تسليم معبر رفح... تأخير إسرائيلي «متعمد» لاتفاق غزة

مصدر مصري أكد أن القاهرة شهدت مشاورات لحل أزمتي المنفذ والمساعدات

أعضاء من «الهلال الأحمر المصري» قرب شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية أمام معبر رفح (أ.ف.ب)
أعضاء من «الهلال الأحمر المصري» قرب شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية أمام معبر رفح (أ.ف.ب)
TT

تسليم معبر رفح... تأخير إسرائيلي «متعمد» لاتفاق غزة

أعضاء من «الهلال الأحمر المصري» قرب شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية أمام معبر رفح (أ.ف.ب)
أعضاء من «الهلال الأحمر المصري» قرب شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية أمام معبر رفح (أ.ف.ب)

رغم مضي أسبوع على إقرار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بناء على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ فإن خطوة إعادة فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة، والمقررة ضمن المرحلة الأولى، لم تبدأ بعد.

وتتذرع إسرائيل بعدم تسلم باقي جثث الرهائن وأمور لوجيستية، لإرجاء فتح المعبر وسط تأكيدات من القاهرة على جاهزيتها لافتتاح المعبر الحيوي للقطاع.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن أزمة فتح المعبر تتعمدها إسرائيل في إطار الابتزاز والضغط من حكومة بنيامين، متوقعين حدوث ذلك بضغوط أميركية تحدث انفراجة في هذا الإطار.

وقال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة شهدت مشاورات للوسطاء مع الجانب الإسرائيلي لحل أزمة تسليم المعبر وإدخال المساعدات بشكل أكبر وأسرع، وهناك تراجعات في هذا الصدد، لا سيما في إدخال المساعدات، مضيفاً: «كان يفترض أن يُفتح المعبر، ويجب ألا تعطل إسرائيل الاتفاق وتلتزم به، ومصر تعمل على ذلك».

وأفادت القناة «14» الإسرائيلية، المقربة من نتنياهو، الخميس، بأن «كلاً من القيادتين السياسية والأمنية في إسرائيل اتفقتا على أن الجهة التي ستتولى تشغيل معبر رفح هي قوة فلسطينية محلية من سكان غزة، تمت الموافقة عليها من قبل منظومة الأمن الإسرائيلية».

ونقلت القناة أيضاً عن مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية قولهم إن «قوة مهام من الشرطة الفلسطينية من سكان غزة، ويُقال إنهم موالون للسلطة الفلسطينية ولرئيسها محمود عباس، هي التي ستتولى إدارة العمل في معبر رفح، وجاهزون للعمل».

يأتي ذلك غداة قول محمد أشتية، المبعوث الخاص لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: «نحن الآن جاهزون للعمل من جديد، وقد أبلغنا جميع الأطراف باستعدادنا لتشغيل معبر رفح»، لافتاً إلى أن «الاتفاق مع بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية لدعم السلطة الفلسطينية في إدارة معبر رفح بفاعلية لا يزال سارياً»، بعدما عُلّق الاتفاق في مارس (آذار) الماضي بعد عودة إسرائيل لحربها وانهيار اتفاق هدنة يناير (كانون الثاني) الماضي.

فلسطينيون يشقون طريقهم عبر ما يُسمى ممر «نتساريم» قرب النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وسيطر الجيش الإسرائيلي في مايو (أيار) 2024 على الجانب الفلسطيني من معبر رفح بجنوب القطاع. وكان للمعبر دور محوري في إيصال المساعدات وإجلاء جرحى ومرضى خلال الحرب، في ظل انهيار القطاع الصحي في غزة.

وكان الاتحاد الأوروبي أعلن، في بيان الاثنين، أن بعثة المراقبة التابعة للاتحاد ستستأنف، الأربعاء، مهامها في معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، وأنها «ستلعب دوراً مهماً في دعم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي»، وهو ما لم يتم حتى الآن بسبب الموقف الإسرائيلي.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن «إسرائيل لا تلتزم بأي اتفاق إلا تحت ضغوط شديدة، وإدارة المعبر محسومة للجانب الفلسطيني وفق اتفاق المعابر الموقع في 2005، وبرقابة أوروبية موجودة حالياً وجاهزة للعمل؛ إلا أن إسرائيل تعطل كل شيء وتطالب برقابة لها أيضاً على المعبر»، مشدداً على أن «هذا تعطيل وتأخير متعمد من جانب نتنياهو للاتفاق حتى يؤخر تنفيذ كامل الاتفاق».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «إسرائيل تستغل وجودها في معبر رفح ليكون أداة ابتزاز وورقة ضغط تستخدمها في المفاوضات وللحصول على مكاسب، ولا يعنيها أن هذا يؤخر الاتفاق، مؤكداً أن إدارة المعبر يجب أن تكون محسومة للجانب الفلسطيني دون أي وجود إسرائيلي».

وعلى أرض الواقع، قالت وحدة «تنسيق أعمال الحكومة في المناطق» التابعة للجيش الإسرائيلي، الخميس، في بيان إنها تستعد لإعادة فتح معبر رفح مع مصر للسماح بدخول وخروج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها لم تحدد موعداً لذلك.

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح تنتظر العبور إلى قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولا يزال الخلاف بشأن إعادة جثث الرهائن الذين كانت «حماس» تحتجزهم في غزة يهدد صمود الهدنة، بحسب ما ذكرته «رويترز» الخميس. وطالبت إسرائيل «حماس» بالوفاء بالتزاماتها وتسليم جثث 28 رهينة قتلوا في الحرب. وقالت الحركة إنها سلمت 10 جثث.

فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في تصريحات الخميس، التزامه بإعادة جثامين جميع الرهائن، غداة إعلان «حماس» أن تسليم المزيد من الجثث سيتطلب إدخال آلات ثقيلة ومعدات حفر إلى القطاع المحاصر بعدما حولت إسرائيل مساحات شاسعة منه إلى ركام.

وأفادت مصادر في وزارة الدفاع التركية، الخميس، بأن أنقرة ستشارك في البحث عن جثث رهائن بين أنقاض المباني في قطاع غزة، عبر إرسال فريق من الاختصاصيين، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى حسن أن إسرائيل تريد استغلال موضوع الجثامين لتأخير الاتفاق تحت مزاعم واهية، مضيفاً: «إسرائيل من قتلت الأسرى الإسرائيليين الذين يتم البحث عنهم، وهي المسؤولة عن الإعلان أين قتلتهم وأن تجدهم، وما تفعل هو تهرب من المسؤولية وتأخير الاتفاق والتسليم للمعبر بأي شكل وأي حجج واهية».

فيما شدد نزال على أن تأخير تسليم المعبر تحت دعاوى أزمة جثث الرهائن وأمور لوجيستية، هو تعطيل من إسرائيل متعمد لاتفاق غزة، مؤكداً أن على الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على حليفتها لتنفيذ كامل الاتفاق الذي طرحه ترمب.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستأنف هجماتها بغزة وتستهدف ناشطين

خاص طفل فلسطيني يأكل من وعاء بعدما تسلم وجبة طعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

إسرائيل تستأنف هجماتها بغزة وتستهدف ناشطين

توقفت الغارات منذ فجر الثلاثاء وحتى ظهر الخميس، قبل أن يتم استئنافها بتنفيذ عمليات طالت نشطاء من فصائل فلسطينية، والعودة لاستهداف المربعات السكنية من جديد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون داخل مدرسة تؤوي نازحين في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة يتابعون مباراة لكرة القدم يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الشرق الأوسط» تنشر نص تعديل الفصائل على «البند الثامن» من اتفاق غزة

يعول وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والفصائل الفلسطينية على موقف إدارة ترمب في الضغط على إسرائيل، لقبول الصياغة الجديدة حول بنود خريطة الطريق للاتفاق.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينيون معتقلون في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية بجنوب إسرائيل شتاء 2023 (منظمة كسر الصمت - أ.ب) p-circle

أزمة خلف القضبان: كيف أربكت حرب غزة منظومة الاحتجاز في إسرائيل؟

كشف تقرير رسمي في إسرائيل عن أوجه قصور كبيرة في جاهزية منظومة السجون والمؤسسة الأمنية للتعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المعتقلين الفلسطينيين خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

خاص «حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

أكدت 3 مصادر فلسطينية التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي فصائل غزة المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول «السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم تصاعد الدخان جرَّاء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ف.ب)

تقرير: النزاعات العالمية بلغت ذروتها في 2025

سجَّل عام 2025 رقماً قياسياً في عدد النزاعات المسلحة بين الدول، هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.


صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
TT

صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

اطّلع الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، خلال زيارة إلى مدينة سبها بجنوب البلاد، على مستوى الجاهزية والاستعداد داخل الوحدات التابعة للمنطقة العسكرية، متعهداً التصدي لأي محاولة تستهدف الحدود الجنوبية.

وأجرى صدام، بحسب مكتب «القيادة العامة»، جولة ميدانية في سبها المعروفة بـ«عروس الجنوب»، مساء الخميس، لـ«الوقوف على سير العمل ومستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية بالمنطقة الجنوبية».

صدام حفتر خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

وتأتي هذه الزيارة على خلفية تقارير محلية ودولية عن اتساع نطاق عمليات تهريب الوقود والبشر، بالإضافة إلى تحركات لعناصر ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

وقالت «القيادة العامة» إن الجولة التي أجراها صدام حفتر بمقر المنطقة العسكرية الجنوبية، بحضور آمر المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء أحمد سالم، تخللها عقد اجتماع ضم ضباط وآمري الوحدات، والمناطق العسكرية بالمنطقة الجنوبية، جرى خلاله مناقشة آليات سير العمل، وسبل تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات.

ونقلت «القيادة العامة» عن صدام إشادته بـ«الجهود التي تبذلها الوحدات العسكرية في تأمين المنطقة الجنوبية، وما حققته من نتائج في دعم الاستقرار وحماية الحدود»، مشدداً على «أهمية مواصلة العمل لرفع مستوى الجاهزية والاستعداد الدائم، والتصدي بكل حزم لأي محاولات تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، بما يضمن الحفاظ على أمن المنطقة الجنوبية واستقرارها».

عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد في 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)

في المقابل، اتهمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» قوات «الجيش الوطني» بالاستعانة بعناصر تشادية لصد تقدمها في المناطق الجنوبية. واعتبرت الغرفة أن الاعتماد على من وصفتهم بـ«المرتزقة» وتمويلهم من الموارد الليبية، يعكسان «قصر نظر خطيراً، وعدم إدراك لتعقيدات المنطقة»، محذرة من تداعيات تسليح المجموعات العابرة للحدود على الأمن القومي الليبي، وأمن الإقليم بأكمله. غير أن مصدراً مقرباً من «الجيش الوطني» نفى ما وصفه بـ«ادعاءات» مسلحي «غرفة الجنوب»، وقال إن «القيادة العامة» سبق أن شكلت مع تشاد «قوة مشتركة» لحماية الحدود الجنوبية، بقصد السيطرة على الشريط الممتد بين البلدية على مساحة تقارب 1050 كيلومتراً.

ويأتي هذا التطور على خلفية صراعات يشهدها الجنوب الليبي، باعتباره ساحة خلفية لصراعات السلطة والمعارضة التشادية، ما أدى خلال السنوات التي تلت الانفلات الأمني في بعض دول الجوار الأفريقي، إلى ازدياد عمليات «اختراق الحدود» من قبل جماعات وُصفت بـ«المتمردة».

وخاضت قوات الجيش معركة حامية على الحدود مع تشاد، أطلقتها رئاسة أركان القوات البرية في بدايات أغسطس (آب) 2024، ضمن «خطة شاملة لتأمين الحدود الجنوبية، وتعزيز الأمن القومي».

جانب من لقاء صدام حفتر بضباط وآمري الوحدات والمناطق العسكرية في المنطقة الجنوبية يوم 1 يونيو (القيادة العامة)

وتعاني ليبيا من تسرّب المهاجرين غير النظاميين عبر الحدود الجنوبية المترامية، فضلاً عن كونها مسارات مفتوحة لتهريب الوقود المدعم إلى دول الجوار الأفريقي، وللمنقّبين عن الذهب بشكل غير مشروع.

وتشهد الحدود الليبية - التشادية صراعاً دموياً للتنقيب عن الذهب بشكل غير مشروع، وفق مصادر عسكرية. وسبق أن أطلق «الجيش الوطني» خطة لتأمين الحدود التي تطل على تلك الدول، بقصد القضاء على العصابات العابرة للحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وزعمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» أنها رصدت مطلع يونيو (حزيران) الحالي تحركات لعدد من صهاريج الوقود في محيط «بوابة مجدول» جنوباً باتجاه تشاد، ومنها إلى السودان، متهمة «الغرفة المشتركة» بشرق ليبيا بذلك.

وتسيطر «القيادة العامة» على مدن شرق ليبيا وغالبية مناطق الجنوب، وتقول حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، إن «لجنة إعادة تنظيم الجنوب»، برئاسة اللواء جمال العمامي، سبق أن نفذت «عملية أمنية نوعية استهدفت وكراً لتهريب الوقود في مدينة سبها».

وثمّن صدام «الدور الوطني» لأهالي وقبائل الجنوب في الحفاظ على سيادة ووحدة ليبيا، ودعمهم المستمر للقوات المسلحة، وقال بحسب قناة «ليبيا الحدث»، إنه تابع عن قرب ما تشهده مدينة سبها ومدن الجنوب من أعمال تطوير وإعمار خلال الفترة الأخيرة، والتي تعكس «مرحلة جديدة من العمل الجاد، والاهتمام الحقيقي بهذه المنطقة المهمة من الوطن».

وأكد صدام أن «ما تحقق حتى الآن ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار مستمر، وقد وجّهنا بمواصلة العمل لتنفيذ مشاريع أكبر وأكثر شمولاً خلال المرحلة المقبلة، بما يواكب تطلعات أهلنا في الجنوب»، مبرزاً أن «الجنوب سيظل حاضراً ضمن أولوياتنا حتى تُستكمل مشاريع البناء والتطوير، ويتحقق التغيير المنشود في مختلف المدن والمناطق».

وأجرت قوات من «الجيش الوطني» عمليات انتشار في 10 يوليو (تموز) 2024 بجبال تيبستي في المنطقة الحدودية الجنوبية مع تشاد، والتي تعد إحدى بؤر التوتر بين البلدين، وذلك في معركة وقع فيها عدد من القتلى من الجانبين. وقالت «الكتيبة 676 مشاة»، التابعة للقوات البرية بالجيش حينها، إن عناصرها «فرضت سيطرتها على عدد من المواقع، التي كانت تتمركز وتتجمع فيها العصابات الإجرامية العابرة للحدود».