صخور جدة تروي قصة 800 مليون عام من التحوّلات الجيولوجية

جولة ميدانية تكشف عن أسرار الجبال والأودية وتحوّلها إلى متاحف طبيعية

جانب من الشرح الميداني قدَّمه الخبراء (هيئة المساحة الجيولوجية)
جانب من الشرح الميداني قدَّمه الخبراء (هيئة المساحة الجيولوجية)
TT

صخور جدة تروي قصة 800 مليون عام من التحوّلات الجيولوجية

جانب من الشرح الميداني قدَّمه الخبراء (هيئة المساحة الجيولوجية)
جانب من الشرح الميداني قدَّمه الخبراء (هيئة المساحة الجيولوجية)

مع خيوط الصباح الأولى، غادرت الحافلات مدينة جدة متّجهة شرقاً نحو وادي فاطمة. خلف أبراج المدينة الساحلية بدأت الملامح تتبدَّل تدريجياً؛ تتراجع الموجات الزرقاء للبحر الأحمر لتحلّ محلّها تضاريس وعرة تتخلّلها تلال من الصخور السوداء والرمادية، تشي بتاريخٍ جيولوجي يمتدّ إلى أكثر من 800 مليون عام.

كانت هذه بداية رحلة ميدانية استثنائية نظَّمتها هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، جمعت نخبة من الباحثين والعلماء والخبراء الدوليين، ضمن ختام فعاليات مؤتمر «GEOMIN 2025» الذي استمرّ 4 أيام، وناقش تحوّلات الاقتصاد العالمي وآفاق الاستثمار والتنمية في ظلّ المتغيّرات الإقليمية والدولية.

تضاريس أحد المواقع الجيولوجية ضمن المسار الميداني بين جدة ومكة (هيئة المساحة الجيولوجية)

امتدت الرحلة لأكثر من 10 ساعات، شارك فيها فريق من هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وقسم علوم الأرض والهندسة بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، عبر 5 مواقع جيولوجية تمتدّ بين جدة ومكة المكرمة، لاستكشاف تكوينات الصخور القديمة والمعادن النفيسة وتاريخ البراكين، ومتابعة أثرها في رسم ملامح المنطقة الغربية من المملكة.

من جبل الملاس تبدأ الحكاية

في الثامنة صباحاً، توقَّفت القافلة عند أولى المحطات في جبل الملاس، حيث خندق قديم لتمعدن الذهب من عصر ما قبل الكامبري. تتحرّك أقدام الفريق بحذر بين الصخور المتشقّقة، فيما تُسمع طرقات المطارق الجيولوجية وهي تلامس الصخور المتحوّلة التي خضعت عبر العصور لتأثيرات حرارية هائلة.

جزء من الرحلة الجيولوجية الميدانية (هيئة المساحة الجيولوجية)

هنا، كما يشرح أحد المرشدين، كانت أولى البعثات الجيولوجية في خمسينات القرن الماضي تعمل على تحديد مواقع المعادن الثمينة. الصخور الداكنة المائلة إلى الأخضر، والنُسُق المعدنية اللامعة، تحكي عن أعماق شهدت تفاعلات كيميائية تحت ضغط الأرض، مُخلّفة آثار الذهب والسيليكا والفلزات الثقيلة.

وادي الشميسي... ذاكرة البحر القديم

يتّجه الفريق لاحقاً نحو وادي الشميسي، فتتكشف طبقات حجرية مُتداخلة تحمل بصمات العصور الوسطى الجيولوجية. تُظهر المقاطع الصخرية في تشكيل الشميسي أشرطة دقيقة من حجر الحديد الأوليتي، تبدو كأنها صفحات كتاب قديم تسرد تاريخاً يعود إلى زمن كانت فيه المنطقة بحراً ضحلاً تتأكسد فيه المعادن على السطح.

عضوة من الفريق الاستكشافي تتأمّل التكوينات الصخرية (هيئة المساحة الجيولوجية)

العدسات اليدوية تلتقط تفاصيل البلورات الدقيقة، بينما تسجل الكاميرات الميدانية الملمس الطبقي للحجر. في هذه النقطة، يبدأ المشاركون في رسم خرائط صغيرة يرصدون فيها الطبقات المُتعاقبة ويقيسون اتجاهاتها بدقة ميدانية لافتة.

وادي فاطمة... تقاطع التاريخ مع الجيولوجيا

عند المحطة الثالثة، تتّسع المَشاهد ويظهر نظام الصدوع الذي يعبُر وادي فاطمة مثل ندوب عتيقة على وجه الأرض. الصخور الرسوبية هنا تلتقي مع التكوينات الناريّة، وتحتفظ الطبقات بطبعات دقيقة لحركات الأرض القديمة. من خلف العدسات، تبدو الأودية متشابكة مثل أوردة تمتدّ نحو الشمال، شاهدةً على قوة التحوّلات التكتونية التي سبقت انفتاح البحر الأحمر قبل نحو 18 مليون سنة.

حدّات الشام... غداء تحت الجرف الرملي

مع انتصاف النهار، يتوقَّف الفريق عند حدّات الشام، حيث جرف رملي مُعلَّق يُشبه شرفةً طبيعية تطلّ على امتداد الأرض الهادئة. تُفرش الوجبات الميدانية بين ظلال الصخور، وتتحوَّل الاستراحة إلى جلسة علمية حيّة يُناقش فيها الباحثون التتابعات الطبقية التي تربط بين تشكيل أُسفان عسفان البحري وتشكيل الشميسي النهري.

تتأمّل العيون خطوط الترسيب الدقيقة على الجرف، كأنها توقيعات صامتة من عصور ما قبل الإنسان، تحكي عن مياه انحسرت وبحار غادرت وتركت أثرها في الرمل والحجر.

سور عسفان العظيم... نهاية الرحلة وبداية الأسئلة

في ختام اليوم، تصل القافلة إلى ما يُعرف بسور عسفان العظيم، وهو جدار من الحجر الجيري يمتدّ على مدى مئات الأمتار، يقف شامخاً بلون أبيض مائل إلى الرمادي.

تبدو طبقاته الرسوبية كأنها جدار من التاريخ الجيولوجي المُتراكم، يكشف عن الانتقال من بيئة بحريّة إلى أخرى قاريّة، وعن النشاط البركاني الذي شكَّل تضاريس المنطقة على مدى العصور.

في الجوار، تظهر طبقات تشكيل خلايا بلونها الأحمر البرتقالي، لتضيف لمسة حارَّة على لوحة الصخور الصامتة.

خبير يشرح على الخريطة التكونات العميقة في منطقة الشميسي (هيئة المساحة الجيولوجية)

رحلة علمية وسياحة جيولوجية واعدة

في ختام الجولة، أشار المشاركون والمشرفون إلى أنّ هذه الرحلة العلمية تُعدّ من أهم الرحلات الجيولوجية في غرب المملكة، مؤكدين سعيهم لأن تكون نموذجاً للتعرُّف إلى بيئات جيولوجية متنوّعة يُحتذى بها في المستقبل، لتعريف الضيوف والجيولوجيين والطلاب بتراث المنطقة الجيولوجي الغنيّ بين جدة ومكة، الذي شهد بدايات التنقيب الأولى في خمسينات القرن الماضي وستيناته.

وأشاروا إلى أنّ هذه المواقع ليست ذات أهمية علمية فحسب، بل تمتلك إمكانات اقتصادية وسياحية واعدة، إذ يمكن أن تتحوَّل مستقبلاً إلى وُجهات تعليمية وسياحية تُعرّف الزوار بتاريخ الأرض وتنوّعها الطبيعي في المملكة.

وتنسجم هذه الرحلة الميدانية مع توجّهات «رؤية السعودية 2030» التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد الوطني واستثمار الثروات الطبيعية بطريقة مُستدامة، وتعزيز مفهوم السياحة الجيولوجية بكونها أحد المسارات الجديدة في التنمية؛ فالمواقع التي زارها الفريق العلمي بين جدة ومكة ليست مجرّد تكوينات صخرية، بل متاحف طبيعية مفتوحة تحكي قصة الأرض من أعماقها.

وهنا، تتقاطع الجيولوجيا مع الاقتصاد والسياحة والتعليم، لتصنع مستقبلاً جديداً حيث يصبح الحجر ذاكرة، والصخور كتاباً، والرحلة اكتشافاً مستمرّاً لوجه آخر من جمال المملكة.


مقالات ذات صلة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
يوميات الشرق الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

تسعى مصر لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق طريق الكباش من أشهر المعالم الأثرية بالأقصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تقترب من طريق الكباش

جاءت واقعة ضبط رجل وامرأة ينقبان عن الآثار أسفل مقهى بمدينة الأقصر، جنوب مصر، بالقرب من طريق الكباش، لتعيد إلى الأذهان جرائم سابقة.

حمدي عابدين (القاهرة )

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.