بين التضامن والحرب: كيف تموّل أوروبا الاقتصاد الروسي؟

رغم دعمها لأوكرانيا

الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

بين التضامن والحرب: كيف تموّل أوروبا الاقتصاد الروسي؟

الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي يصلان لقمة «تحالف الراغبين» في قصر الإليزيه... 4 سبتمبر 2025 (رويترز)

على الرغم من أن دولاً أوروبية، من بينها فرنسا، تُعدُّ من أبرز الداعمين لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، فإنها في الوقت نفسه عزَّزت وارداتها من الطاقة الروسية، ما يضخ مليارات اليوروات في الاقتصاد الحربي لموسكو.

ومع دخول الصراع عامه الرابع، يظل الاتحاد الأوروبي في موقف صعب يتمثَّل في تمويل طرفَي النزاع. فبينما يواصل إرسال شحنات كبيرة من المساعدات العسكرية والإنسانية إلى كييف، يستمر في دفع أموال مقابل النفط والغاز الروسيَّين.

ورغم أن الاتحاد قلّص اعتماده على روسيا، التي كانت المُورِّد المهيمن سابقاً، بنحو 90 في المائة منذ عام 2022، فقد استورد أكثر من 11 مليار يورو من الطاقة الروسية خلال الأشهر الـ8 الأولى من 2025، وفق تحليل أجرته «رويترز» استناداً إلى بيانات «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)» في هلسنكي.

سبع دول من بين الأعضاء الـ27 في الاتحاد زادت قيمة وارداتها مقارنة بالعام الماضي، من بينها 5 دول تُعدُّ من أبرز الداعمين لأوكرانيا. فقد ارتفعت واردات فرنسا من الطاقة الروسية بنسبة 40 في المائة لتصل إلى 2.2 مليار يورو، بينما قفزت واردات هولندا بنسبة 72 في المائة إلى 498 مليون يورو، بحسب التحليل.

ورغم استخدام مواني الغاز الطبيعي المسال (LNG) في دول مثل فرنسا وإسبانيا بوصفها نقاط دخول للإمدادات الروسية إلى أوروبا، فإن الغاز لا يُستهلَك بالضرورة في تلك الدول، بل يُعاد توجيهه إلى مشترين في بقية أنحاء القارة.

يلتقط الزوار صوراً لنموذج لناقلة غاز طبيعي مسال تحمل شعار شركة «غازبروم» (رويترز)

ووصف فايبهاف راغوناندان، المتخصص بشؤون الاتحاد الأوروبي وروسيا لدى المركز، زيادة هذه التدفقات بأنها «شكل من أشكال الإضرار الذاتي»، مشيراً إلى أن مبيعات الطاقة تُعدُّ أكبر مصدر دخل لروسيا في خضم الحرب. وقال: «الكرملين يتلقى فعلياً تمويلاً لمواصلة نشر قواته في أوكرانيا».

ترمب يوجه الانتقادات لأوروبا

عادت المدفوعات الأوروبية لموسكو إلى دائرة الاهتمام بعد أن وجَّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات لاذعة لزعماء أوروبا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، مطالباً بوقف هذه المشتريات فوراً.

وقال ترمب: «على أوروبا أن ترفع وتيرتها. لا يمكنها الاستمرار في شراء النفط والغاز من روسيا بينما تقاتلونها. هذا أمر مخزٍ للغاية، وكان محرجاً حين اكتشفت ذلك».

من جهتها، قالت وزارة الطاقة الفرنسية لـ«رويترز» إن ارتفاع قيمة وارداتها من الطاقة الروسية هذا العام يعود إلى إعادة تزويد عملاء في دول أخرى، دون الإفصاح عن هذه الدول أو الشركات المعنية. وتشير بيانات سوق الغاز إلى أن جزءاً من واردات فرنسا يُعاد توجيهه إلى ألمانيا، وفق محللين في شركة «كيبلر».

أما الحكومة الهولندية، فأكدت دعمها لخطط الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من الطاقة الروسية، لكنها شدَّدت على أنه ما دامت هذه المقترحات لم تُقرّ رسمياً ضمن قوانين الاتحاد، فهي عاجزة عن منع العقود القائمة بين الشركات الأوروبية والمُورِّدين الروس.

وكان الاتحاد قد حظر بالفعل معظم واردات النفط الخام الروسي والوقود المكرر، وأعلن خططاً لتسريع الحظر الكامل على الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى عام 2027 بدلاً من 2028. ويُشكِّل الغاز المسال الآن أكبر مكوّن في واردات الاتحاد من الطاقة الروسية، نحو نصف قيمتها الإجمالية.

ورفضت المفوضية الأوروبية التعليق على بيانات واردات 2025، بينما قالت المفوضة المسؤولة عن شؤون الطاقة، الشهر الماضي، إن الانسحاب التدريجي من الوقود الأحفوري الروسي صُمِّم لتفادي ارتفاعات حادة في الأسعار أو نقص الإمدادات.

وتعني هذه المقترحات أن الأموال الأوروبية قد تستمر في دعم الاقتصاد الحربي الروسي لعام أو أكثر مقبل.

ويشير ترمب إلى أن النفط والغاز الأميركيَّين يمكن أن يحلّا محل الإمدادات الروسية، ويقول كثير من المحللين إن ذلك ممكن، لكنه سيزيد اعتماد أوروبا على الطاقة الأميركية في وقت تستخدم فيه واشنطن الرسوم الجمركية أداةً سياسيةً.

وقالت آن صوفي كوربو، الباحثة في «مركز سياسات الطاقة العالمية» بجامعة كولومبيا: «الاتحاد الأوروبي اتفق على شراء مزيد من الطاقة الأميركية؛ استجابةً للضغوط من واشنطن لوقف الواردات الروسية، لكن من الوهم الاعتقاد بأن الغاز الأميركي سيحل محل الغاز الروسي بشكل متكافئ، فالغاز الأميركي في أيدي شركات خاصة لا تطيع أوامر البيت الأبيض أو المفوضية الأوروبية، بل تسعى إلى تعظيم أرباحها».

ارتفاع الفواتير في بعض الدول الأوروبية

قطع الاتحاد الأوروبي شوطاً طويلاً منذ عام 2021، حين استورد أكثر من 133 مليار يورو من الطاقة الروسية قبل غزو روسيا لأوكرانيا. أما في الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2025، فقد بلغت الفاتورة 11.4 مليار يورو، أي أقل بنسبة 21 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وتظل المجر وسلوفاكيا، اللتان تحتفظان بعلاقات وثيقة مع الكرملين وترفضان التخلي عن الغاز الروسي، من كبار المستوردين، إذ شكَّلتا معاً نحو 5 مليارات يورو من الإجمالي. ولن تتأثرا بالعقوبات الأوروبية المقترحة على الغاز المسال، ما يعني إمكانية استمرار تلقيهما الغاز عبر الأنابيب حتى عام 2028.

كما كانت المجر ضمن الدول السبع التي زادت وارداتها من الطاقة الروسية هذا العام بنسبة 11 في المائة، إلى جانب فرنسا وهولندا وبلجيكا (3 في المائة)، وكرواتيا (55 في المائة)، ورومانيا (57 في المائة)، والبرتغال (167 في المائة).

وقالت وزارة الطاقة البلجيكية إن الزيادة تعود إلى حظر عمليات «إعادة الشحن» في مارس (آذار)، مما اضطر لتفريغ الغاز في بلجيكا بدلاً من نقله مباشرة من سفينة إلى أخرى. وأوضحت وزارة الطاقة البرتغالية أن البلاد تستورد كميات محدودة فقط من الغاز الروسي، وستكون تدفقات 2025 أقل من مستويات 2024.

وتظهر بيانات «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف» أن إجمالي واردات الاتحاد من الطاقة الروسية منذ 2022 تجاوز 213 مليار يورو، متفوقاً على ما أنفقه الاتحاد على المساعدات لأوكرانيا في الفترة نفسها (167 مليار يورو «وفق معهد كيل الألماني للاقتصاد»).

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

التزامات الشركات بعقود طويلة الأجل

تُعدُّ شركة «توتال إنرجي» الفرنسية من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى أوروبا، إلى جانب شركات كبرى أخرى مثل «شل» البريطانية، و«ناتورجي» الإسبانية، و«سيفي» الألمانية، وشركة التجارة «غنفور». وتعمل هذه الشركات وفق عقود طويلة الأجل تمتد إلى ثلاثينات وأربعينات القرن الحالي.

وقالت «توتال إنرجي» لـ«رويترز» إنها تستمر في تسلم شحنات من مصنع «يامال» الروسي بموجب عقود لا يمكن تعليقها دون صدور عقوبات رسمية من الاتحاد الأوروبي، مضيفة أنها ستواصل الإمدادات ما دامت الحكومات الأوروبية ترى أن الغاز الروسي ضروري لأمن الطاقة.

وتتجنَّب الشركات الأخرى التعليق على وارداتها الروسية، بينما يشير محللون إلى أن الشركات ملتزمة بعقود طويلة الأمد، والإخلال بها قد يفرض غرامات، ما يعني استمرار تدفق الأموال إلى روسيا.

وأوضح رونالد بينتو، محلل أبحاث الغاز في شركة «كيبلر»، أن جزءاً كبيراً من الغاز الروسي الوارد إلى فرنسا يمر عبر بلجيكا قبل الوصول إلى ألمانيا، حيث الطلب الصناعي مرتفع، لكنه حذَّر من صعوبة تتبع حركة الغاز بدقة داخل شبكة أوروبا.

وأكد متحدث باسم «سيفي» أنها تستورد الغاز الروسي عبر فرنسا وبلجيكا، بينما أوضحت وزارة الاقتصاد الألمانية أن الشركة ملتزمة بعقد طويل الأمد مع مصنع «يامال» وفق شروط «خذ أو ادفع»، ما يعني دفع ثمن الكميات المتفق عليها حتى لو لم يتم تسلُّمها فعلياً، وهو دعم مزدوج للاقتصاد الروسي.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.