كيف غيّرت «نوبل» للآداب مصائر مبدعين حول العالم؟

البعض تألّق وآخرون انزووا أو انتحروا

إرنست همنغواي (أرشيفية)
إرنست همنغواي (أرشيفية)
TT

كيف غيّرت «نوبل» للآداب مصائر مبدعين حول العالم؟

إرنست همنغواي (أرشيفية)
إرنست همنغواي (أرشيفية)

وصف الكاتب الكولومبي، غابرييل غارسيا ماركيز، جائزة نوبل في الآداب بأنها «حدث يسبب الأرق للكتاب الكبار، وأن نتائجها لا تتعلق بالقيمة الفكرية أو الأدبية، بقدر ما تتعلق بإرادة المحكمين غير القابلة للفهم»، في الوقت نفسه صرّح في حوارات صحافية بأن الجائزة أتاحت له التفرغ أخيراً للكتابة.

أكثر من 120 شخصاً حصلوا على الجائزة المرموقة دولياً، منذ تأسيسها عام 1901 حتى هذا العام، غيّرت الجائزة في نمط حياة وطريقة تفكير، وربما مسار إبداع بعض من حصلوا عليها، بعضهم ظل في دائرة النجومية والأضواء، والبعض الآخر انزوى، وربما انتحر.

ويرى الشاعر المصري، أحمد الشهاوي، أن «الشهرة لها ثمن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «جائزة نوبل باعتبارها أكبر جائزة أدبية عالمية لا شك أنها أثّرت إيجابياً على حائزيها، لكنها أثّرت بالسلب أيضاً على البعض وجعلتهم دائماً تحت الأضواء بعيداً عن الإبداع». وتابع: «هناك نماذج حية من مختلف اللغات والثقافات، أثّرت الجائزة على مصائرهم، فهناك مبدعون ازداد ألقهم بعد أن حصلوا على الجائزة، وكتبوا أعمالاً جديدة مدهشة، وزادت من تأثيرهم الأدبي والثقافي، مثل الإنجليزي الآيرلندي ويليام بتلر ييتس، وكذلك النرويجي جون فوسي الذي فاز بالجائزة عام 2023، وقال في خطابه إن الكتابة يمكن أن تُنقذ الأرواح».

إلى جانب هذه النماذج، هناك في المقابل ما يطلق عليه الشهاوي «لعنة نوبل» التي تصيب الفائز بفقدان الإلهام والتوقف عن الكتابة، مشيراً إلى «السويدي هاري مارتنسون، الذي حاز الجائزة عام 1974 مناصفة مع إيفيند جونسون، وتلقى الكثير من الانتقادات، خصوصاً لأنه عضو في الأكاديمية السويدية نفسها التي تمنح الجائزة، وتأثر نفسياً من حدة الانتقادات والاتهامات بغياب الموضوعية، وانتحر عام 1978، ومارتنسون نفسه صرّح بأن الجائزة دمّرت كاتباً بداخله، وأنه وجد صعوبة في مواصلة الكتابة بعد تسلّمها».

ومن النماذج الانطوائية الشهيرة هناك صامويل بيكيت، فبعد جائزة نوبل في الآداب التي نالها سنة 1969، وكان معروفاً بخجله وانطوائيته، أعرب عن قلقه من أن الجائزة قد تعيق عمله، أو أن الناس سيطلبون منه تبريراً أو مظهراً معيناً لا ينسجم مع فنّه.

ويلفت الشهاوي إلى أن «الكتّاب المنطوين الذين لا يحبّون الأضواء، غالباً ما يعانون. إن الضغوط، والمقارنات، والتوقعات والجمهور والنقاد كلها عوامل تُثقل كاهلهم، كما يعاني الكاتب من مسألة القدرة على امتلاك استقلال فني بعد الجائزة». ويضيف: «أذكر أن نجيب محفوظ قد قالها صراحة: (أنا أعمل موظفاً الآن عند جائزة نوبل)».

مؤكداً أن «اللعنة تظهر عند رفع سقف التوقعات التي لا يمكن تلبيتها بسهولة، وربما هذه التوقعات وأسباب أخرى دفعت عدداً كبيراً من الذين نالوا نوبل في الآداب للإقدام على الانتحار، خصوصاً في اليابان والولايات المتحدة الأميركية».

لازلو كاراسناهوركاي (أ.ف.ب)

وكانت اللجنة المعنية باختيار الفائز بنوبل للآداب أعلنت، الخميس، اسم الكاتب الهنغاري، لازلو كاراسناهوركاي، صاحب عدة روايات، من بينها «تانغو الخراب» و«كآبة المقاومة» اللتان تُرجمتا للعربية، بالإضافة إلى نحو 10 كتب أخرى، اتسم خلالها بالطابع السوداوي والعبثي في الكتابة.

ووصف أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك الكندية، الدكتور وليد الخشاب، «تأثير جائزة نوبل على من يحصلون عليها من الأدباء بأنه موضوع شائك»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «جرت العادة بأن تكون الجائزة غالباً تكريماً للأديب بعد أن قدّم منجزه، أو أهم ما في منجزه، لكن ما يثير الانتباه أن كثيراً ممن حصلوا على نوبل في الآداب لم نسمع عنهم تقريباً بعد الجائزة، مثلاً بوب ديلون حصل عليها عام 2016، ولم نسمع عنه قبلها ولا بعدها، لأنه فنان منزوٍ منعزل يرفض الأضواء».

ويتابع الخشاب: «ربما كانت نوبل في بعض الأحيان مصدر نحس للكاتب، أذكر ألبير كامو الذي حصل على نوبل عام 1957 ثم مات بعدها بسنوات قليلة في حادث سيارة عبثي، وربما نقول الشيء نفسه عن نجيب محفوظ الذي حصل على الجائزة عام 1988 وبعدها بسنوات قليلة تعرض لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته».

«من المثير أن هناك من رفضوا الجائزة مثل جان بول سارتر، الذي احتج ورفضها لأنها مُنحت لغريمه ألبير كامو قبله، ورغم ذلك ظل توهج وعطاء جان بول سارتر، ولم ينطفئ»، وفق الخشاب.

وتمنح جائزة نوبل للآداب للفائزة مكافأة مالية تقدر بنحو 1.1 مليون دولار أميركي، كما تفتح أمامه فرصاً عديدة للترجمة والانتشار حول العالم. ومن أشهر من حصلوا عليها جورج برنارد شو، وأناتول فرانس، وويليام فوكنر، وأكتوفيو باث، وخوسيه ساراماغو، وول سونيكا، وفيسوافا شمبوريسكا.

ماركيز حصل على نوبل للآداب عام 1982 (نتفلكس - أ.ب)

وترى الشاعرة الجزائرية الباحثة في النقد والتراث، الدكتورة حنين عمر، أن «الشهرة كالنار، مبهرة وتضيء، ولكنها قد تدفئ بعضهم، وقد تحرق آخرين». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أهمية النجاح ليست في مكاسبنا من العالم، إنما بما يمنحنا من سلام نفسي، حتى لا يصبح وحشاً يلتهم أرواحنا. وفي هذا الصدد لا يمكننا الحديث عن نوبل دون الحديث عن المسألة النفسية التي جعلت ألفرد نوبل يؤسسها عام 1900، أي أن منطلقها دافع نفسي أصلاً، ولكونها حالياً تقدم في فئاتها أرفع جائزة أدبية حالياً، فإن الحصول عليها بقدر ما هو حلم كبير، بقدر ما هو أمر خطير قد يتحول إلى كابوس».

وتابعت: «من كانت حلماً جميلاً لهم، فيمكننا أن نذكر أول من حصل عليها عام 1901، وهو الشاعر الفرنسي الكبير سولي برودوم، الذي استثمر أموالها في إنشاء جائزة أخرى للشعر، وحوّلها إلى دافع للإبداع. وأما من أثّرت عليهم وانتحروا بعدها، فيمكن أن نذكر الروائي الأميركي إرنست همنغواي، الذي نالها عام 1954 وانتحر عام 1961، وأيضاً الكاتب السويدي هاري مارتينسون، الذي نالها عام 1974 وانتحر عام 1978، والكاتب الياباني ياسوناري كواباتا الذي نالها عام 1968، وانتحر عام 1972».

لكن هل يمكننا أن نسائل نوبل بسبب حوادث الانتحار المتكررة للفائزين في تاريخها، وفي كل فئاتها؟ ربما لا يمكن ذلك ببساطة، إن رجعنا إلى تحليل علم النفس، وعرفنا أن النجاح والشهرة لهما أثر بالغ في التحولات النفسية لأي إنسان، وفق الشاعرة الجزائرية.

نجيب محفوظ (دار نشر الجامعة الأميركية في القاهرة)

ويرى الناقد الأدبي المصري، الدكتور رضا عطية إسكندر، صاحب كتاب «العائش في السرد» عن نجيب محفوظ، أن «الجائزة منحت كثيراً من الكتّاب فرصة للتألق والظهور بشكل كبير، مثل ماركيز، الذي حاز على نوبل عام 1982، وانتشر بعدها بشكل كبير، لخصوصية تجربته في الواقعية السحرية، وكذلك نجيب محفوظ الذي قدّم تجربة ثرية تحمل رؤية نقدية وتأملية وفلسفية في العالم، واستمر تألقه بعد فوزه، وكذلك أورهان باموق وبيتر هندكه». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن للأسف كما منحت نوبل قبلة الحياة والتألق للبعض، أدّت إلى انزواء البعض الآخر، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، فلم يحققوا انتشاراً كبيراً».

ولفت إسكندر إلى أن «الجائزة أصبحت محل تساؤل واستغراب من الأسماء التي تحصل على الجائزة، ولا يقدمون بعدها جديداً، بل يتم اكتشاف أن منجزهم الأدبي أو الإبداعي لا يستحق الجائزة». وحول المصائر المأساوية التي يتعرض لها حائزو نوبل، قال إسكندر: «أشهر حالات الانتحار كانت للكاتب الفذّ إرنست همنغواي، وعموماً العزلة والانتحار أمران واردان وشائعان بين طبقات الكتّاب الفنانين لحساسيتهم المفرطة تجاه العالم».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

تكنولوجيا زوار يقفون بالقرب من لافتة للذكاء الاصطناعي في جناح روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي بمعرض في بكين الصين 7 يونيو 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

أحدثت «أوبن إيه آي» ضجة كبيرة في عالم الرياضيات، بعد أن نجح برنامجها للذكاء الاصطناعي في حل معضلة رياضية كبرى ظلت عصية على الحل طوال قرن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أميركا اللاتينية صورة تجمع ممثلي المعارضة الفنزويلية (يسار) ورئيس الجمعية الوطنية في كراكاس يوم 6 أغسطس (د.ب.أ)

كراكاس تستضيف حواراً بين السلطة والمعارضة لبحث انتقال سياسي

انطلق في كراكاس، هذا الأسبوع، حوار بين السلطات الفنزويلية وقوى المعارضة، ترعاه الولايات المتحدة، ويأمل كثيرون في أن يفضي إلى انتقال سياسي وانتخابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
ثقافة وفنون أولغا توكارتشوك

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق التكنولوجيا تركض أسرع من قدرة البشر على استيعابها (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي يقترب من نوبل... ومخاوف من «ثورة» قد تهدّد البشرية

توقَّع الشريك المؤسِّس لشركة «أنثروبيك» المتخصّصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جاك كلارك، أن تشهد السنوات المقبلة تحولات غير مسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الناشطة الإيرانية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الإفراج بكفالة عن الناشطة الإيرانية نرجس محمدي لأسباب طبية

أفرجت السلطات الإيرانية بكفالة عن الناشطة نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2023، ونقلت إلى مستشفى في طهران لتلقّي العلاج، حسب ما أفادت لجنة دعمها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أنا عديمة الفائدة»... رسالة نادرة بخط يد الملكة إليزابيث تكشف معاناتها في بداية الأمومة

الأميرة إليزابيث مع ابنها الرضيع الأمير تشارلز في غرفة خاصة بقصر باكنغهام في أبريل 1949 (أ.ب)
الأميرة إليزابيث مع ابنها الرضيع الأمير تشارلز في غرفة خاصة بقصر باكنغهام في أبريل 1949 (أ.ب)
TT

«أنا عديمة الفائدة»... رسالة نادرة بخط يد الملكة إليزابيث تكشف معاناتها في بداية الأمومة

الأميرة إليزابيث مع ابنها الرضيع الأمير تشارلز في غرفة خاصة بقصر باكنغهام في أبريل 1949 (أ.ب)
الأميرة إليزابيث مع ابنها الرضيع الأمير تشارلز في غرفة خاصة بقصر باكنغهام في أبريل 1949 (أ.ب)

ظهرت رسالة لم يسبق نشرها للراحلة الملكة إليزابيث الثانية، تتحدث فيها عن جدول أعمالها «المزدحم للغاية» خلال فترة كانت فيها أمّاً شابة، وذلك بعد مرور 77 عاماً على كتابتها.

وفي الرسالة المؤرخة في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1949، أقرت الأميرة إليزابيث، التي كانت تبلغ آنذاك 23 عاماً، أمام أحد المقربين منها بأنها «تفشل تماماً في مواكبة الأمور التي يتعين عليها القيام بها»، وفق ما نشرت صحيفة «إندبندنت».

وكان نجلها الأكبر تشارلز قد أتمّ عامه الأول قبل فترة قصيرة، فيما كانت الأميرة الشابة تكافح للتوفيق بين واجباتها الملكية ومسؤوليات الأمومة.

«حياتي مزدحمة للغاية»

وكتبت إليزابيث إلى بيتر ستيوارت، الذي كان أمين نادي «كارلتون كلوب»، قائلة: «أنا آسفة جداً؛ لأنني لم أجب عن رسالتك قبل الآن، لكنني بطريقة ما أجد أن حياتي مزدحمة للغاية، وأفشل تماماً في مواكبة الأمور التي عليَّ القيام بها!».

كما أعربت عن امتنانها لستيوارت لمساعدتها في البحث عن هدايا عيد الميلاد لأفراد عائلتها.

وكتبت أيضاً: «أنا عديمة الفائدة تماماً، لأنني لا أعرف أبداً ما الذي قد ترغب فيه عائلتي».

رسالة من صفحتين بخط يد الملكة

وكُتبت الرسالة المؤلفة من صفحتين بخط اليد على ورق يحمل ترويسة «كلارنس هاوس»، ووقعتها إليزابيث باسم «إليزابيث».

في الرسالة تقر الملكة الراحلة إليزابيث بصعوبة مواكبة حياتها «المزدحمة للغاية» (ChiswickAuctions)

وتُعرض الرسالة حالياً للبيع في دار «تشيزيك أوكشنز» للمزادات في غرب لندن، ويتراوح السعر التقديري لها بين 800 و1200 جنيه إسترليني.

وقالت فالنتينا بورغي، المتخصصة في المخطوطات: «كان بيتر ستيوارت أمين نادي كارلتون، وهو نادي السادة الشهير في لندن، وكان لسنوات عديدة من المقربين من العائلة المالكة».

وأضافت: «كان صديقاً للملك جورج السادس، وكان يحظى بتقدير كبير لدى الملكة ماري والأميرة إليزابيث، ولاحقاً لدى الملكة إليزابيث الثانية والأمير فيليب، وكان كثيراً ما يقضي الوقت معهم، ويزور كلارنس هاوس بشكل متكرر».

وتابعت: «وعلى مر السنين، أصبح شخصاً لا غنى عنه بالنسبة إليهم، إذ كان يساعدهم في اختيار الهدايا وشرائها لبعضهم».

«رسالة لطيفة جداً»

وصفت فالنتينا بورغي الرسالة بأنها «رسالة لطيفة جداً»، موضحة أن المقتنيات المرتبطة بالأميرة إليزابيث في شبابها «نادرة نسبياً في السوق، وتحظى بطلب كبير من هواة جمع المقتنيات».

وقالت: «في نوفمبر 1949، كانت في لندن للمشاركة في ارتباطات عامة، من بينها حضور العرض الملكي المتنوع في مسرح لندن كوليسيوم في 7 نوفمبر، قبل أن تسافر بالطائرة إلى مالطا للانضمام إلى زوجها».

وأضافت: «بقيت في لندن للاحتفال بعيد الميلاد الأول للأمير تشارلز، ثم سافرت إلى مالطا في 20 نوفمبر».

الأمومة والواجبات الملكية في حياة الأميرة الشابة

وقالت فالنتينا بورغي: «لا بد أن ذلك كان وقتاً مزدحماً للغاية بالنسبة إلى الأميرة، التي كانت تحاول أداء واجباتها الملكية، وفي الوقت نفسه تحاول أن تكون زوجة وأماً حاضرة».

وأضافت: «وفي أوائل عام 1949، كان الملك جورج قد خضع لعملية جراحية؛ لذلك من الطبيعي أن ترغب الأميرة إليزابيث في البقاء قريبة من عائلتها ومساعدة والدها أيضاً».


الضجيج الوردي والبني… سرّ الأصوات التي قد تهدّئ دماغك

الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة إلا أن درجات أخرى منه قد يكون لها تأثير في الدماغ (بيكسلز)
الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة إلا أن درجات أخرى منه قد يكون لها تأثير في الدماغ (بيكسلز)
TT

الضجيج الوردي والبني… سرّ الأصوات التي قد تهدّئ دماغك

الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة إلا أن درجات أخرى منه قد يكون لها تأثير في الدماغ (بيكسلز)
الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة إلا أن درجات أخرى منه قد يكون لها تأثير في الدماغ (بيكسلز)

قد يبدو صوت الرعد البعيد، أو هدير الشلال، أو حتى الضجيج المستمر الصادر عن مروحة، مجرد أصوات خلفية تساعد على الهدوء. لكن هذه الأصوات تنتمي إلى أنماط مختلفة من «ألوان الضجيج»، التي تختلف في توزيع تردداتها، وقد يكون لها تأثيرات مختلفة في نشاط الدماغ، بما في ذلك الاسترخاء والنوم والتركيز.

ويُعدّ الضجيج الوردي (Pink noise) والضجيج البني (Brown noise) من أنواع الترددات الصوتية التي يمكن أن تؤثر في نشاط الدماغ. ويُعتقد أن هذه الأصوات تساعد على الاسترخاء والنوم والتركيز، لا سيما لدى الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. ونظراً إلى سهولة الوصول إليها عبر منصة «يوتيوب»؛ فقد توفر هذه الأصوات وسيلة بسيطة وطبيعية للمساعدة في تعزيز الصحة النفسية والذهنية.

الضجيج الأبيض مقابل الضجيج الوردي والبني

هناك سبب وجيه وراء حصد مقاطع فيديو «الضجيج الأبيض» على «يوتيوب» مئات الملايين من المشاهدات؛ فهي تساعد كثيرين على الاسترخاء. ويعتمد عدد لا يُحصى من الأشخاص على الصوت المهدئ لطنين المروحة أو تشويش الراديو، أو ما يُعرف بالضجيج الساكن، للاسترخاء، خصوصاً عند وقت النوم.

ورغم أن الضجيج الأبيض هو على الأرجح «لون» الضجيج الأكثر شهرة، فإن درجات أخرى منه يمكن أن يكون لها تأثير في الدماغ أيضاً، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

ويُعرَّف «لون» الضجيج بناءً على مزيج الترددات التي يتكون منها؛ إذ يتميز الضجيج الأبيض بتوزيع متساوٍ للطاقة عبر جميع الترددات المسموعة. أما الضجيج الوردي، فيعزز الترددات المنخفضة، في حين يركز الضجيج البني على أدنى الترددات؛ ما يجعله شبيهاً بأصوات مثل الرعد أو هدير الشلال.

ولا تقتصر الفوائد المحتملة لهذه الأصوات على المساعدة في الاسترخاء والنوم، فقد أظهرت بعض الدراسات أن أنواعاً معينة من الضجيج قد تكون مفيدة للأشخاص ذوي الاختلافات العصبية (neurodivergent)، كما ساعدت في تحسين التركيز.

وتقول الدكتورة إيمي سارو، المتخصصة في علم السمع، إن السبب في ذلك يعود إلى أن بعض درجات الصوت يمكن أن تغير «الحالة» الأساسية للدماغ.

لون الصوت

توضح سارو أن الضجيج البني قد يساعد على الاسترخاء بسبب تشابهه مع حالة الراحة في الدماغ؛ فالترددات المنخفضة التي تميزه تنتِج صوتاً عميقاً يجده كثيرون مهدئاً.

بل إن هناك قوائم تشغيل مخصصة للضجيج البني أُعدت خصيصاً للأطفال الرضع؛ إذ يُقال إنها تحاكي الأصوات التي يسمعها الجنين داخل رحم الأم.

لكن الفوائد المحتملة قد تتجاوز مجرد الاسترخاء. فقد أظهرت بعض الدراسات الصغيرة أن الضجيج السمعي يمكن أن يساعد في تحسين الذاكرة لدى الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

ويشير أندرو كان، الحاصل على دكتوراه في علم النفس، إلى نموذج «استثارة الدماغ المعتدلة» (MBA)، الذي يفترض أن مستويات الدوبامين تحدد مقدار الضجيج المطلوب للوصول إلى الأداء المعرفي الأمثل.

وتشير هذه النظرية إلى أن أدمغة الأشخاص الذين يعانون اختلافات في التعلم، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، تتميز بمستويات أقل من المحفزات أو الضجيج الداخلي.

ويقول كان: «عند وضع هذا الأمر في الحسبان، نجد أن البالغين والأطفال الذين لديهم اختلافات في التعلم والتفكير قد يستفيدون بشكل أكبر من الضجيج البني أثناء العمل أو الدراسة؛ إذ إن حالة (نقص التحفيز) المرتبطة غالباً بهذه الاختلافات، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، قد تتطلب في الواقع هذا التحفيز الإضافي للمساعدة على التركيز بشكل أفضل».

وأظهرت الأبحاث أيضاً أن «الضوضاء البنية» (Brown noise) يمكن أن تخفف من حالات مثل طنين الأذن لدى بعض الأشخاص. ففي حين كانت الترددات العالية المصاحبة لـ«الضوضاء البيضاء» (White noise) تزيد الأعراض سوءاً لدى بعض الأفراد، ساعدت الضوضاء البنية في حجبها.

الضجيج الوردي والنوم

تقع الترددات المميزة للضجيج الوردي (Pink noise) في نطاق متوسط بين الضجيج الأبيض والبني، ويُعتقد أنه يمكن أن يساعد أيضاً على النوم.

وأظهرت بعض الأبحاث أن الاستماع إلى الضجيج الوردي قبل النوم قد يؤدي إلى نوم أكثر راحة. ونظراً إلى أن الضجيج الوردي يصدر صوتاً أعمق من الضجيج الأبيض؛ يرى البعض أنه أكثر تهدئة منه.

ويقول كان: «يميل الأشخاص الذين يعانون القلق إلى البقاء في حالة تأهب قصوى، حيث تبحث أجسامهم باستمرار عن مؤشرات للخطر لحماية أنفسهم. وقد يقلل استخدام الضجيج الوردي أو البني من استجابتهم للأصوات البسيطة في محيطهم؛ ما يساعدهم على الاسترخاء والنوم أو حتى التركيز».


التفكير الإيجابي قد يعيقك... متى ينقلب إلى نتائج عكسية؟

تكوين صورة ذهنية حية للنتيجة المرجوة قد يمنحك إحساساً بالمشاعر الرائعة المرتبطة بتحقيق الهدف (بيكسلز)
تكوين صورة ذهنية حية للنتيجة المرجوة قد يمنحك إحساساً بالمشاعر الرائعة المرتبطة بتحقيق الهدف (بيكسلز)
TT

التفكير الإيجابي قد يعيقك... متى ينقلب إلى نتائج عكسية؟

تكوين صورة ذهنية حية للنتيجة المرجوة قد يمنحك إحساساً بالمشاعر الرائعة المرتبطة بتحقيق الهدف (بيكسلز)
تكوين صورة ذهنية حية للنتيجة المرجوة قد يمنحك إحساساً بالمشاعر الرائعة المرتبطة بتحقيق الهدف (بيكسلز)

تخيل أن لديك مقابلة عمل مهمة تقترب، وأن عليك الاستعداد لها. بدلاً من مراجعة سيرتك الذاتية، أو البحث عن الشركة التي تتقدم للعمل فيها، تقضي عشرين دقيقة في تخيل نفسك وأنت تدخل المكتب بمظهر رائع، وتثير إعجاب كل من تتحدث إليهم، وتحصل على الوظيفة فوراً. تبدو عملية التخيل سهلة لأنك أعددت لها سيناريو مسبقاً؛ ولكي ترسخ الصورة في ذهنك، كتبت وصفاً تفصيلياً لمدى إبهارك للمحاورين.

وفي صباح المقابلة، ومباشرة بعد تنظيف أسنانك، تنظر إلى عينيك في المرآة، وتعلن: «أمتلك كل ما يلزم للفوز، ونجاحي أمر حتمي»، ثم تكرر العبارة خمس عشرة مرة. وبينما تقود سيارتك إلى المقابلة، تشعر بشعور رائع، رغم وجود صوت يراودك في زاوية من وعيك ويتساءل: لماذا لم تراجع سيرتك الذاتية ولو لمرة واحدة؟

لكنّك عازم على تجسيد النجاح وتحقيقه مهما كلف الأمر، حتى لو وصف البعض ذلك بالوهم؛ فقد سمعت يوماً مقولة «الوهم هو الحل» (delulu is the solulu). وبينما تنتظر استدعاءك إلى غرفة المقابلة، تتصفح بعض مقاطع «تيك توك» حول تصور مستقبلك المالي، وتتخيل قدراً كبيراً من الثروة. فالقيام بذلك أكثر متعة بكثير من شرح أسباب تركك لوظيفتك السابقة، أو تبرير الفجوة الزمنية في مسيرتك المهنية، كما أنه أقل إرهاقاً من إجراء بحث حول الشركة التي تتقدم للعمل فيها، وفقاً لتقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي».

وبالطبع، يبدو الأمر منطقياً بالنسبة إليك؛ فأنت تعتقد أن التركيز على المشكلات المحتملة قد يحبط عزيمتك، ويقوّض ثقتك بنفسك، وذلك بينما تنهض لاستقبال الشخص الذي سيجري معك المقابلة.

حسناً، انتهى السيناريو. لقد رسمتُ الصورة بخطوط عريضة، ولذلك يسهل ملاحظة أن الشخصية المذكورة أعلاه تفوّت فرصاً مهمة، وتغفل جوانب جوهرية. ففي هذا المثال، تفيض «أنت» بالتفاؤل، والطموح؛ وهو شكل من أشكال التحفيز الذي سيلحظه الآخرون على الأرجح فوراً، وقد يمنحك انطباعاً إيجابياً للغاية، على الأقل في البداية. تحاول «تجسيد الحظ السعيد» (manifestation)، أي استخدام الإيمان الراسخ لجلب شيء إيجابي إلى أرض الواقع.

مجرد الاستغراق في أحلام اليقظة حول الهدف نفسه يرتبط ببذل جهد أقل ونتائج أسوأ (بيكسلز)

ويمكنك أن تتعلم الكثير عن هذا المفهوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي عام 2025 أفاد مقال نُشر في دورية Religion Compass بأن مقاطع الفيديو المتعلقة بهذا الموضوع على «تيك توك» حصدت أكثر من 62.8 مليار مشاهدة خلال السنوات القليلة السابقة. وإذا كنت من المتابعين، فربما تشجعت على استخدام تقنيات مثل «التوكيدات الإيجابية»، أي التحدث إلى الذات أمام المرآة، أو «كتابة السيناريو»، أي صياغة قصة عن نجاحك وكأنه تحقق بالفعل، أو «لوحات الرؤية» التي تقوم على قص ولصق صور لأشياء ترغب في امتلاكها.

تعتمد كل هذه التقنيات على «التخيلات الإيجابية»، أي محاولات استشعار المستقبل الذي تريده وكأنه واقع ملموس بالفعل. لكن، كما أشار باحثون في ورقة نُشرت عام 2002، فإن هذه التخيلات الإيجابية تختلف جوهرياً عن «التوقعات الإيجابية».

فعندما تكون لديك توقعات إيجابية، فإنك تخبر نفسك بأن هدفك قابل للتحقيق، أي إنك قادر على إنجازه. وهذا الاعتقاد قد يحفزك على بذل المزيد من الجهد، والمثابرة لتحقيق هدفك. أما مجرد الاستغراق في أحلام اليقظة حول الهدف نفسه، فقد ارتبط ببذل جهد أقل، ونتائج أسوأ. وبعبارة أخرى، عندما تؤمن بأن أمراً ما ممكن التحقق، تزداد احتمالية سعيك إلى العمل من أجله؛ إلا أن الاعتقاد بأنك ستحقق هدفك «مهما حدث» لا يشجع بالضرورة على بذل أي جهد إضافي.

لماذا قد يؤدي تخيل النجاح إلى تقليل احتمالية استعدادك له؟

تكوين صورة ذهنية حية للنتيجة المرجوة قد يمنحك شعوراً، ولو مؤقتاً، بالمشاعر الرائعة المرتبطة بتحقيق الهدف. تخيل نفسك في مكتب أكبر بعد الحصول على ترقية، أو تخيل حصولك على الدرجة النهائية (A) لتفوقك في الاختبار، أو تخيل رؤية نتائج تغيير مدروس في نظامك الغذائي، مثل نجاحك في إنقاص الوزن، أو زيادته.

ورغم أن الانغماس في هذه الصور والأحلام قد يكون ممتعاً، فإن الأبحاث تشير إلى أنها قد تقلل فعلياً من دافعك إلى بذل أقصى جهد ممكن. ففي تجربة أُجريت عام 2011 وجد الباحثون أن المشاركين الذين استغرقوا في أحلام اليقظة حول مستقبلهم بذلوا جهداً أقل في أداء المهام مقارنة بالمشاركين في المجموعات الضابطة.

إذن ليست المشكلة في التفكير الإيجابي، أو تخيل مستقبل رائع بحد ذاتهما؛ وإنما يصبح هذا الأمر عائقاً، ويؤتي نتائج عكسية عندما يصرف انتباهك عن المسار الذي ستسلكه للوصول إلى ذلك المستقبل.

لذلك لا تتوقف عن تصور أهدافك، ولا تتخلَّ عن إيمانك بنفسك. لكن في الوقت الذي تتخيل فيه النجاح، احرص على تخصيص قدر كافٍ من الوقت للتفكير، ووضع الخطط التي تساعدك على التعامل مع العقبات المحتملة التي قد تعترض طريقك. فالإيمان بإمكانية الوصول إلى الهدف قد يمنحك الدافع للتحرك نحوه، لكن تخيله وكأنه تحقق بالفعل لا يغني عن الاستعداد، والعمل من أجل تحقيقه.