لوكورنو يعرض نتيجة مشاوراته على ماكرون وحل البرلمان لم يخرج من المعادلة

فرضية تعيين رئيس حكومة ينتمي إلى اليسار تتقدم على ما سواها في فرنسا

فابيان روسيل متجهاً إلى مقر رئاسة الحكومة للقاء رئيسها المستقيل سيباستيان لو كورنو (رويترز)
فابيان روسيل متجهاً إلى مقر رئاسة الحكومة للقاء رئيسها المستقيل سيباستيان لو كورنو (رويترز)
TT

لوكورنو يعرض نتيجة مشاوراته على ماكرون وحل البرلمان لم يخرج من المعادلة

فابيان روسيل متجهاً إلى مقر رئاسة الحكومة للقاء رئيسها المستقيل سيباستيان لو كورنو (رويترز)
فابيان روسيل متجهاً إلى مقر رئاسة الحكومة للقاء رئيسها المستقيل سيباستيان لو كورنو (رويترز)

في ظل المشهد السوداوي الذي يُطبق على الرئيس الفرنسي الصامت منذ أن انفجرت الأزمة الحكومية غير المسبوقة التي شهدت استقالة سيباستيان لوكورنو وحكومته بعد 14 ساعة فقط من صدور مراسيمها، عن رئاسة الجمهورية، وفيما الأخبار والمواقف المحبطة لإيمانويل ماكرون تتراكم يوماً بعد يوم، جاءه، الأربعاء، خبر سعيد مصدره الجمعية الوطنية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو في 13 يوليو الماضي بمناسبة العيد الوطني الفرنسي (أ.ب)

ففي الصباح، التأم مكتب المجلس المشكل من عشرين نائباً، والذي يعد بمثابة هيئته التنفيذية العليا للنظر بطلب 104 من النواب اليساريين الموافقة على النظر في طلب إقالة ماكرون. وكانت النتيجة أن الطلب رفض؛ إذ صوت ضده عشرة من أعضائه ينتمون إلى الوسط واليمين، وأيده النواب الخمسة اليساريون فيما امتنع نواب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الخمسة عن التصويت.

وبذلك يكون طلب إسقاط ماكرون في البرلمان قد تم دفنه نهائياً في مراحله الأولى. وسارعت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة حزب «فرنسا الأبية» الذي أطلق المبادرة إلى القول إن «التجمع الوطني وكالعادة هو من أنقذ ماكرون من السقوط».

رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا يتحدث مع وسائل الإعلام في أثناء مغادرته مقر الحزب بعد اجتماع في باريس 6 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

عزلة ماكرون

بيد أن هذا التطور الإيجابي لا يعني أن أزمة ماكرون قد انتهت، أو أن المطالبة باستقالته قد طويت صفحتها. فالرئيس الفرنسي يعيش في عزلة لم يسبق له أن عانى مثيلاً لها منذ وصوله إلى الإليزيه في عام 2017، وسببها التفكك الذي أصاب «الكتلة المركزية» الداعمة له والمشكّلة من أحزاب الوسط الثلاثة ومن حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل.

مؤسس حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي جان لوك ميلانشون خلال مؤتمر صحافي في مقر الحزب في باريس 6 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزبه الخاص «النهضة»، لم يعد يتردد في استهدافه مباشرة؛ إذ أعلن، الاثنين، أنه «لم يعد يفهم قرارات ماكرون». أما أدوار فيليب، رئيس أول حكوماته، فقد دعاه علانية إلى تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة تاركاً له فرصة تحديد موعدها من أجل الخروج من الأزمة التي تضرب فرنسا. وبنظره، فإن الانتخابات الرئاسية كفيلة وحدها بإخراج البلاد من تخبطها وإعادتها إلى الطريق السوي.

وفي السياق عينه، ما زال زعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون يعد من أشد الراغبين في إزاحة ماكرون من الإليزيه. وبعد أن كانت مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» تدعو «فقط» إلى حل المجلس النيابي، والدعوة إلى انتخابات تشريعية، فإنها انضمت، الأربعاء، إلى جوقة المطالبين برحيل ماكرون. وفي مطلق الأحوال، فإن الأخير مصرّ وعازم على البقاء في منصبه «حتى الربع الساعة الأخير» كما أكد ذلك مراراً، ما يقطع الطريق نهائياً على الراغبين في إنزاله عنوة عن كرسي الرئاسة.

الأمين العام لحزب «النهضة» الفرنسي الوسطي غابرييل أتال (رئيس حكومة سابق) خلال مقابلة تلفزيونية خارج باريس 6 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

الفرصة الأخيرة

منذ أن أعلن لوكورنو استقالته، صباح الاثنين، تشهد فرنسا حراكاً سياسياً محموماً للنظر في المخارج الممكنة من الأزمة. ولأن ماكرون كلفه، لاحقاً، بالقيام بجولة أخيرة من المشاورات للنظر في إمكانية توفير «قاعدة عمل» تلتف حولها بعض الأحزاب لتشكيل حكومة جديدة تكون أولى مهماتها إصدار ميزانية فرنسا لعام 2026، فقد عمد رئيس الحكومة المستقيل إلى جولة موسعة من المشاورات رفض حزبا «التجمع الوطني» و«فرنسا الأبية» المشاركة فيها.

وصباح الأربعاء، وفي إعلان للصحافة، اعتبر لوكورنو بعد اليوم الأول من لقاءاته مع قادة «الكتلة المركزية»، أن «جميع المشاورات... تظهر أن هناك رغبة في إقرار الميزانية قبل 31 ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام. هذه الرغبة تخلق تقارباً يبعد احتمالات حل «مجلس النواب». وجديده في هذا الخصوص قبوله أن تكون الميزانية المقبلة أقل تقشفاً؛ بمعنى أن خفض النفقات العامة لن يتعدى الـ11 مليار يورو فيما ميزانية سلفه فرنسوا بايرو كانت تقدره بـ22.5 مليار يورو.

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف تدعو إلى انتخابات تشريعية مبكرة (أ.ف.ب)

يبدو أن الأمور بدأت تتحرك. وقبل لوكورنو، قالت إليزابيث بورن، وزيرة التربية والتعليم في الحكومة المستقيلة، إنها لا تعارض «تجميد» قانون التقاعد الذي أقر بينما كانت تشغل منصب رئيسة الحكومة. لكن حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، وكذلك حزب «هورايزون» المتموضع يمين الوسط، والذي يرأسه إدوار فيليب، سارعا إلى رفض تجميد العمل بالقانون المذكور الذي أثار حفيظة النقابات مجتمعة، وعاصفة من المظاهرات والاحتجاجات طيلة أشهر طويلة قبل إقراره في عام 2023؛ لأنه مدد سن التقاعد إلى 64 عاماً «بدل 62 عاماً».

فرضية حكومة برئاسة شخصية يسارية

ويشكل رئيس الحكومة السابق انفتاحاً على اليسار وتحديداً على الحزب الاشتراكي، ما جعل المحللين يرون فيه احتمال أن يكلف ماكرون شخصية يسارية بتشكيل الحكومة. وجاء تصريح مارين توندوليه، أمينة عام «حزب الخضر» بعد لقائها كورنو، الأربعاء، ليعزز هذه الفرضية؛ إذ أعلنت ما حرفيته: «لم نكن أبداً قريبين إلى هذا الحد من تعيين رئيس حكومة يساري»، مضيفة أن إعادة تعيين شخصية من «المعسكر الرئاسي سيكون بمثابة استفزاز إضافي».

غير أن أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، بدا متحفظاً؛ إذ قال إنه «ليس لديه تأكيدات بشأن جدية تعليق العمل بقانون التقاعد» الذي عدّه الاشتراكيون، ومعهم بقية اليسار، شرطاً لا بد من توافره لمنع إسقاط أي حكومة في البرلمان بالتوازي مع شرط فرض ضريبة مرتفعة على كبريات الثروات والشركات.

أوليفيه فور أمين عام الحزب الاشتراكي الراغب في تسميته رئيساً للحكومة الجديدة متحدثاً للصحافة بعد اجتماعه مع لوكورنو (إ.ب.أ)

ورغم ذلك، لم يتردد أمين عام الحزب الاشتراكي في إعلان أنه إذا تولى اليسار الحكم، فإنه «لا يمانع في بقاء جان نويل بارو في الخارجية وسيباستيان لوكورنو، في وزارة الدفاع»، باعتبار أن الخارجية والدفاع من صلاحيات رئيس الجمهورية.

تشظي اليسار

ثمة مشكلة أخرى تواجه اليسار بكليته وعنوانها انقساماته العميقة. فقد سارع ميلونشون في تغريدة، الأربعاء، على منصة «إكس» إلى مهاجمة الاشتراكيين وأمينهم العام قائلاً إنه «لمن المذهل أن ينضم أوليفيه فور إلى محاولة» إنقاذ «نظام ماكرون».

وقالت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة الحزب النيابية: «لن ننخرط أبداً في عملية إنقاذ الماكرونية»، مضيفة أنه «لا يمكن القبول بأي شيء من أجل الوصول إلى رئاسة الحكومة»، مشيرة بذلك إلى إعلان أوليفه فور استعداده لترؤس الحكومة العتيدة.

مارين توندوليه أمينة عام حزب «الخضر» (يسار) متحدثة للصحافة بعد اجتماعها مع رئيس الحكومة المستقيل سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)

لكن بانو أفادت لاحقاً بأنها «لم تقل أبداً أن حزبها سيحجب الثقة عن حكومة مشكلة فقط من الاشتراكيين والشيوعيين والخضر». والحال، أن حكومة كهذه ستسقط منذ اليوم الأول بسبب رفض اليمين المتطرف واليمين التقليدي لها. وكانت مارين لوبن بالغة الوضوح في قولها، الأربعاء، إن نوابها «سيحجبون الثقة عن أي حكومة تتشكل»، وإن هدفها الأول والوحيد هو حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

حقيقة الأمر أن ماكرون الذي يرفع سيف حل البرلمان فوق رؤوس الأحزاب، لن يغامر بقيام حكومة لا تحظى بثقة مجلس النواب. فسقوط ثلاث حكومات «بارنيه وبايرو ولوكورنو» في عام ونصف عام أدخل البلاد في نفق مظلم انعكست تداعياته على صورة فرنسا ودورها الأوروبي والعالمي، كما على اقتصادها وماليتها.

كذلك يتساءل كثيرون عن «الانسجام السياسي والآيديولوجي» لرئيس الجمهورية المتحالف مع اليمين منذ انتخابات العام الماضي، وها هو يستدير للتحالف مع اليسار.

وفي أي حال، فإن سيناريو اليسار لن ينجح إذا لم تتقبله أحزاب الوسط الثلاثة الداعمة لـ ماكرون «النهضة والحركة الديمقراطية وهورايزون». فالجمع بين النواب الاشتراكيين والشيوعيين والخضر، إضافة إلى الكتلة الوسطية، سيوفر «نظرياً» لحكومة يرأسها اشتراكي؛ إن كان أوليفيه فور أو برنار كازنوف (كان آخر رئيس حكومة في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند) أكثرية نسبية تدور حول 252 نائباً، بينما الأكثرية المطلقة تفترض توافر 289 نائباً.

وإذا كان القانون المعمول به لا يفرض على رئيس الحكومة طلب نيل الثقة، فإن المعارضة ستتحين أول فرصة ليأتي الطلب من جانبها، وبالتالي إسقاط الحكومة.

كل ما سبق يندرج في باب التوقعات. فالكلمة الأخيرة ستكون للرئيس ماكرون الذي كان من المفترض أن يستقبل لوكورنو، مساء الأربعاء، لينقل له نتيجة مشاوراته. بيد أن الثابت أن الوضع السياسي الفرنسي أصبح بالغ التعقيد، وما يفاقم صعوباته طموحات الراغبين بالوصول إلى رئاسة الجمهورية وحساباتهم المرتهنة بالدرجة الأولى لهذا الاستحقاق.


مقالات ذات صلة

الضغوط الأميركية تضعف قدرة «التنسيقي» على التمسك بالمالكي

المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)

الضغوط الأميركية تضعف قدرة «التنسيقي» على التمسك بالمالكي

تتزايد الشكوك حول قدرة «الإطار التنسيقي» على التمسك أكثر بترشيح زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ ترمب يلقي خطاباً أمام البحرية الأميركية برفقة رئيسة وزراء اليابان تاكايتشي في يوكوسوكا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترمب يعبر عن دعمه لرئيسة وزراء اليابان قبل انتخابات الأحد

كتب ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشال أمس الخميس «رئيسة الوزراء تاكايتشي شخصية تستحق تقديرا كبيرا للعمل الذي تقوم به هي وائتلافها».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ب)

البيت الأبيض: لا «خطط رسمية» لنشر «إدارة الهجرة» في مراكز الاقتراع

قال البيت الأبيض يوم الخميس إن الرئيس دونالد ترمب لم يناقش «خططا رسمية» لنشر عناصر من إدارة الهجرة والجمارك في مراكز الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم (رويترز)

قرار المحكمة العليا يشعل «حرب الخرائط» ويقرّب معركة 2026 من البيت الأبيض

التصعيد بدأ عندما دفعت قيادة جمهورية في تكساس، بدعم من ترمب، نحو خريطة قد تمنح الحزب مكسباً في عدد المقاعد.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يلتقي رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في أربيل 2 فبراير 2026 (رويترز)

خلافات مركبة تؤخر تشكيل الحكومتين في بغداد وأربيل

أعرب الزعيم الكردي مسعود بارزاني، الخميس، عن أسفه لعدم التوصل إلى تشكيل كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد، عازياً ذلك إلى «مشكلات كبيرة».

حمزة مصطفى (بغداد)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)
TT

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

ذكرت صحيفة «كوميرسانت» الروسية، اليوم (السبت)، أن اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً».

وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مصدر مطلع على التحقيق، أن المشتبه بهما سيُوجَّه إليهما الاتهام بعد الاستجواب، دون أن تؤكد ما إذا كانا قد اعتقلا أم لا. ولم تعلن روسيا رسمياً عن اعتقال المشتبه بهما.

كان أليكسييف، وهو نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية، قد أصيب برصاصة في المبنى الذي يسكن فيه بموسكو، ونقل على الفور إلى المستشفى أمس الجمعة، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأفادت «كوميرسانت» بأن أليكسييف خضع لعملية جراحية ناجحة واستعاد وعيه اليوم، لكنه لا يزال تحت الملاحظة الطبية.

وقال محققون روس أمس (الجمعة) إن مسلحاً مجهولاً أطلق عدة رصاصات على أليكسييف قبل أن يفر من المكان.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال، دون تقديم أي دليل، إنها تهدف إلى تخريب محادثات السلام. ونفت أوكرانيا أي صلة لها بإطلاق النار.

فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أليكسييف البالغ من العمر 64 عاماً على خلفية اختراق إلكتروني روسي للانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016.

وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه على خلفية تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته بمدينة سالزبوري الإنجليزية في 2018.


ضغوط على جاك لانغ للاستقالة من رئاسة «معهد العالم العربي» بعد ربطه بملفات إبستين

رئيس «معهد العالم العربي» في باريس جاك لانغ (أ.ف.ب)
رئيس «معهد العالم العربي» في باريس جاك لانغ (أ.ف.ب)
TT

ضغوط على جاك لانغ للاستقالة من رئاسة «معهد العالم العربي» بعد ربطه بملفات إبستين

رئيس «معهد العالم العربي» في باريس جاك لانغ (أ.ف.ب)
رئيس «معهد العالم العربي» في باريس جاك لانغ (أ.ف.ب)

تتصاعد الضغوط على الوزير الفرنسي السابق، جاك لانغ، للاستقالة من رئاسة «معهد العالم العربي» في باريس، مع استدعائه إلى وزارة الخارجية الفرنسية، وفتح النيابة العامة الوطنية المالية تحقيقاً في حقه وحق ابنته على خلفية صلاتهما بالخبير المالي الأميركي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، لا سيما بحقِّ فتيات قاصرات.

ولم تستبعد السلطات الفرنسية أي خيار بشأن تفويض لانغ، وزير الثقافة السابق الاشتراكي، على رأس المعهد الثقافي المرموق.

وقال وزير الخارجية جان نويل بارو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة لأربيل في كردستان العراق، إنه «تم استدعاؤه إلى وزارة الخارجية»، المموِّل الرئيسي لمعهد العالم العربي، و«سيتم استقباله الأحد».

ولم يعلّق لانغ (86 عاماً) على المسألة رداً على طلب من الوكالة، واستبعد إلى الآن التنحي عن منصبه. وأفاد مقربون منه بأنه حالياً في مراكش، وهو «مصدوم ومنهك».

وفي بيروت، المحطة التالية من جولته، قال بارو: «الأولوية بالطبع لضمان حُسن عمل معهد العالم العربي، واستمراريته، ونزاهته»، مشيراً إلى أن «العناصر الأولى المستخلَصة من هذه الملفات غير مسبوقة وبالغة الخطورة... وتتطلب تحقيقاً صارماً ومعمقاً». وأضاف: «أحتفظ بكل الخيارات فيما يتعلق بمواصلة تفويضه».

وتقدِّم الوزارة مساعدةً سنويةً للمعهد مقدارها 12.3 مليون يورو، تمثل نصف ميزانيته.

دعوات إلى الاستقالة

وازدادت الدعوات إلى استقالة لانغ، المعروف بإطلاقه «عيد الموسيقى»، الذي انتشر عبر العالم، بعد كشف أمر علاقة بينه وبين إبستين عند نشر وزارة العدل الأميركية في 30 يناير (كانون الثاني) ملايين الوثائق المتعلقة بالمدان الجنسي الراحل.

وقال المحامي لوران ميرليه وكيل لانغ: «من الطبيعي أن تطلب السلطة الوصيّة توضيحات من شخص وُجِّهت إليه اتهامات، من غير أن تكتفي بما يمكنها قراءته على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام... المطلوب معرفة موقفه».

ونفى في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن تكون وثائق إبستين تثبت وجود «علاقة صداقة وثيقة» بينهما.

واستبعد لانغ بصورة قاطعة، الأربعاء، الاستقالة، مشيراً إلى «سذاجته» لتبرير علاقاته السابقة مع إبستين الذي عُثر عليه مشنوقاً في زنزانته في نيويورك عام 2019 بينما كان ينتظر محاكمته.

وبعدما أعلن الاثنين أنه يقرّ «تماماً بعلاقاته» الماضية مع المدان الجنسي، أكد الأربعاء أنه كان يجهل ماضيه الإجرامي عندما التقاه «قبل نحو 15 سنة» بواسطة المخرج الأميركي وودي آلن.

ولم توجَّه أي تهمة إلى جاك لانغ، لكنّ ورود اسمه 673 مرة في الوثاق المكشوفة وارتباطه بإبستين، طالَ سمعته وسمعة ابنته كارولين.

جاك لانغ وجيفري إبستين في باحة متحف اللوفر بباريس بتاريخ غير محدّد (أ.ف.ب)

واستقالت كارولين لانغ، الاثنين، من رئاسة نقابة لمنتجي السينما بعدما عُرف أنها أسَّست شركة «أوفشور» مع رجل الأعمال الأميركي عام 2016.

وقالت مساء الخميس متحدثة لشبكة «بي إف إم تي في» التلفزيونية: «كان صديقاً، لم يكن صديقاً مقرباً. لم يكن إطلاقاً في دائرتي الضيقة من الأصدقاء»، مضيفة: «كيف كان من الممكن أن نتصوَّر مثل هذه الفظاعات؟ لم يكن بإمكاني أن أعرف، ولا والدي».

وأفادت النيابة العامة الوطنية المالية المكلفة بمكافحة التهرب الضريبي، مساء الجمعة، بأنها فتحت تحقيقاً أولياً في قضية «تبييض تهرب ضريبي مشدّد» تتعلّق بـ«وقائع كشفها موقع ميديابارت بشأن كارولين وجاك لانغ» وروابطهما المالية المفترضة مع إبستين.

وتضمَّنت الوثائق المنشورة في الولايات المتحدة مراسلات عدة، توضِّح العلاقة بين الرجلين. وكتب رجل الأعمال إتيان بينان، أحد رعاة «معهد العالم العربي»، لإبستين عام 2017 أن جاك لانغ «أصرّ شخصياً على أن تحضر إلى عيد ميلاده... هذا مخصص للدائرة الحميمة فقط، هو لا يوجه هذا النوع من الدعوات بخفّة».

وبحسب الوثائق، كتب جاك لانغ بنفسه عام 2017: «عزيزي جيفري... سخاؤك لا حدود له. هل يمكنني الاستفادة منه مجدداً؟»، قبل أن يطلب من الملياردير أن يقله في السيارة إلى حفلة كان يقيمها رجل الأعمال الآغا خان خارج باريس.

و«معهد العالم العربي» مؤسسة تخضع للقانون الخاص، أُسِّست عام 1980 وعُيِّن جاك لانغ رئيساً لها منذ عام 2013، مع تجديد ولايته 4 مرات.

واقترحت السلطات الفرنسية لانغ لهذا المنصب، لكن مجلس إدارة المعهد المؤلف بالتساوي من سفراء دول عربية وشخصيات تختارها وزارة الخارجية، هو الذي عيَّنه رسمياً وجدَّد ولايته على رأس المعهد.


الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)
TT

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

بقي ملفا بدء مفاوضات تحديث الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتسهيل حصول الأتراك على تأشيرة دخول دوله (شنغن) يراوحان مكانهما، في حين اتفق الجانبان على استئناف بنك الاستثمار الأوروبي أنشطته التي علقت عام 2019 تدريجياً.

وفي زيارة لتركيا في فترة تتسم بالصراعات الإقليمية وازدياد المخاوف الأمنية، نقلت مفوضة الاتحاد الأوروبي ​لشؤون التوسع، مارتا كوس، رسالة مفادها «ضرورة تبني منظور جديد في العلاقات التركية - الأوروبية»، دون تعهدات واضحة بشأن ملف مفاوضات الانضمام إلى عضوية الاتحاد، التي أكد الجانب التركي أنها هدف استراتيجي لأنقرة.

وعقدت مارتا كوس سلسلة لقاءات، منذ الصباح وحتى مساء الجمعة، شملت مباحثات مع وزير الخارجية هاكان فيدان، واجتماعاً موسعاً مع نائب الرئيس جودت يلماظ، بحضور وزير التجارة عمر بولاط، ومباحثات مع وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك.

قضايا معلقة

ولم يعقد فيدان وكوس مؤتمراً صحافياً، بل أصدرا بياناً مشتركاً ذكرا فيه أنهما تبادلا التعبير عن الرغبة في مواصلة العمل، وتمهيد الطريق ‌لتحديث ‌اتفاقية الاتحاد ‌الجمركي ⁠بين ​الاتحاد ‌الأوروبي وتركيا، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1996 والتي تطالب تركيا بتحديثها بشكل عاجل، ودعم تنفيذ التحديث وتحقيق كامل إمكاناته من أجل دعم القدرة ​التنافسية والأمن الاقتصادي والصمود لكلا الجانبين.

تركيا تطالب بتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي الموقعة عام 1995 بشكل عاجل (إعلام تركي)

ورحَّب الجانبان ⁠بالاستئناف التدريجي لعمليات البنك الأوروبي للاستثمار في تركيا، وعبَّرا عن عزمهما دعم المشروعات في أنحاء البلاد والمناطق المجاورة، بالتعاون مع البنك.

وتُطبَّق اتفاقية الاتحاد الجمركي على المنتجات الصناعية، دون المنتجات الزراعية التقليدية، وفي حال تمّ تحديثها فإنها ستشمل المنتجات الزراعية والخدمية والصناعية وقطاع المشتريات العامة، وستحول دون تضرر تركيا من اتفاقات التجارة الحرة التي يبرمها الاتحاد الأوروبي مع الدول الأخرى.

ودعا كل من الحكومة وقطاع الأعمال إلى بدء المفاوضات بشأن هذه المسألة في أقرب وقت ممكن من خلال رسائل موجهة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يعد أكبر شريك تجاري لتركيا، بحجم تبادل نحو 220 مليار دولار، بينما تعد تركيا خامس أكبر شريك له.

تُعدّ المشكلات التي يواجهها المواطنون الأتراك في التقدم بطلبات الحصول على تأشيرة «شنغن» من أكثر القضايا إثارةً للجدل في العلاقات التركية - الأوروبية مؤخراً.

وبينما لم تقدم كوس أي تعهد في هذا الشأن، أشار البيان المشترك، إلى أهمية تعزيز حوار تحرير التأشيرات، والتعاون في مجالَي الأمن والهجرة من خلال آلية الحوار رفيعة المستوى المُنشأة بشأن هذه القضايا.

التطورات العالمية والإقليمية

وبحسب البيان، ناقش فيدان وكوس التطورات العالمية والإقليمية، ومستقبل العلاقات التركية - الأوروبية، في ضوئها، بالتفصيل. وأكدا أهمية التنسيق الوثيق لصياغة أجندة إقليمية للترابط تشمل الطاقة والنقل والتحول الرقمي والتجارة؛ بهدف المساهمة في الاستقرار والمرونة والنمو المستدام في البحر الأسود وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

جانب من مباحثات فيدان وكوس (الخارجية التركية - «إكس»)

ولفت إلى أن تركيا والاتحاد الأوروبي يتشاركان الرؤية نفسها، لا سيما فيما يتعلق بأمن البحر الأسود، وأن بروكسل ترغب في أن تضطلع تركيا بدور فاعل في هذا الشأن.

وسبق أن أكدت تركيا استعدادها لتولي زمام المبادرة في ضمان أمن الملاحة بالبحر الأسود في حال انتهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

ولم تحظَ قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في تركيا باهتمام كبير خلال زيارة كوس، واكتفى البيان المشترك بالإشارة إلى أن كوس ذكّرت بأن الحوار حول سيادة القانون والمعايير الديمقراطية جزء لا يتجزأ من العلاقات التركية - الأوروبية. وانتقدت المعارضة التركية زيارة كوس لخلوها من أي لقاء مع أحزابها.

وكان التقرير السنوي للمفوضية الأوروبية حول تركيا لعام 2025 أكد أنها تبتعد، أكثر فأكثر، عن استيفاء معايير كوبنهاغن اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأن احتمالية حصولها على العضوية الكاملة باتت أكثر صعوبة.

هدف استراتيجي

وقال نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، عقب المباحثات مع كوس، إن بناء علاقات قوية بين تركيا والاتحاد الأوروبي ممكن على أساس «المساواة والكفاءة والشمولية».

وأضاف عبر حسابه في «إكس» أن «المساعي لاتخاذ خطوات ملموسة بشأن مسار العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، وتحديث الاتحاد الجمركي، وتحرير التأشيرات، وإعادة تنشيط آليات الحوار رفيع المستوى، ذات أهمية حيوية بالنسبة لعلاقات تركيا والاتحاد الأوروبي التي لا يمكن حصرها في عناوين ضيقة».

بدوره، أكد وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك، أن العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي لا تزال هدفاً استراتيجياً لأنقرة، قائلاً: «إننا ننظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكاً استراتيجياً اقتصادياً وسياسياً، ونحتاج إلى إعادة بناء علاقة متينة من أجل أمننا وازدهارنا المشترك».

وأضاف شيمشك، في مؤتمر صحافي مشترك مع كوس عقب مباحثاتهما في أنقرة، أن «تركيا تحترم جهود الاتحاد الأوروبي للتوسُّع في أميركا اللاتينية والهند، لكن تجاهل التكامل الأعمق مع خامس أكبر شريك تجاري له (تركيا) لا يبدو منطقياً، لذا، ينبغي إعطاء الأولوية لتحديث الاتحاد الجمركي على أساس المنفعة المتبادلة».

شيمشك وكوس خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثاتهما في أنقرة الجمعة (إعلام تركي)

وجعل إبرام الاتحاد الأوروبي اتفاقات التجارة الحرة مع الهند والسوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) في يناير (كانون الثاني) الماضي، وخطواته المخطط لها في هذا الاتجاه مع دول أخرى، لا سيما في آسيا، من تحديث الاتحاد الجمركي مسألة أكثر إلحاحاً بالنسبة لتركيا.

وقالت كوس: «هناك كثير من النقاط التي تربط تركيا بالاتحاد الأوروبي، وخلال هذه الفترة التي بات فيها العالم أكثر اضطراباً، تحتاج تركيا والاتحاد الأوروبي إلى منظور جديد لتنظيم علاقاتهما».

وذكرت أن مشروعات بنك الاستثمار الأوروبي الجديدة في تركيا تبلغ قيمتها 200 مليون يورو، وتركز على تمويل الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتسهم في مكافحة تغير المناخ، بما يُسهم بدوره في تحقيق أهداف «مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ».