافية ومحدودة السقف، وأن أي انتقال جدّي إلى مرحلة إعادة الإعمار اصطدم سريعاً بالواقعَين المالي والسياسي، ما حوَّل التعويضات من مسار منظَّم إلى إجراءات متقطّعة لا ترقى إلى حجم الضرر.

بدل إيواء لـ3 أشهر

ولم يتشكّل مسار إعادة إعمار فعلي؛ بسبب الضغوط السياسية والتهديدات الإسرائيلية وانتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار، واتبع السكان استراتيجية «إدارة خسارة»، حيث عادت عائلات إلى بيوت غير مكتملة، واضطرّت أخرى إلى السكن المؤقّت لدى أقارب، بينما ارتفعت تكلفة العيش على فئات واسعة بعد وقف بدل الإيواء.

وقبض علي، الذي يسكن منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، بدل إيواء لـ3 أشهر فقط، ومنذ ذلك الحين، توقّف أي دعم إضافي. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كلّما سألنا عن التعويضات، كان الجواب: لننتظر، الحالة غير واضحة»، في توصيف لتحوّل الانتظار إلى سياسة قائمة بذاتها.

ومثل علي، انتقل حسن. م (43 عاماً)، الذي تضرّر منزله، للعيش في منزل عمّه المغترب ريثما تتضح الصورة. لكن الصورة لم تتضح، والسكن المؤقّت طال، ولا قدرة على الترميم من ماله الخاص.

وعندما يسأل عن التعويضات، يأتيه جواب واحد: «لا نملك جواباً. الجواب عند الأمين العام» في إشارة إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، مما يوحي بأن الملف أحيل مباشرة إلى قرار سياسي غير مرتبط بجدول زمني.

8 آلاف دولار

في المريجة أيضاً، يقدّم أبو حسن، الرجل الثمانيني، صورة دقيقة عن إدارة الخسارة. قبض نحو 8 آلاف دولار، توزّعت بين بدل إيواء وتعويض أثاث منزل فقط، من دون أي تعويضات مرتبطة بترميم منزله.

لم تكفِ المبالغ، فاضطر إلى دفع أكثر من 15 ألف دولار من ماله الخاص ليعود إلى منزله، رغم أن ترميمه الأولي لا يجعل المنزل لائقاً للسكن. وفي الشهر الأخير من السنة، أنجز الحدّ الأدنى من الترميم، مضيفاً نحو ألفَي دولار على الأقسام المشتركة لإعادة الخدمات. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر رفع تكاليفي، لكنني مضطر. بغياب أي أفق للتعويض، أنا مضطر لترميم منزلي والعودة إليه دون انتظار الوعود الشفهية التي لا تُصرَف عملياً، وتقتصر على منطق ترحيل التعويض ووضعه في صيغة المجهول».

مبانٍ متضررة وأنقاض في قرية حولا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان (أرشيفية - رويترز)

أما سوسن، من بعلبك (شرق لبنان)، فدُمِّر منزلها بالكامل. تقاضت 12 ألف دولار فقط، ما اضطرها إلى تقسيم منزل أهل زوجها والسكن معهم. وتكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنّ الخسارة ليست في الجدران فقط، بل في أنها بوصفها امرأة على أبواب الستين اضطرت للتكيُّف مع فكرة أنه لا توجد إعادة إعمار، وأنها مضطرة للتكيُّف مع الواقع الجديد، عادّةً أن التعويض الذي تقاضته «كان رمزياً مقارنة بحجم الضرر الفعلي».

التكيّف مع الخسارة

الأكثر دلالة في مشهد نهاية 2025 ليس فقط محدودية التعويضات، بل تبدّل سلوك المتضرّرين أنفسهم. كثيرون باتوا يعزفون عن مراجعة المعنيين بملف التعويضات. يقول أحد المتضرّرين: «لم نعد نراجع لأننا نعرف الجواب سلفاً». ويشير إلى أنّ هذا الصمت «لا يعني الرضا، بل انتقال المجتمع المتضرّر من مرحلة المطالبة إلى مرحلة التكيّف القسري»، محذّراً من أن «هذا التحوّل يُفرغ المتضررين من الضغط الشعبي، ويحوّل الخسارة إلى واقع يومي يُدار باليأس لا بالمحاسبة».

هذه الحال، دفعت سكان المنطقة الحدودية إلى القيام بمبادرات فردية وأهلية لمساعدة المتضررين. في أحد متاجر الضاحية الجنوبية، وُضع صندوقٌ للتبرعات باسم «صندوق دعم متضرّري مركبا»، وهي قرية حدودية تضررت بشكل كبير، ولم يعد أكثر من ثلث سكانها إليها. ويرى أحد جيران المتجر أنّ «الانتقال من الصناديق المركزية إلى مبادرات فردية يدلّ على أن القدرة على إدارة التعويضات بوصفها سياسةً عامةً باتت محدودةً، وأن الأولوية أصبحت لاحتواء الحدّ الأدنى من الانهيار، في انتقال صريح من منطق جبر الضرر إلى منطق إدارة العجز».